التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سكون النفس في سكون الليل




ما أقسم الله عز وجل في كتابه بشيء من مخلوقاته إلا وله شأن جليل في عالم الخلق. فلا شك أن الليل وقد أقسم الله به في أكثر من آية (والليل إذا سجى) (والليل إذا يسري) (والليل إذا يغشى) يحتوي على أسرار لا يعلم عددها وكنهها إ لا الله.


ثم إنه كثيرا ما ذكر الليل في القرآن مقترنا بلفظ له علاقة بالسكون  (هو الذي جعل لكم  الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا)، (فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا)، (من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون).... وهذا يدل على مدى لطف الله وعنايته بالإنسان، الذي يجد راحته في السبات بعد كدحه طول النهار. إذ لو كان الزمن كله نهارا لتعذرت الحياة.


غير أن المعنى الروحي لحالة السكون المتأصلة في الليل، هو أهم مشار إليه، والله أعلم، في تلك الآيات، خصوصا إذا ما لوحظ المضمون والبعد الروحي للألفاظ القرآنية: يسكن، سكن، أو سكينة (وجعل منها زوجها ليسكن إليها)، (وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم)، (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين).


إن السكون في عالم المادة هو ما يناقض الحركة، وفي عالم النفس هو الطمأنينة والرجوع إلى الأصل، وإن الأرواح قبل الهبوط، لم تعرف الاضطراب لكونها كانت في عالم الثبات. فالسكون صفة أصلية لها، والاضطراب صفة عرضية. وحنين الإنسان إلى الليل كي يجد الراحة، لا ينفصل عن حنين نفسه إلى ذلك "الليل" الذي تسكن فيه بسكونها إلى أصلها. ويساعد النفس على ذلك تحررها من قيود الحواس أثناء النوم. فبعد أن كانت سجينة حواسها خلال النهار، قدم الليل بسباته وأزاح عنها القيود ومكنها من شيء من الطمأنينة.


ثم  إن الإنسان لو لم يكن في سكون الليل أقرب إلى حقيقته وإلى معرفة نفسه وربه ، لما أكد سبحانه على أهمية  قيام الليل؛ (ومن الليل فاسجد وسبحه ليلا طويلا)، (يأيها المزمل قم الليل إلا قليلا)، (إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا). ذلك أن الانقطاع عن شواغل الحياة اليومية وضجيجها، والتوجه إلى الله بقلب فارغ في سكون الليل، يخول للعبد أن يتدبر ويحيا لحظات روحية عميقة، تجعله على اتصال قوي ومباشر بحقيقته.


والنهار مسرح جلي لظهور آثار الأسماء الإلهية.  والإنسان سواء شعر أم لم يشعر، يظل خلال النهار في انتقال متواصل من حال إلى حال، نتيجة تنوع آثار تلك الأسماء، ونتيجة معاينته لعدد من آيات الله عز وجل.  فالمؤمن إذا وقع بصره مثلا على أمر تتجلى فيه الرحمة ذكره بالرحمن، وإن كان القهر متجليا ، ذكره بالقهار. وهكذا فإن قلبه دائما معلق بالله، وكل شيء يذكره به وبأسمائه وصفاته .


وتلك الآثار لا تفتأ واقعة على الإنسان، كما أن لطفها به وشدتها عليه، يختلفان بحسب منزلته عند الله. ومهما يكن من أمر، فالمعاناة والمكابدة لا ينفك الإنسان عنها؛ (لقد خلقنا الإنسان في كبد). أما الليل، فإن هدوءه وسكونه أجلب للسكينة والطمأنينة، وأنفع للعبادة. فلما خيم  بظلامه على المخلوقات، وسرت فيها آيته، خشعت وسكنت، وحل الثبات  محل الحركة، وخفتت وطأة المكابدة، وذب في نفوس المؤمنين حنين الرجوع، فأقبلوا بوجوههم على الله، وفي الحديث: "ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول ؛ من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له؟"[1].


[1] حديث صحيح؛ انظر الجامع الصغير؛ ج 2، ص 1357

 

عبد الله الشارف، باريس 1983.         






[1] حديث صحيح؛ انظر الجامع الصغير؛ ج 2، ص 1357.



تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وت

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954. الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016). المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازن

باقة من الخواطر الإيمانية

  ابتغ إليه الوسيلة لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إلا التقوى، والتقوى أن يجدك حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك.   إقرأ   كتابك أنت الكتاب والقارئ والمقروء والشاهد والمشهود، وحامل الأمانة والمكلف بالخلافة، وكلك آذان وألسنة.وبك تخبر عنك. وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. ركز أحوالك، واستمع لتسبيح ذاتك، وصحح كتابك قبل أن ينشر، وتنطق جلودك فيخرس لسانك ويحد بصرك ولات حين مناص. اختر خير الطلبين الطلب طلبان : طلب بالاستعداد، وطلب بالنفس، والأول في حضور، والثاني في غياب، وحضورك في الأول يتجلى في كونك تتأدب ولا تطلب منه إلا ما يمليه عليك استعدادك، وقد هيأت باطنك لقبول ما يورده عليك. ثم إن الإجابة قد تحصل دون التلفظ بالسؤال، لكون حصولها وقع بالاستعداد ولو بغير شعور منك. إذ من أصعب الأمور تحقق ال