التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من يناير, 2014

مناظرة في المنطق؛ درس وعبرة

قال أبو حيان التوحيدي في كتابه؛ "الإمتاع والمؤانسة":
"لما انعقد المجلس سنة ست وعشرين وثلاثمائة، قال الوزير ابن الفرات للجماعة: ألا ينتدب منكم إنسان لمناظرة متى (بن يونس القنائي المسيحي) في حديث المنطق، فإنه يقول: لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل، والصدق من الكذب، والخير من الشر، والحجة من الشبهة، والشك من اليقين، إلا بما حويناه من المنطق وملكناه من القيام به، واستفدناه من واضعه على مراتبه وحدوده، فأطلعنا عليه من جهة اسمه على حقائقه ....
فقال أبو سعيد السيرافي النحوي: حدثني عن المنطق ما تعني به؟....
قال متى: أعني به أنه آلة من آلات الكلام يعرف بها صحيح الكلام من سقيمه، وفاسد المعنى من صالحه، كالميزان، فإني أعرف به الرجحان من النقصان، والشائل من الجانح.
فقال أبو سعيد: أخطأت، لأن صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم المألوف والإعراب المعروف إذا كنا نتكلم بالعربية. وفاسد المعنى من صالحه يعرف بالعقل إذا كنا نبحث بالعقل... ودع هذا؛ إذا كان المنطق وضعه رجل من يونان على لغة أهلها واصطلاحهم عليها، وما يتعارفونه بها من رسومها وصفاتها، فمن أين يلزم الترك والهند والفرس والعرب، أن ينظروا في…

المعرفة الصوفية في الميزان

لقد كنت، أثناء ممارستي للتجربة الصوفية، مرتبطا بملكة خاصة، غير ملكة العقل المنطقي. تلك الملكة التي كانت تصلني ببعض الحقائق على نحو خاص، وتقوم فيها اللوامع والإشارات، مقام التصورات والأحكام والقضايا في المنطق العقلي. ويغمرني من خلالها شعور عارم بقوى تضطرم في باطني، كفيض من النور الباهر. ومن هنا كنت أشعر بإثراء في كياني الروحي، وتحرر في أفكاري وخواطري، وانطلاق لطاقات حبيسة عميقة الغور في نفسي.
إن هذه المعرفة الذوقية لم تكن قط عملا من أعمال العقل الواعي، ولا أثرا من آثاره، كما أنه لا شرط لتحققها في وجدان الصوفية غير شرط القانون الذي يحكمهم، ويمتثلون أوامره؛ وهو قانون المجاهدة ورياضة النفس، على طريقتهم ومنهجهم. فإذا هذه المعرفة إرادة، وإذا هذه الإرادة امتثال والتزام. وهكذا تصبح المعرفة الذوقية مظهرا من مظاهر الإرادة والوجدان والاتصال الروحي.
إن الأساس في تكوين التجربة الصوفية هو المجاهدة والرياضة الروحية، ثم الترقي في المقامات والأحوال، ولا تفهم الأحوال الروحية في عين التجربة بغير هذا الاعتبار. وما دام الأمر كله معلق على سلطان هذه الأحوال، فإن مستند الدعاوى التي يدعونها هو منطق الوجدان لا ا…