التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مناظرة في المنطق؛ درس وعبرة


قال أبو حيان التوحيدي في كتابه؛ "الإمتاع والمؤانسة":


"لما انعقد المجلس سنة ست وعشرين وثلاثمائة، قال الوزير ابن الفرات للجماعة: ألا ينتدب منكم إنسان لمناظرة متى (بن يونس القنائي المسيحي) في حديث المنطق، فإنه يقول: لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل، والصدق من الكذب، والخير من الشر، والحجة من الشبهة، والشك من اليقين، إلا بما حويناه من المنطق وملكناه من القيام به، واستفدناه من واضعه على مراتبه وحدوده، فأطلعنا عليه من جهة اسمه على حقائقه ....


فقال أبو سعيد السيرافي النحوي: حدثني عن المنطق ما تعني به؟....
قال متى: أعني به أنه آلة من آلات الكلام يعرف بها صحيح الكلام من سقيمه، وفاسد المعنى من صالحه، كالميزان، فإني أعرف به الرجحان من النقصان، والشائل من الجانح.
فقال أبو سعيد: أخطأت، لأن صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالنظم المألوف والإعراب المعروف إذا كنا نتكلم بالعربية. وفاسد المعنى من صالحه يعرف بالعقل إذا كنا نبحث بالعقل... ودع هذا؛ إذا كان المنطق وضعه رجل من يونان على لغة أهلها واصطلاحهم عليها، وما يتعارفونه بها من رسومها وصفاتها، فمن أين يلزم الترك والهند والفرس والعرب، أن ينظروا فيه ويتخذوه قاضياً وحكماً لهم وعليهم، ما شهد لهم به قبلوه، وما أنكره رفضوه؟ قال متى: إنما لزم ذلك لأن المنطق بحث عن الأغراض المعقولة والمعاني المدركة، وتصفح للخواطر السانحة والسوانح الهاجسة؛ والناس في المعقولات سواء. ألا ترى أن أربعةً وأربعة ثمانية، سواءٌ عند جميع الأمم، وكذلك ما أشبهه.


قال أبو سعيد: لو كانت المطلوبات بالعقل والمذكورات باللفظ، ترجع مع شعبها المختلفة وطرائقها المتباينة إلى هذه المرتبة البينة؛ في أربعة وأربعة وأنهما ثمانية، زال الاختلاف وحضر الاتفاق، ولكن ليس الأمر هكذا، ولقد موهت بهذا المثال، ولكم عادة بمثل هذا التمويه؛ ولكن مع هذا أيضاً إذا كانت الأغراض المعقولة والمعاني المدركة لا يوصل إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء والأفعال والحروف، أفليس قد لزمت الحاجة إلى معرفة اللغة؟ قال: نعم. قال: أنت إذاً لست تدعونا إلى علم المنطق، إنما تدعونا إلى تعلم اللغة اليونانية.... ولا سبيل إلى إحداث لغة في لغة مقررة بين أهلها"[1].


إن السيرافي عندما قال :"إذن لست تدعونا إلى علم المنطق، إنما تدعونا إلى تعلم اللغة اليونانية" فهو يشير إلى أن منطق أرسطو هو نحو اللغة اليونانية مثلما أن النحو العربي هو منطق اللغة العربية. ومن هنا كان تطبيق المنطق الأرسطي على اللغة العربية بمثابة "إحداث لغة في لغة مقررة بين أهلها" وهذا كلام عميق وبديهي، إذ لكل لغة منطقها ولكل منطق لغته.


«ولقد أوضح "بنفنيست" صلـة المنطق بالنحو حينما برهن أن المقولات المنطقية كما ذكرها أرسطو هي نقل لمقولات اللغة الخاصة باليونانيين، مصطلحات فلسفية ليس إلا. ويقول سنة 1952م: "فتبين أن المقولات الذهنية وقوانين الفكر لاتقوم، وإلى حد بعيد، إلا حين تعكس تمضية المقولات اللسانية وتوزيعها.


إن كل الأبحاث اللسانية الحديثة، من دي سوسير إلى ريتشارد وأوغدن، إلى شومسكي، تبين أن العلاقات النحوية في اللغات هي علاقات منطقية، أي تعكس في بنيتها التصور السببي في منظور أمة ما للعلاقة بين العلة والمعلول. وبذلك يكون الجرجاني على حق حين يقول في باب توخى معاني النحو:" ليس الغرض بنظم الكلم ان توالت ألفاظها في النطق. بل إن تناسبت دلالتها وتلاقت معانيها على الوجه الذي اقتضاه العقـل" . أي معقول اللغة في ذاته. وهو مايشرحه بعد قليل في قوله إن "معاني النحو التي يقصدها ليست بمجرد رفع الفاعل ونصب المفعول- فذلك من ثوابت اللغة »[2].


إن المستغربين في بلادنا من المتفرنسين الفرنكوفونيين، ومن الحداثيين المقلدين، يسعون جادين ل"إحداث لغة (الفرنسية) في لغة مقررة بين أهلها". وهو عمل شنيع وخطير، يستهدف ثوابت وهوية المغاربة؛ من لغة، ودين، وتاريخ، وحضارة. إن اللغة الفرنسية لها منطقها وتاريخها وحضارتها؛ أي مجموع حمولتها وبنياتها الداخلية.  فإلى أي منطق يستند هؤلاء المستغربون،حينما يحلمون بإحلال لغة أجنبية مكان لغة تاريخية وحضارية قائمة ؟ أو بعبارة أخرى؛ يعملون على استنبات لغة المستعمر في ذات وكيان الشعب المغربي، الأبي المسلم الكريم. ورغم أن كلام أبي سعيد السيرافي مر عليه أكثر من عشرة قرون، فإن مفعوله لا زال حيا. وهذا من مميزات تراثنا الفذ العظيم الذي لا تنضب عيونه ولا تنقضي عجائبه، كما أنه دوما في تجدد وعطاء. وكأني بعالمنا يخاطب، من خلال هذه المناطرة، المستغربين من أبناء جلدتنا الذين استلبهم الغرب، فآثروا استبدال هويتهم، والذوبان في لغته وثقافته.


يقول الأستاذ الكاتب عبد الكريم غلاب في كتابه: "من اللغة إلى الفكر": "إن اللغة ليست أداة معرفة فحسبن ولكنها كيان ثقافي. ويوم تتخذ أمة أو يتخذ شعب ما لغة علمية له غير لغته الأساس، سيكون مستعدا لن يطرح أسس ثقافته الأساس، وكل مقوماتها الحضارية ليندمج في ثقافة اللغة التي اعتنقها. اللغة توحي. وأكثر من الإيحاء أنها تنقل من الفكر ومن الفعل ومن الممارسةن ومن البعد الحضاري كل ما اختلط بها... تنشقل كل ذلك إلى الشعب الذي اقتبسها. وشيئا فشيئا يندمج من يشعر أو لا يشعر، وشيئا فشيئا يلغي كل مقوماته وكيانه، لتصبح له مقومات أخرى مستعارة، وكيانا آخر مستعارا....وأعتقد أن شعوبنا التي تخلصت من الاستعمار لأنه كان السبيل لنقلها لتكون على مثال الدول المستعمرة، غير مستعدة لتأخذ سبيلا أخرى لهذه النقلة وهي اللغة"[3].









[1] - ابو حيان التوحيدي:  "الامتاع والمؤانسة" ، منشورات مكتبة الحياة بيروت،   د . ت ، ص 108وما بعدها.





[2] -د. محيي الدين صبحي " أثر اللغة العربية في العقل العربي" (عند باتاي والجابري) ، مجلة دراسات شرقية (جمعية الدراسات الشرقية باريس)


        عدد 817، 1990 ص 123.





[3] - عبد الكريم غلاب: "من اللغة إلى الفكر"، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 1993، ص 79-80.


د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين/جامعة القرويين/ تطوان المغرب. ربيع الأول 1435/يناير2014.




تعليقات

  1. لقد وجدتني_أستاذي الكريم_أدرس علم المنطق على المنهج الذي دعا إليه أهله؛ لكنك لفتّ نظري إلى العودة مجددا إلى درس النحو والصرف الحاملة للفكر الصحيح الذي يفهم من لغتنا الأصيلة...فشكرا لكم أستاذي الكريم على هذه الالتفاتة العلمية المفيدة.

    ردحذف
  2. الحمد لله وحده

    مقال رائع في بنائه وتركيبه ويثير الكثير من النقاش ، بقدر ما أثارت مناظرة متى والسيرافي من نقاشات جرت بها الركبان في إبانها . فقط أريد أن ألمح أخي العزيز إلى أن المنطق كما هو مقرر في الدراسات المنطقية واللسانية والحجاجية لاتعلق له بمضامين الأقوال سواء أكانت عقدية أو فلسفسة أو فكرية ... وإنما له تعلق بصور القضايا وطرق الاستنتاج لاغير ...
    ولنا إن شاء الله جلسات لبسط القول في هذه الإشارة
    والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
    محبكم أحمد مونة
    كلية أصول الدين العامرة
    تطوان
    المغرب

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وتباشيره. ومما لا ش…

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954.
الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016).
المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازنـة بيـن شيخ العلـم وشيخ التربيـة : سنة 2007. 5- تجـربتـي الصوفيــة …

لماذا تركت التصوف ؟

إن السنوات السبع التي كنت أحياها متصوفا، أثناء دراستي الجامعية في باريس، كانت سنوات صعبة من حيث الوضع النفسي والاجتماعي. فقد كنت غريبا دينيا واجتماعيا وثقافيا؛ أي أن مجتمع الإقامة الفرنسي، يختلف عن مجتمعي المغربي المسلم اختلافا جذريا. فكنت إذن أمام خيارين: خيار الانصهار والذوبان في مجتمع الغربة، وخيار العزلة والانطواء على الذات أو الهروب. فاخترت الثاني. ومن هنا تجلى لي التصوف كأحسن طريق لممارسة هذا الخيار والمحافظة عليه. وهذا الكلام مبسوط في مطلع "تجربتي الصوفية"، انظر charefab.com

ولما أنهيت دراستي الجامعية، ورجعت إلى وطني العزيز، وانخرطت في سلك التدريس بكلية أصول الدين، التحم كياني النفسي والعقلي من جديد بالفضاء الديني والاجتماعي والثقافي المغربي. فصرت كأنني أكتشف نفسي أو أتعرف على كائن غاب عني وانقطعت صلتي به !!

وهكذا في خضم الحياة الأسرية والاجتماعية، والأنشطة الجامعية والثقافية، بدأت تتلاشى الخيوط العنكبوتية الصوفية التي نسجتها حول نفسي في ديار الغربة والمهجر.

وبعبارة أخرى، لما انعدمت أو ارتفعت الأسباب التي دعتني إلى التصوف، حلت محلها العوامل الموجبة لهجره والتحلل منه. وفي…