مناظرة في المنطق؛ درس وعبرة

2


قال أبو حيان التوحيدي في كتابه؛ "الإمتاع والمؤانسة":


"لما انعقد المجلس سنة ست وعشرين وثلاثمائة، قال الوزير ابن الفرات للجماعة: ألا ينتدب منكم إنسان لمناظرة متى (بن يونس القنائي المسيحي) في حديث المنطق، فإنه يقول: لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل، والصدق من الكذب، والخير من الشر، والحجة من الشبهة، والشك من اليقين، إلا بما حويناه من المنطق وملكناه من القيام به، واستفدناه من واضعه على مراتبه وحدوده، فأطلعنا عليه من جهة اسمه على حقائقه ....


فقال أبو سعيد السيرافي النحوي: حدثني عن المنطق ما تعني به؟....
قال متى: أعني به أنه آلة من آلات الكلام يعرف بها صحيح الكلام من سقيمه، وفاسد المعنى من صالحه، كالميزان، فإني أعرف به الرجحان من النقصان، والشائل من الجانح.
فقال أبو سعيد: أخطأت، لأن صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم المألوف والإعراب المعروف إذا كنا نتكلم بالعربية. وفاسد المعنى من صالحه يعرف بالعقل إذا كنا نبحث بالعقل... ودع هذا؛ إذا كان المنطق وضعه رجل من يونان على لغة أهلها واصطلاحهم عليها، وما يتعارفونه بها من رسومها وصفاتها، فمن أين يلزم الترك والهند والفرس والعرب، أن ينظروا فيه ويتخذوه قاضياً وحكماً لهم وعليهم، ما شهد لهم به قبلوه، وما أنكره رفضوه؟ قال متى: إنما لزم ذلك لأن المنطق بحث عن الأغراض المعقولة والمعاني المدركة، وتصفح للخواطر السانحة والسوانح الهاجسة؛ والناس في المعقولات سواء. ألا ترى أن أربعةً وأربعة ثمانية، سواءٌ عند جميع الأمم، وكذلك ما أشبهه.


قال أبو سعيد: لو كانت المطلوبات بالعقل والمذكورات باللفظ، ترجع مع شعبها المختلفة وطرائقها المتباينة إلى هذه المرتبة البينة؛ في أربعة وأربعة وأنهما ثمانية، زال الاختلاف وحضر الاتفاق، ولكن ليس الأمر هكذا، ولقد موهت بهذا المثال، ولكم عادة بمثل هذا التمويه؛ ولكن مع هذا أيضاً إذا كانت الأغراض المعقولة والمعاني المدركة لا يوصل إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء والأفعال والحروف، أفليس قد لزمت الحاجة إلى معرفة اللغة؟ قال: نعم. قال: أنت إذاً لست تدعونا إلى علم المنطق، إنما تدعونا إلى تعلم اللغة اليونانية.... ولا سبيل إلى إحداث لغة في لغة مقررة بين أهلها"[1].


إن السيرافي عندما قال :"إذن لست تدعونا إلى علم المنطق، إنما تدعونا إلى تعلم اللغة اليونانية" فهو يشير إلى أن منطق أرسطو هو نحو اللغة اليونانية مثلما أن النحو العربي هو منطق اللغة العربية. ومن هنا كان تطبيق المنطق الأرسطي على اللغة العربية بمثابة "إحداث لغة في لغة مقررة بين أهلها" وهذا كلام عميق وبديهي، إذ لكل لغة منطقها ولكل منطق لغته.


«ولقد أوضح "بنفنيست" صلـة المنطق بالنحو حينما برهن أن المقولات المنطقية كما ذكرها أرسطو هي نقل لمقولات اللغة الخاصة باليونانيين، مصطلحات فلسفية ليس إلا. ويقول سنة 1952م: "فتبين أن المقولات الذهنية وقوانين الفكر لاتقوم، وإلى حد بعيد، إلا حين تعكس تمضية المقولات اللسانية وتوزيعها.


إن كل الأبحاث اللسانية الحديثة، من دي سوسير إلى ريتشارد وأوغدن، إلى شومسكي، تبين أن العلاقات النحوية في اللغات هي علاقات منطقية، أي تعكس في بنيتها التصور السببي في منظور أمة ما للعلاقة بين العلة والمعلول. وبذلك يكون الجرجاني على حق حين يقول في باب توخى معاني النحو:" ليس الغرض بنظم الكلم ان توالت ألفاظها في النطق. بل إن تناسبت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقـل" . أي معقول اللغة في ذاته. وهو مايشرحه بعد قليل في قوله إن "معاني النحو التي يقصدها ليست بمجرد رفع الفاعل ونصب المفعول- فذلك من ثوابت اللغة »[2].


إن المستغربين في بلادنا من المتفرنسين الفرنكوفونيين، ومن الحداثيين المقلدين، يسعون جادين ل"إحداث لغة (الفرنسية) في لغة مقررة بين أهلها". وهو عمل شنيع وخطير، يستهدف ثوابت وهوية المغاربة؛ من لغة، ودين، وتاريخ، وحضارة. إن اللغة الفرنسية لها منطقها وتاريخها وحضارتها؛ أي مجموع حمولتها وبنياتها الداخلية.  فإلى أي منطق يستند هؤلاء المستغربون،حينما يحلمون بإحلال لغة أجنبية مكان لغة تاريخية وحضارية قائمة ؟ أو بعبارة أخرى؛ يعملون على استنبات لغة المستعمر في ذات وكيان الشعب المغربي، الأبي المسلم الكريم. ورغم أن كلام أبي سعيد السيرافي مر عليه أكثر من عشرة قرون، فإن مفعوله لا زال حيا. وهذا من مميزات تراثنا الفذ العظيم الذي لا تنضب عيونه ولا تنقضي عجائبه، كما أنه دوما في تجدد وعطاء. وكأني بعالمنا يخاطب، من خلال هذه المناطرة، المستغربين من أبناء جلدتنا الذين استلبهم الغرب، فآثروا استبدال هويتهم، والذوبان في لغته وثقافته.


يقول الأستاذ الكاتب عبد الكريم غلاب في كتابه: "من اللغة إلى الفكر": "إن اللغة ليست أداة معرفة فحسبن ولكنها كيان ثقافي. ويوم تتخذ أمة أو يتخذ شعب ما لغة علمية له غير لغته الأساس، سيكون مستعدا لن يطرح أسس ثقافته الأساس، وكل مقوماتها الحضارية ليندمج في ثقافة اللغة التي اعتنقها. اللغة توحي. وأكثر من الإيحاء أنها تنقل من الفكر ومن الفعل ومن الممارسةن ومن البعد الحضاري كل ما اختلط بها... تنشقل كل ذلك إلى الشعب الذي اقتبسها. وشيئا فشيئا يندمج من يشعر أو لا يشعر، وشيئا فشيئا يلغي كل مقوماته وكيانه، لتصبح له مقومات أخرى مستعارة، وكيانا آخر مستعارا....وأعتقد أن شعوبنا التي تخلصت من الاستعمار لأنه كان السبيل لنقلها لتكون على مثال الدول المستعمرة، غير مستعدة لتأخذ سبيلا أخرى لهذه النقلة وهي اللغة"[3].









[1] - ابو حيان التوحيدي:  "الامتاع والمؤانسة" ، منشورات مكتبة الحياة بيروت،   د . ت ، ص 108وما بعدها.





[2] -د. محيي الدين صبحي " أثر اللغة العربية في العقل العربي" (عند باتاي والجابري) ، مجلة دراسات شرقية (جمعية الدراسات الشرقية باريس)


        عدد 817، 1990 ص 123.





[3] - عبد الكريم غلاب: "من اللغة إلى الفكر"، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1993، ص 79-80.


د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين/جامعة القرويين/ تطوان المغرب. ربيع الأول 1435/يناير2014.




المعرفة الصوفية في الميزان

1





لقد كنت، أثناء ممارستي للتجربة الصوفية، مرتبطا بملكة خاصة، غير ملكة العقل المنطقي. تلك الملكة التي كانت تصلني ببعض الحقائق على نحو خاص، وتقوم فيها اللوامع والإشارات، مقام التصورات والأحكام والقضايا في المنطق العقلي. ويغمرني من خلالها شعور عارم بقوى تضطرم في باطني، كفيض من النور الباهر. ومن هنا كنت أشعر بإثراء في كياني الروحي، وتحرر في أفكاري وخواطري، وانطلاق لطاقات حبيسة عميقة الغور في نفسي.


إن هذه المعرفة الذوقية لم تكن قط عملا من أعمال العقل الواعي، ولا أثرا من آثاره، كما أنه لا شرط لتحققها في وجدان الصوفية غير شرط القانون الذي يحكمهم، ويمتثلون أوامره؛ وهو قانون المجاهدة ورياضة النفس، على طريقتهم ومنهجهم. فإذا هذه المعرفة إرادة، وإذا هذه الإرادة امتثال والتزام. وهكذا تصبح المعرفة الذوقية مظهرا من مظاهر الإرادة والوجدان والاتصال الروحي.


إن الأساس في تكوين التجربة الصوفية هو المجاهدة والرياضة الروحية، ثم الترقي في المقامات والأحوال، ولا تفهم الأحوال الروحية في عين التجربة بغير هذا الاعتبار. وما دام الأمر كله معلق على سلطان هذه الأحوال، فإن مستند الدعاوى التي يدعونها هو منطق الوجدان لا العقل. ولما كانت علوم ومعارف الصوفية يغلب عليها الذوق والكشف الصوفيين، كان من البديهي أن يتسرب إليها الزلل والدخن، ويسودها منطق الأهواء والبدع.


بيد أن هذا لا يمنع الباحث الحصيف والناقد المنصف، من ذكر الصفحات المشرقة من أقوال وكتابات الجيل الأول من الزهاد والمتصوفة المسلمين أمثال الحسن البصري، والفضيل بن عياض، ووهب بن منبه، وبشر الحافي، والحارث، المحاسبي، وأبو القاسم الجنيد وأبو سعيد الخراز، وغيرهم ممن عاشوا في القرنين الثاني والثالث للهجرة. فقد خلف هؤلاء الرجال من الأقوال حكما، ومن المعارف دررا ولآلئ، جادت بها قرائحهم وترجمتها ألسنتهم وسطرتها أقلامهم، يتذوق قارئها حلاوة معانيها، ويتنسم من خلال كلماتها صدق لهجة أصحابها، ومدى محبتهم لنبيهم صلوات الله وسلامه عليه، ومجاهدتهم في سبيل تزكية النفس وتربيتها والسمو بها، ومدى شغفهم بالزهد والعبادة، والتأمل والتدبر، والمراقبة والمحاسبة. لقد كانت ألفاظهم كالتباشير مسموعة، وأزاهير الرياض مجموعة، ومعان كأنفاس تعبق بالراح والريحان، كلام كما تنفس السحر عن نسيمه، وتبسم الدر عن نظيمه، ألفاظ تأنق الخاطر في تذهيبها، ومعان عني الطبع بتهذيبها.


إن هؤلاء الرواد الأوائل من الزهاد والمتصوفة قد أرسوا، بما خلفوه من تراث زاخر ينبض صدقا وحيوية، قواعد متينة وطرقا تتعلق بمجال تربية النفس وتزكيتها، ومداواة أمراض القلوب، والحض على طرق باب التوبة، ونبذ الرذائل والتحلي بالفضائل، ولزوم التقوى وتفيؤ ظلال الأنس والمحبة، مستأنسين ومسترشدين بالكتاب والسنة، وأقوال الصحابة والتابعين من فقهاء وعلماء السلف الصالح. ثم إن هذا التراث الثمين الذي يعبر عن أدب الزهد والرقائق، يتناغم وينسجم مع روح الوحي وأسس الهدي القرآني، إلا أنه لا يخلو من هفوات وأخطاء ومزالق، وجب على علماء الأمة وفقهائها التنبيه عليها وإصلاحها.


أما فيما يخص التراث الصوفي المتعلق بالأجيال والقرون اللاحقة، فإنه قد ارتوى من عيون الفلسفة اليونانية، وعقائد اليهود والنصارى والفرس والهنود، ودبت في روحه نظريات الفيض والإشراق والحلول ووحدة الوجود، فأضحى تراثا لا علاقة له بزهد وتصوف الجيل الأول، وغدت الخيوط التي تربطه بالإسلام أوهن من خيوط العنكبوت.


ثم طلع نجم التصوف الطرقي، فازدادت الهوة اتساعا؛ حيث تعقدت التربية السلوكية بظهور نظام المشيخة الطرقية، فتعددت الطرق الصوفية، وتفنن الشيوخ في وضع القواعد والضوابط ذات الطابع التكليفي، وكذا إلزام المريد بأذكار وعادات وأعمال كثيرا ما تتنافي مع مبادئ السنة النبوية وروحها.


كما واكب تطور التصوف الطرقي، أدب نثري وشعري، ملئ بموضوعات تتعلق بمدح الشيوخ وتعظيمهم، وبشطحات تعبر عن حالات نفسية ووجدانية غير منضبطة؛ لا تخضع لعقل ولا شرع، أو موضوعات تركز على كرامات الشيوخ وقدرتهم على التأثير في النفوس، والتدخل في شخصية المريدين، وتوجيه إراداتهم. بل التدخل والتصرف في أمور أخرى لا داعي لذكرها، أو أذكار وأوراد وأحزاب من وضع الشيوخ، يتلوها ويرددها المريدون في زواياهم أو في بيوتهم كل يوم؛ وهي كلمات وصيغ، أو نصوص نثرية، إذا عرضت على الكتاب والسنة اتضح ضلالها وانحرافها.


د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف؛ "تجربتي الصوفية"، منشورات الزمن، الرباط 2011 ص؛174-175-176.