الإنسان ابن أفكاره

0

يقال إن الإنسان ابنُ أفكاره؛ فهي التي تقوده وتوجهه وتصوغ حياته. وإذا كان الأمر كذلك، فهل الإنسان مسير من قبلها ؟
هناك من يميل إلى هذا الرأي، وهم أصحاب العقائد والنظريات الجبرية في ميدان التحليل النفسي عند فرويد (اللاشعور، الهو، الأنا الأعلى، عقدة أوديب...)، أو السوسيولوجيا (غلبة العامل الاجتماعي على العامل الفردي، العقل الجمعي عند إميل دوركايم...)، وغيرهم من أنصار فكرة الحتمية في التاريخ والعلوم الإنسانية.
ومال آخرون إلى الرأي المقابل؛ وهو أن الإنسان مخير ومبدع لأفكاره، ومتحكم فيها، وهو الفاعل الاجتماعي المؤثر في حياته وسلوكه. وأبرز ممثل لهذا الاتجاه من الغربيين المحدثين؛ عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر، فيلسوف الرأسمالية واللبيرالية.
لكن بغض النظر عن كون الإنسان صانعا لأفكاره ومتحكما فيها، أو مسيرا وموجها من قبلها، هناك سؤال يطلب جوابا:
ما مدى صلاحية تلك الأفكار ونفعها للإنسان؟ وهل تحتاج إلى عامل أو مصدر علوي مُقوِّمٍ ومُسدِّدٍ لها، أم التقويم والتسديد مفوض للإنسان ذاته ؟

أو بتعبير علماء الكلام؛ هل الحسن ما حسَّنه الشرع  والقبيح كذلك؟ أم الحسن ما حسّنه العقل والقبيح كذلك ؟ 


أ.د. عبد الله الشارف،  يونيو 2020، تطوان - المغرب

المعرفة نوعان

0


المعرفة من حيث المصدر والمنهج نوعان:

الأولى: معرفة أفقية كالتي عرفها ومارسها اليونان، ويعرفها ويمارسها الغربيون المعاصرون.
والثانية: معرفة أفقية عمودية متقاطعة، وهي التي تشكل العمود الفقري للفكر الإسلامي ولحضارة المسلمين.

إن المعرفة الأفقية تعتمد في بنائها وتصورها وممارستها، على أداتين اثنتين: الحواس والعقل.
والمعرفة الأفقية العمودية المتقاطعة تتأسس على أدوات ثلاث: الحواس، والعقل، والوحي.
ثم إن المعرفة الأفقية مادية حسية: أفقها ومجالها الأرض والمحسوسات المادية؛ "يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون" (سورة الروم: 6).
بينما المعرفة الأفقية العمودية المتقاطعة، تربط في نقطة تقاطعها الأرض بالسماء، والمخلوقات بخالقها، فيحصل عند المسلم التطابق الكلي بين مشاهداته الحسية واستنتاجاته العقلية، وبين منطوق الوحي الصحيح.
ومن نتائج المعرفة الأولى؛ الشقاء، والحيرة، والتِّيه (موت الإله عند فريدريك نيتشه، والعبثية والعدمية عند ألبير كامو و جان بول سارتر، وموت الإنسان عند ميشال فوكو،...).
ومن نتائج المعرفة الثانية؛ السعادة، والطمأنينة، والهداية. والتاريخ الحضاري الإسلامي شاهد على ذلك. كما أن الصحوة الإسلامية المعاصرة، وإقبال غير المسلمين على الإسلام ودخولهم في حظيرته، لمن أعظم البراهين على صدق المعرفة الثانية وقوتها، وكونها سببا لحصول السعادة في الدنيا والآخرة.

أ.د. عبد الله الشارف،  يونيو 2020، تطوان – المغرب