مأساة الطلاق عند المسلمين المقيمين في الغرب

1


 

لا شك أن المسلم المقيم في بلاد الغرب، يعاني معاناة كثيرة ومتنوعة. والسبب في ذلك كونه يحمل ثقافة تتعارض كليا مع ثقافة البلد الذي يقيم فيه.فإذا كانت ثقافة مهاجرنا تتجذر في تربة حضارة دينية، فإن ثقافة الإنسان الغربي موغلة في الحضارة العلمانية المادية. ومن هنا يصطدم المسلم المهاجر مع كل المظاهر الاجتماعية والثقافية والتربوية للمجتمع الغربي. فعلى مستوى الأسرة مثلا، هناك معاناة أليمة تولدت بسبب خضوع مهاجرنا للقوانين الوضعية المنظمة والموجهة لحياة الأسرة في الغرب، حيث لا قوامة للرجل في بيته ولا عصمة بيده، وليس له الحق في أن يتدخل في كثير من شؤون زوجته وأولاده، أو يأمرهم كي يلتزموا بمبادئ الدين والأخلاق الإسلامية، وبعبارة أخرى؛ فإنه عاجز عن النيل من حريتهم التي يخولها ويضمنها لهم القانون الوضعي، ولو تعارض ذلك مع الدين والقيم الإسلامية، مما يترتب عنه حدوث كثير من المشاكل والصراعات بين الآباء والأبناء، أو بين الآباء والأمهات، والتي كثيرا ما تؤدي إلى الطلاق على الطريقة الغربية. وهنا أسوق كلاما لأحد الكتاب المسلمين كي أستدل به على هول مأساة الطلاق عند المسلمين المقيمين في بلاد الغرب.
يقول د. سالم بن عبد الغني الرافعي:
"إن النفقة في القانون الألماني إنما تجب على الطرف الأقوى ماديا، سواء كان الرجل أم المرأة، اتباعا لمبدإ الاشتراك في المسؤولية. أي؛ إن كان الرجل يعمل والمرأة لا تعمل، وجبت النفقة على الرجل. وإذا كانت المرأة هي التي تعمل والرجل لا يعمل، وجبت النفقة على المرأة. وإذا كان الرجل والمرأة يعملان، نظر في الأقوى ماديا منهما فتفرض عليه نفقة الطرف الآخر، بما يضمن التساوي بينهما في مستوى المعيشة. وقدرت المحكمة العليا قيمة النفقة بنصف المدخول الحقيقي للطرفين، فيأخذ كل طرف نصف ما يأتيهما من مال. وهذا ما يعرف بمبدإ المناصفة.....
ومنذ شهر واحد حصل في برلين أن صاحب محل تجاري من المسلمين العرب انتحر بسبب الطلاق. إذ فرضت عليه المحكمة أن يدفع أكثر من نصف مدخوله الشهري لمطلقته وأولاده، كما فرضت عليه أن يتخلى عن محله التجاري حتى يباع وتأخذ مطلقته نصيبها. فأقدم على الانتحار.....
ومنهم من تورط في الزواج ثم أدرك مغبة الطلاق وما يجره عليه من خسارة في ماله وولده، فآثر الصبر على أخلاق الزوجة الغربية، وصار خادما عندها تسيره كيف تشاء، يتجرع كأس الذل والمهانة كل يوم.... ولقد رأيت من يرى ابنته تصاحب الألماني الكافر ولا يستطيع أن يتدخل في شأنها، ومن تأتي ابنته والصليب على رقبتها ولا يستطيع أن يتكلم، ومن تزوجت ابنته من كافر وليس له إلا أن يبارك هذا الزواج، ومن اتخذت زوجته عشيقا ولا يستطيع إلا أن يكرمه.
نعم يا إخواني إن ما أخذه الغرب من المسلمين المهاجرين، كان أكثر مما أعطاهم. وإن من ارتد وانحرف من أولاد المسلمين أكثر من الغربيين الذين دخلوا في الإسلام. وكان تأثيرهم فينا أكثر من تأثيرنا فيهم، وإن كان ديننا أعظم من دينهم. لأننا حملنا الدين من غير صدق، وهم صدقوا من غير دين."

-1-د. سالم الرافعي؛ "أحكام الأحوال الشخصية للمسلمين في الغرب"، دار ابن حزم، بيروت 1423-2002. ص 603وما بعدها.

د. عبد الله الشارف؛ جامعة القرويين كلية أصول الدين، تطوان المغرب،1433-2012.

يا نفسي حذار من الكرسي !

3


 

ما أكثر الكراسي التي جنت على أصحابها فأهلكتهم. لا بل جنوا عليها واعتدوا، فأهلكوا أنفسهم، بعد أن جاروا وظلموا.

لا شك أن كثيرا من كراسي وعروش الموتى الظلمة، والطغاة والمسؤولين، والحكام المتجبرين والمتكبرين، لا زالت قائمة، إما في المتاحف أو في دور خاصة. ولو استنطقتها، أو سألتها، لقصت عليك قصصا يشيب لها الولدان.

إن هذه الكراسي والعروش المشؤومة، بدءا من عروش الفراعنة، وانتهاء بكرسي مسؤول في مؤسسة من مؤسسات الدولة، هي التي، انطلاقا من طبيعتها ودورها، ووظيفتها، وما تحمله من معاني الاستعلاء والتكبر والاستبداد...، تجعل أصحابها يحيون حياة، يتوهمون من خلالها أن طينتهم غير طينة غيرهم من البشر.
ولكأني بهم قد سحروا من قبل هذه الكراسي. ولذا تراهم يبالغون في العناية بها، ويمنعون غيرهم من الجلوس عليها. وبعبارة أدق؛ هناك علاقة معنوية أو نفسية حميمية، تنشأ وتترعرع بين الكراسي المشؤومة وأصحابها.

إن ذلك المناخ النفسي الملئ بالعجب والغرور، والكبر والأنانية، والاستعلاء والتسلط...، نتج عن تلك العلاقة الحميمية المنحرفة، التي نسجها صاحب الكرسي مع كرسيه. حيث غدا هذا الكرسي بعضا منه، أي؛ جزءا من لحمه و دمه !!. بل لا يتصور أن يحيا أو يتنفس بعيدا عنه. ومن هنا يتألم هذا الإنسان، عندما يتذكر أنه سيتقاعد، أو يتألم إذا كان يخشى أن يعزل أو يقال من منصبه، أو يحول بينهما مانع من الموانع.

وعلى قدر محبة هذا الإنسان لكرسيه وتعلقه به، تكون وطأة الفراق والتقاعد، أو صدمة العزل والإقالة. ولو قدر لك أيها القارئ اللبيب أن تطلع على نفسية هذا الإنسان الذي لم يحسن معاملة كرسيه أي؛ مسؤوليته، وقد أقيل أو عزل من منصبه، أو يعيش حياة التقاعد، لهالك الأمر، ولأصابك الفزع، ولكرهت نفسك الكراسي المشؤومة، ولففرت منها فرارك من الأسد.

دعني أحدثك عن بعض جوانب هذه النفسية؛ إنها نفسية مريضة شقية. هد كيانها وضعضع أركانها، كثرة الذنوب والظلم والاعتداء على حقوق الناس، ومخلفات ورواسب العجب والتكبر والغرور والاستبداد. إنها نفسية شقية، لأن صاحبها انسلخ وتجرد من الطاقة الوهمية والسحرية، التي كانت تنبعث من الكرسي المشؤوم، وتسري في كيانه فينتفخ ويتضخم ويزهو ويتكبر.

إنها نفسية شقية؛ لأن صاحبها فقد تلك القوة والمناعة والعزة، التي اكتسبها من علاقته المنحرفة والمريضة بكرسيه المشؤوم. وهكذا ضعف هذا المفلس بعد قوة، وذل بعد عز.

وأقل معاناته وآلامه النفسية، تلك التي تعتريه مثلا، عندما يلتقي بأحد مستخدميه، فينفر منه، أو ينظر إليه نظرة سخط وإهانة، مذكرا إياه بظلمه وغطرسته. أو ينتهي إلى سمعه أن سلوكه المشين وتجاوزاته أيام عمله، كل ذلك قد أصبح محور حديث كثير من المجالس. بل يكفيه تعاسة وحقارة وشقاء، أن لعنة الناس والتاريخ تلاحقه في حياته وبعد موته.

ولعمري، هل أفسد المجتمع إلا هذه الفئة من أصحاب الكراسي المشؤومة؟
فكم من المرضى في المستشفيات ازدادوا مرضا، أو قضوا نحبهم على أسرتهم، بسبب الإهمال الذي يتحمله المسؤولون عن الصحة، بما في ذلك كثير من الأطباء والممرضين.
وكم من مظلوم ملهوف بباب مكتب من مكاتب إداراتنا، يطلب حقه، و لا من يعبأ به، بل يطرد ؟
فمن يمنع مدير المستشفى، أو وكيل محكمة أو قاضيها، أو رئيس إدارة، أو عميد كلية،... أن يكون مسؤولا صالحا، قائما بواجباته ؟ من يمنعه من ذلك إلا نفسه الأمارة، وأنانيته وجشعه، وتكبره، وكراهيته للخير والصلاح ؟ أليس هذا ورما سرطانيا في جسد المجتمع ؟

والأدهى والأمر، أن تجد من بين هؤلاء المسؤولين، من كان يناضل من أجل الديمقراطية والعدالة والإصلاح، ثم لما ظفر بالكرسي المشؤوم، انقلب على عقبيه، وتنكر لكل المبادئ الإنسانية. أليس معدن هذا خسيسا ؟

وداهية الدواهي، أن تسمع بمسؤول في مؤسسة ذات طابع ديني؛ كمجلس علمي، أو كلية دينية، أو إدارة من إدارات وزارة الأوقاف، من يسلك سلوكا يتنافى مع جوهر وظيفته، ويسئ إلى الإسلام والمسلمين.
هذا ما تفعله الكراسي المشؤومة بأصحابها، لا بل ما يفعل بها أصحابها. فالكرسي حسا ومعنى برئ، والجالس عليه مسؤول ومكلف، ومحاسب إن عاجلا أو آجلا.
"وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون"(سورة الشعراء، آية 225).

د. عبد الله الشارف؛ جامعة القرويين/كلية أصول الدين- تطوان. رمضان المبارك 1433- غشت 2012.