التنصير سرطان

1
2555

 

كثيراً ما يَعْثُرُ الباحث المسلم أثناء تناوله لموضوع تردي أوضاع المسلمين وتقهقرهم، على نصوص للمستشرقين أو المنصرين يستلهم منها فهمَه لجانب من جوانب ذلك الموضوع. ولا يخفى عن المسلمين أن التنصير والاستشراق قد قَدَّمَا ومَا فَتِئَا يُقدمان من المجهودات والأعمال الكبيرة، خدمة للاستعمارين القديم والجديد، وللسياسة الغربية المعاصرة، وذلك فيما يرتبط بالعالم الإسلامي.

ولطالما قرأت نصوصاً تنصيرية واستشراقية يَنْضَحُ مضمونها بالخبث والمكر والكذب والدهاء، أو توحي بنشوة الكبر والاستعلاء والانتصار؛ كما هو شأن النص التالي : يقول صموئيل زويمر أحد أعمدة التنصير في النصف الأول من القرن العشرين الميلادي وذلك خلال انعقاد مؤتمر القدس التنصيري سنة 1935م.

«إنكم أعددتم نشءا (في بلاد المسلمين) لا يعرف الصلة بالله ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلمين من الإسلام، ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي جاء النشء الإسلامي طبقاً لما أراده الاستعمار المسيحي؛ لا يهتم بالعظائم، ويحب الراحة والكسل، ولا يصرف همه في دنياه إلا في الشهوات. فإذا تعلم فللشهوات، وإذا جمع المال فللشهوات، وإذا تبوأ أسمى المراكز... ففي سبيل الشهوات يجود بكل شيء. إن مهمتكم تمت على أكمل الوجوه وانتهيتم إلى خير النتائج، وباركتكم المسيحية ورضي عنكم الاستعمار، فاستمروا في أداء رسالتكم فقد أصبحتم بفضل جهادكم المبارك موضع بركات الرب([1])

لا شك أن هذا المنصر الحقود كان يشعر بالاستعلاء والكبر، ويحس بنشوة الانتصار تسري في كيانه أثناء تصريحه بهذا الكلام الخطير. والغريب أنه يتحدث عن نشء مسلم ينتمي إلى العقد الرابع من القرن العشرين الميلادي؛ أي قبل ثمانين سنة. ولنا أن نتساءل :

من يا ترى يكون هذا النشء ؟ من يقصد من المسلمين بهذا الكلام، أي نشء هذا الذي أُخرج من الإسلام على حد تعبيره، «ولم تدخلوه في المسيحية» ؟!

لعله يقصد بلا ريب، أولئك الشباب الذين درسوا في المدارس والمعاهد والكليات التي أسسها المستعمر البريطاني والفرنسي في مصر والشام. إنهم أبناء العائلات الثرية، أبناء الطبقة البورجازية التي اختارت، زمن الاستعمار، الغرب قبلة لها.  لقد كانت مصالح هذه الطبقة متناغمة مع مصالح المستعمِر الغاشم كما وضعت يدها في يده، واتفقا على تغريب بلاد المسلمين. وانحدر من ذلك النشء المذموم المنحرف صنيع الاستعمار؛ أجيال من المستغربين المنبهرين بالغرب المسيحي ومدنيته. إن المستغربين المعاصرين من ذرية النشء المشؤوم هم الذين كانوا ولا يزالون، يتقلدون المناصب العليا والمسؤوليات الكبيرة ذات التأثير البالغ في السياسة والثقافة والتربية والاجتماع، مع ما يبذلونه من جهود تصب في تغريب المجتمع المسلم. وقد قلَّدتهم وآزرتهم في هذا التوجه التغريبي طائفة من الحداثيين والعلمانيين واللادينيين ومن سواهم من عامة الأنجلوفونيين أو الفرانكفونيين في البلاد الإسلامية، من المسؤولين والأطر العليا وأصحاب الشركات ... الخ.

ولقد صدق صموئيل زويمر في نعته لهذا النشء وذريته بنشء الخمول والكسل والسعي وراء الدنيا والشهوات. ومما زاد في الطين بلة أن هذه الأوصاف الذميمة كادت تعم المسلمين إلا من رحم الله تعالى.

فكيف يهتم بالعظائم ويتأثر بهموم الأمة المسلمة ويهب لنصرة المظلومين من المسلمين ... الخ، من يصبح ويُمسي وهمَّه الدنيا والشهوات والمصالح الشخصية ؟

لقد نجح مخطط المنصرين والمستشرقين والمستعمرين، فأين مخطط علماء الأمة ودعاتها والمسؤولين عنها ؟

د. عبد الله الشـارف، كلية أصول الدين، تطـوان المغرب، ربيع الثاني 1437- يناير2016

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1])محمد محمود الصواف : المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام، ط : 3. دار الاعتصام. القاهرة ص218.

شيـخ تطـوان بنـت الأنـدلـس

0

شيـخ تطـوان بنـت الأنـدلـس



 

بوخبزة

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه،

لقد كانت سنة 1389هـ؛ 1970م، سنة حاسمة في حياتي، وبداية عهد جديد يتسم بحب العلم والمعرفة، لم تلبث أن ظهرت آثاره في دراستي بثانوية القاضي عياض بتطوان….

كان عدد الحاضرين في الجلسة العلمية يقارب العشرة، وقد جلسوا على الحصير يستمعون إلى دروس السيرة والتفسير والنحو والبلاغة. وبفضل شخصية الفقيه محمد بوخبزة المرحة والانبساطية، لم تكن هذه الدروس مملة، بل كان إقبالنا عليها شديدا ورغبتنا في التحصيل قوية. وكان أستاذنا جزاه الله عنا خيرا وبارك في عمره، كثيرا ما يدعونا إلى بيته ويقدم إلينا الشاي والحلويات، كما يتحفنا بالنوادر الأدبية والتاريخية، وأحيانا يدخلنا مكتبته القيمة ويعيرنا الكتب التي كنا نرغب في مطالعتها. لقد غرس فينا حب القراءة والبحث، وعلمنا آداب المناقشة والحوار، كما رغبنا في الدعوة الإسلامية، وحثنا على قراءة كتب الدعاة من القدامى والمحدثين، من أمثال تقي الدين بن تيمية، وحسن البنا، وأبي الأعلى المودودي رحمهم الله.

وبما أنه كان يميل إلى المذهب الظاهري في كثير من المواقف والأحكام الفقهية، لم يكن يخفي إعجابه بشخصية ابن حزم، مما دفعني إلى الاهتمام بهذا العالم الموسوعي الفذ، فقرأت بعض مؤلفاته التي أسرني فيها كلامه المنطقي والفلسفي، ومنها صرت أبحث في الكتابات الفلسفية عند المسلمين، فقرأت لأبي علي بن سينا، ولأبي نصر الفارابي، ولأبي حامد الغزالي، ولأبي الوليد بن رشد...

وسرعان ما بدأت بذور جلسات أستاذنا الدينية تثمر، حيث تجلى أول الغيث في تأسيس مجلة “لسان الطالب” بثانوية القاضي عياض، والتي أسهمت فيها بمقال حول “مشكلة الملحدين”، كما شارك صديقي الأمين بوخبزة بمقال تحت عنوان “الماركسية تحارب الدين”. وقمنا بتوزيع بعض أعداد المجلة على ثانويات المدينة. غير أننا فوجئنا بعد بضعة أيام، عندما ذكرت جريدة “البيان” أسماءنا قائلة؛ بأن الإخوان المسلمين بدأوا يفرخون… في ثانوية بمدينة تطوان !! ولم يكن هذا التهديد ليثنينا عن عزمنا، بل كنا نستغل كل الفرص لنوضح مبادئ الإسلام لتلاميذ المؤسسة، ونحذرهم من الوقوع في حبائل “المتمركسين” المعجبين بتعاليم ماركس ولينين، والذين كانوا يحلمون بثورة شي غيفارا في الوطن العربي.

إن بيت أستاذي الجليل كان، ولا يزال، قبلة للطلبة ،والأساتذة والباحثين المغاربة ،وغير المغاربة، ممن تاقت أنفسهم إلى البحث والتنقيب في العلوم الدينية والأدبية والتاريخية، أو ممن لهم شغف بعالم المخطوطات ، حيث يظفر كل واحد منهم بما ينفعه ويشفي غليله، وشيخنا العلامة الجليل كله آذان صاغية لأسئلتهم واستفساراتهم، لا يعرف الملل، بل تعلو محياه ابتسامة الفرح والرضا.

ولقد تتلمذ على يديه مئات الطلبة والشباب عقودا طويلة، بدءا من خمسينيات القرن الماضي الميلادي. كما استفاد من خطبه ودروسه المفيدة والنافعة بجامع العيون، كثير من المؤمنين، وذلك على مدى ما يقرب من أربعة عقود. وراودته الدنيا عن نفسه، فاستعصم وأبى وزهد فيها، كما رغب عن السياسة ليتفرغ للعلم والدعوة والتعليم.

وقلما تعثر على عالم مغربي معاصر، دافع عن السنة وقمع البدعة، مثل ما فعل شيخنا وأستاذنا الفاضل. وإنك لتلمس في دروسه وثنايا خطبه وكتاباته، ما يدل على هذا التوجه العلمي والدعوي بكل صدق وإخلاص. وهكذا فقد غرس في قلوب تلاميذه ومحبيه، حب السنة وكراهية البدعة. وله، حفظه الله، مع المتبدعة صولات وجولات، كما نظم قصائد شعرية في هجوهم والرد عليهم، مما لا يتردد قارئها في الحكم على علو كعبه في هذا الشأن. بل لا يسامى فيه ولا يجارى.

ولا أعرف أيضا عالما أو باحثا مغربيا، أحب المخطوطات واعتنى بها عناية شيخنا بها. فقد ظل ينسخ لسنوات طويلة بخطه الرائق الجميل الأصيل، مئات من الرسائل المخطوطة الثاوية في المكتبة العامة والمخطوطات بمدينتنا تطوان بنت الأندلس. ثم طفق يتردد على مكتبته ببيته كثير من المحققين والدارسين لنفائس المخطوطات العربية، حيث نالوا بغيتهم بمنحه إياهم  نسخا  منها كي يعملوا على دراستها وتحقيقها. وهكذا يكون شيخنا بإشرافه على قسم المخطوطات في المكتبة العامة وعنايته به، وبما أسداه من خير لأولئك المحققين، قد أسهم في إخراج عدد كبير من تلك المخطوطات من عالمها المنسي، إلى فضاء العلم والمعرفة.

إن شيخي، رعاه الله، كريم المحتد والمنبت والعنصر. وله من المحاسن، والمحامد، والمكارم، والمفاخر ما لا يحتاج إلى ذكر أو تفصيل. ويكفيه فخرا في الأرض وذخرا في السماء؛ حبه للسنة والذب عنها، وبغضه للبدعة والرد على أهلها.

أما من حيث الفقه والأصول والحديث والتفسير واللغة والأدب والتاريخ والتحقيق... فقد أخذ منها حظا كاملا وسهما وافرا. كما جالس العلماء في المغرب والمشرق وناظرهم؛ من أمثال تقي الدين الهلالي، والشيخ الألباني، والشيخ الأنصاري رحمهم الله، وكذا الشيخ الحويني حفظه الله تعالى.

جزى الله شيخنا وأستاذنا الجليل خير جزاء، وحفظه وأعلى مقامه يوم القيامة في عليين. آمين.

 

وكتبه تلميذه أبو عبد الرحمن عبد الله الشــارف

تطوان 14 رجب 1436 – 3 ماي 2015

كم تنادي فأعرض ؟

0
كم تنادي فأعرض

 

كم تنادي فأعرض ؟

كم تحسن فأسيء ؟

كم تدعو فلا أستجيب ؟

كم تنبه فأتمادى في الغي والغفلة ؟

كم تبتلي فلا أعتبر ؟

كم توعد فلا أنزجر ؟

كم تستر فأجاهر بالمعاصي ؟

كم تجود فأبخل ؟

كم تنعم فأجحد ؟

كم...........

إلى متى صدي وإعراضي؛ وتمادي في غيي ؟

إلى متى أظل هدفا لشيطاني وغرضا لسهام أهوائي ؟

هلا أخذت للأمر عدته، وأحللت الرشد محل العمى، والعز محل الذل، والحرية محل الأسر ؟

أجل لأتسورن على نفسي حائطها، ولأنزلن بفضائها، ولأبيدن خضراءها وغضراءها، ولأستاصلن شأفتها حتى تعلمن أينا أقوى وأمكر، وللمكائد أبصر، وعلى الهواجر أصبر. وإن لم أفعل نالتني نفحات القر، ولفحات الحر، وأذى الزمهرير، وسم القمطرير، ولن ينفعني، إذا أدركني الغرق، قولي: "لو أن لي كرة فأكون من المحسنين" (الزمر 55).

فالتوبة التوبة، والأوبة الأوبة، وبادر يا نفسي بالأعمال سبعا.

 

د. عبد الله الشـارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، نوفمبر 2008.