باقة من الخواطر الإيمانية

0

 


ابتغ إليه الوسيلة

لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إلا التقوى، والتقوى أن يجدك حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك.

 

إقرأ  كتابك

أنت الكتاب والقارئ والمقروء والشاهد والمشهود، وحامل الأمانة والمكلف بالخلافة، وكلك آذان وألسنة.وبك تخبر عنك. وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. ركز أحوالك، واستمع لتسبيح ذاتك، وصحح كتابك قبل أن ينشر، وتنطق جلودك فيخرس لسانك ويحد بصرك ولات حين مناص.


اختر خير الطلبين

الطلب طلبان : طلب بالاستعداد، وطلب بالنفس، والأول في حضور، والثاني في غياب، وحضورك في الأول يتجلى في كونك تتأدب ولا تطلب منه إلا ما يمليه عليك استعدادك، وقد هيأت باطنك لقبول ما يورده عليك. ثم إن الإجابة قد تحصل دون التلفظ بالسؤال، لكون حصولها وقع بالاستعداد ولو بغير شعور منك. إذ من أصعب الأمور تحقق المؤمن باستعداده في كل وقت، وغيابك في الثاني هو وقوعك في أسر النفس الأمارة، وطلبك منه ما لا يرضاه لك، أو ما لست أهلا له، وليس من استعدادك، أو استعجالك الجواب؛ (خلق الإنسان من عجل)، ولما يحن استعدادك لقبوله، إذ أنك لا تنال إلا ما ينطق به استعدادك.


القصد المطلوب

صحح قصدك ولا تغفل عنه وأنت في شأن من شؤونك، واجمع مقاصدك في القصد المطلوب، فلا قصد لك إلا هو، ولا باب أنت داخل منه إلا بابه، واجعله أمام عينيك فتتوحد لك المقاصد؛ إذ شعورك بنظره إليك وإحساسك بالخوف والحياء إحساسا تلمسه في جوارحك، يجعل مقاصدك تفنى في القصد المطلوب، فتنال المرغوب. وبالخوف تموت حظوظ النفس، فينقشع الغمام، ويخلو لك السبيل، ويصبح الحبيب جليسك؛ "أنا جليس من ذكرني".


اختر خير الخاطرين

الخاطر خاطران : شيطاني وملائكي. والأول وهمي مجاله النفس الأمارة : (وما يعدهم الشيطان إلا غرورا ). والثاني حقيقي مجاله النفس المطمئنة. وإذا كنت في قبضة الأول، أنهكك الاختيار، وتلاعبت بك الخواطر. وإن كنت في حضرة الثاني، نطقت عن استعدادك وتحققت بوقتك، وانطفأت نار الاختيار، وأصبت ببرد التسليم، ويكون الحق سبحانه سمعك وبصرك، وفي الحديث القدسي (ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجلاه التي يمشي بها، وإن سألني لأعطينه، وإن استعاذ بي لأعيذنه، وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت ولا بد له منه، وأنا أكره مساءته).


سد باب الخواطر الباطلة

إذا صح إيمانك بالحق سبحانه، رأيت الحق والعدل في كل شيء، وانتفى الباطل من باطنك ومن الوجود. وآخر باب أنت مطالب بسده؛ باب الخواطر الباطلة. وإذا لم تفعل كنت على خطر، والتبس عليك الأمر، وفاتتك لذة القرب وأنت لا تشعر. واعلم أن المجاهدة خير لك من الانسياق مع الخواطر الباطلة، وأن القناعة من الله حرمان.


لا تكن من الغافلين

كل ما وقع عليه بصرك في الكون وما لم يقع عليه يُسَبِّحُ ويَسبَحُ في فلك محيطه قبضة جلالية. وإذا تجلت لك أنوار الجلال وكنت في موطنه، قوي يقينك فسمعت ذلك التسبيح، وحد بصرك بنور بصيرتك، وأحالتك آيات الكون على المكون، فشغلت بمحبوبك عما سواه، وطوي زمانك، وقصرت المسافات، وغدا الآجل عاجلا والعسير سهلا.


اجعل الصدق مقامك لا مقالك

إذا طرقت بابه وقيل لك ارجع، فما صحت نيتك، وما طهرت سريرتك. ولو صدقت الله، لخُرِقَت حجب نفسك، ولفتح لك الباب. فاغسل قلبك بماء الصدق، وأحيه برحيق الإخلاص، فرب صدق لحظة خير من عبادة سنة. واجعل الصدق مقامك لامقالك، لأن الله ينظر إلى قلبك. فلا تشغل عنه بالدنيا وتدعي محبته، وإلا فما استحييت منه وما صدقت في افتقارك إليه، وقد طبع على قلبك وأنت لا تشعر.[1]

 

ليكن مطلبك الفرقان

شرف العلم على قدر معلومه. والعلم علمان: علم تطلبه، وعلم يطلبك. والأول كسبي لا يخلو السعي وراءه من عناء، ولا تخلو طريقه من العثرات. وقد لا يشفي الغليل. والثاني وهبي (يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا)، وطريقه مجاهدة النفس، ومحاسبتها، وثمرته الطمأنينة، لأنك قصدت معلومك وهو الله، بما يحب أن يقصد به (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا).


دم على مخالفة أهوائك

إذا اشتهيت الكلام فاصمت، وإذا اشتهيت الصمت فتكلم. ودم على مخالفة أهوائك (ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله). و "من حسن إسلام المرء تركه ما لايعنيه". وإذا استوى عندك الفعل والترك، فاختر الثاني لأنه أسلم ومبطل للدعوى ومقو لخصلة الحياء. ولن تستحيي ما لم تتبرأ، فما ثم إلا مدبر واحد، فافتح قلبك له يكن تدبيرك به وإلا هلكت.


نجاتك في صلاح مركبك

جسدك مركب لروحك، إن سلم من الخرق نجا من الغرق، وعانقت روحك الساحل الأبدي، وإلا كسرته أمواج الغواية، وقذفت بأشلائه. وصلاح مركبك معلق بسلامة حواسك؛ إذ بها يحصل العروج، وعليها يتوقف السفر. ولن تعبد الله ولن تشاهد آياته، ما لم تستقم جوارحك وما لم يخشع قلبك ( تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله).


لا تأمن مكر الله

إذا ركبت البحر وطغت أمواجك وتراءى لك شبح الهلاك، ثم ردتك العناية إلى البر، لاتظنن أن الماء لم يعد محيطا بك، واعلم ألا بر لك؛ إذ الكل بحر، والتقسيم أو جدته غفلتك، والساحل مركبك إذا لم ترفع له شراعا. وإذا رفعته غرق (أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون).


لا تكن عبد الحال وكن عبد الله

لا تطلب منه الكرامات ولا تتعلق بالكشف فتحجب عنه وتحرم عين الرضا فتكون كأحد المقربين أهدى إليه ملك هدية فشغلته عن رؤية الملك وخدمته، فطرد من الحاشية. ولن يحبك الله ما لم تزهد في الدنيا وفي الحديث: (ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك الناس). واعلم أن طلب الأحوال والمقامات قدح في الإخلاص، فلا تكن عبد الحال لأنه لا يدوم، وإن دام فهو حجاب. وكن عبد الله ترفع عنك الحجب.


من الكون إلى اليقين

إذا أحالك الكون على المكون وخشعت ذاتك، كانت رؤيتك و استماعك بالحقيقة، وتحققت باليقين واطمأن قلبك. وإذا وقفت مع الكون، قوي ظمأك، وفقدت الخلافة، وحالت طينتك دون إدراك الحقيقة. واليقين يورث الحياء والخوف، وإلا فأنت تضرب في حديد بارد. ألم تر أن يوسف عليه السلام لما رأى برهان ربه خاف ولم يقدم على ما هم به. ولكل شيء ظاهر وباطن. ولن تدرك الباطن إلا بعينك الباطنة، فاجتهد أن تكون على بصيرة من ربك.



[1] "إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم" (رواه مسلم عن أبي هريرة)

لا يوجد تعليقات

أضف تعليق