أثر الاستشراق في كتابات الدكتور عبد الله العروي

0
أثر الاستشراق في كتابات  د.عبد الله العروي

كما انخدع بعض المثقفين في المشرق الإسلامي بنظريات وآراء المستشرقين في كتابهم وأطروحاتهم، انخدع بذلك أيضا بعض نظرائهم في المغرب،

الوجدان في لغة الرقائق

0



الوجدان في لغة الرقائق

1. مدخل عام

1.1. الرقائق : تمهيد لغوي واصطلاحي.

جاء في لسان العرب لابن منظور، الرقيق نقيض الغليظ والثخين، والرقة ضد الغلظ. واستعمل أبو حنيفة الرقة في الأرض فقال: أرض رقيقة وعيش رقيق الحواشي: ناعم

الهجرة إلى أوربا أو الخيال الذي أعدم

0
الهجرة إلى أوربا أو الخيال الذي أعدم

تأملت حياتك فوجدتها مليئة بالأتعاب، والشقاء، وآلام الغربة، والضغوط النفسية، والاجتماعية. لا شك أنك حزين كئيب....

الاستغراب في الكتاب المدرسي المغربي

0
د.عبد الله الشارف

- مادة اللغة الفرنسية: استغراب على مستوى الأخلاق والعادات
1-1- الفساد الخلقي والاجتماعي

إشكالية العلم الوهبي أو اللدني

0
إشكالية العلم الوهبي أو اللدني

د. عبد الله الشارف

...وأختم هذه الجولة بشرح وارد أخير، وهو وارد متعلق بمفهوم العلم :

" شرف العلم على قدر معلومه والعلم علمان علم تطلبه وعلم يطلبك

مقدمة حول تجربتي الصوفية

0
مقدمة حول تجربتي الصوفية

د. عبد الله الشارف

إن اجتياز الفاصل العظيم أو الهوة السحيقة بين المحدود واللامحدود، بين الله والإنسان، أمر مستحيل على الصعيد المنطقي والفيزيائي، إلا أنه قد يبدو ممكنا عن طريق الشعور والوجدان،

واردات وخواطر إيمانية بعد توبتي ومفارقتي للتصوف

0
واردات وخواطر إيمانية بعد توبتي ومفارقتي للتصوف

د. عبد الله الشارف

...وبعد هذا الكلام، قد يقول قائل : لولا تلك الحياة الصوفية التي كنت تحياها، ومحبتك للتصوف وأهله، واستلهامك لتراثهم، لما فتح الله عليك بهذه الواردات ولما سطرت منها شيئا

الزمن والوقت من منظور إيماني وذوقي

0
الزمن والوقت من منظور إيماني وذوقي

د. عبد الله الشارف

...ولمزيد من التوضيح في العلاقة بين الذوق الإيماني والمعرفة، سأحاول بإذن الله شرح نماذج من الواردات والخواطر وتحليلها، مستهلا بثلاثة واردات  متعلقة بمفهوم الوقت:

باقة من الخواطر الإيمانية

0
بسم الله الرحمن الرحيم        تطوان، 27 ربيع الأول 1429ه

حضرة الأخ العزيز الدكتور حسن عبد الكريم الوراكلي؛

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد،

هذه باقة من الخواطر والمناجاة جاشت معانيها في صدري، وقذف بأسرارها في قلبي، وأنا أقوم بمناسك الحج، متفيئا ظلاله، مرتويا من عيون المنن الإلهية،

جامعة القرويين وتحديات الحاضر والمستقبل

0
بسم الله الرحمن الرحيم               تطوان 20 ماي 2011

المنتدى الوطني للجامعات المغربية

الدورة التاسعة، كلية العلوم، تطوان.

جامعة القرويين وتحديات الحاضر والمستقبل

د.عبد الله الشارف

كلية أصول الدين تطوان المغرب

1- تمهيد:

إن الحديث عن جامعة القرويين حديث عن معلمة دينية، وحضارية، وثقافية، أصلها ثابت وفرعها في السماء. مثلها كمثل الكلمة الطيبة، تلك الكلمة التي

تقليد الأدب الجنسي عند الروائي الفرنكوفوني المغربي الطاهر بن جلون

0
تقليد الأدب الجنسي الساقط عند الروائي الفرنكوفوني المغربي الطاهر بن جلون

د.عبد الله الشارف

لا تكاد تخلو رواية واحدة للكاتب الطاهر بن جلون من الصور والمشاهد الجنسية، أو الكلام الفاحش، لدرجة تحس معها

الاستغراب في مناهج العلوم الاجتماعية

0
"أثر الاستغراب في مناهج العلوم الاجتماعية"

1- تمهيد

لقد كان الاستعمار السياسي والعسكري للبلاد الإسلامية، عاملا في تحريك عجلة الاستغراب والدفع بها إلى الأمام. فما أن انتصف القرن التاسع عشر الميلادي، حتى

أثر الفلسفة في بناء مناهج العلوم الإنسانية: الأنتربولوجيا البنيوية نموذجا

0
مدخل

لا أحد يشك في أن العلوم الإنسانية في الغرب المعاصر تعاني مشاكل حادة، سواء على مستوى المنهج أو فيما يتعلق بالبناء النظري. ويرى كثير من الباحثين المتخصصين أن هذه المشاكل المنهجية والنظرية مرتبطة بطبيعة موضوع العلوم الإنسانية من جهة، وبالمؤثرات الفلسفية والإيديولوجية التي رافقت تلك العلوم في تطورها ومسيرتها التاريخية.

ثم إن هذه الفلسفات والإيديولوجيات التي صبغت العلوم الإنسانية بصبغتها، تمثل النتاج الفكري والفلسفي الذي تمخض عن قرون من الصراع بين الفكر اللاهوتي الكنسي والفكر المتحرر، الذي عرف عند مفكري وفلاسفة عصري النهضة والتنوير.

ولما دخل القرن الثامن عشر الميلادي، كانت الثقافة الأوربية قد قطعت أعظم الأشواط في التحرر من هيمنة الفكر اللاهوتي الكنسي. ورفع فلاسفة التنوير شعار العقل، وآمنوا بقدرته على فهم الكون وتسخيره للإنسان، كما أخضعوا المعارف والعلوم للدراسة العقلية المتسلحة بالنقد والتحليل.

ومع نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، بزغت العلمانية كمذهب قوي في وجه الكنيسة الكاثوليكية المثخنة بالضربات، والانتقادات الفلسفية والعلمية. كما توج هذا الوضع بأكبر ثورة اجتماعية وثقافية في تاريخ الغرب؛ وهي الثورة الفرنسية، تلك الثورة التي شكلت أعظم سند لقيام المنهج الوضعي، وذلك على يد الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي أوجست كونت، في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي. وهكذا قامت الفلسفة الوضعية في وجه كل تفكير يخرج عن دائرة الحس، سواء كان تفكيرا دينيا، أم فلسفيا، أم عقليا.

يقول أوجست كونت: "إننا ما دمنا نفكر بمنطق وضعي في مادة علم الفلك أو الفيزياء، لم يعد بإمكاننا أن نفكر بطريقة مغايرة في مادة السياسة أو الدين. فالمنهج الوضعي الذي نجح في العلوم الطبيعية غير العضوية، يجب أن يمتد إلى كل أبعاد التفكير"[2].

لكن يواجه من يتصدى لدراسة منهج العلوم الإنسانية، بعدم اتفاق العلماء وفلاسفة العلم فيما بينهم بشأنه. وقد ظهر هذا الخلاف واضحا منذ النشأة الحديثة للعلوم الإنسانية أو الاجتماعية الغربية.

"فنجد من جهة من ينادي بوحدة المنهج بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية. حيث يرى أصحاب هذا الاتجاه أن العلوم الطبيعية قد وصلت إلى درجة من التقدم، مما يجعل مناهجها تقدم مثالا جديرا بالاحتذاء والتطبيق في المجال الإنساني. فالإنسان، في رأيهم، ليس إلا جزءا من العالم الطبيعي... و لا مندوحة لمادة العلاقات الإنسانية، إذا أريد لها أن تكون علما، عن السير في نفس الطريق المنطقي الذي تسير فيه بقية العلوم الطبيعية".[3]

وهناك الرافضون لفكرة الوحدة المنهجية بين علوم طبيعية وعلوم إنسانية، وللرأي القائل بأن العلوم الطبيعية هي المثل الأعلى للفهم العقلي للواقع. ويذهب هؤلاء الرافضون إلى أنه: " بينما تتعامل العلوم الطبيعية مع علاقات ثابتة وموضوعات مادية قابلة للقياس وتخضع للتجارب، فإن العلوم الإنسانية تفقد التجارب والقياس وتتعامل مع موضوعات معنوية ونفسية تند عن الثبات. من الخطأ إذا، في رأي أصحاب هذا الاتجاه، تطبيق المناهج التي ثبت نجاحها في العلوم الطبيعية على العلوم الإنسانية، لأن هذا سوف يؤدي إلى خلط كبير، بل هو السبب في تخلف العلوم الإنسانية. فالوحدة المنهجية في رأيهم مرفوضة لأنها تقوم على افتراض غير مؤكد، فحواه أن الطرق المستخدمة من قبل العلماء الطبيعيين هي وحدها المتصفة بالعلمية"[4] .

وهكذا إذا كانت القوانين الفيزيائية والبيولوجية والجيولوجية صالحة في كل زمان ومكان لكون العالم الطبيعي يحكمه نسق من الاطرادات الثابتة، فإن القوانين الإنسانية لا تخضع للنسق نفسه، لأنها تختلف باختلاف الزمان والمكان.

"إن البحث العلمي إنما هو مجرد نشاط إنساني متأثر في نشأته وتطوره وفي صورته الحالية، بالظروف التاريخية والاختيارات الثقافية والقيمية الخاصة بالمجتمعات الغربية...وأنه بهذا يحتمل ظهور توجهات أخرى منبثقة من نظرات أخرى للكون والحياة... نظرات قد تتطلب إدخال تعديلات جوهرية على تلك النظرة التقليدية خصوصا عند التعرض بالدراسة للظواهر الإنسانية"[5]

ومن ناحية أخرى، فإن المناهج والدراسات الاجتماعية والتنظيمية لا يمكن فصلها عن الاتجاهات الفلسفية والإيديولوجية التي تسيطر عليها، بل وتؤثر في عملية التنظير العلمي والمنهجي.

"وقد جاءت فلسفة العلوم الإنسانية، أو فلسفة العلوم الاجتماعية (والتسميتان سواء) وليدة اهتمام نشأ لدى الفلاسفة للإجابة على أسئلة يثيرها الواقع الاجتماعي والبحث العلمي، والتي لم تجد إجابات شافية لها من جانب العلماء المتخصصين في تلك العلوم. وموضوع هذا الفرع من الفلسفة هو تلك العلوم، ومهمته هو التحليل النقدي لمناهجها وافتراضاتها ومعطياتها، وذلك بهدف إقامة - إن أمكن – نظرية تحاول أن تجيب على كافة التساؤلات التي يستدعيها الواقع الاجتماعي. فإذا كانت "فلسفة العلم" هي القاعدة التي تقوم عليها العلوم الطبيعية، فلا أقل من أن تكون "فلسفة العلوم الإنسانية" أو "فلسفة العلوم الاجتماعية" هي القاعدة التي تقوم عليها العلوم الإنسانية أو العلوم الاجتماعية."[6]

وتأكيدا على أهمية الفلسفة بالنسبة للعلوم الإنسانية، ذهب الفيلسوف ميرلوبونتي إلى "عدم وجود أي عداوة بين المعرفة العلمية والمعرفة الميتافيزيقية؛ إذ الثانية تضع الأولى أمام المهام المكلفة بها. فالعلم بدون الفلسفة يجهل ما يتحدث عنه، والفلسفة بدون دراسة منهجية للظواهر لن تصل سوى إلى حقائق صورية أو شكلية"[7].

و يقول لوسيان غولدمان: "إن الفلسفة تقدم بالفعل حقائق عن طبيعة الإنسان، وكل محاولة ترمي إلى إقصائها من مجال المعرفة، لا بد وأن تنعكس سلبا على فهم الظواهر الإنسانية. وفي هذه الحالة سيكون لزاما على العلوم الإنسانية أن تصبح فلسفية بالضرورة كي تكون علمية"[8].

ويصعب على من يشتغل بنشأة وتطور العلوم الإنسانية في الغرب، أن يعثر على عالم واحد في هذا الميدان، سواء كان من الرواد الأوائل أم من المعاصرين، لا ينطلق في فرضياته ونظرياته وأبحاثه العلمية، من رؤية فلسفية معينة. فأوجست كونت الذي انتقد التفكير الميتافيزيقي والفلسفي والديني، وكرس جهوده العلمية لبناء الفكر الوضعي وتأسيس الفيزياء الاجتماعية؛ أي علم الاجتماع، هذا الرجل هو الذي ألف كتابه الشهير : "دروس في الفلسفة الوضعية" في عدة مجلدات، وهو الذي قال عنه عالم الاجتماع الفرنسي كاستون بوتول عندما تحدث عن "دين الإنسانية" وعن المعتقد الوضعي الجديد:

"لقد اعتنى كونت في آخر حياته وبشكل دقيق بوصف شعائر دين الإنسانية، وكان يهدف إلى تأسيس نوع من الدين يهتم بتقديس الإنسانية المعتبرة بمثابة "الكائن الأعظم". وقد أجهد نفسه ليجمع في هذه الديانة كل الشعائر الموجودة، ويجعل لها هيئة كهنوتية وسلطة عليا دينية وعلمية وسياسية، يكون من مهامها أن تدير مصير الإنسانية"[9]

ألا يعكس الحديث عن "دين الإنسانية" تصورا فلسفيا معينا ؟؟

ويقتفي إميل دوركايم أثر أستاذه أوجست كونت، إذ يقول في كتابه "التربية الأخلاقية": "إن الشخصية الإنسانية هي الشيء الخليق بالتقديس، وإن لها حق التبجيل الذي كان المؤمنون في كل الأديان يكنونه لإلههم، ولقد عبرنا نحن أنفسنا عن هذه البديهة حين جعلنا من فكرة الإنسانية غاية وأصلا للوطن"[10].

ونجد جورج كورفيتش في بعض كتاباته يعيب على جيل الرواد من علماء الاجتماع تأثرهم بالنزعات الفلسفية[11].

ويشترك كارل ماركس مع أوجست كونت وإميل دوركايم وماكس فيبر في الاهتمام المزدوج بالقضايا الفلسفية التجريدية والواقع العياني للحياة اليومية.

وكما ظهر التأثير الفلسفي في البناء النظري والمنهجي لعلم الاجتماع، تجلى أيضا في علم النفس؛ فالتحليل النفسي عند فرويد مثلا، لم يكن مجرد أسلوب علاجي في مجال الطب النفسي، وإنما هو عبارة عن نظرة شاملة للكون، بمعنى أنه فلسفة لها خصوصياتها المتمثلة في قولها بتصور خاص عن الإنسان والكون والمجتمع والتاريخ والحضارة، ورغم ما لقيت تأملاته وفرضياته من اعتراضات علماء النفس والأطباء في عصره باعتبارها مجرد "نزوة فلسفية" وشطحة من شطحاتها‘ فإن فرويد تمسك برأيه وسار قدما في أبحاثه.

"لقد كان فرويد طبيبا ومعالجا نفسيا، وعالما فسيولوجيا؛ كان فرويد كل هؤلاء معا على حد سواء، ولكنه أيضا كان أكثر من هذا؛ كان فيلسوفا. وقد وقعنا على إشارة إلى هذا في خطاب بعث به إلى أحد أصدقائه في سنة 1896، ذكر فيه: "لم أكتب كتابا أتمنى شيئا أكثر من المعرفة الفلسفية، وأنا الآن في طريقي إلى تحقيق هذه الأمنية بالانتقال من الطب إلى علم النفس".[12]

معنى هذا أن فرويد يعتبر علم النفس فلسفة، وبالتالي فإن التحليل النفسي يكون قد نشأ انطلاقا من مبادئ وتصورات فلسفية.

إن فرويد وجه ضربة قاضية إلى العقلانية من خلال تأكيده أن مجال النشاط الإنساني يكمن في اللاوعي واللاشعور، وفي أعماق جلها ينكشف لعين المراقب، ومن خلال ميله إلى أن فكر الإنسان الواعي لا يسيطر على سلوكه إلا بمقدار يسير. وفي هذا الصدد يقول جورج بوليتزر:

"عندما نريد التنويه بمفكر أو منظر، نقول إنه أحدث ثورة كوبرنيكية ... إن تلامذة فرويد لم يغفلوا عن تقديم مثل هذه التهنئة لأستاذ فيينا ؛ أي فرويد. وتكمن الثورة الكوبرنيكية التي أحدثها فرويد في كونه استبدل علم النفس المتمحور حول الشعور بعلم النفس القائم على محور اللاشعور، وهذا العمل من قبل فرويد يتناغم مع الأطروحات اللاعقلانية، كما يفيد أن اللاعقلاني و اللاشعوري يشكلان قاعدة النفس والحياة".[13]

ومن ناحية أخرى فإن مدرستي الوضعية والإمبيريقية مازالتا إلى الآن توجهان العلوم الاجتماعية وتؤطرانها وتؤثران فيها، فالاتجاه الوضعي الإمبيريقي الجديد يهيمن على تلك العلوم بما يقدمه من مناهج وأدوات البحث الوضعية الإمبيريقية. كما أن هذا الاتجاه حريص على استلهام روح الفلسفة الوضعية، والعمل بتعاليم المؤسس الأول أوجست كونت. وفي وقتنا الراهن فإن نظريات مابعد الحداثة  تستلهم، بطريقة أو أخرى، التراث الكلاسيكي لفلسفة العلوم الإنسانية.

ثم إن الإمبيريقية المنطقية التي تطورت عن الوضعية المنطقية، والتي تمثل النموذج السائد اليوم في فلسفة العلوم بصفة عامة، تستحق إشارة خاصة لبيان طبيعتها:

"لقد أوضح ألبرت ليفي الأفكار الأساسية للإمبيريقية المنطقية كما يلي:

1- كل كلام "ذي معنى" يتكون إما من:

أ- عبارات "صورية" منطقية أو رياضية.

ب- قضايا تشير إلى حقائق علمية "واقعية".

2- أي قضايا تزعم أنها تشير إلى حقائق يكون لها معنى فقط إذا كان في الإمكان بيان الطريقة التي يمكن بها التحقق منها بالرجوع إلى الواقع المحسوس.

3- أي قضايا تتصل بما وراء الوجود، ولا تقع في نطاق الفئتين المذكورتين أعلاه لا معنى لها.

4- جميع العبارات المتصلة بالقيم الأخلاقية أو الجمالية أو الدينية لا يمكن التحقق منها علميا وهي بهذا لا معنى لها."[14]

ولا يتسع المجال في هذا المدخل لمزيد من البرهنة على أثر الفلسفة في نشأة وتطور نظريات ومناهج العلوم الإنسانية. وفيما يلي سأتناول هذا الموضوع من خلال الأنتربولوجيا البنيوية.

البنيوية في المجال الأنتربولوجي

1- توطئة

بالرغم من أن الفلسفة البنيوية قد أفلت، أو شرعت في الانحسار منذ ما يقرب من أربعة عقود، فإن ذلك لا يعني أن كتابات البنيويين قد أصبحت عقيمة، أو أن قراءتها والتأمل فيها ضرب من السخافة العقلية أو إهدار للوقت. بل العكس هو الصواب أو عين الحقيقة؛ حيث أن الدراسات النقدية حول الفلسفات الحديثة أو القديمة لم تزل متواصلة ومطردة، إن الفلاسفة الأعلام أمثال؛ أرسطو، أو ابن سينا أو ابن رشد أو كانت، أو هيجل وغيرهم... لم تغب شخصياتهم الفكرية عن الدراسات الفلسفية المعاصرة، وكل يوم تقرأ عن هذا الفيلسوف أو ذاك‘ أو نستمع إلى محاضرة تحوم حول فلسفة معينة حديثة أو قديمة.

ولقد تبين لي من خلال اطلاعي على بعض الفلسفات الأوربية واليونانية، أن فهم النسق الحضاري للمجتمع الأوربي المعاصر أو اليوناني القديم  ، لن يتأتى إلا بعد قراءة متأنية للفلسفات المؤسسة لذلك النسق .

وهكذا فإن الباحث الذي يروم الإلمام بأسس الحضارة اليونانية مثلا، يلزمه الاطلاع على إنتاج فلاسفة اليونان. وكذلك الشأن فيمن يريد تحليل الحضارة الأوربية المعاصرة. ولعل المتأمل في الفلسفة البنيوية يدرك مدى التطابق والتلازم اللذين حصلا بين روح هذه الفلسفة وطبيعة الحضارة الأوربية في الفترة الزمنية التي تجلى فيها الاقتران والتداخل بينهما.

لقد ركزت الفلسفة الوجودية على الجانب الذاتي والوجداني وعلى مسؤولية الإنسان وقلق اختياره، وأنزلت من قيمة العقلاني والموضوعي؛ وذلك بسبب الحربين العالميتين ومآسي الاشتراكية والبيروقراطية. لكن بعد نهاية الحرب وشروع الأوربيين في البناء من جديد، ظهر عجز الوجودية، وبدأ الفكر الوجودي ينحسر، بعدما ساد في فرنسا وألمانيا والدانمارك وغيرها من البلدان الأوربية، حينئذ ارتسمت في الأفق معالم فلسفة جديدة ؛ إنها فلسفة البنيوية التي ظهرت كرد فعل ضد التيار الوجودي ذي الطابع الذاتي والوجداني، وضد التيار الماركسي الثوري.

من " البنى الأولية للقرابة" إلى "الفكر المتوحش"، ومن " المدارات الحزينة" إلى "المطبوخ والنيئ"، ومن "أصل آداب المائدة" إلى "من العسل إلى الرماد"، حقق ليفي ستراوس تحويل النموذج الألسني، منتقلا من نظرية في اللغة إلى نظرية في القرابة إلى نظرية في العقل إلى نظرية في الأسطورة، منتهيا إلى نظرية عامة في المجتمعات.

بدأ ليفي ستراوس في تطوير الجوانب المنهجية التي كان عليها أن تفسر الوعي بالحياة، والتي يمكن أن تساعد – في الوقت نفسه – على كشف اللاوعي الفرويدي الجمعي بمساعدة السيميولوجيا –وهو العلم الذي يدرس حياة العلامات في المجتمع، مؤكدا عشوائيتها ومفترضا وجود علاقة بين خصائص الدال والمدلول فيها، وقد تكاملت هذه الجوانب المنهجية بإضافة ما في النظريات اللغوية الحديثة: ياكوبسون وهيلمسليف ومارتينيه على سبيل المثال، إلى نظرية دو سوسير، وأصبح ذلك كله بمثابة الأساس النظري التي تقوم عليه مناهج البنيوية، وينطوي هذا الأساس على تسليم مؤداه الاستخدام الناجح لطرائق الكشف عن القوانين العامة للغة، وما يتصل بذلك من الكشف عن القوانين التي تحكم علاقتها بمختلف مجالات النشاط الإنساني، تتكون أنساقه من أبنية عقلية مفترضة. ولقد أثارت هذه الطبيعة للبنيوية اهتمام مجموعة من المفكرين، وحفزتهم على تشييد مذاهب بنيوية كاملة خاصة بهم، في مقابل مذاهب أخرى مضادة، مما كان له تأثيره في الحياة السياسية والاجتماعية الفرنسية.

بل إن كتابا آخرين وسعوا تطبيق هذا النموذج حيث شمل النقد الأدبي والاقتصاد والسياسة والتاريخ، فقد استعمل الأديب الفرنسي رولان بارت المنهج البنيوي في كتاباته الأدبية والنقدية، ومال جاك لاكان إلى نفس الاتجاه في علم النفس والتحليل النفسي، كما اكتسحت البنيوية المجال البيداغوجي ومجال الهندسة المعمارية وعلم الاجتماع والفلسفة والأنتربولوجيا التي أثرت فيها تأثيرا عميقا.

2- المنهج البنيوي من اللغة إلى الأنتروبولوجيا

تعتبر الأنتربولوجيا من العلوم الاجتماعية والإنسانية الحديثة، وتهتم أساسا بدراسة المجتمعات البدائية أو "المتوحشة"، إلا أنه لوحظ في العقود الأخيرة بأن كثيرا من الباحثين الأنتربولوجيين يستديرون نحو دراسة المجتمعات المسماة "متمدنة". وترمي الأنتربولوجيا إلى معرفة الإنسان معرفة شاملة تشمل شخصه بامتداده البشري والجغرافي كله، متطلعة إلى معرفة يمكن تطبيقها على مجمل التطور البشري . وتعتمد الأنتربولوجيا في صياغة نظرياتها على أبحاث  ودراسات الإتنولوجيا، التي بدورها تعتبر أول خطوة لتركيب وتنظير نتائج ومعطيات الإتنوغرافيا، ويمثل هذا العمل الأخير أي الأتنوغرافيا المرحلة الأولى في دراسة الأنتربولوجيا العامة، إذ أن مهمة الإتنوغرافيا تتعين في الملاحظة والوصف والعمل الميداني.

ومن ناحية أخرى يمكن القول بأن الإتنوغرافيا والإتنولوجيا والأنتربولوجيا لا تؤلف ثلاثة فروع علمية مختلفة أو ثلاثة مفاهيم مختلفة ومتباعدة، بل هي في الواقع ثلاث مراحل أو ثلاث لحظات لبحث واحد، وإيثار هذا النمط أو ذاك يعبر فقط عن اهتمام مهيمن يتجه نحو نمط من البحث لا يستبعد النمطين الآخرين بأية حال.

أما من حيث طريقة البحث، فإن الأنتربولوجيا قد استخدمت المنهج الانتشاري ثم المنهج االتطوري قبل أن تعرف المنهج الوظيفي، وابتداء من الأربعينيات اطلع كلود ليفي ستراوس على النتائج التي توصل إليها علم اللغة أو الألسنية، من خلال تطبيق الطريقة البنيوية، فأعجب بها، ومن ثم فكر في تعميم هذه الطريقة على الدراسات الأنتربولوجية.

أعاد ل. ستراوس إلى الأذهان الخطوات الأساسية التي أنجزتها الألسنية وخصوصا علم الأصوات الكلامية كما وصفه تروبوتسكوي، على اعتبار أن هذه المنجزات كانت هي الملهمة لأبحاثه الخاصة:

أ- علم الأصوات الكلامية ينتقل من دراسة الظاهرات اللغوية الواعية إلى دراسة بنيتها التحتية اللاواعية.

ب- يرفض أن يعامل الألفاظ على أنها كيانات مستقلة ويتخذ العلاقات بين الألفاظ أساسا لتحليله.

ج- يأخذ بمفهوم النسق.

د- يرمي إلى اكتشاف قوانين عامة.

ومن هنا لاحظ ل. ستراوس بأن الألسنية قد توصلت قبل سائر العلوم الإنسانية الأخرى إلى دقة تشابه دقة العلوم الطبيعية، وهكذا يقول هذا الفيلسوف الأنتربولوجي:

"يحتل علم اللغة مكانا ممتازا في مجمل العلوم الاجتماعية التي ينتمي إليها بلا ريب، فهو ليس علما اجتماعيا كالعلوم الأخرى، بل العلم الذي قام بأعظم الإنجازات وتوصل إلى صياغة منهج وضعي ومعرفة الوقائع الخاضعة لتحليله في وقت واحد، وهو الوحيد بلا ريب الذي يستطيع المطالبة باسم علم"[15].

ويعتبر موضوع القرابة من بين أهم المواضيع الاجتماعية والأنتربولوجية التي درسها ليفي ستراوس بلغة الألسنية، "عندما يدرس العالم الاجتماعي مسائل القرابة ( وبعض المسائل الأخرى بلا ريب) يجد نفسه في موضع صوري شبيه بوضع العالم اللغوي الفونولوجي: ذلك أن حدود القرابة شأنها شأن الوحدات الصوتية، هي عناصر ذات دلالة، وهي مثلها لا تكتسب هذه الدلالة ما لم تندمج في أنظمة. ثم إن "أنظمة القرابة" مثل "الأنظمة الفونولوجية"، يعدها العقل على مستوى الفكر غير الواعي؟ وأخيرا إن معاودة بعض أشكال القرابة وقواعد الزواج والمواقف المفروضة بين بعض نماذج الأقارب إلى آخره، في مناطق بعيدة من العالم وفي مجتمعات شديدة الاختلاف، يحمل على الظن بأن الظاهرات التي تتسنى ملاحظتها في الحالتين على السواء تنتج عن حكم قوانين عامة ولكنها خفية[16].ا.

يلاحظ رجاء كارودي قائلا:

"ليس من المستبعد أن تكون مثل هذه المماثلة خصبة... لكن هل من المشروع وإلى أي حد يمكن اختزال جميع أنظمة القرابة أولا، ثم شيئا فشيئا جميع مظاهر الحياة الاجتماعية إلى نظام؟ ... يقول ليفي ستراوس : " إن نظام القرابة لغة"[17]

ولعل هذا الاختزال المفتعل الذي وقع فيه ليفي ستراوس يرجع أساسا إلى التعارض القائم بين النظريتين السانكرونية والدياكرونية في مجال علم اللغة الحديث، إن دو سوسير بالرغم من تأكيده على الربط بين الحلقات السانكرونية للوصول إلى الدياكرونية، قد أعطى الأسبقية لوجهة النظر السانكرونية، ويرى هذا اللغوي بأنه يستحيل القيام بدراسة دياكرونية دون اعتبار الوظيفة العامة للنظام، ذلك أن تغير بعض عناصر اللغة يؤدي إلى تغير كلي داخل النظام، وهذا يعني أسبقية النظام على كل شيء آخر في الدراسة، ومادام النظام لا يمكن أن يكون إلا سانكرونيا فيجب حتما أن تكون الدراسة سانكرونية، ولما كانت البنيوية تؤكد على السانكرونية بشكل آلي تقريبا – وتعزل النص اللغوي مثلا عن صاحبه وعن تاريخ اللغة – يبتعد بها عن المرونة، فقد فشلت الألسنية في إيجاد نظرية حقيقية للتغيرات التي تحدث داخل اللغة أي التطور اللغوي، ومن هنا فإن ليفي ستراوس باستخدامه بنيوية الألسنية قد أوقع الأنتربولوجيا والدراسات الاجتماعية في نفس الورطة التي أوقع فيها دو سوسير علم اللغة.

ويشكل مفهوم اللاشعور عنصرا أساسيا في المنظومة البنيوية، كما أن ليفي ستراوس كثيرا ما صرح بأنه مدين في فكره لبعض أعمال فرويد المتعلقة بالتحليل النفسي، وركز على العلاقة القوية بين صفة الخفاء المميزة للبنيات الاجتماعية والجانب اللاشعوري في شخصية الفرد. وإذا كان فرويد يعتبر مجال اللاشعور مستقلا عن الإرادة الشعورية، فإن ليفي ستراوس يعتبر البنيات الاجتماعية مستقلة كذلك عن الوعي الذاتي، يقول ل.س:"إننا مضطرون لأن نتصور البنيات الاجتماعية بوصفها مواضيع مستقلة عن وعي الناس لها، مع أنها هي الناظمة لوجودهم، وباعتبارها قابلة لأن تختلف عن الصورة التي يكونونها عنها اختلاف الواقع الفزيائي عن التمثل الحي الذي تكونه الفرضيات التي نصوغها بصدده"[18].

وانطلاقا من كونه يرى بأن اللاشعور هو أساس معقولية واتصال الظواهر الطبيعية، فإن بعض المفاهيم مثل "اجتماعي" "رمزي" "نسقي" و "لا شعوري"، تتداخل فيما بينها وينطوي بعضها على البعض الآخر، بالإضافة إلى أن اللاشعور يظل القاعدة الأساسية ويلعب الدور المهيمن.

" إن اللاشعور الذي يتكلم عنه ليفي ستراوس هو أساس تكوين العقل، ولا يوجد تحت سيطرة الشعور بالرغم من أن هذا الأخير يدرس ويبحث في اللاشعور، واللاشعور طبيعي لأنه عام وشامل."[19].

يقول ليفي ستراوس بصدد تعريفه للاشعور في إطار فكره البنيوي وحيث يتجلى تأثره بمدرسة التحليل النفسي: "يشكل اللاشعور مجموعة القوانين الباطنية التي تشرف على الاتصال الرمزي... ومن ناحية أخرى فإن وظيفة اللاشعور تتعين في فرض وإعلاء قوانين بنيوية. وهذه القوانين تمتد قوتها من الغرائز والانفعالات والذكريات. وإذا كان الأنا الأعلى يمثل المعجم الفردي حيث تتراكم المفردات المتعلقة بالحياة الشخصية لكل واحد منا، فإن هذه المفردات لا تكتسب أي معنى سواء بالنسبة لنا أو لغيرنا إلا بعد أن يقوم اللاشعور بتنظيمها وصياغتها على شكل خطاب"[20].


الأنتربولوجيا البنيوية ونفي التاريخ

لعل الصراع القائم بين البنيوي والتاريخي يرجع إلى بداية علم الاجتماع، إذ أن أوجست كونت انطلاقا من نظرية سان سيمون حول المجتمع بصفته كلا عضويا، ذهب إلى تقسيم هذا الكل إلى جانب سكوني وجانب حيوي، مع منح الأهمية والأولوية للجانب الأول وجعل الثاني تبعا له، بعبارة أخرى لقد كان المذهب الوضعي لأوجست كونت يميل إلى التركيز على عوامل التوازن والثبات الاجتماعيين ، لآن واضع علم الاجتماع الغربي كان يهدف بعلمه الجديد إلى إيجاد حلول للمجتمع الفرنسي خاصة والأوربي عامة، وإعادة التوازن بين مختلف الجماعات والطبقات الاجتماعية.

كان من الضروري أن يحتدم الجدل والصراع بين البنيويين وأصحاب النزعة التاريخية، لاختلاف رؤية كل منهما حول الظواهر الاجتماعية، خلال القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين، كان  التفسير التاريخي للظواهر الاجتماعية والاقتصادية وغيرها هو السائد، فالسابق يتحكم دائما في اللاحق ويحدد شروطه. ففي الميدان البيولوجي مثلا قدم داروين تفسيرا لتطور الأحياء من منظور تاريخي، وحاول هربرت سبنسر تطبيق نظرية داروين  البيولوجية فى المجال الاجتماعي ، كما أن التفسير الاقتصادي للمجتمع عند ماركس يقوم على نظرية شاملة في المادية التاريخية، وأن علاقات الإنتاج قد تشهد تغيرات كثيرة بفعل العامل التاريخي. وبعبارة أخرى فإن العلوم الإنسانية على الخصوص أصبحت مدينة للتفسير التاريخي بحيث لا يمكن فهم أي ظاهرة تتصل بالإنسان إلا بالرجوع إلى سوابقها وخلفياتها التاريخية.

إن البنيوية ترفض النزعة التاريخية وتستعيض عنها بتصور آخر يظل فيه العقل البشري متضمنا صورا أو قوالب أو عمليات ثابتة على مر العصور، بحيث أن كل تقدم تاريخي يظل محتفظا بالنواة المركزية مع إعادة تفسيره لها تبعا لمقتضيات العصر.

في معرض الكلام عن التاريخ من وجهة نظر البنيوية، يقول هنري لوفيفر:  "إن التاريخ من جهة ينمحي أمام الاعتبارات النسقية والتوازنات والارتباطات والثوابت البنيوية، ومن جهة أخرى يفقد القيمة المتعلقة بالماضي وينفتح على مستقبل محدد بمقتضيات التقنية المحضة."[21]

وكما فصلت الألسنية اللغة عن التاريخ، يقول ك.ليفي ستراوس مشيرا إلى الجهود الجوهرية القائمة في نظره بين التاريخ والبنية: "إن العلوم الاجتماعية والإنسانية لها أيضا علاقاتها الاجتماعية، وعلى سبيل المثال العلاقة بين البنية والتطور ( التاريخ ) فنحن لا نستطيع عقل أيا منهما إلا بتجاهل الآخر والعكس بالعكس"[22]، إنه جرد التاريخ عن موضوعه قائلا: " يكفي أن نعرف بأن التاريخ ليس إلا منهجا وبأنه لا يملك موضوعا محددا."[23]

" إن المرء لا يجد حرجا في القول مع ليفي ستراوس بزيف أو خطأ فكرة التقدم المستمر السائر دائما في خط مستقيم وحيد الاتجاه، لكنه لن يستطيع الأخذ بوجهة نظرية لا زمنية تضع التاريخ بين قوسين، وتقرر أن "التزامن" الساكروني تعبير عن "تعاقب" دياكروني ثابت... إن التاريخ يفضي إلى كل شيء، ولكن على شرط أن نعرف كيف نخرج منه"[24] إن التركيز على الطريقة الساكرونية في تفسير التاريخ تعني بطريقة أو أخرى إيقاف عملية التاريخ ووضع حد للتطور.

لقد كان ليفي ستراوس صائبا عندما انتقد الاتجاه التاريخي فيما يتعلق بتطور العقلية البشرية، حيث عارض فكرة التطور المرحلي لهذه العقلية من أسفل إلى أعلى، وفكرة كون عقلية المجتمعات البدائية تمثل مرحلة الطفولة الأولى كما ذهب إلى ذلك ليون برونشفينج مثلا، وكذا فكرة "عقلية ما قبل المنطق" لدى البدائيين والتي تعني أن عمليات التفكير عند الإنسان البدائي لا تستند إلى أسس منطقية، بل كثيرا ما تنبني على قوانين متناقضة، كما ذهب إلى ذلك ليفي بريل في نظريته حول ما سماه ب: "عقلية ما قبل المنطق" وهي عقلية الأقوام البدائيين". باختصار لقد حمل ك.ليفي ستراوس في كتابيه "الفكر المتوحش" و "السلالة و التاريخ" على أصحاب نزعة "مركزية الذات"، الذين يعتبرون حضارة الغرب مقياسا لكل الحضارات والثقافات.

لكن لماذا هذا الدفاع المستميت عن المجتمعات البدائية؟ في الحقيقة لم يشتغل ليفي ستراوس بدراسة البدائيين وثقافتهم إلا لأن مجال هذه الدراسة يقدم تجسيدا نموذجيا للتفكير اللاتاريخي أو لثبات التاريخ.

وإذا كانت الأنتربولوجيا البنيوية قد نجحت في كشف الأنساق الثابتة في إطار المجتمعات البدائية، فإنها عجزت عن تطبيق منهجها على الجماعات البشرية الحديثة التي هي مجتمعات موجودة "في التاريخ". أما الشعوب البدائية فإن الأسطورة عندهم تحل محل التاريخ، ومن سمات الأسطورة أن التعاقب الزمني لا يؤثر فيها كثيرا، وإذا طرأ عليها تطور خلال الزمان فإن القديم فيها يتعايش مع الحديث، ومن هنا كان الميدان المفضل عند ليفي ستراوس للبحث في المبادئ الأساسية للعقل الإنساني، هو الأساطير البدائية المعبرة عن العقل في ثباته وفي سماته الجذرية.

"إن ليفي ستراوس يفسر التقاليد الشفاهية للمجتمعات البدائية بطريقة لا تاريخية، إن التاريخ عنده يعاد تأسيسه كلما حكيت الأسطورة أو استرجع الماضي. وبدل أن يكون التاريخ سلسلة من الأحداث الموضوعية المرتبطة بمرحلة أو مراحل معينة، يغدو هذا  التاريخ حضورا آنيا من تفاعل الأبنية العقلية الذي يقع في "لحظة" بعينها. ومادام الماضي قد أصبح بعض الحاضر، على هذا النحو، يسقط ليفي ستراوس من حسابه النظريات التقليدية عن التقدم أو التطور.

ويشرح إدموند ليتش نظرية ليفي ستراوس شرحا جيدا عندما يشبه المعطيات التي تختزنها الذاكرة الجمعية للإنسان بتلك التي يختزنها جهاز كمبيوتر بالغ التعقيد، يقوم بتصنيف المعلومات وفقا لبرنامج "قابل للتعديل"[25].

وأمام الضغوط الاجتماعية وتعقد خصوصيات الحضارة الغربية المعاصرة، لم يعد للتاريخ والارتباطات دور فعال: "إن التاريخ من جهة ينمحي أمام الاعتبارات النسقية والتوازنات والارتباطات والثوابت البنيوية، ومن جهة أخرى يفقد القيمة بالماضي وينفتح على مستقبل محدد بمقتضيات التقنية المحضة"[26]، ولما كان كل عمل فكري بنيويا في أساسه، وكان التاريخ عملا فكريا، فلا مناص من أن يكون منهجا عوض أن يكون ذا موضوع محدد، وهكذا يجرد ل.ستراوس التاريخ عن موضوعه: " يكفي أن نعرف بأن التاريخ ليس إلا منهجا وبأنه لا يملك موضوعا محددا."[27].

يقول رجاء كارودي في معرض الكلام عن تقهقر العامل التاريخي وعن العلاقة المتينة القائمة بين البنيوية والحضارة الغربية المعاصرة: ".... والقوة المرعبة للوسائل الجماهيرية لنشر الثقافة من صحافة وإعلام وإذاعة وتلفزيون وسينما، وكذلك للمؤسسات التي ستخدم هذه الوسائل لتكييف سلوك الأفراد مع غايات اقتصادية وأخلاقية وسياسية محددة، هذه القوة المرعبة قد خلقت وضعا فعليا يغدو معه الجانب المرئي والظاهري من المسالك الفردية متبنينا بالمخططات والتصاميم... وهكذا يتراجع إلى مرتبة ثانوية آن المبادرة التاريخية الخلاقة للإنسان الذي يتصرف كذات مسؤولة، ويشارك فعليا بقراره في تدشين مستقبل جديد. وإذا لم نر سوى سطح الأشياء بدا لنا التاريخ بأسره قابلا للإرجاع إلى جدل بين بنيات لها فعاليتها الخاصة بها، بحيث تنتفي الحاجة أو تكاد إلى الرجوع من البنية إلى النشاط الإنساني المولد لها."[28].

سوفسطائية زينون على ضفاف السين

يعتبر التراث الإغريقي القديم أحد المصادر والروافد الأساسية في بناء الفكر الغربي الحديث والمعاصر، فقد أحيت أوربا في معركتها الثقافية تراثها القديم، وإذا تصفحنا أعمال كثير من فلاسفة ومفكري النهضة الأوربية ألفيناها زاخرة بأفكار وتأملات اليونانيين مع صياغة جديدة وملائمة لروح العصر الحديث. ولقد كانت النظرة العامة التي تولدت عن نمو فلسفة النهضة هي في أساسها نظرة اليونانيين، وقد بعثت من جديد. إن الفيلسوف الإنجليزي توماس مور مثلا، بنى نظريته الاجتماعية والسياسية والتي فصلها في كتابه "اليوتوبيا" مستلهما جمهورية أفلاطون.

ولم يكن تفكير الألماني "كانت" إلا تفكيرا أرسطيا لما أطلق اسم المقولات – وهو مصطلح أرسطي – على المبادئ العامة للعقل، تلك المبادئ التي يضفيها الذهن من عنده من أجل تشكيل التجربة في صورة معرفة. ثم إن أعمال نيتشه مستوحاة في المحل الأول من المثل العليا اليونانية في عصر ما قبل سقراط وخاصة في إسبرطة، وقد استحدث في كتابه الرئيسي الأول " ميلاد التراجيديا" التمييز المشهور بين الحالتين الأبولونية والديونيزية للروح اليونانية. وكان هيجل مثل هيراقليط يضفي قيمة كبيرة على الصراع والنزاع، ويذهب على حد القول بأن الحرب أرفع أخلاقيا من السلم.

إن المشكلات الفكرية والاجتماعية التي تزامنت وظهور الثقافة العصرية عملت على إثارة مناقشات فلسفية قديمة. وهكذا نجد أن هيجل يكتشف هيراقليط، ثم جاء كارل ماركس من بعده واهتم بنفس الفيلسوف اليوناني وبأفكاره حول الصراع وحركة الذرات.

وإذا تعرضنا لأوجه الشبه الكائنة بين البنيوية الحديثة والنسق الفلسفي لزينون اليوناني ازددنا يقينا بأن الفكر الغربي مازال يستلهم الفكر الإغريقي ولو بطريقة غير مباشرة، وليس غريبا أن ينتمي كل من زينون وليفي ستراوس إلى فترة حضارية متسمة  بالأفول والظلام الفكريين[29].

لم يكن زينون اليوناني أكثر من فيلسوف استعمل فكره للدفاع عن بنية وطنه الاجتماعية والثقافية التي باتت مهددة من الداخل ومن الخارج، لذا نجده قد كرس حياته لبلورة ونشر أفكار فلسفية تساعد على قبول الواقع كما هو، وترفض كل ما من شأنه أن يغير المسار الاجتماعي الذي رسمته الحضارة اليونانية في الشطر الأخير من حياتها. ومن هنا اتخذ زينون موقفا معاديا من فلسفة هيراقليط التي تدعو إلى الحركة والتغير، واستعمل كثيرا من الأساليب الجدلية والكلامية لدحض أفكار هذا الخصم، حتى قال عنه أحد اليونانيين المعاصرين له وهو تيمون دي فليون: " إن زينون له لسان ذو حدين فهو يستطيع أن يفند لك كل ما يمكن أن تقول".[30]

ولكي يبرهن على عدم صحة مفهومي الكثرة والحركة، عمد زينون الأيلي هذا إلى عرض حجج لا تخلو من تناقضات، ومن أمثلته المشهورة في هذا المجال مثال السهم، فهو يقول: "إن السهم الذي انطلق من قوس وذهب في الهواء لا يتحرك أبدا، وإن كنا نراه متحركا لأنه في كل لحظة من لحظات طيرانه يكون غير متحرك بل موجودا وثابتا في نقطة معينة من الفضاء، وهكذا يرى زينون أن الحركة والتغير مجرد أشباح لا أساس لها، ومدلولهما ينطوي على التناقض، وأن وراء هذه الحركة والتغير الزائفين توجد الوحدة الثابتة التي لا تتجزأ ولا تتغير ولا تذوب.

لقد كان زبنون الأيلي ذا قدرة فائقة على الجدل على طريقة السوفسطائيين، كما كان القدوة الأساسية للمدرسة الأيلية التي تصدرت بالنقد والتفنيد لآراء أتباع هيراقليط، وبذل هؤلاء الأيليون مجهودات ومجادلات فكرية كبيرة لإعلاء قيمة المكان على حساب مفهوم الزمن المتضمن لمعنى الحركة والصيرورة، ذلك لأن الوصول إلى فرض مفهوم المكان وإعطائه الأولوية ينتج عنه سيطرة فكره الثبات الملاصقة لمفهوم المكان، وبالتالي نفي التغير في الوجود، وفي الوجود الاجتماعي على الخصوص.

وكما كرس زينون جزءا من حياته لتفنيد نظرية التغير الهيراقليطية ودافع عن فكرة الثبات، نجد أن ليفي ستراوس منذ بداية حياته العلمية وجه انتقادات عديدة للنظريات الماركسية وللفكر الجدلي، كما اعتبر البنيات التي توصل إليها من خلال دراسته للمجتمعات البدائية بمثابة قوانين ثابتة في الزمان.

لقد باتت أثينا مهددة من الداخل بفعل تفاقم المشاكل السياسية والاجتماعية، ومن الخارج بوجود العدو الرابض في إسبرطة والذي يتهيأ للانقضاض على الوطن الأثيني. وفي ظل هذه الظروف لم تكن فلسفة زينون الأيلي لتناصر فكرة التغير والحركة لأن المجتمع الأثيني كان قد ولج مرحلة الشيخوخة وفقد فتوته، وهكذا انتقص الأيليون من قيمة مفهوم الزمن وأرادوا أن يوقفوا عجلته لما شعروا بخطره.

أمام الواقع الحالي للحضارة الغربية، يقوم ليفي ستراوس من خلال فكره البنيوي بدور مشابه لما قامت به الفلسفة الأيلية، فقد تصدى هو الآخر لمفهوم الزمن المتضمن لمعنى التغير والثورية، ووضع أفكارا ونظريات حاول من خلالها التخفيف من وطأة المستقبل المظلم، لقد حقق المجتمع الغربي في رأيه نوعا من التماسك في بنياته الاجتماعية، دون أن ينجو من بعض عوامل التفكك التي نشبت في تلك البنيات وباتت تهدده، يجب العمل إذن على إيقاف الانزلاق نحو الكارثة.

إن الخوف من التطور ومن الزمن – كما يرى هنري لوفيفر –[31] هو الذي جعل ليفي ستراوس وغيره من الأنتربولوجيين يهتمون بدراسة الشعوب البدائية والموضوعات الأثرية، فالفكر البنيوي الاجتماعي يكون قد سجل إذن تراجعا في مسيرة الفكر الغربي لكونه يعارض الزمن والتغير ويدافع عن واقع المجتمعات الغربية ويعلي من شأن القبائل والمجتمعات البدائية.

الخلفية الفلسفية لبنيوية كلود ليفي ستراوس

إن تكوين كلود ليفي ستراوس كان تكوينا فلسفيا قبل أن يصبح اجتماعيا وأنتربولوجيا. ولقد ظلت آثار ثقافته الفلسفية عالقة بذهنه وهو يمارس أبحاثه ويضع فرضياته الأنتربولوجية، الشيء الذي جعل إدوارد ليتش وهو أحد نقاد البنيوية، يرى بأن ليفي ستراوس كان يتصرف دائما كما لو كان داعية يدافع عن قضية لا عالما يدافع عن الحقيقة العلمية.

يقول الدكتور زكرياء إبراهيم في كتابه "مشكلة البنية": "إن القول بأن للبنيوية رسالة علمية لأن النشاط الذي تقوم به يندرج تحت باب النظر أو الإبستمولوجيا، إنما هو في الحقيقة قول ناقص... والسبب في ذلك أن البنيوية كما لاحظ الكثيرون، تنطوي على منظور فكري خاص يحمل في طياته انقلابا فلسفيا حقيقيا... لأن من شأن هذا المنظور البنيوي أن يجعل من "الذات" مجرد "حامل" لا ترتكز عليه "البنية" أو البنيات، كما أن من شأنه أيضا أن يحيل "التاريخ" إلى محض تعاقب اعتباطي لبعض "الصور"، أو "الأشكال".[32]

إن الأطروحة المركزية للبنيوية هي أسبقية العلاقة على الكينونة، وأولوية الكل على الأجزاء، فالعنصر لا معنى له إلا بعقدة العلاقات المكونة له، ولا سبيل إلى تعريف الوحدات إلا بعلاقاتها.

فهي أشكال وليست جواهر ولأجل هذا فإن ما يدخل في الاعتبار ليس الوقائع وإنما العلاقات بين الوقائع.

وبما أنه واضح كل الوضوح بأن الواقعة لها معناها وبدونه لا يمكن تحديد ماهيتها، فإن ليفي ستراوس يتذرع بالألسنية من أجل الخروج من أسر اللامنطق، الذي يقع فيه، ومن تعاليم الألسنية أن الأصوات لا معنى لها، والمعنى هو للكلمة المؤلفة من تمازجها[33].

ويمكن أيضا فهم المعنى الذي أعطاه ليفي ستراوس لبنياته من خلال التفسير الأنتروبولوجي التالي: " إذا كان النشاط اللاوعي للذهن يشتمل على فرض الأشكال على المضمون، وإذا كانت هذه الأشكال هي نفسها أساسا لجميع الأذهان القديمة والحديثة، البدائية والمتمدنة –كما تبينه دراسة الوظيفة الرمزية بكثير من الوضوح في تعبيره عن نفسها عبر الكلام – فيجب ويكفي الوصول إلى البنية غير المتوعية الكامنة تحت كل مؤسسة وتحت كل تقليد، وذلك للحصول على مبدأ للتفسير يصلح لمؤسسات أخرى وتقاليد أخرى، شرط أن ندفع بالتحليل بعيدا."[34].

إن البنية في نظر ك.ل.ستروس نظام آلي له آلياته الخاصة التي تعمل بطريقة رمزية لا شعورية بحيث يمكن القول بأن كل بنية لا بد أن تكون "بنية تحتية"، لأنها في صميمها آلية لا شعورية تكمن خلف العلاقات المدركة، وتعمل علمها من وراء الوعي المباشر للأفراد وهذا يجعلنا نستنتج أن الأفراد يسلكون سلوكا جبريا.

لكن ما هي العلاقة بين البنيات والعقل؟ وهل تصدر البنيات عن العقل، بل كيف يتصور ك،ل،ستراوس العقل في هذا الإطار؟.

في هذا الصدد يقول جان بياجييه : " إن البنيات ليست جواهر صورية ذلك أن ل،ستراوس ليس فينوميولوجيا ولا يؤمن بالمدلول الأولي ل "الأنا" أو "التجربة المعيشة"، أما الصيغ التي تعاود بلا انقطاع فهي إنما تصدر عن "العقل"، أو عن عقل إنساني مماثل دوما لنفسه، ومن هنا أوليتها على العامل الاجتماعي،  (على عكس أولية العامل الاجتماعي على العقل الذي ينتقدها عند دور كايم) وعلى العامل العقلي. ومن هنا التسلسلات المنطقية التي تربط فيما بين العلاقات العقلية، وبالأحرى على الجهاز العضوي الذي يفترض بها تفسير الانفعال الشعوري ولكنه ليس مصدر البنيات. غير أن المسألة تزداد حدة: ما هو إذن نمط وجود العقل أو الذهن إن لم يكن اجتماعيا أو عقليا أو عضويا؟"[35].

ويتابع جان بياجيه معبرا عن رأي ل،ستراوس في هذه النقطة: " إذا أمكن القول بأن أي سياق حيوي هو سياق "معقل"، فيمكن الأخذ بأن الحياة هي حياة هندسية... ونستطيع أن نذهب اليوم في التأكيد بأنه، أي العقل، يعمل في نقاط عديدة جدا مثل آلة إحيائية أو "ذكاء صناعي". لكن من هذا المنظور ماذا يصبح العقل الإنساني المماثل لنفسه دائما؟ يقول ك،ل، ستراوس : ليكن البرهان استمرارية " الوظيفة الرمزية".

ونعترف بأننا لم نفهم مبدأ ما الذي يبقي هذا " العقل معززا إذا جعلنا منه مجموعة تصورات دائمة عوضا عن نتاج مستمر لبناء ذاتي متواصل"[36].

ومن ناحية أخرى فإن الدراسات والأبحاث الإتنوغرافية والإتنولوجية التي قام بها ليفي ستراوس على ضوء المنهج البنيوي، تعكس التمزق النفسي الذي يعيشه الغرب كحضارة، ذلك التمزق الذي أريد التخلص منه عن طريق الاتصال بالشعوب البدائية والمتخلفة.

يقول ك. ليفي ستراوس في كتابه "المدارات الحزينة": "يقال بأن المجتمع الغربي هو المجتمع الوحيد الذي ظهر فيه الإتنوغرافيون، وهنا تكمن عظمته، لكني أرى بأن الغرب لم يلد الإتنوغرافيين إلا بسبب ألم وحيرة شديدين

قضا مضجعه، وأرغماه على أن يواجه ويقابل صورته بصورة المجتمعات المتخلفة، لعل هذه المجتمعات تعكس نفس العيوب والشوائب الموجودة في الغرب، أو على الأقل تفسر لماذا انتشرت هذه العيوب في المجتمع الغربي دون غيره، والمأسوف عليه أكثر من ذلك هو أنه إذا كانت مقارنة مجتمعنا بغيره من المجتمعات المعاصرة أو الماضية تؤدي إلى انهيار أسسه، فلا مناص من أن تتحمل المجتمعات الأخرى نفس المصير[37].

انطلاقا من هذا النص نستنتج أن الغرب إذ يعمل على دراسة غيره من المجتمعات، يقوم بعمل تشريحي يستهدف واقعه الذاتي ومكوناته النفسية، ويأمل أن يجد في النظم الاجتماعية والثقافية لهذه المجتمعات ما به يقيم التوازن لشخصيته ووجوده. ومما يؤكد أيضا هذا الاستنتاج قول ليفي ستراوس "لن ينقدني علم النفس ولا الميتافيزيقا ولا الفن، أما الأساطير فبوسعها أن تفعل ذلك."[38].

إن الفلسفة البنيوية حين تتحدث عن اختفاء الكائن البشري كموجود فعال وخلاق، فإنها تترجم وتدافع عن ذلك الاتجاه الذي يتلخص في تأكيد طغيان النسق على الإنسان، بحيث يصبح الإنسان مسلوب الإرادة لا قوة له على التحكم في تطوره ومصيره، ولا يتبقى معه إلا أن يدع ذلك النسق يسير في مجراه، ويحمله معه بين طياته.

هذا الاتجاه إلى إخضاع دراسة الإنسان للمعقولية والموضوعية الكاملة هو الذي بدا في نظر الكثيرين، مهددا للإنسان نفسه، بحيث تبلورت حوله كل الانتقادات التي وجهت للبنيوية من شتى الاتجاهات.

خلاصة

يتبين من خلال هذه الدراسة مدى صدق الفرضية التي انطلقت منها، والتي تتلخص في كون العنصر الفلسفي عنصر هام وجوهري في بناء وتطور مناهج ونظريات العلوم الإنسانية. وما يصدق على الأنتربولوجيا يصدق على باقي العلوم الإنسانية الاجتماعية والنفسية والتاريخية والاقتصادية وغيرها. ثم إن رواد ومؤسسي المناهج والنظريات والمدارس الاجتماعية والنفسية والتاريخية، بدءا من أوجست كونت، كانوا من أنصار الفلسفات الحديثة والمعاصرة، ومن المنظرين الكبار في ميدان الفلسفة.

وهكذا فإن الأنتربولوجيا البنيوية التي تناولتها في هذه المداخلة، وأشرت إلى أسسها الفلسفية، تؤكد تلك القاعدة وتثبت الفرضية المذكورة.

إن المنهج البنيوي الذي استخدمه ليفي ستراوس في أبحاثه الأنتربولوجية، ما هو إلا منهج من بين مناهج عديدة استعملت في ميدان العلوم الإنسانية؛ مثل المنهج الوضعي الدوركايمي، والمنهج الماركسي الراديكالي، والمنهج الوظيفي، والمنهج التفاعلي، ومناهج ما بعد الحداثة في وقتنا الراهن...وما إلى ذلك من ألوان المناهج. وإن دل هذا التعدد المنهجي على شيء، فإنما يدل على اختلاف التصورات والرؤى الفلسفية التي ينطلق منها مؤسسو تلك المناهج وواضعوها.

ثم إن تعدد الرؤى الفلسفية له علاقة متينة بتعدد الإيديولوجيات، مما يحتم علينا الاعتقاد بأن العلوم الإنسانية لا تنطلق من فراغ، وإنما هي دائما منتمية، والانتماء الأول يكون  إلى عالم الحياة بما تزخر به من خبرات وتصورات إنسانية.

وفي هذا الصدد يقول الفيلسوف الفرنسي ميرلوبونتي: "الفلسفة لازمة لعلم الاجتماع كنداء مستمر إلى مهامه. وكلما رجع عالم الاجتماع إلى المصادر الحية لمعرفته، وإلى ما يعمل بداخله كوسيلة لفهم التشكيلات الثقافية البعيدة عنه، كلما فعل ذلك يكون عندئد ممارسا للفلسفة بشكل تلقائي".[39]

إن هذه الفلسفة التي يمارسها الباحث الاجتماعي كما يقول ميرلوبونتي، ما هي إلا انعكاس لوضع إيديولوجي معين. فعالم الاجتماع، أو عالم النفس، أو الأنتربولوجي لا يستطيع، في نظر المحللين الموضوعيين التجرد الكامل من أهوائه وميوله ، وتصوراته الفلسفية والإيديولوجية أثناء بحثه في الظواهر التي تنتمي إلى ميدان عمله، وهذا يجعل الموضوعية تشكل إشكالية عميقة في علوم المجتمع والإنسان.

وأختم هذا العرض بالتساؤل الآتي:

إذا كانت النظريات والمناهج في العلوم الإنسانية الغربية نسبية وخاضعة لتصورات فلسفية وإيديولوجية متعددة، فهل نحن في بلدان العالم الإسلامي ملزمون بتبنيها واستنباتها في واقعنا وكياننا التربوي والثقافي والحضاري ؟

أم نحن مطالبون بإعداد وصياغة منهج بديل في العلوم الإنسانية يستلهم روح تراثنا ويجمع بين الأصالة والمعاصرة ؟.

الدكتور عبد الله الشارف

ندوة "مسارات البحث وإشكالات المنهج في العلوم الإنسانية"، جامعة عبد المالك السعدي،كلية الآداب، تطوان/ 1428-2007.


[1] - يرجع اهتمامي بالبنيوية إلى أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات؛ زمن الدراسة والتحصيل في الجامعة الفرنسية بباريس، حيث كنت أتردد على  كوليج دو فرانس؛ فأستمع مرة إلى محاضرات جاك بيرك، ومرة أخرى إلى محاضرات ميشيل فوكو أو كلود ليفي ستراوس. وكنت شغوفا بقراءة مؤلفات هذا الأخير، ولم تكن قراءتي لها تخل من بعض الانتقادات والملاحظات التي حافظت عليها إلى جانب بعض المذكرات والخواطر، وذلك  رغم الظروف الصعبة لحياة الطلبة في بلاد المهجر أو الغربة. وهكذا بعد ما يقرب من ثلاثة عقود كتب لتلك الانتقادات والملاحظات أن تشكل العمود الفقري لنص هذه المداخلة.

[2]1976; pp86-87  Raymond Aron:  Les étapes de la pensée sociologique /  Ed; Tel Gallimard

[3] - د. علا مصطفى أنور: "أزمة المنهج في العلوم الإنسانية"، المعهد العالمي للفكر الإسلامي؛ "قضايا المنهجية في العلوم الإسلامية والاجتماعية"‘ القاهرة  1417-1996/ ص187.

[4] - المرجع نفسه ؛ ص 189.

[5] - د. إبراهيم عبد الرحمن رجب: " التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية" ، دار علم الكتب، الرياض..1416-1996، ص 51.

[6] - د. علا مصطفى أنور: "التفسير في العلوم الاجتماعية، دراسة في فلسفة العلم"؛ القاهرة دار الثقافة للنشر والتوزيع، 1988، ص7.

[7] - / Paris Nagel. 1966.  p. 171.  Merleau-ponty/ M.   Sens et  non sens

[8] - لوسيان غولدمان: "العلوم الإنسانية والفلسفة"،  ترجمة  ذ. محمد العدلوني الإدريسي و ذ. يوسف عبد المنعم،  دار الثقافة؛ الدار البيضاء، 1422-2001؛ ص 6.

[9] -  Gaston Bouthoul  .Histoire de la Socioglogie ; Ed. PUF  Paris 1961  p. 60.  .

[10] -  إميل دوركايم: "التربية الأخلاقية" ، ترجمة السيد محمد بدوي، مكتبة مصر ، د.ت. ص 104

[11] - انظر Gurvitch  par G. Balandier / Ed. Puf . Paris 1972 . p 23

[12] - كالفن هال "أصول علم النفس الفرويدي"، ترجمة د. م. فتحي الشنيطي، دار النهضة العربية بيروت 1970، ص 2.

[13] -  Ed. sociales  Paris 1973 / p. 297. G. Politzer : Ecrits   les fondements de la psychologie

[14]- د. إبراهيم عبد الرحمن رجب؛ "التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية"، دار عالم الكتب، الرياض، 1996، ص 72.

[15] L’anthoropologie structurale : Ed: Plon 1966 paris p53 C. L. Strauss

[16] L’anthoropologie structurale / plon 1966 paris p53

[17] رجاء جارودي البنيوية، فلسفة موت الإنسان ترجمة جورج طرابيشي طبعة ثالثة لبنان 1985 ص:31.

[18] C.L Strauss Antropologie structurale p40

[19] Y Simonis / Calaude levi strauss ou la passion de l.inceste/  aumier moutraque 1968p44

[20]- C.L Strauss Anthropologie structurale  p224-225

[21] H Lefèvre; " L idéologie structuraliste"L/ edit anthropo / france 1971 p14

[22] C.L Strauss pensée sauvage/ Ed. Plon 1962.  p307

[23] C.L Strauss pensée sauvage p347

[24] زكرياء إبراهيم مشكلة البنية،   مكتبة مصر، د. ت. ص: 113-114.

[25] - إيديت كيروزيل "عصر البنيوية من ليفي ستراوس إلى فوكو" ترجمة جابر عصفور، دار قرطبة للطباعة والنشر الدار البيضاء 1986 ص:35.

[26] - C. L. Strauss/ Pensée sauvage..p 307

[27] - ك، ليفي ستراوس المرجع نفسه ص:347.

[28] رجاء بارودي: البنيوية فلسفة الموت. ص:16.

[29] - راجع على سبيل المثال : "أفول الحضارة الغربية" للكاتب الألماني أوزوالد شبنجلر.

[30] -  "حكمة الغرب"  المرجع السابق؛ ص 48.

[31] - H. lefèvre, L idéologie structuraliste, op. cit

[32] - زكرياء إبراهيم: المرجع السابق ص 25

[33] مجلة الفكر العربي ص:204.

[34] Antropologie structurale. levi strauss p28

[35] جان بياجيه البنيوية ص:91.

[36] جان بياجيه البينوية ص: 93.

[37] CL Strauss triste tropique edition  plon  paris p53

[38] CL Strauss triste tropique edition  plon  paris p53

[39] -  Merleau-Ponty. M.   Signes.  Paris Gallimard  1960.  p 137.

رؤية شرعية ومقاصدية في موضوع الهجرة إلى البلاد الغربية

0
لسم الله الرحمن الرحيم



رؤية شرعية ومقاصدية في موضوع الهجرة إلى البلدان الغربية



تمهيد

تعتبر الهجرة إلى البلدان الغربية من أشد الظواهر والقضايا الاجتماعية المعاصرة تعقيدا وخطورة

التخويف النفسي عند الحارث المحاسبي

0
التخويف النفسي عند الحارث المحاسبي

د/ عبد الله الشارف كلية أصول الدين – تطوان

إذا كان الحديث عن موضوع كهذا يستلزم الكلام عن التصوف، فلا بأس من استهلال المقال بتحليل موجز عن جانب من الجوانب التي تمت بصلة إلى هذا المجال من الفكر والتراث الإسلاميين

مناظرة صوفية (الجزء الخامس والأخير)

0
الملثم أحمد

بسم الله الرحمن الرحيم

اقول وبالله التوفيق .. وعليه المعتمد
اننى ساتوجه ببعض الكلمات للقارئ الكريم، وليس للاخ عبد الله الشارف الذى تعمد الهروب  من كل سؤال يوجه اليه ..
بعد متابعتى للنقاش الطويل، ارى ان سيدى على الصوفى كان ملهما فى الردود !
اولا لأنه تنبه للسم الذى حاول الاخ عبد الله الشارف ان يضعه فى العسل ويسقيه للناس

مناظرة صوفية - الجزء الرابع

0
علي الصوفي
بسم الله الرحمان الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه
أشكر فضيلة الأستاذ سيدي فارس النور على ما تفضّل به من النصيحة للأخ الدكتور عبد الله الشارفبرقّته المعهودة وشفقته العارمة , وكذلك أتوجّه بالشكر إلى شيخنا سيدي الملثّم أحمد الفاضل فإنّك تجد في كلامه النور الصادق والحكمة البالغة ولا أزكّي الأستاذين ولا أزكّي على الله أحدا وإنّما كلمة حقّ أراها ضرورية في هذه الصفحة.

مناظرة صوفية - الجزء الثالث

0

علي الصوفي
الحمد لله :
لقد سألتك يا دكتور تتركني أكمل نقض كلامك في مقالتك ومن ثمّ تردّ متى شئت عليّ حتّى لا يتشتّت الفكر ويضيع المجهود،

مناظرة صوفية - الجزء الثاني

0

مناظرة صوفية
(الجزء الثاني)


ابن عباس القادري


بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة و السلام على سيدنا رسول الله و آله و صحبه وسلم ..


حياكم الله أخانا عبد الله الشارف في منتدى الصوفية منتدى أهل السنة و الجماعة

مناظرة صوفية - الجزء الأول

0

بسم لله الرحمن الرحيم      والصلاة والسلام على محمد وآله وصحبه أجمعين.


مناظرة صوفيـــة
(الجزء الأول)


مقدمة:
مما لا ريب فيه أن التصوف غدا من الظواهر العقدية والنفسية والسلوكية، التي تعكسها الحياة المعاصرة في شتى بلدان العالم.

الاستغراب في مجال المرأة من خلال كتابات د. فاطمة المرنيسي

0

1 ـ تمهيد:

الاستغراب  في الميدان الاجتماعي أضخم من أن يحاط به، والمستغربون في هذا الباب يصعب عدهم ، وإنما وقع الاختيار على الدكتورة فاطمـة المرنيسي لاعتبارين :

في رحاب الزواج

0

حيرة أصلية لا تسكن بغير حواء:
مما لا شك فيه أن الانعكاسات السلبية للحضارة الغربية على العالم الإسلامي والبعد عن الينبوع الروحي والإيماني الذي يعيشه المسلمون يعتبران عاملين أساسيين في

قراءة في الإطار التاريخي و الإيديولوجي للحركة النسائية

0

1- تمهيد

لا أحد يشك في أن تفاعل الحضارات يعتبر خاصية أساسية من خواص الحضارة الإنسانية،و يعبر عن الطبيعة التلقائية للحركة و العلاقات الاجتماعية بين مختلف المجتمعات البشرية .و للتفاعل الحضاري أسباب و عوامل شتى

الإتنولوجيا والأنتربولوجيا في الثقافة المغربية المعاصرة

0



لم يكد المستعمرون يغادرون أرض الوطن حتى غدت أدبياتهم حول المغرب من أهم المـصادر التي يعتمد عليها كثير من الكتاب والأدباء المغاربة، بل هناك من قلدهم وتمثل رؤيتهم قبل الاستقلال بسنوات، منهم "أحمد الصفريوي الذي كتب باللغة الفرنسية، سنة 1954م رواية "صندوق العجب"، ورواية "بيت العبودية".

 إن الصفريوي صنف ضمن مجموعة الكتاب الاتنوغرافيين، وإن  أسلوبه اللغوي الاغترابي، كان مفضلا عند الروائيين المستعمرين أمثال (جوزيف بيري) (وفريزون روش)  وآخرون… إضافة إلى ذلك نجد أن الصفريوي يكثر بكل متعة وسرور من ذكر المشاهد التي تعتبر ـ من منظور أجنبي ـ جذابة ومثيرة للإعجاب؛ مثل الحمام المغربي والكتاب القرآني والأعياد الدينية... لكننا نعثر على نفس المشاهد عند بنجلون والخطيبي «[1] .إن الروائيين المستعمرين عندما كانوا يسهبون في وصف تلك المشاهد والمناظر "العجائبية"، إنما يفعلون ذلك من أجل القارئ الأجنبي، وخاصة الفرنسي، الذي كان يحس بالمتعة عندما يقرأ تلك الروايات ويتمثل في مخيلته تلك المشاهد والصور. كما أنه من خلال قراءته لها يكون أفكارا وتصورات عن جانب من حياة المغاربة. في حين يظل تقليد الصفريوي و بنجلون والخطيبي للأدب الاتنولوجي الفرنسي تقليدا لامبرر له ولا يمكن استيعابه وتفسيره إلا من خلال مقولة الاستغراب.وفي مجال الكتابة النقدية لوحظ ـ في العقود اللأخيرة ـ أن كثيرا من النقاد والكتاب المغاربة يستعملون المنهج أو المنظـور الانتربولوجي في دراساتهم النقدية. 

وقد يكون من الصعب تقصي أو تتبع مجموع هذه الدراسات، إلا أن ذلك لا يمنع من عرض بعض النصوص أو النماذج.يقول محمد الدغمومي في كتابه "الرواية المغربية والتعبيرالاجتماعي" : «حين نواجه "التقافة المغربية" فنحن لا نتوخى سوى عناصر ذات تأثير، ولا ندعي أننا سنوفي المسألة حقها، خصوصا وأن الباحث في هذه الثقافة يصطدم بالفقر المذهل الذي يطبع البحث «العلمي» المتعلق بها وبانعدام البحث الانتربولوجي من جهة، وضحالة السوسيولوجيا الثقافية من جهة ثانية؛ الأمر الذي لا يترك امام الباحث سوى الاعتماد على شذرات جزئـية محدودة، وعلى خطابات حول «الثقافة المغربية» ذات بعــد ايديولوجي أو سياسي صريح... 

لقد أخذنا بالمفهوم الوارد عند أحـد علماء الانتربولوجيا والذي يعتبر الثقافة نظاما من التواصل الاجتماعي الذي يتم داخل المجتمع عبر قنوات، الفكر المقنن، (التشريعي)، قنـاة التفكير غير المقنن (اللاواعي)، قناة التفكير التقني، بحيث تشمل الثقافة كافة الانتاجات الفكرية والروحية والعلمية والتقاليد المميزة لجماعة بشرية»[2].يقول أحمد بوكوس في مقال له عن "الوضعية اللغوية في المغرب": «إن مسألة التعليم ينظر إليها في إطار مركزية لغوية بحيث لا تدرس إلا اللغتان: العربية الفصحى والفرنسية، وكأن العربية الدارجة والأمازيغية لا يملكان أية وظيفة إدراكية معرفية، في حين كان من العملي والصواب أن يدمجا في النظام التعليمي« .[3]ويتابع قائلا: «إلى متى سنظل معرضين عن تعاليم الانتربولوجيا الثقافية، ذلك العلم الذي يخبرنا... بعدم وجود ثقافات نوعية ناقلة لرؤى ـ عن العالم ـ  مختلفة ومغايرة... ومن هنا فإن أية محاولة تهدف إلى إقامة وضع ترتيبي للغات والثقافات، لاتفسر إلا بكونها تبرير وتسويغ لنزعة عرقية وثقافية ولهيمنة رمزية».[4]

وقد عبرت الدكتورة رحمة بورقية في كتابها "الدولة والسلطة والمجتمع"[5] عن ميلها إلى التحليل الانتربولوجي في دراستها لقبائل زمور في النصف الثاني من القرن التاسع عشرالميلادي، وفيما بين 1960 و1980، ولموضوع المخزن والبيعة والزاوية والقداسة والعرف والسلطة المادية والعلاقات الاجتماعية بين القبائل، والمرأة والوشم... وكلهــا مجالات اتنولوجية وانتربولوجية بالدرجة الأولى. والملاحظ أنها اعتمدت على أشهر الاتنولوجيين والانتربولوجيين الذين اهتموا بدراسة هذه المجالات في المغرب. وهكذا  يمكن لقارئ الكتاب أن يطلع في الهوامش على أسماء أمثال  ج. بيرك , وك. براون ، وج. كولان، وإ. دوتي، وايـركمان ، وش. دوفوكـو ، وج. مارسي ، ور. مونتاني ، وم. بيلير...كما استندت في تحليلها إلى مجموعة من أشهر المنظرين في الانتروبولوجيا، أذكر من بينهم على سبيل المثال لا الحصر: كلود ليفي ستراوس ، وم. كودولييه ، وج. بالاندييه ...والقائمة طويلة بحيث يزيد عدد الأسماء على المائة كما يتبين من ثبت المراجع.

 والمطلع على الكتاب، يجد أن مضمونه مجرد ترديد لأفكار أولئك الاتنولوجيين والانتربولوجيين وإعادة ذكر لملاحظاتهم،  اللهم إذا استثنينا بعض التعليقات والاجتهادات الشخصية للكاتبة، غير أنه غالبا ما تكون رهينة النظرة الانتربولوجية المعاصرة.ومما جاء مسطرا على ظهر غلاف الكتاب المذكور مايلي:«إن الغاية مـن وضع هذا الكتاب هو الطبيعة المركبة لمكونات المجتمع المغربي في العصر الراهن. وقد ركزت الكاتبة أبحاثها الانتربولوجية على الطابع الخفي والاستراتيجي للسلطة في المجتمعات التقليدية ... لجأت إلى تتبع العلاقة التي تربط الدولة بقبائل زمور خلال مرحلتين وذلك بوضع قطاعيين في التاريخ: النصف الثاني من القرن التاسع عشر وعقدين من القرن الراهن( 1960-1980) ».وفي الجزء الثاني من الكتاب تحت عنوان "الدولة ومنطقة زمور في الوقت الراهن" حيث قامت بتحليل بعض المواضيع مثل الاطار الجديد للسلطة والجماعة القروية وتمدن القرية أم تزييف المدينة ؟ والتعليم والتنمية القروية الخ ، اعتمدت كثيرا على آراء مجموعة من الاتنولوجيين والانتربولوجـــين المعاصــرين أمثال ج. واتربوري   ، ور. لوفو،وج. بيروغييه ، وب. باسكون  وغيرهم...

ولعل الدراسة التي قام بها محمد التوزي، باللغة الفرنسية، حول بعض المظاهر الدينية في المغرب المعاصر، من أحدث الدراسات الانتربولوجية الميدانية المتعلقة بالمجتمع المغربي وأصدقها تمثلا للروح الانتربولوجية الاستعمارية التي كانت سائدة زمن الاحتلال الأوربي للبلدان المستعمرة.في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات قام بعض الباحثين ممن لهم ارتباط ب"المركز الوطني للبحوث العلمية" بفرنسا C.N.R.S بإعداد مجموعة من الأبحاث النظرية والميدانية منصبة حول قضايا دينية واجتماعية في دول المغرب العربي.وفي سنة 1981 نشر المركز المذكور مجموع تلك البحوث والدراسات في كتـاب يـزيـد عدد صفحاته على اربعـمـائة صفحة من الحجم الكبير، تحت عنوان: " المسلمون المغاربة في أواخر القرن 14 الهجري" « Le Maghreb Muslman en 1979 ».وينتمي نصف الباحثين ـ وعددهم عشرون باحثا ـ إلى المغرب العربي، وجل النصف الآخر من الفرنسيين.

 ومما جاء في مقدمة الكتاب بقلم (كريسـتيـان سوريو) المشرف على هذه الابحاث، أنه بسبب ربط المحللين السياسيين بين الأزمة العالمية للعقد السابع من القرن العشرين من جهة، وسياسة الحكومات العربية المتعلقة بالبتـرول والظهور المفاجئ للثورة الإسلامية في إيران من جهة ثانية، بدأت أنظار الدارسين تتجه نحو المجتمعات العربية حيث شرع في دراسة الإسلام وإعادة تقييم للدينامية الثقافية لهاته المجتمعات. ومن هنا فإن الكتاب المشار إليه يشكل لبنة من لبنات المشروع الانتربولوجي الجديد والمعاصر.

ساهم محمد التوزي في هذا الكتاب بدراستين: الأولى تتركز حول علاقة العلماء بالسلطة وموقف الاحزاب السياسية من الدين.والثانية ـ وهي دراسة ميدانية ـ عبارة عن بحث وصفي إحصائي للمساجد والكتاتيب بالدار البيضاء وعدد الأشخاص الذين يرتادون المساجد لأداء الصلوات الخمس(!!؟). كما تناولت بالتحليل والوصف مختلف الجمعيات والحركات الإسلامية في المغرب. وهذه الدراسة قام بتحقيقها محمد التوزى بالاشتراك مع الباحث الفرنسي (برونو إيتيان) .غير أن محمد التوزي ـ كما يلاحظ من خلال الاطلاع على نص الدراسة ـ كان أكثر حضورا وبالتالي أنجز الجزء الاكبر من الدراسة، خصوصا وأنه يسكن مدينة البحث حسب ما صرح به في  تلك الدراسة. وتقع الدراستان كلتاهما في أربعين صفحة.يقول محمد التوزي وبرونو إتيان في الدراسة الثانية: :» حاولنا أن نتحقق من مدى تطبيق المبادىء الدينية الخمسة مبتدئين بالصلاة والزكاة  ولهذا قسمنا مدينة الدارالبيضاء إلى أربعة عشر قطاعا «[6].«والنقطة الثانية المستخلصة من البحث الميداني هو التردد الضعيف على المساجد مقارنة مع التردد على «السادات والآضرحة.....»[7].«ومن ناحية آخرى فإن (أندري آدم) قدر عدد المصلين في المساجد ب1% من مجموع سكان الدار البيضاء سنة 1951[8]. وفي سنة 1979 تبين لنا أن أقل من 1% من البيضاويين يقصدون المساجد للصلاة. 

ثم إن أ. آدم يذكر عدد المساجد في الصفحة 587 من كتابه، لكنني انتهيت (كذا بصيغة المفرد) إلى أعداد مختلفة. ففي حي الحبوس ذكر ثمانية مساجد، في حين لم نعثر إلا على سبعة فقط. بالنسبة لحي بن مسيك الذي كنت أجوبه(كذا بصيغة المفرد) مترا مترا... بالنسبة لجامع المعارف ـ حيث كنت أسكن أمامه ـ ترددت عليه ما يقرب من 180 مرة خلال سنتين وفي صلوات مختلفة. وقصدته في الساعة الرابعة والنصف صباحا خمس مرات فلم أجد أحدا. ويوم الجمعة في الساعة الواحدة والنصف زوالا: من 380 إلى 600 مصلي، :كما عاينت ما يقرب من خمسين مسكينا يجلسون على الرصيف خارج المسجد …»[9].«وخلافا لما يمكن أن يعتقد فإن اغلب المساجد لا تحتضن كتاتيب قرآنية، غير أن عدد الكتاتيب يفوق بكثير عدد المساجد ...»[10].«إن الجمعيات الدينية في المغرب تجسد حركات أو موجات الرفض...»[11].«هناك جمعيات إسلامية كثيرة: دار القرآن ، الدعوة إلى الله ،الدعوة والتبيلغ ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، جمعية البعث الإسلامي ،جمعية الشبيبة الإسلامية ... معظمها معترف به من طرف السلطات...«[12].«أما الجمعيات المتأثرة بكتابات الإخوان المسلمين (البنا، الكواكبي، قطب) فإن أعضاءها يكثرون في الجامعات ...»[13].يتضح من خلال هذه النصوص كيف أن الانتربولوجيا كانت وماتزال تجسد روح وهيمنة الرجل الغربي، وكيف أن العلوم الإنسانية برمتها لا تستطيع أن تتحرر من سيطرة السياسة الأوربية والامريكية ومن ايديولوجية الإنسان الأبيض ذي العرق الآري. وماهو مصير هذه الأبحاث وغيرها إن لم يكن استغلالها في تدعيم سياسة الغزو الفكري وتوجيه الشعوب الضعيفة والتحكم في شؤونها الداخلية؟إن الانتروبولوجيا التـي ورثت الاستشراق تستعمل منهجا يبدو للمستغربيـن أكثر «تقـدما» و«نزاهـة» على المستوى العلمي من الاستشراق. 

في حين أن أمرها قد افتضح في موطن نشأتها، وهي الآن تعاني أزمة خانقة.وأخيرا، وعلى سبيل الاستنتاج، ماهو الفرق مثلا بين شخـصيـة (أندري آدم) الباحث الانتربولوجي الاستعماري وشخصية محمد توزي الباحث الانتربولوجي المغربي المعاصر؟بكل صراحة لا فرق بينهما سوى أن الأول فرنسي والثاني مغربي. أما على مستوى الوظيفة والرسالة الانتربولوجية الاستعمارية، فهما على قدم المساواة وإن كان الفرنسي أستإذا والمغربي تلميذا! ولما كان من شأن التلميذ النجيب تقليد الأستاذ والاقتـداء به قام باحثنا الانتربولوجي، بكل وفاء وإخلاص، باقتفاء أثر أستاذه ، وهيأ هو الآخر دراسة ميدانية إحصائية حول مساجد الدار البيضاء، متتبعا خطـوات روادها من المسلمين الأبرياء، متجسسا عليهم في صلاتهم وعبادتهم.

 ويقول م. توزي منبها إلى ملاحظة "قيمة" ـ ومعبرا عن بلادة الانتربولوجيين وهم يقدمون ثمرات أعمـالهم لأصحاب القوة والسلطة من المستعمرين والمتكبرين ـ « وإذا أخذنا بعين الاعتبار تضاعف عدد سكان الدار البيضاء، فإن السمة البارزة فيما يتعلق بالصلاة، هي الانخفاض الجلي لعدد المترددين على المساجد بالمقارنة مع عددهم انطلاقا من بحث أندرى آدم في سنة 1953 (!) [14]منذ نهاية القرن التاسع عشرالميلادي أخذت صورة الإسلام تشمل، في نفس الوقت، واقع التخلف الهمجي من ناحية، ورمز القوة الهدامة والمهددة لبنيان الحضارة الغربية ولدورها في المستعمرات،  خصوصا عبر الحركات الوطنية التي تبوأ بعض العلماء والمصلحين فيها موقع الصدارة، من ناحية أخرى. بذلك مر البحث الانتربولوجي من إنتاج خطاب إيديولوجي حول إسلام وهمي ـ بهدف إنعاش الافكار المسبقة والقوالب الغريزية لذى الأوربيين حول الإسلام دينا وثقافة ـ إلى خطاب شبه سياسي حول عدم التجانس بينه وبين حضارة الغرب وقيمهن بغرض إفراز عداء سياسي عميق ضد الحركات الوطنية المسلمة، وبذلك تكون الانتربولوجيا منسجمة تماما مع استراتيجية السلطة السياسية والعسكرية.والواقع أن هناك من الشواهد ما يبرر موقف التشكك الذي يقفه العلماء الشبان الآن من مسألة موضوعية البحث في العلوم الإنسانية. ذلك أن الحكومات كثيرا ما تتدخل في توجيه البحوث الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتحدد موضوعات معينة بالذات تعطيها أولوية مطلقة، وتطالب العلماء بدراستها قبل غيرها من المشاكل التي قد تكون أقرب إلى ميول هؤلاء العلماء، كما أن تمويل معظم الدراسات والبحوث في الوقت الحاضر يأتي من مصادر حكومية أو شبه رسمية على العموم. واعتماد العلماء في هذه المجالات على الهيئات الرسمية يفرض بلا شك قيودا معينة على آراء الباحثين والعلماء في المشكلات التي يدرسونها.

 وكثير من العلماء والباحثين في مختلف الدول هم في الحقيقة مجرد "موظفين" في الادارات الحكومية، يقتصر نشاطهم العلمي على دراسة المسائل التي تعينها لهم الدولة، أو الإدارة الحكومية التي ينتمون إليها. وثمة فارق كبير بغير شك بين أن تسهم الحكومـات والشركات في الإنفاق على البحوث التي يقوم بها العلماء حسب رغباتهم الشخصية وبدون تدخل من تلك الحكومات والشركات من ناحية، وأن تقوم هيئة معينة بتحديد مشكلة معينة وتختار لدراستها باحثين معينين تقوم بالانفاق عليهم أثناء مدة البحث والدراسة. فمعظم الدراسات والبحـوث التي تدخل في هذه الفئة الأخيرة إنما تجرى لخدمة أغراض معينة، ولهذا فهي تخضع في كل خطوة من خطواتها لتدخل تلك السلطات ورقابتها وتوجيهها، مما قد يؤثر في النتائج التي تصل إليها. بل ان الكثير من هذه الدراسات الاجتماعية والانثربولوجيـة والسياسية والاقتصادية يتم بتوجيه ادارات المخابرات في الدول المتخلفة.

لقد كانت الحكومات الاستعمارية تستعين بمن تسميهم بالانتربولوجيين الحكوميين، لإجراء دراسات خاصة بين القبائل والشعوب الخاضعة لحكمها، وجمع معلومات حول موضوعات معينة بالذات، لكي تسترشد بها في سياستها وادارتها لتلك المجتمعات بطريقة لا تتعارض مع القيم والنظم التقليدية السائدة هناك، وبذلك كانت الحكومات الاستعمارية تتمكن بمعونة هـؤلاء الانتربولوجين الحكوميين من تفادي كل ما من شأنه إثـارة تلك الشعوب، فلا تطالب بحريتها واستقلالها، ويعتبر ذلك العمل أيضا في نظر العلمـاء الثائرين المتمردين منافيا للأخلاق. صحيح أنه في بعض الأحيان كان يسمح لهؤلاء الانتربولوجيين الحكوميين بالقيام بالدراسات التي يرغبون هم أنفسهم في إجرائها والتي تتلاءم مع ميـولهم أو تجيب عن بعض الأسئلة العلمية التي تدور في إذهانهم، وكذلك فحص بعض النظم التي تهم الحكومات بشكل مباشـر مثل النظام الديني أو القرابي، أو الآداب والفنون الشعبية والأساطير ومـا إلى ذلك، ولكن هذا كان يعتبر في العادة عملا جانبيا يقومون به حين يفرغون من عملهم الأساسي.

ومن الطبيعي أن ينصرف اهتمام الانتربولوجي إلى الموضوعات الانتربولوجية بغض النظر عما إذا كانت لها ـ أو لم يكن لها ـ أهمية عملية على الاطلاق، كذلك من الطبيعي أن تكون حكومات المستعمر مهتمة بالمشاكل العملية بغض النظر عن قيمتها النظرية. وقد نشأت صعوبات وإشكالات كثيرة حول هذه المسألة. ومن شأن هذا كله أن يلقي ظلالا كثيفة على ادعاء الكثير من المشتغلين بالعلوم الإنسانية بأنهم يتوخون الموضوعية في دراساتهم وبحوثهم، في الوقت الذي يقومون فيه في الواقع بأبحاث موجهة ومغرضة ومتحيزة، وتهدف إلى تحقيق أهداف معينة، حددتها لهم هيئات لا تتصل بالعلم ولا بموضوعيـة البحث من قريب أو من بعيد. ولذا كان كثير من العلماء المتمردين يرون في دعوى الموضوعية العلمية في العلوم الإنسانية نوعا من النفاق العلمي الذي يجب فضحه وكشف النقاب عنه.



[1] ـ Marc Gontard « La littérature marocaine de langue française » in Revue Europe Juin Juillet 1979; Paris p.104.[2] ـ محمد الدغمومي: "الرواية المغربية والتغير الاجتماعي" (دراسة سوسيو ـ ثقافية) دار النشر أفريقيا الشرق 1991 ص23.[3] ـ ص16. مرجع سابق.  Boukous In Revue Europe[4] ـ نفس المرجع ص20.[5] ـ "الدولة والسلطة والمجتمع" (دراسة في الثابت والمتحول في علاقة الدولة بالقبائل في المغرب) دار الطليعة بيروت 1991.[6] ـ C.N.R.S. «  Le Maghreb Musulman en 1979 » Paris 1981 p.235[7] ـ المرجع السابق ص 236.[8] ـ André Adam, Casablanca; essai sur la transformation de la société marocaine au contact de l’Occident, Paris CNRS, CRESM. Paris 1953.[9] ـ «  Le Maghreb Musulman en 1979 » p. 241.[10] ـ نفس المرجع ص 242.[11] ـ نفس المرجع ص244.[12] ـ نفس المرجع ص247.[13]  ـ نفس المرجع ص248.[14] ـ المرجع السابق ص 240.x

الإتنولوجيا والأنتربولوجيا في المغرب

0
1- النشاط الإتنولوجي والأنتربولوجي فيما قبل الاستعمار:

تعريف الإتنولوجيا والأنتربولوجيا:مما لاشك فيه أن الانقلاب الاجتماعي والفكري الذي عرفه الإنسان الغربي في عصر النهضة الأوربية وبعدها، كانت له نتائج مختلفة سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو المعرفي. ففيما يتعلق بالمعرفة، كانت هناك في البداية ثورة في مجال الأدب الشعري والنثري، ومن روادها الأوائل (دانتي) و ( بترارك) الايطاليين. ثم بعد ذلك سيطرت المعرفة الفلسفية والعلمية قبل أن يأتي دور العلوم الإنسانية ابتداء من منتصف القرن الثامن عشرالميلادي. وفي رأيي أن العلـوم الإنسانية الغربية يمكن تقسيمها من حيث عوامل النشأة إلى قسمين: قسم مرتبط بالإنسان الغربي المحض، مثل علم الاقتصاد وعلم التاريخ وعلم النفس وعلم الاجتماع . وقسم مرتبط بعلاقة الإنسان الغربي بالآخر؛ مثل الاستشراق والإنتولوجيا والأنتربولوجيا، وهذا ما يفسر تزامن وازدهار هذه العلوم الثلاثة مع تطور الحركة الامبريالية الاستعمارية.

ومن ناحية أخرى فإن الإنسان الأوربي عندما أقام القطيعة الروحية مع السماء، وثار في وجه الدين وألغى التصور العمودي للإنسان، شرع في بناء التصور الأفقي. وبما أن أوربا كانت قبل نهضتها خاضعة للكنسية التي كانت تتحكم في رقاب الناس وتستعبدهم باسم الدين المسيحي، وتحرم عليهم تعاطي المعرفة وممارسة الحرية الفكرية، كـان الأوربي نتيجة لذلك يعيش حياة تنعدم فيها الشروط الضرورية لمعنى الإنسان. ومن هنا لما ثار في وجه الكنيسة، ولى وجهه شطر الإنسان الذي أصبح محور تفكيره ونشاطه. لقد فكر الرجل  الغربي الذي حطم قيود الكنيسة وبدد حجب  الظلام والجهل، والذي اكتشف إنسانيته وذاته وحريته، فكر هذا الرجل في إقامة التصور الأفقي. إن مسيرة تأسيس هذا التصور بعد أن مرت بالمرحلة الأدبية والفلسفية  ثم العلمية، ولجت مرحلة العلوم الإنسانية. ولكي يكون بناء هذا التصور الأفقي للإنسان متين الأركان والقواعد، فكر الرجل الغربي في الاستفادة من تصور الأجناس الأخرى لمفهوم الإنسان، وفي إجراء مقارنة بين التصورين. وبعبارة أخرى إن علمي  الأنتروبولوجيا والإتنولوجيا بالإضافة إلى ارتباطهما بالنزعة الاستعمارية، يمثلان مرحلة حاسمة من مراحل تكوين التصور الأفقي عند الإنسان الغربي.

بيد أن الباحث الأنتربولوجي والإتنولوجي لم يكن أثناء اطلاعه على عادات وتقاليد وأفكار الأمم  الأخرى متصفا بالموضوعية التامة، وإنما كان ينطلق من مركزية  الإنسان الأوربي وعلو مكانته، وبصفته النموذج الأعلى للانسان. ومن هنا سهل الالتحام بين أهداف هذين العلمين وأهداف الامبريالية والاستعمار. ومازال الباحثون الأنتربولوجيون في أوربا وأمريكا إلى حـد الآن يسخرون أبحاثهم ونشاطاتهم ـ بطريقة مباشرة أو غير مباشرة ـ لخدمة مصالح الغرب وسياسته[1][1].

ويعرف (أندريه لالند) الاتنولوجيا بأنها:  »دراسة وتحليل الظواهر التي وصفتها وجمعتها الاتنوغرافيا. وتعني الاتنوغرافيا دراسة وصفية  لعادات وثقافات مختلف شعوب العالم»[2][2].

ويعرف الانتربولوجيا بأنها: «دراسة المجموعة الإنسانية دراسة شمولية ومفصلة، وكذلك في علاقاتها مع الطبيعة ... وتضم الانتربولوجيا علم التشريح وعلم ماقبل التاريخ والاتنوغرافيا والاتنولوجيا في مفهومها الواسع، وعلم الاجتماع والفولكلور واللسانيات» [3][3].

ومن الناحية الاشتقاقية، فإن مصطلح الاتنولوجيا يعني علم السلالات والأعراف البشرية أما مصطلح الانتربولوجيا فيعنى علم الإنسان.إلا أنه لوحظ في العقود الأخيرة، بأن كثيرا من الباحثين الانتربولوجيين يستديرون نحو دراسة المجتمعات المسماة "متمدنة". كما أن الأنتربولوجيا ترمي إلى معرفة الإنسان معرفـة شاملة، تشمل شخصه بامتداده التاريخي والجغرافي كله، متطلعة إلى معرفة يمكن تطبيقها على مجمل التطور البشري. وتعتمد الانتربولوجيا في صياغة نظرياتها على أبحاث ودراسات الإتنولوجيا التي بدورها تعتبر أول خطوة لتركيب وتنظير نتائج ومعطيات الإتنوغرافيا، ويمثل هذ العلم الأخير أي الإتنوغرافيا المرحلة الأولى في الدراسة الانتربولوجية العامة، إذ أن مهمة الاتنوغرافي تتعين في الملاحظة والوصف والعمل الميداني. ومن ناحية أخرى يمكن القول بأن الإتنوغرافيا والإتنولوجيا والأنتربولوجيا لا تؤلف ثلاثة فروع علمية مختلفة أو ثلاثة مفاهيم مختلفة ومتباعدة، بل هي في الواقع ثلاث مراحل أو ثلاث لحظات لبحث واحد، وايثار هذا اللفظ أو ذاك يعبر فقط عن اهتمام مهيمن يتجه نحو نمط من البحث لا يستبعد النمطين الآخرين بأية حال.

أما من حيث طريقة البحث، فإن الانتربولوجيا قد استخدمت المنهج الانتشاري، ثم المنهج التطوري قبل أن تعرف المنهج الوظيفي. وابتداء من الاربعينات اطلع (كلود ليفي ستراوس) على النتائج التي توصلت إليها علم اللغة أو الألسنيـة من خلال تطبيق الطريقة البنيوية، فأعجب بها، ومن ثم فكر في تعميم هذه الطريقة على الدراسات الأنتربولوجيةلاتتوفر لدى الباحثين معلومات عن ظهور كتابات أوربية عن المغرب قبل القرن الثامن عشرالميلادي. والظاهر أنها نادرة جدا لعدة أسباب من بينها أن الأوربيين لم يكن من عادتـهم ارتياد المغرب وقتئد، كما أن الصورة التي كانت عندهم حول البلد لم تكن تشجعهم على ذلك، خصوصا بعد اندحار الجيوش النصرانية في معركة وادي المخازن. معنى هذا أن المغرب ظل يحتفظ بصورته المهيبة إلى منتصف القرن التاسع عشرالميلادي حيث أفلت هذه الصورة وبدا  للأعداء أن الأسد لم يعد قادرا على مغادرة عرينه. وكانت وقعتا ايسلي وتطوان اللتان سبقت الإشارة إليهما، إيذانا بذلك الأفول. ولعل كتاب (ليــون الافريقي) عن المغرب الذي ترجم إلى الفرنسية سنة 1556م، يعتبر الكتاب الأول والوحيد الذي تعرض فيه مؤلفه لعادات المغرب وتقاليده ونظمة وثقافته بطريقة مستفيضة.

ومع حلول القرن الثامن عشر الميلادي الذي سجل تطورا هاما في علاقة المغرب التجارية والدبلوماسية مع دول أوربا، بدأت أقدام التجار والسفراء والقناصل وبعض الرحل، وكذا بعض أسرى القرصنة، تطأ أرض المغرب. وعند رجوع هؤلاء إلى إلى بلدانهم، كان كثير منهم يدونون ما عاينوه في المغرب وما خبروه عن مجتمعه. بيد أن كتابات هذه الفترة لا تدخل في إطار النشاط الاتنولوجي البحت ومع ذلك فإنها من ممهداته الأساسية.

ومن بين ما كتب عن المغرب في هذا القرن، أذكر كتاب "رحلة في امبراطورية المغرب ومملكة فاس[4][4]ومؤلفه طبيب انجليزي استدعي من قبل سلطان المغرب سيدي محمد بن عبد الله لعلاج بعض أفراد الأسرة الحاكمة. وبما أن إقامةهذا الطبيب بالمغرب دامت ما يقرب من سنتين من (1790م إلى 1791م) ، فإنه استطاع أن يطلع على وضعية البـلاد، فضمن كتابه فصولا عن التجارة والجند والدين والقوانين. وبالرغم من أن ملاحظاته كانت صائبة فيما يتعلق بتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وتفشي الجهل «… وعندهم جهل مطبق بالتاريخ السياسي للدول الأجنبية …»[5][5]. إلا أن بعض أحكامه لها قرابة بجنس الأحكام التي سيصدرها عن المغرب الرحالة والاتنولوجيون في القرن التاسع عشرالميلادي. ومن ذلك قوله مثلا وهو يتحدث عن الشعب المغربي «هذا الشعب الذي كان بالامس محترما، يشبه اليوم جماعة أو عشيرة من الوحوش »[6][6]. وقوله :«هـنا في المغرب يقطن جنس مكون من الأنذال يرجعون في أصولهم إلى أولئك الأعراب المتوحشين الذين يقدمون إلى المدن الكبرى قصد السرقة وقطع الطرق»[7][7].

وفي النصف الأول من القرن التاسع عشرالميلادي ـ خصوصا بعد غزو فرنسا للجزائر سنة 1830م ـ أصبح المغرب مركز اهتمام الدول الأوربية أمثـال فرنسا و إنجلترا وألمانيا وإسبانيا، التي اشتـد التنافس بينها حول السيطرة على ترابه واستغلال خيراته. ومن هنا شجع المسؤولون في تلك الدول، الباحثين الإتنولوجيين على القيام برحلات استكشافية وتحرير دراسات اجتماعية تدور حول نظم المغرب وعاداته ودينه وأساليب حياته في المدن والقرى. ولم يكد القرن التاسع عشرالميلادي يشرف على النهاية حتى كانت المكاتب والجهات المسؤولة في أوربا تضم مآت الكتب والنشرات عن المغرب. ويذكر (أوجست مولييرا (أن بيبليوغرافيا (بلايفير)  تشتمل على ألفين وثلاثمائة كتاب متعلق بالمغرب[8][8].

ولابأس من الحديث عن بعض هؤلاء الرحالة الاتنولوجيين حتى تتضح الصورة عن أهمية أعمالهم ومجهوداتهم بالنسبة لحكوماتهم. فمن بين الألمانيين الأوائل مثلا، يبرز إسم (هينريخ بارت)   الذي قام «بجولات بالمغرب فوصل طنجة في غشت 1845م، وزار كلا من تطوان وأصيلة والعرائش وغيرها...»[9][9]. ومن بينهم أيضا (ماكس كويدنفيلت)  الذي قام هو الآخر بجولات كثيرة في المغرب.

ولم يكن الإنجليز أقل اهتماما من الألمان بهذا الجانب، فقد توافد عدد كبير منهم إلى المغرب طوال القرن التاسع عشر الميلادي سواء في إطار مهمة دبلوماسية أو استكشافية أو اتنولوجية محضة. ومن بين هؤلاء (جميس كراي جاكسون)  الذي ساح في المغرب وكتب حوله كتابه: "عرض عن إيالة المغرب" سنة 1814م. ومنهم (وولتر براد هاريس)  الذي استوطن طنجة سنة 1887م، وظل فيها مراسلا للتايمز قرابة أربعين سنة. وأثناء مقامه بالمغرب، قام بجولات داخل أهم مدنه وقراه. وضمن ملاحظاته وتقاريره في مقالات وكتب عدة أهمها "المغرب البائد ".

ولعل حصة الأسد في مجال البحث الإتنولوجي والأنتربولوجي بالمغرب، كانت من نصيب فرنسا، حيث أن عدد الرحالة والدارسين الفرنسيين ظل في اطراد مستمر مع نهاية القرن التاسع عشرالميلادي وقبيل الاستعمار. ويعلل تقلص نسبة الانجليز والألمان بكون الحكومتين الإنجليزية والألمانية إلى حدود تلك الفترة -كانتا قد يئستا من محاولة وضع حماية على المغرب، وأن فرنسا ـ بالاتفاق مع إسبانيا ـ  ستكون المرشحة لتلك الحماية. غير أن هذه الامور كما هو معلوم تم تهييئها والمصادقة عليها من طرف أهم الحكومات الأوربية والتي اجتمع ممثلوها في مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906 لهذا الغرض.

ويعتبر (رايموند توماسي)  من الباحثيين الاتنولوجيين الذين أسدوا خدمات جليلة لدولتهم ابتداء من النصف الأول للقرن التاسع عشرالميلادي.        له كتاب تحت عنوان "العلاقات السياسية والتجارية لفرنسا مع المغرب" طبع سنة 1840م. يقـول (جرمان عياش) متحدثا عن تـومـاسي هـذا: « فبينما لم تكن الحرب قد وضعت أوزارها في الجزائر، كان الغزاة يتطلعون إلى المغرب بأعين جاحظة. ومنذ النصف الأول من القرن الماضي، وجدنا الفرنسي توماسي ، رائد العقلية الاستعمارية، يبين كيف ستتحول الأمور في هذه الجهة {....} ويقول المؤلف (أي توماسي) " إنه لمن قبيل الخيال فعلا الاعتقاد بأن الإسلام لن يحرك ساكنا إلى أن يلفظ أنفاسه كما يطيب لنا دون أن يخوض معركته الأخيرة، وحيث إن المغرب يعد ذرعه الخلفي في افريقيا، وأحد جيوشه الاحتياطية، فعلينا أيضا أن نستعد للحروب الحاسمة التي ربما يكون هذا البلد مسرحا لها ذات يوم، وستكون فرنسا مدعوة لا محالة لتمثل فيه المسيحية ولتحارب كبطل للحضارة {...}. إن العلم هو أحد هذه الأسلحة وأول سلاح ينبغي توظيفه، لأنه هو الذي سيعمل على تعبيد الأرضية التي يتعين الزحف إليها " ».[10][10]

يتبين للقارئ من خلال هذا النص أن توماسي كان فعلا رائدا للعقلية الاستعمارية، كما عبر بكلام جلي عن الوظيفة الأساسية للاتنولوجيا والتي تتخلص في « تعبيد الأرضية وتمهيد الطريق لسيطرة الرجل الغربي » على الشعوب الضعيفة، وكلامه غاية في تحميس وتشجيع الإدارة الفرنسية للاستيلاء على المغرب. ويعتبر (شارل دوفوكو) أغرب شخصية إتنولوجية وتنصيرية في نفس الوقت، عرفها المغرب في مرحلة ماقبل الاستعمار، حيث ظل أربعين سنة يمارس الطواف والترحال بين مدن وقرى الجزائر والمغرب متنكرا مرة بزي الرهبان، وأخرى بزي الأحبار. كان دوفوكو هذا رجلا من أهم رجالات الاستخبار، وقد سمحت له علاقاته المتينة مع بعض شيوخ القبائل ورؤساء الطرق الصوفية، وغيرهم من الأشخاص أن يكتسب معلومات هامة عن وضعية المغرب السياسية والاجتماعية. وبعد تنقيح هذه الأخبار وتنظيمها، يبعث بها إلى ساسـة فرنسا وقوادها العسكريين. ولا يذكر التاريخ أن أحدا من الرحالة الإتنولوجيين كان متفانيا في عمله تفاني هذا الرجل. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أنه كان، إلى جانب مهامه السياسية، مخلصا في عمله التنصيري، ويأمل أن تصبح شمال إفريقيا بلدا مسيحيا، كما أنه كتب كتابا بعنوان: "معرفة أو استكشاف المغرب".وقد يكون (هنري دو كاسطري)  أهم دارس فرنسي اهتم بالبحث الإتنولوجي والتاريخي للمغرب خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القـرن العشرين. وكـان أهم وأضخم عمل قام به أنه نشر ـ بمساعدة (دو سينفال) ـ  دراسة وثائقية عن تاريخ المغرب في ثلاثين مجلـدا بعنـوان : "المـصـادر الغمـيسـة لتـاريـخ المـغـرب "[11][11]sources inedites de l'histoire du maroc ، في مجموعتين؛ المجموعة الأولى متعلقة بالعهد السعدي، والثانية بالعهد العلوي إلى حدود النصف الأول من القرن التاسع عشرالميلادي.

2ـ النشاط الإتنولوجي والأنتربولوجي في فترة الاستعمار.كان من الطبيعي أن يستمر هذا النشاط بحلول المرحلة الاستعمارية. بل إنه ازداد كثافة وعمقا لكون المستعمر أضحى محتاجا أكثر فأكثر إلى الدراسات والبحوث حول عقلية المغاربة ونقط قوتهم وضعفهم، لإتمام وإحكام السيطرة عليهم. وبهذا الاعتبار يكون الأدب الاتنولوجي الذي عرفته هذه المرحلة أدبا ايديولوجيا يخدم مصالح المستعمر بصفة مباشرة.

لقد كان دور الباحث الاتنولوجي ـ بالنسبة للمستعمرـ لايقل أهمية عن دور كولونيل في الجيش. وقد يكون الأول أكثر قيمة من الثاني، لأن هذا الأخير لا يخطو خطوة إلا بعد أن يعبد له الباحث الاتنولوجي الطريق، ويقدم له وصفا دقيقا للناحية التي يقصدها أو ينـوي محاربة أهلها. ومن هنا خصصت إدارة المستعمر أموالا طائلة في سبيل البحوث الاتنولوجية والانتربولوجية والنشرات المتعلقة بها، وكذا إنشاء مؤسسات لتكوين وتأطير الباحثين. وهكذا استمرت "البعــثة العلمية " Mission Scientifique التي تأسســت قبـل الإســتعمار بسنوات، في نشاطـها وبحــثها، وبقيت مجلة "الــوثائق المــغربــية"  Archives Marocaines التي ظهرت سنة 1904م تشق طريقها إلى منتصف الثلاثينيات. ولم تترك هذه المجلة مجالا من المجالات الاجتماعية المغربية دون دراسة وتحليل. فنشرت مقالات مطـولة عن تقاليد المغرب وأعرافه في المدن و القرى، وكتبت عن الدين وعن كيفية ممارسته لدى المغاربة، كما أسهمت في الكتابة عن الزوايا والطرق الصوفية والشيوخ وتأثير ذلك في عقلية المغاربة،  وتناولت بالنسبة للجانب الاقتصادي الحرف والمهن التقليدية وبعض أنواع التجارة في المدن ثم أساليب الزراعة والنشاط الفلاحي في البوادي إلى غير ذلك من المواضيع... وانصب النشاط الاتنولوجي والانتربولوجي أيضا على عنصر البربر وما يتعلق به من خصائص اجتماعية وثقافية خصوصا بعد تأسيس المدرسة الفرنسية البربرية بالرباط سنة 1914م التي كانت تصدر مجلة شهرية تحمل اسم "الوثائق البربرية"، حيث بسطت المعلومات والأخبار والدراسات الانتربولوجية عن النواحي البربرية. وبعد ذلك أطلق على هذه المدرسة سنة 1920م اسم "المعهد العالي للدراسات المغربية". ولقد لعب  المعهد دورا أساسيا فيما يتعلق ب "سياسة وحرب التهدئة"، التي كانت تستهدف إخضاع القبائل البربرية غير المسلمة. وهكذا ظهر كثير من الباحثين الذين يتقنون اللهجات البربرية والذين قاموا بمجهودات جبارة في سبيل قهر تلك القبائل.

» وسار الاستعمار الفرنسي في هذا الاتجاه وذلك من خلال:1 ـ عزل العربية عن الحياة العامة في التعليم والادارة وغيرها كما هو معروف في الأقطار الثلاثة: المغرب ـ الجزائر ـ تونس.

2 ـ محاولة جعل البربرية كبديل عن العربية حيث كتبت بحروف لاتينية، وصارت تدرس بصفة رسـمية سنة 1913م بمعهد الدراسات الشرقية ببــاريس، وقام (أنـدريه باسي)  » بنشاط حثيث طوال إقامته بأرض المغرب العربي لتحقيق هذا الغرض والذي مارس هو الآخر تدريس اللهجات البربرية بالمعهد المذكور. ولم يكتف المستعمر بذلك، بل أنشأ في نطاق هذا المخطط "متوسطة أزرو" بمراكش لتعليم اللهجات البربرية.

وفي سنة 1925م أدمجت مادة اللغة البربرية في مقــــررات معهد الدراسات العليا بمراكش.

والاستعمار الفرنسي لا يقصد من وراء اهتمامه المزعوم، تطوير البربرية وجعلها أداة لغوية مقتدرة، وإنما اتخذها كخطوة تكتيكية لعزل العربية، مما يفسح له المجال لإحلال الفرنسية محل الإثنتين، وليس هذا القول مجرد استنتاج تم التوصل إليه من خلال التحليل لأساليب الاستعمار الثقافية في المنطقة، وإنما هو حقيقة تضمنتها مخططاته المبيتة قد عبر عنها الأستاذ (جود فري ديمونبين)  بصورة لا لبس فيها بقوله: يجب أن تقوم اللغة الفرنسية لا البربرية مقام اللغة العربية كلغة مشتركة وكلغة للمدنية (...)وعلى صعيد آخر فقد أنشأ الاستعمار الفرنسي ما سمي "بالمدارس البربرية" وهي مدارس لا تدرس البربرية ولا يدرس بها، وإنما سميت بذلك، والهدف منها فرنسة أبناء البربر لا غير، وهذا ما عبر عنه الكومندان "مارتي" أحد كبار دعاة السياسة البربرية، وما عبر عنه أيضا الكومندان "مارتي"  بقوله: إن المدرسة الفرنسية البربرية هي مدرسة فرنسية بتعليمها وحياتها، بربرية بتلامذتها وبيئتها .« [12][12]

وإذا كانت الدراسات الانتربولوجية قد شملت كل الميادين الاجتماعية والدينية والسياسية والاقتصادية والثقافية، فإن هناك ثلاثة محاور استقطبت اهتمام أغلبية الباحثين وهي محور النظام القبلي، ومحور الزوايا والأضرحة والممارسات الصوفية، وأخيرا محور عقلية المغرب ونفسيته[13][13].

فيما يخص النظام القبلي نجد أن فترة الاستعمار تشهد اهتماما ملحوظا من قبل الباحثين الفرنسيين برجل البادية ونمط حياته وتفكيره. وإذا كان عالم القرية قد خضع للدراسات الأجنبية خلال القرن التاسع عشرالميلادي، فإن الحاجة إلى فهم أعمق للمكونات الأساسية للبادية المغربية غدت أكثر إلحاحا في الفترة الاستعمارية. ومما لا ريب فيه أن المطلع على تآليف الاتنولوجيين في هـذا الباب، قد يعجب  لكثر ما كتب عن هذا العالم الذي يشكل عدد أفراده ثلثي سكان المغرب. وتحتوي هذه التآليف على تحاليل شاملة ودقيقـة لكل جوانب الحياة في القرى وما يسودها من عادات وتقاليد، وما تحكمها من علاقات داخلية ومع السطلة.بيد أن هؤلاء الباحثين لم يلتزموا الموضوعية والنزاهة العلمية فيما كتبوا، أو بعبارة أخرى لم يستطيعوا التحرر من الشروط والتوجهات التي تمليها عليهم إدارة المستعمر. ومن بين المفاهيم المغرضة التى كرسوها في تحاليلهم؛  مفهوم الصراع وانعدام الأمن والنظام، وهنـاك في تصورهم أربعة أنواع من الصراعات المستمرة. أولاها الصراعات بين قبيلتين أو قبائل بربرية، وثانيها صراعات بين قبيلتين أو قبائل عربية، وثالتها صراعات بين قبيلتين أو قبائل إحداهما عربية والاخرى بربرية، ورابعها صراعات بين القبائل والسلطة المخزنية. صحيح أن العلاقات ـ قبل الاستعمارـ بين القبائل أو بينها وبين المخزن كان يسودها الفوضى والاضطراب، كما تميزت بشيء من التمرد من قبل البادية. لكن الحالة لم تكن بالشكل الذي صوره الباحثون في القرن التاسع عشر وبداية العشرين الميلاديين.

والحقيقة هي أن ذلك التصور المفتعل كان ضروريا لتبرير التدخل الأجنبي في شؤون المغرب الداخلية ثم في استعماره. وبالتالي لم تكن مسألة " بلاد المخزن" و"بلاد السيبة" كما صورها الاتنولوجيون أكثر من فكرة مختلقة استغلت لأغراض استعمارية؛ «إن الأجانب الذين وصفوا المغرب في القرن 19 ومؤرخو الحماية من بعدهم ركزوا على قضية تطور الفوضى وانقسام الدولة إلى "بلاد المخزن" و"بلاد السيبة". لكنه إذا كانت بعض القبائل ترفض أداء الضرائب أو تثور في وجـه القواد المعينين من قبل السلطان، فلا يعني أن سلطة هذا الأخير متنازع في شأنها، على العكس من ذلك نجد أن الكل يعترف بأن السلطان هو الرئيس الأعلى {...} ثم إن تطور "السيبة" وانتشار الاحداث قبيل الاستعمار له علاقة بمكائد المستعمر ومؤامراته الهادفة إلى تمهيد الغزو «[14][14].وفيما يتعلق بالجانب الديني عند المغاربة، كان اهتمام الباحثين الفرنسيين بالزوايا والأضرحة والطرق الصوفية أكثر من اهتمامهم بالشريعة الإسلامية المحضة، وذلك لعدة أسباب، منها أن بعض الطرق الصوفية كانت تتمتع بوزن سياسي لا يستهان به حتى أن رؤساءها كانوا أحيانا يعاملون معاملة خاصة من قبل المخزن.

«إن بعض الزوايا التي عارضت سياسة المخزن من بعض وجوهها كان لها دور في معارضة السياسة الاستعمارية والتغلغل الأجنبي، وبالأخص الزاوية الكتانية. وهناك زوايا أخرى واجهت الاستعمار  الأجنبي بشكل أو بآخر، ومنها الزاويتان الكنتية والفاضلية بالصحراء الغربية والجنوبية، والقندوسية والكرزازية بالصحراء الشرقية، والتيجانية بإفريقيا الغربية وإن كانت انطلاقتها من المغرب، والريسونية بالشمال. وبرز دور أنصار الكتاني بالأطلس المتوسط خاصة في مواجهة الاستعمار لفترة طويلة. أما الزاوية الريسونية فساندت المخزن ضد السيـاسة الإسبانية التوسعية، وتـولى أحد المنتمين إلى الأسرة الريسونية مولاي أحمد معارضة السياسة العزيزية كما أزعج الأوربيين بطنجة وعرقل الإمتداد الفرنسي نحو الشمال وإن اتهم بملاينة الطرف الإسباني»[15][15].

ومن الأسباب التي دعت الباحثين الانتربولوجيين إلى الاشتغال بالمظاهر والممارسات المتعلقة بالزوايا والطرقية، كون التفكير أو نوع العقلية وأشكال الطقوس والرقصات التي يقوم بها أصحاب الزوايا، كل هذه الخصائص لها ما يماثلها عند بعض القبائل في بلدان أخرى. لقد كانت الغاية من دراسة هذا الموضوع في المغرب هي إثبات أن هذا البلد يقطنه عدد كبير من الأشخاص ذوي التفكير اللامنطقي، أو كما يعبر عنه الانتربولوجي الفرنسي (ليفي برويل)  ب" عقلية ما قبل المنطق التي يجسدها ما يطلق عليه بالإنسان البدائي".

ومن ناحية أخرى شكلت عقلية المغربي ونفسيته موضوعا جذابا اهتم به بعض الانتروبولوجيين الفرنسيين أمثال (ل. برونو) الذي كتب بحثا بعنوان "العقل المغربي: المميزات الأساسية للعقلية المغربية"[16][16]، حيث أكد أن المغاربة متعـصبون في تدينهم، وأنهم محرومون من التفكير المجرد ومن التأمل العقلي والذهني. وذهب (ج. هاردي) في العشرينيات من هذا القرن، إلى أن العقل المغربي يمقت التركيبويتضايق أو ينفر من العمليات أو الحساب الجبري. بل إن بعض هؤلاء الباحثين أمـثال (بول مارتي) أقـروا في  تلك الفترة بأن الشباب المغربي لازال يعيش في المرحلة اللاهوتية؟! استنادا إلى نظرية (أوجست كونت) عن المراحل الثلاث التي مر بها العقل الإنساني [17][17].

د.عبد الله الشارف،"الاستغراب في الفكر المغربي المعاصر"الرباط /المغرب،2003، من ص 54 إلى ص 69.[18][1]ـ انظر على سبيل المثال لا الحصر. G.Balandier  *Anthropologie politique* Ed. Puf. Paris 1980J.Copans *Anthropologie et impérialisme*, Ed. Anthropos, France 1977.            [1][2] ـ André Lalande *Vocabulaire technique et critique de la philosophie*;  Ed. PUF ; France 1976 p. 306[19][3]ـ انفس المرجع ، ص62.[20][4]ـ G.Lempriere; *Voyage dans l’empire de Maroc et l’Empire de Fes*traduit de l’anglais par Sainte Suzane; Paris 1801.[21][5]ـ *Voyage dans l’empire de Maroc et l’Empire de Fes*  ص 243.[22][6]  ـ نفس المرجع .ص 82.[23][7]ـ نفس المرجع . ص 235.[24][8]ـ                         Auguste Moulieras *Le Maroc Inconnu* Oran 1895 p. 769.[25][9]ـ مصطفى بو شعراء: "الاستيطان والحماية بالمغرب"  مرجع سابق، ج 4 ، ص 1498.[26][10]ـ جرمان عياش " دراسات في تاريخ المغرب" مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء، 1986 ص 12 ـ 13.[27][11]ـ توجد نسخة من هذا الكتاب بالخزانة العامة بالرباط وأخرى بالمكتبة العامة والمحفوظات بتطوان.[28][12] ـ محمد المختار العرباوي "البربر عرب قدامى" منشورات المجلس القومي للثقافة العربية، روما1993 ص 10 ـ 11.[29][13]- انظر الملحق في آخر الكتاب[30][14]ـ J.brignon, A.Amin, B.Boutaleb, G.Martinet, B.Rosemberger avec collaboration de M. H. Terrasse; « Histoire du Maroc » Ed. Hatier, Paris, 1968, p. 313.[31][15]ـ إبراهيم حركات :"التيارات السياسية والفكرية بالمغرب خلال قرنين ونصف قبل الحماية" مطبعة الدار البيضاء،1985 ص 60.[32][16]ـ L Brunot: L’esprit marocain:Les caractères essentiels de la mentalité      marocaine, Rabat , BEMT. Nov 1923,[33][17] ـ صاحب كتاب: مغرب الغد Le Maroc de demain (Paris 1926)