بين التحليل النفسي الفرويدي والفلسفة

0


 

لقد ذهب الباحثون الغربيون إلى أن التحليل النفسي الفرويدي لم يقتصر تأثيره فقط في التيارات الفلسفية الحديثة؛ كالوجودية والبنيوية والشخصانية… بل كان له أبلغ الأثر في علم النفس وسائر العلوم الإنسانية الاجتماعية والتربوية والسياسية والتاريخية، وكذا في الآداب والفن. إن علم الاجتماع الغربي يستخدم على نطاق واسع، التحليل النفسي لدراسة الشخصية والمجتمع، لدرجة أصبح معها التفسير الفرويدي لمختلف الظواهر الاجتماعية، نوعا من النموذج المقولب، الذي بواسطته يمكن تفسير كل شيء.
إن مواضيع التحليل النفسي استقطبت ألوان الإبداع الأدبي مثل مسرح العبث، والسريالية والدراما وشعر الاعتزال، والانقطاع عن العالم، وفنونا من الأدب المنثور. واكتسبت أفكار ونظريات التحليل النفسي شعبية خاصة وانتشارا كبيرا في الأدب الغربي المعاصر، كما أن كتابات بعض الأدباء من أنصار الاتجاه الفرويدي تركز على الخلفية الجنسية لمواقف الفرد الحياتية.

ومن ناحية أخرى فإن التحليل النفسي هو علم الشخصية، والشخصية في مجموعها كما تصورها فرويد تتألف من ثلاثة أجهزة رئيسة: الهو والأنا الأعلى. إن هذه الأجهزة الثلاثة تؤلف عند الشخص السليم عقليا، كيانا متجانسا وتمكنه من ممارسة نشاطه بطريقة مجدية وفعالة، في حين إذا اضطربت موازين تلك الشخصية قيل عن الشخص أنه شاذ.
“والهو” منبع الطاقة البيولوجية والنفسية التي يولد الفرد مزودا بها، فهو يضم الدوافع الفطرية التي ترجع إلى ميراث النوع الإنساني كله: الحاجات الفسيولوجية وغريزة الجنس وغريزة العدوان، وبعبارة أخرى فهو طبيعة الإنسان الحيوانية قبل أن يتناولها المجتمع بالتحوير والتهذيب وهو جانب لا شعوري عميق (…)
والأنا هو جانب من الشخصية يتكون بالتدريج من اتصال الطفل بالعالم الخارجي الواقعي عن طريق حواسه … وهو مركز الشعور والإدراك والتفكير، وهو المشرف على أفعالنا الإرادية، كما للأنا وجهين؛ وجه يطل على الدوافع الفطرية الغريزية في “الهو”، والآخر يطل على العالم الخارجي عن طريق الحواس. ووظيفته هي التوفيق بين مطالب الهو والظروف الخارجية. و”الأنا الأعلى” هو جملة القيم والمعايير والمعتقدات والمبادئ الخلقية، التي يستخدمها الفرد في الحكم على دوافعه وسلوكه والتي يهتدي بها في تفكيره وأفعاله. إنه حصيلة عملية التطبيع الاجتماعي. وهو من حيث وظيفته؛ جانب الشخصية الذي يوجه وينتقد ويوقع العقاب. أما من حيث هو قوة محركة فيمكن تعريفه بأنه استعداد لا شعوري دافع مانع رادع مكتسب، على أساس من الخوف والحب والاحترام(1

أعتقد أن التحليل النفسي في حقيقة الأمر لم يكن مجرد أسلوب علاجي في مجال الطب النفسي، بل هو عبارة عن منظومة شاملة للكون، بمعنى أنه فلسفة لها خصوصيتها المتمثلة في قولها بتصور خاص عن الإنسان والكون والمجتمع والتاريخ والحضارة، وهذا ما يمكن ملاحظته في ما سبق ذكره عن بنية اللاشعور عند فرويد من جهة، وما يمكن ملاحظته من خلال توضيح نظريته في الغرائز من جهة ثانية.
ورغم ما لقيت تاملاته وفرضياته من اعتراض علماء النفس والأطباء في عصره باعتبارها مجرد “نزوة فلسفية” وشطحة من شطحاتها، رغم ذلك تمسك فرويد برأيه وسار قدما في أبحاثه. لقد كان فرويد “طبيبا ومعالجا نفسيا وعالما فسيولوجيا. كان “فرويد” كل هؤلاء معا على حد سواء. ولكنه كان أيضا أكثر من هذا فيلسوفا.
"وقد وقعنا على إشارة إلى هذا في خطاب بعث به إلى صديق في سنة 1896 ذكر فيه: “لم أكتب كتابا أتمنى شيئا أكثر من المعرفة الفلسفية، وأنا الآن في طريقي إلى تحقيق هذه الأمنية بالانتقال من الطب إلى علم النفس(2).معنى هذا أن فرويد يعتبر علم النفس فلسفة وبالتالي فإن التحليل النفسي؛ الإبن الرضيع لعلم النفس يكون قد نشأ انطلاقا من مبادئ فلسفية.

1-د. احمد عزت راجح “أصول علم النفس” مطابع الأهرام التجارية القاهرة 1973 ص 410-144.
2-كلفن هال ”أصول علم النفس الفرويدي “ترجمة دم فتحي الشنيطي / دار النهضة العربية بيروت 1970ص2.

د. عبد الله الشارف
أثر الاستغراب في التربية والتعليم بالمغرب، ص80-81-82، ألطوبريس، طنجة 2000.

البربر في الإثنولوجيا الاستعمارية بالمغرب

0


لقد كان دور الباحث الاتنولوجي ـ بالنسبة للمستعمرـ لايقل أهمية عن دور كولونيل في الجيش. وقد يكون الأول أكثر قيمة من الثاني، لأن هذا الأخير لا يخطو خطوة إلا بعد أن يعبد له الباحث الاتنولوجي الطريق، ويقدم له وصفا دقيقا للناحية التي يقصدها أو ينـوي محاربة أهلها. ومن هنا خصصت إدارة المستعمر أموالا طائلة في سبيل البحوث الاتنولوجية والانتربولوجية والنشرات المتعلقة بها، وكذا إنشاء مؤسسات لتكوين وتأطير الباحثين. وهكذا استمرت “البعــثة العلمية “ Mission Scientifique التي تأسســت قبـل الإســتعمار بسنوات، في نشاطـها وبحــثها، وبقيت مجلة “الــوثائق المــغربــية” Archives Marocaines التي ظهرت سنة 1904م تشق طريقها إلى منتصف الثلاثينيات. ولم تترك هذه المجلة مجالا من المجالات الاجتماعية المغربية دون دراسة وتحليل. فنشرت مقالات مطـولة عن تقاليد المغرب وأعرافه في المدن و القرى، وكتبت عن الدين وعن كيفية ممارسته لدى المغاربة، كما أسهمت في الكتابة عن الزوايا والطرق الصوفية والشيوخ وتأثير ذلك في عقلية المغاربة، وتناولت بالنسبة للجانب الاقتصادي الحرف والمهن التقليدية وبعض أنواع التجارة في المدن ثم أساليب الزراعة والنشاط الفلاحي في البوادي إلى غير ذلك من المواضيع… وانصب النشاط الاتنولوجي والانتربولوجي أيضا على عنصر البربر وما يتعلق به من خصائص اجتماعية وثقافية، خصوصا بعد تأسيس المدرسة الفرنسية البربرية بالرباط سنة 1914م، التي كانت تصدر مجلة شهرية تحمل اسم “الوثائق البربرية“، حيث بسطت المعلومات والأخبار والدراسات الانتربولوجية عن النواحي البربرية. وبعد ذلك أطلق على هذه المدرسة سنة 1920م اسم “المعهد العالي للدراسات المغربية“. ولقد لعب المعهد دورا أساسيا فيما يتعلق ب “سياسة وحرب التهدئة”، التي كانت تستهدف إخضاع القبائل البربرية غير المسلمة. وهكذا ظهر كثير من الباحثين الذين يتقنون اللهجات البربرية والذين قاموا بمجهودات جبارة في سبيل قهر تلك القبائل.
"وسار الاستعمار الفرنسي في هذا الاتجاه وذلك من خلال:
1 ـ عزل العربية عن الحياة العامة في التعليم والادارة وغيرها كما هو معروف في الأقطار الثلاثة: المغرب ـ الجزائر ـ تونس.
2 ـ محاولة جعل البربرية كبديل عن العربية حيث كتبت بحروف لاتينية، وصارت تدرس بصفة رسـمية سنة 1913م بمعهد الدراسات الشرقية ببــاريس، وقام أنـدريه باسي بنشاط حثيث طوال إقامته بأرض المغرب العربي لتحقيق هذا الغرض، والذي مارس هو الآخر تدريس اللهجات البربرية بالمعهد المذكور. ولم يكتف المستعمر بذلك، بل أنشأ في نطاق هذا المخطط “متوسطة أزرو” بمراكش لتعليم اللهجات البربرية.
وفي سنة 1925م أدمجت مادة اللغة البربرية في مقــــررات معهد الدراسات العليا بمراكش.
والاستعمار الفرنسي لا يقصد من وراء اهتمامه المزعوم، تطوير البربرية وجعلها أداة لغوية مقتدرة، وإنما اتخذها كخطوة تكتيكية لعزل العربية، مما يفسح له المجال لإحلال الفرنسية محل الإثنتين، وليس هذا القول مجرد استنتاج تم التوصل إليه من خلال التحليل لأساليب الاستعمار الثقافية في المنطقة، وإنما هو حقيقة تضمنتها مخططاته المبيتة قد عبر عنها الأستاذجود فري ديمونبين بصورة لا لبس فيها بقوله: يجب أن تقوم اللغة الفرنسية لا البربرية مقام اللغة العربية كلغة مشتركة وكلغة للمدنية (…)
وعلى صعيد آخر فقد أنشأ الاستعمار الفرنسي ما سمي “بالمدارس البربرية” وهي مدارس لا تدرس البربرية ولا يدرس بها، وإنما سميت بذلك، والهدف منها فرنسة أبناء البربر لا غير، وهذا ما عبر عنه الكومندان “مارتي” أحد كبار دعاة السياسة البربرية، وما عبر عنه أيضا الكومندان “مارتي” بقوله: إن المدرسة الفرنسية البربرية هي مدرسة فرنسية بتعليمها وحياتها، بربرية بتلامذتها وبيئتها ."

 
د. عبد الله الشارف،الاستغراب في الفكر المغربي المعاصر؛ طوب بريس الرباط 2003، ص: 64-65

الأنثربولوجيون المغاربة التلاميذ يقلدون أساتذتهم الغربيين

0


في سنة 1981 نشر مركز البحث C.N.R.Sِ بفرنسا كتاب: "LE MAGHREB MUSULMAN EN 1979: المسلمون المغاربة في أواخر القرن 14 الهجري" تحت إشراف كريستيان سوريو.
ساهم محمد التوزي في هذا الكتاب بدراستين: الأولى تتركز حول علاقة العلماء بالسلطة وموقف الاحزاب السياسية من الدين.والثانية ـ وهي دراسة ميدانية ـ عبارة عن بحث وصفي إحصائي للمساجد والكتاتيب بالدار البيضاء وعدد الأشخاص الذين يرتادون المساجد لأداء الصلوات الخمس؟. كما تناولت بالتحليل والوصف مختلف الجمعيات والحركات الإسلامية في المغرب. وهذه الدراسة قام بتحقيقها محمد التوزى بالاشتراك مع الباحث الفرنسي برونو إيتيان .
يقول محمد التوزي وبرونو إتيان في الدراسة الثانية: :» حاولنا أن نتحقق من مدى تطبيق المبادىء الدينية الخمسة مبتدئين بالصلاة والزكاة ولهذا قسمنا مدينة الدارالبيضاء إلى أربعة عشر قطاعا « .
«والنقطة الثانية المستخلصة من البحث الميداني هو التردد الضعيف على المساجد مقارنة مع التردد على «السادات والآضرحة.....» .
«ومن ناحية آخرى فإن أندري آدم قدر عدد المصلين في المساجد ب1% من مجموع سكان الدار البيضاء سنة 1951 . وفي سنة 1979 تبين لنا أن أقل من 1% من البيضاويين يقصدون المساجد للصلاة.
يتضح من خلال هذه النصوص كيف أن الانتربولوجيا كانت وماتزال تجسد روح وهيمنة الرجل الغربي، وكيف أن العلوم الإنسانية برمتها لا تستطيع أن تتحرر من سيطرة السياسة الأوربية والامريكية ومن ايديولوجية الإنسان الأبيض ذي العرق الآري. وماهو مصير هذه الأبحاث وغيرها إن لم يكن استغلالها في تدعيم سياسة الغزو الفكري وتوجيه الشعوب الضعيفة والتحكم في شؤونها الداخلية؟
إن الانتروبولوجيا التـي ورثت الاستشراق تستعمل منهجا يبدو للمستغربيـن أكثر «تقـدما» و«نزاهـة» على المستوى العلمي من الاستشراق. في حين أن أمرها قد افتضح في موطن نشأتها، وهي الآن تعاني أزمة خانقة.
وأخيرا، وعلى سبيل الاستنتاج، ماهو الفرق مثلا بين شخـصيـة أندري آدم الباحث الانتربولوجي الاستعماري وشخصية محمد توزي الباحث المغربي المستغرب؟
بكل صراحة لا فرق بينهما سوى أن الأول فرنسي والثاني مغربي. أما على مستوى الوظيفة والرسالة الانتربولوجية الاستعمارية، فهما على قدم المساواة، وإن كان الفرنسي أستاذا والمغربي تلميذا. ولما كان من شأن التلميذ النجيب تقليد الأستاذ والاقتـداء به قام باحثنا الانتربولوجي، بكل وفاء وإخلاص، باقتفاء أثر أستاذه ، وهيأ هو الآخر دراسة ميدانية إحصائية حول مساجد الدار البيضاء، متتبعا خطـوات روادها من المسلمين الأبرياء، متجسسا عليهم في صلاتهم وعبادتهم.
د. عبد الله الشارف
الاستغراب في الفكر المغربي المعاصر/ طوب بريس، الرباط 2003، ص 74...

ذوق الإيمان وطعمه

0

 بسم الله الرحمن الرحيم


"ذوق الإيمان وطعمه"


ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذوق طعم الإيمان ووجد حلاوته، فذكر الذوق والوجد وعلقهما بالإيمان، فقال: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا" ، أي أن للإيمان طعما، وأن القلب يذوقه كما يذوق الفم الطعام والشراب. قال محمد بن قيم الجوزية: "ثم ذكر أهل الإيمـان الذين ذاقوا طعمه، وهم الذين آمنوا به وبرسوله. ثم لم يرتابوا في إيمانهم. وإنما انتفى عنهم الريب: لأن الإيمان قد باشر قلوبهم. وخالطتها بشاشته. فلم يبق للريب فيه موضع. وصدق ذلك الذوق: بذلهم أحب إليهم في رضى ربهم تعالى؛ وهو أموالهم وأنفسهم. ومن الممتنع حصول هذا البذل من غير ذوق طعم الإيمان، ووجود حلاوته. فإن ذلك إنما يحصل بصدق الذوق والوجد. كما قال الحسن: "ليس الإيمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب، وصدقه العمل".
لا شك أن طائفة أهل الرقائق الذين يحيون التجربة الروحية دون انقطاع، وذلك من خلال مجاهدة النفس وتزكيتها، يغدون ويروحون متفيئين ظلال مقامات روحية سامية من زهد وورع، وأنس، ومحبة، وخوف، ورجاء، وصبر، وشكر، وتوكل، وحياء، وتواضع، وذكر، وتفكر، وتفويض، وسكينة، وطمأنينة... إن هذه المعاني الشريفة المتأصلة في الكتاب والسنة، قد باشرت قلوبهم وذاقوا طعمها الإيماني، وسرى الذوق في كيانهم، وهو ما يعبر عنه أحيانا باللذة الروحية العارمة. والذوق الإيماني من الموضوعات التي يستعصى وصفها على العقل، لأن جذورها عميقة في أرض الوجدان، أما كلام أهل الرقائق عنه فإنه لا يعدو أن يكون مجرد إشارات وتلويحات.
ومثل الذوق الإيماني في الاستعصاء على العقل، كمثل الانفعال. يقول الأديب الناقد إيليا الحاوي متحدثا عن طبيعة الانفعال الجمالي: "إن الانفعال هو في أصل كل تجربة جمالية، ونفهم بالانفعال تلك الحركة الشعورية التي تطغى على النفس وتسيطر على قواها، فتَرْتَهِنُها لحتميتها وتولد فيها يقينا خاصا بها. وبكلمة موجزة؛ الانفعال هو ما تعانيه النفس معاناة ولا قبل لها بفهمه فهما، أو أن ما تفهمه منه ليس سوى أشلائه، والجزء الساقط الذي لا ينطوي على أي شيء من حقيقته. فالانفعال هو حالة كلية قائمة بذاتها، تكون في النفس حالة فيها، هي وإياها يقين واحد، فإذا ما اعتكف عليها العقل ليفهمها تجمدت وتبدلت وعادت حالة أخرى، وما يقع بين يدي العقل منها هو الجزء المادي أو الجزء الذي يلائم طبيعة العقل، بل إن ما يتلمسه العقل لا يلمس شيئا من حقيقة تلك المعاناة. مثال ذلك أن يحاول العقل فهم التجربة التي تستولى على النفس في حالة من أحوال الثكل. إن تلك الحالة هي شديدة التعقيد والتداخل في النفس. بل إنه لا حد لها، وكل ما يقبض عليه العقل منها هو القول أن تلك المرأة الثاكل هي في حالة حزن شديد، أو إنها في حالة يأس وافتقاد، وإنها فاقدة العزاء. وذلك كله لا يعدو الكلام الأخرس الأصم، كأن المرء لم يقل به شيئا عن حقيقة ما تعانيه تلك المرأة" .

د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف/ ربيع الأول 1433- فبراير 2012/ تطوان المغرب

فضل مكة على سائر البقاع

0


قال تعالى : "ولتنذر أم القرى ومن حولها" (سورة الأنعام 92). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " علمت أنك خير أرض الله، وأحب الأرض إلى الله، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت" رواه أحمد والترمذي.
والاكتشاف العلمي الجديد الذي كان يشغل العلماء والذي أعلن في يناير سنة 1977 يقول ك إن مكة المكرمة هي مركز اليابسة في العالم، وهذه الحقيقة الجديدة استغرقت سنوات عديدة من البحث العلمي للوصول إليها، واعتمدت على مجموعة من الجداول الرياضية المعقدة استعان فيها العلماء بالحاسب الآلي.
ويروي العالم المصري الدكتور حسين كمال الدين قصة الاكتشاف الغريب، فيذكر: أنه بدأ البحث وكان هدفه مختلفا تماما، حيث كان يجري بحثا ليعد وسيلة تساعد كل شخص في أي مكان من العالم على معرفة وتحديد مكان القبلة، لأنه شعر في رحلاته العديدة للخارج أن هذه هي مشكلة كل مسلم عندما
يكون في مكان ليست فيه مساجد تحدد مكان القبلة، أو يكون في بلاد غربية.
لذلك فكر الدكتور حسين كمال الدين في عمل خريطة جديدة للكرة الأرضية لتحديد اتجاهات القبلة عليها ..و بعد أن وضع الخطوط الأولى في البحث التمهيدي لإعداد هذه الخريطة ورسم عليها القارات الخمس ظهر له فجأة هذا الإكتشاف الذي أثار دهشته ..فقد وجد العالم المصري أن موقع مكة المكرمة في وسط العالم ..وأمسك بيده برجلا أي بيكارا ، وضع طرفه على مدينة مكة ومر بالطرف الآخر على أطراف جميع القارات فتأكد له أن اليابسة على سطح الكرة الأرضية موزعة حول مكة توزيعا منتظما..ووجد مكة في هذه الحالة هي مركز الأرض اليابسة.
ويضيف العالم الدكتور حسين كمال الدين لقد بدأت بحثي برسم خريطة تحسب أبعاد كل الأماكن على الأرض عن مدينة مكة ثم وصلت بين خطوط الطول المتساوية لأعرف كيف يكون إسقاط خطوط الطول وخطوط العرض بالنسبة لمدينة مكة وبعد ذلك رسمت حدود القارات وباقي التفاصيل على هده الشبكة من الخطوط واحتاج الأمر إلى إجراء عدد من المحاولات والعمليات الرياضية المعقدة بالاستعانة بالحاسب الآلي لتحديد المسافات والانحرافات المطلوبة وبالمصادفة وحدها اكتشفت أنني أستطيع أن أرسم دائرة يكون مركزها مدينة مكة وحدودها خارج القارات الأرضية الست ويكون حدود هذه الدائرة يدور مع حدود القارات الخارجية.
مكة إذن بتقدير الله هي قلب الأرض وهي بعض ما عبر عنه العلم في اكتشاف العلماء بأنه مركز التجمع الإشعاعي للتجاذب المغناطسي . يوائمه ظاهرة عجيبة قد تذوقها كل من زار مكة حاجا أم معتمرا بقلب منيب، فهو يحي أنه ينجذب فطريا إلى كل ما فيها حتى ليكاد لو استطاع أن يذوب في كيانها مندمجا بقلبه وقالبه، وهذا إحساس مستمر منذ بدء الوجود الأرضي.
والأرض شأنها شأن أي كوكب آخر تتبادل مع الكواكب والنجوم قوة جذب تصدر من باطنها ..وهذا الباطن يتركز في مركزها ويصدر منه ما يمكن أن نسميه شعاعا ..ونقطة الالتقاء الباطنية هي التي وصل إليها عالم أمريكي في علم الطوبوغرافيا بتحقيق وجودها وموقعها جغرافيا، وهو غير مدفوع لذلك بعقيدة دينية. فقد قام في عمله بنشاط كبير مواصلا ليله بنهاره وأمامه خرائط الأرض وغيرها من آلات وأدوات، فإذا به عن غير قصد مر كز تلاقي الإشعاعات الكونية هو مكة ..
ومن هنا تظهر حكمة الحديث الشريف المبنية على قول الله تعالى (وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة و فريق في السعير )
ومن ثم يمكن التعرف على الحكمة الإلهية في اختيار مكة بالذات ليكون فيها بيت الله الحرام واختيار مكة بالذات لتكون نواة لنشر رسالة الإسلام للعالو كله ..وفي ذلك من الإعجاز العلمي في الحديث الذي أظهر أفضيلة مكانها عن سائر البقاع. والله تعالى أعلم وأحكم.
الإعجاز العلمي في الإسلام والسنة ، محمد كامل عبد الصمد، بزيادة وتصرف

الازدواجية اللغوية في التعليم المغربي

1


إن ازدواجية لغة التعليم أخطر عملية من عمليات الاختراق الأجنبي لمقومات الشعب المغربي وأصالته. وإذا كان المستعمر قد سهر بنفسه على نهج سياسة ازدواجية لغة التعليم، فإنه قد استراح من هذه المهمة بعد رحيله وأورثها من أعجب به من المغاربة غداة الاستقلال. إذ سرعان ما تلقف المنبهرون بالسياسة والمدنية الفرنسية الوظيفة المخلفة لهم ورعوها حق رعايتها!.

يقول جان عمروش "اعتقد بأن الازدواجية اللغوية شيء خطير جدا، لأنه إذا كنا نريد تربية الإنسان وتكوينه، فيجب أن نضع قواعده، أو يجب أن نقوي الأسس الانطلوجية لهذا الإنسان، أي نعمل على ضمان حقه في أن يتواصل مع تراثه بتمكينه من أداة التواصل وهي اللغة، لأن اللغة هي التي تشكل كينونتنا على مستوى الوعي وكذا على المستوى العميق الذي تشكله الذاكرة اللاواعية وعلى مستوى المثل والنماذج المتبعة.
يجب ألا تكون اللغة التي تشكل هذا الإنسان ويتشكل فيها مجرد مجموعة من الأشكال يستعملها حسب قواعد معينة ومعجم غني أو فقير، يجب أن يكون لمخارج حروف هذه اللغة إيقاع عميق في ذاته، أن يحس في أعماق روحه بمجموعة دلالاتها وأبعادها. يجب أن تتلبس الكلمات بكينونته، أن تكون مجرد ما ينتقيه ويستعمله عن وعي مسبق الفكر والذاكرة، وأعتقد أن لغة الكاتب يجب أن تكون هي لغته الوطنية ولغة جينيالوجيته الطبيعية، ويجب أن نتجنب زرع الازدواجية منذ البداية في هذا العمل الذي هو تـأسيس الإنسانط"([1]).

منذ عشرين سنة صرح وزير التعليم – آنذاك الدكتور عز الدين العراقي – بجريدة العلم قائلا: "… وقد أثبتت الدراسات التقنية أن أسباب انخفاض مستوى التعليم ترجع لازدواجية لغة التعليم" ([2]).
قد يكون هذا أول اعتراف بالضرر الذي ألحقته الازدواجية اللغوية بالتعليم. ذلك أن الخطابات الرسمية والتوصيات المتعددة التي تتعلق بالتربية والتعليم إلى حدود منتصف السبعينيات، تخلو من صراحة مماثلة لما حدث به الوزير العراقي، وما ذلك إلا لأن الأمر أصبح واضحا للعيان، وغدا الشغل الشاغل لمن يغار على اللغة العربية والتربية الأصيلة الحرة.
"وقد شرحت معلمة فرنسية في مدارس البعثة الفرنسية، وفي مدارس حرة عربية، بكل بساطة، مشكل الازدواجية في نظام التعليم المغربي قائلة: إن التلميذ المغربي يطلب منه أن يدرس جميع المواد التي يدرسها التلميذ الفرنسي وباللغة الفرنسية، وفي نفس الوقت عليه أن يدرس المواد العربية والدينية باللغة العربية، وكلا اللغتان تختلفان عن لغة أمومته، وأحيانا، عن لهجتيه الإقليمية والوطنية، وهذا شيء إذا كان في مقدور الأذكياء جدا فإنه فوق طاقة التلميذ العادي بكل تأكيد" ([3]).
صدقت هذه المعلمة الفرنسية في ملاحظتها الدقيقة، وحق لها أن تصدق وتصيب الهدف بهذا الرأي؛ لأنها أجنبية والأجنبي – كما هو معروف – يلاحظ ويدقق أكثر من المواطن المحلي. نعم إن إضافة اللغة الفرنسية إلى الفصحى والعامية واللهجات البربرية يسبب إرهاقا نفسيا وعقليا للتلميذ، ويكون ذلك من الأسباب الرئيسة في تأخره الدراسي وكثرة رسوبه. لا يمكنك أن تعثر على بلد غربي يتعلم أبناؤه لغة ثانية بعد لغة الأم، في السنوات الأولى من التعليم الأساسي بله مرحلة رياض الأطفال؟ لكننا أبينا إلا أن نشوش عقول فلذات أكبادنا ونفسد فطرتهم بتعليمنا إياهم لغة المستعمر، ولم يجتازوا بعد عتبة التعليم الأساسي، إنها لجريمة نرتكبها في حقهم.
([1])- Jean Amrouch « Colonisation et Langage » in Etudes Meditrraneenne, 23, en 12 2° Trimistre 1963 P19.
([2])- انظر جربدة العلم 20 دجنبر 1977.
([3])- د. إدريس الكتاني “النظام التربوي في المغرب” (1956-1982) مطبعة النجاح الدار البيضاء 1982 ص 20.

د. عبد الله الشارف، أثر الاستغراب في التربية والتعليم بالمغرب، ألطوبريس، طنجة 2000، ص 55-56-57.