الكلمة الطيبة

2




ياعبد الله:


في البدء كانت الكلمة "كن"، فكانت الأكوان وما شاء الله أن يكون؛ "إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون".


استمع إلى صدى "الكلمة" في الأرض والسماء، بل في نفسك وبين جناحيك "وفي أنفسكم أفلا تبصرون".


تدبر"كن" وسريانها في الكون، ولا تحجب عن المكون، وعلق الفعل بالفاعل والكلمة بصاحبها.


قل كلمتك ولتكن طيبة؛ "ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة"، واستمد قوتك من روح الكلمة الأولى، واستعن بالقرآن حيث جلال الكلمة والمتكلم، ونور المعنى في جمال المبنى.


وإذا لم تنهل من مشكاة كلامه فقد حيل بينك وبينه، وعلا الوقر أذنيك، وانتفى صدى الكلمة في جوانب نفسك؛ "لهم آذان لا يسمعون بها".


قل كلمتك وكن صادقا تجد أثرها في نفسك وفيمن حولك. ومن صدقت لهجته ظهرت حجته، وأفضل القول ما اقترن بالفعل.


قل كلمتك وكن مريدا فالكلمة من الكلمة، والإرادة من الإرادة، ولا حول ولا قوة لك إلا به سبحانه ما أعظمه.




د. عبد الله الشارف، خواطر إيمانية ، تطوان المغرب، يونيو 2001.


المسجد يغنم الكنيسة

2



لقد بات انتصار الإسلام، دينيا وثقافيا، أمرا أبين من فلق الصبح. وإن المتأمل في تاريخ الشعوب الإسلامية خلال العقود الأخيرة، يجد أن الصحوة الإسلامية قد عمت ربوع بلاد المسلمين، رغم تأخرهم العلمي وتخلفهم الاقتصادي، وسوء أحوالهم السياسية. وإن كيد الكائدين للإسلام في الداخل والخارج، من قبل المستغربين والحداثيين وأساتذتهم المستشرقين والمنصرين والصهاينة، لم يمنع شباب المسلمين من الرجوع إلى ذواتهم واستحضار هويتهم الدينية والثقافية والتاريخية.


كما أن الإسلام حقق انتصارا باهرا خارج حدوده، إذ طفق يستقطب كل سنة عشرات الآلاف من المسيحيين الذين يدخلون في دين الله أفواجا، حتى أصبح الإسلام حديث الخاص والعام في بلدان الغرب، وموضوعا من الموضوعات الأساسية في وسائل الإعلام الأوربية والأمريكية. ولعل من المظاهر المحسوسة الدالة على الفتح الإسلامي السلمي للبلدان المسيحية؛ تحول الكنائس إلى مساجد. وفي هذا الصدد  أقتطف من مقال: "المسجد في عقر دار الكنيسة" لكاتبه حسن السرات نصوصا تدل على هذا الفتح المبارك، على مرأى ومسمع من المسيحيين.


يقول الكاتب (جريدة هسبريس الإلكترونية المغربية)؛ (20/1/2013):


"تحولت كثير من الكنائس إلى مساجد في الثلث الأخير من القرن العشرين والعقد الأول من القرن الواحد والعشرين سواء في البلدان العربية الإسلامية التي كانت مستعمرة من الدول الغربية المسيحية، أو في البلدان الغربية المسيحية التي هاجر إليها عدد من المسلمين الأميين لشغل مهن لم يكن يرضى الأوربيون بها، أو هجروا إليها قسرا للمشاركة في الحروب التي أشعلها الغربيون فيما بينهم وهم يتنازعون على القوة والمال والسلطان.


......


ولكن الغريب أن تتحول الكنائس إلى مساجد في قلب القارة الأوروبية التي يحلو لمؤرخيها وكتابها أن يصفوها بالقارة العجوز أو العتيقة، تعبيرا عن نرجسية وتركز حول ذاتهم، مع أن البساط قد سحب من بين أيديهم وأرجلهم منذ زمان وهم لا يشعرون. ذلك هو مكر التاريخ وهو يسير ويدور، ويظهر ويغور، ويمور ويفور.


وتشتد الغرابة عندما يعجز أهل الكتاب عن عمارة معابدهم، فيصيبها التصحر، ويعشش فيها البوم والجن والعفاريت وهي خاوية من روادها الذاكرين والمتعبدين للثالوث المقدس. فيضطر القساوسة إلى إطلاق نداء الاستغاثة والتحذير والتنصير والتبشير دون أي مجيب أو مجير. ودون أن يتساءلوا ترى أين ذهب الأتباع والرعايا الأوفياء؟ وما الذي أبعدهم عن الصلوات والمواعظ في الكنائس والأبراشيات؟


أزمة الكنيسة المسيحية ليست خاصة بفرنسا، بل عامة في أوروبا الغربية وفي كندا. فقد اضطرت عدة كنائس بالكيبيك، وكندا، للتخلي عن بناياتها بعد أن عجزت عن أداء تكاليفها المالية. وبلغ مجموع البنايات التي بيعت في أبراشية مونتريال وحدها 40 بناية، وتوجد 25 بناية أخرى في المزاد. ونصف 220 أبراشية في حالة إفلاس.


.........


وتبلغ الغرابة أوج قمتها عندما تجد مدنا من مدن أهل الكتاب قد خلت من الكنيسة إطلاقا، ولكن المسجد قائم فيها يتردد فيها ذكر الله (لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر، إن قرآن الفجر كان مشهودا). وذلك ما حصل في مدينة فرنسية صغيرة هي سانت مارتان دي شان، المقاطعة التابعة لبلدية فينيستير، بجهة بروطانيي، غربيي فرنسا، بأقصى شمال المحيط الأطلنطي. في هذه المدينة الصغيرة التي لا يتجاوز عدد سكانها 5300 نسمة، لا توجد أي كنيسة، في حين أن مسجد المسلمين قائم بها.


ما حل بالكنائس المسيحية بفرنسا من اختفاء وانقراض أو خواء وهواء، أو تعمير المسلمين لها بذكر الله والصلوات، دون خيل ولا ركاب، فرض نفسه على المهتمين بالتراث المعماري الفرنسي وتحولاته الحديثة، فدخلت المساجد إلى قائمة التراث الجديد برونقها وجمالها وهندستها ووجوب العناية بها. وذكر هؤلاء المهتمون أن عدد المساجد قد تضاعف بطريقة مثيرة، إذ لم يكن بهذا البلد إلا مسجد واحد في العقدين الأولين من القرن الماضي، ليصبح اليوم أكثر من 2400 مسجد. الحريصون على الدراسة والإحصاء يذكرون أن المسلمين شيدوا مئة (100) مسجد كل عام منذ عشرين (20) عاما، وستزداد مساجدهم في العقدين القادمين."


إذا كان الكاتب قد حدثنا عن صفحة مشرقة متعلقة بالوجود الإسلامي في بلدان النصارى، فهناك صفحات  ومشاهد أخرى مظلمة وحبلى بالمخاطر، من بينها؛ الوضع الديني والثقافي لأبناء وأحفاد المهاجرين المسلمين، في بلدان الغرب المسيحي، حيث أكدت كثير من الأبحاث والدراسات الميدانية، أن مآت الآلاف من أبناء الأجيال الجديدة قد تبنوا الثقافة والهوية العلمانية، بفعل سياسة الإدماج القسري والتربية العلمانية، التي تسهر عليها الحكومات الغربية، والتي تستهدف هؤلاء الأبناء، وتحول بينهم وبين هوية ودين وتاريخ آبائهم. نعم إن الإسلام سينتشر في بلدان النصارى إن شاء الله، لكن بعد خراب البصرة !!


د.عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين/ تطوان المغرب/ ربيع الأول 1434/ يناير

العقل جوهر أم عرض ؟

1


إن الجوهر والعرض من المفاهيم والمصطلحات الفلسفية التي وظفها متفلسفة المسلمين؛  (الكندي، الفارابي، ابن سينا، ابن رشد...) في تحليلاتهم الفلسفية لموضوعات الوجود الإنساني والوجود الكوني. وهذه المفاهيم ترجع إلى أصول يونانية، حيث أن الاشتغال بالفلسفة عند المسلمين، حدث مباشرة بعد تأسيس بيت الحكمة في بغداد بأمر من الخليفة العباسي المأمون، الذي أعجب بالفلسفة اليونانية، وعمل على جلب كتبها وشجع على ترجمتها إلى العربية.


وإذا كانت هذه المفاهيم، في مجملها، قد اندثرت بفعل تطور التفكير والثقافات عبر التاريخ، فإن مفهومي الجوهر والعرض من المفاهيم التي صمدت في وجه التغيير. ولعل السبب في ذلك يكمن في كونهما يعبران عن حقيقة من الحقائق التي لا يرقى إليها الشك.


والمقصود بالجوهر، هو الماهية التي إذا وجدت في الخارج وجدت لا في موضوع، كالكتاب يوجد في الخارج مستقلاً أي قائماً بنفسه، وجوده غير وجود الحرارة للماء، أو البياض للورقة، فالحرارة موجودة بغيرها، بينما الكتاب موجود بنفسه.


أما العرض فهو الموجود في موضوع، لكن ليس كل ما وجد في موضوع هو عرض، بل العرض هو ما وجد في موضوع وكان الموضوع مستغنياً عنه، كالحرارة الموجودة في الماء، والماء مستغن عنها، والبياض الموجود في الورقة والورقة مستغنية عن البياض.


وفيما يتعلق بالعقل، ذهب متفلسفة المسلمين وعلماء الكلام إلى أنه جوهر قائم بنفسه.


إن متفلسفة المسلمين يطلقون لفظ العقل على ثمانية معان :
منها المعنى الذى يقصده المتكلمون ، وهو الذي ذكره أرسطو في كتاب البرهان ، و هو التصورات والتصديقات الحاصلة للنفس بالفطرة.
والثانى العقل النظرى وهو قوة للنفس تقبل ماهيات الأمور الكلية .وهذا العقل له عدة أحوال يطلق على كل منها عقلا: هو العقل الهيولانى والعقل بالملكة والعقل بالفعل والعقل المستفاد .
فالعقل الهيولانى؛ حالة للقوة النظرية لا يكون لها شيء من المعلومات حاصلة، فحده أنه قوة للنفس مستعدة لقبول ماهيات الأشياء مجردة عن المواد.
وأما العقل بالملكة وهو ما ينتهى إليه الصبى عند التمييز، وحده؛ أنه استكمال العقل الهيولانى حتى يصير بالقوة القريبة من الفعل.
وأما العقل بالفعل فإنه استكمال للنفس بصور ما أي؛ صور معقولة حتى متى شاء عقلها أو أحضرها بالفعل.
وأما العقل المستفاد؛ فهو أن تكون تلك المعلومات حاضرة في ذهنه وهو يطالعها ويلابس التأمل فيها، وهو العلم الموجود بالفعل الحاضر؛ وحد العقل المستفاد؛ أنه ماهية مجردة عن المادة مرتسمة في النفس على سبيل الحصول من خارج[1].
وهناك العقل العملى؛ وهو قوة للنفس محركة ليس من جنس العلوم، وإنما سميت عقلية لأنها مؤتمرة للعقل مطيعة لإشاراته بالطبع.
وأما العقل الفعال فهو نمط آخر، والمراد بالعقل الفعال كل ماهية مجردة عن المادة أصلا، فحد العقل الفعال من جهة ما هو عقل فإنه جوهرى ، وأما من جهة ما هو فعال؛ فإنه جوهر بالصفة المذكورة من شأنه أن يخرج العقل الهيولانى من القوة إلى الفعل بإشرافه عليه.
"أما المتكلمون، فقد ذهب جمهور الأشاعرة والمعتزلة إلى أن العقل هو جملة العلوم الضرورية. فالباقلانى وأبو يعلى  يقولان إن العقل عبارة عن العلوم الضرورية و يقول الأشعرى ؛ إن العقل هو العلم" [2] .


إن وصف العقل بالهيولاني أو الملكة أو الفعل أو المستفاد أو الفعال... كان أمرا مألوفا ومتداولا عند فلاسفة اليونان ومن قلدهم من متفلسفة المسلمين ومتفلسفة المسيحيين. وفي العصور الحديثة والمعاصرة، اختفت هذه الأوصاف من القاموس الفلسفي، لكن جوهرية العقل ظلت قائمة. وهو مذهب كل من اشتغل بموضوع العقل من الفلاسفة وعلماء النفس والأطباء. بل شاع في الناس جميعا أن العقل جوهر قائم مستقل بذاته.


والحقيقة أن العقل في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكلام الصحابة ... هو أمر يقوم بالعاقل سواء أسمي عرضا أم صفة، وليس عينا قائمة بنفسها، سواء أسمي جوهرا أم جسما. فالعقل عرض قائم بالعاقل، كما يدل على ذلك القرآن في آيات كثيرة؛ منها قوله تعالى : "أفلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها" (الحج، آية 46)، ونحو ذلك مما يفيد أن العقل مصدر عقل يعقل عقلا. قال الإمام أبو عبد الله القرطبي: " وهذا القول في العقل بأنه جوهر؛ فاسد، من حيث إن الجواهر متماثلة؛ فلو كان جوهر عقلا، لكان كل جوهر عقلا. وقيل: إن العقل  هو المدرك للأشياء على ما هي عليه من حقائق المعاني، وهذا القول بعيد عن الصواب من جهة أن الإدراك من صفات الحي، والعقل عرض يستحيل ذلك منه، كما يستحيل أن يكون ملتذا ومشتهيا[3].


وإذا كان العقل عرضا، والعرض لا يقوم بنفسه وإنما يقوم بالجوهر، فأين يقع الجوهر الذي يقوم به العقل ؟ ذلك ما سأتناوله، إن شاء الله، في موضوعات لها علاقة بالعقل والدماغ والقلب والروح.




-1 انظر أبى حامد الغزالى :معيار العلم فى المنطق ص 278.





2- الزركشى : البحر المحيط 1/165





[3] الإمام أبو عبد الله القرطبي؛ "الجامع لأحكام القرآن"، ج 1 ، ص 252.




د. عبد الله الشارف، كلية اصول الدين، تطوان المغرب، ربيع الأول 1434/يناير 2013.






حب الله

1


في هذا الموطن سالت أقلام المحبين بمداد الصفاء، وسطرت أشعارا وآثارا آية في الجمال والشوق والبهاء، حيث فاضت عاطفة الحب عندهم، فتجسدت في كلمات رقيقة طافحة بالسمو الروحي. ولا ريب أن محبة المؤمنين لربهم أعظم المحبات، وأعظم منها محبة الله لهم، كما في صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "يقول الله تعالى : من عادى لي وليا فقد بارزني بالمحاربة، وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، فبى يسمع، وبي يبصر، وبي يبطش، وبي يمشى، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت، وأكره مساءته، ولا بد له منه".


قال الفقيه العلامة محمد بن قيم الجوزية:


"والمحبة هي المنزلة التي فيها تنافس المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى علمها شمر السابقون، وعليها تفاني المحبون، وبروح نسيمها تروح العابدون، فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي من حرمها فهو من جملة الأموات، والنور الذي من فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي من عدمه حلت بقلبه جميع الأسقام، واللذة التي من لم يظفر بها فعيشه كله هموم وآلام...




فحيهلا، إن كنت ذا همة فقد ** حدا بك حادي الشوق فاطو المراحلا


وقل لمنادي حبهم ورضاهم ** إذا   ما  دعا   لبيك  ألفا   كواملا


و لا تنظر الأطلال من دونهم فإن ** نظرت إلى الأطلال عدن حوائلا


ولا تنتظر بالسير رفقة قاعد ** ودعه فإن الشوق يكفيك حاملا


وحي على جنات عدن بقربهم ** منازلك الأولى بها كنت نازلا 




وفي حديث آخر: "إن الله إذا أحب عبدا دعا جبريل فقال : إني أحب فلانا فأحبه، فيحبه جبريل، ثم ينادي في السماء فيقول : إن الله تعالى يحب فلانا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض، وإذا أبغض عبدا دعا جبريل فيقول : إني أبغض فلانا فأبغضه، فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء : إن الله يبغض فلانا فأبغضوه، فيبغضونه، ثم توضع له البغضاء في الأرض"[2].


ومن أعظم الآيات المعبرة عن المحبة المتبادلة بين العبد وربه، قوله تعالى: "فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه" سورة المائدة، الآية 54.


 فهؤلاء هم الذين أحبوه لما هو عليه من جلالة القدر وعظيم الرفعة،  وهم على درجات، فمنهم : المحبون المشتاقون، حالهم القلق والحزن والحنين، ولزوم الباب، والتأوه والأنين، كما قيل : رب نظرة أورثت حزنا طويلا يحزنهم الستر لأنه فراق، ويقلقهم التجلي بحرقة الاشتياق، فعذابهم عذاب ليس كالعذاب، لأنهم مغرمون بجمال سيد الأحباب، فأناخوا بباب الحبيب، وتملقوا بمناجاة القريب المجيب.




[1] مدارج السالكين، المجلد 3، ص : 9-10.





[2] حديث صحيح رواه مسلم.




د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/جامعة القرويين. تطوان المغرب. ربيع الأول 1434/يناير 2013.


 


 






العقل بين الزمن النفسي الشهوي والزمن الروحي الفطري

1




زمنك فصلك عن حقيقتك، وأخضع عقلك لمحسوساتك، فشق عليك أن تعقل ما لا تلمسه، وإن عقلته فلا أثر. فإن رمت الحق وجب كسر قيد العقل المقيد، لأن الأول (وسع كرسيه السماوات والأرض) لا محدود، والثاني قيدته التجربة والنفس الأمارة. ولن تسطع عليك أنوار الحق، ما لم تتبرأ من القيد وتكسره، إذ نوره لا يرى إلا بنوره، (أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها )، (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ). وإيمانك به هو الذي زينه في قلبك (ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم). فلا تعبده بنفسك، إذ عبادتك له رحمة منه، وقد تعرف إليك قبل أن تعرفه، وبه عرفته سبحانه ما أجوده.[1]



إن المراد بالزمن في هذا النص هو الزمن النفسي الشهوي الذي يفصل الإنسان الغافل  عن حقيقته، ويحول بينه وبين عبوديته. وهذا الزمن يقابله الزمن الروحي الفطري. فالظالمون، والغافلون، والمشركون، والضالون، وغيرهم من الطوائف المنحرفة، يغيبون أو ينسلخون عن ذواتهم الحقيقية المطابقة للفطرة، بسبب انصهارهم وذوبانهم في ذلك الزمن النفسي الشهوي، الذي اختزل الزمن كله في الزمن الدنيوي الآني؛ الذي هو "ساعة من نهار بلاغ ". (الأحقاف 34).


ثم إن الإنسان إذا انغمس في الشهوات وركن إليها، حدثت في باطنه نشوة عظيمة ولذة قوية، مما قد يرمي به في السكر النفسي، فيفقد العقل والتمييز، حتى يقال فلان أسكره حب الدنيا، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " حبك الشيء يعمي ويصم "[2].  أي يحجب عنك مساوئ وعيوب الأشياء المحبوبة لديك، كما يسد أذنيك عن سماع كلام اللائمين، أو الناصحين. وهذا السكر الذي أفقد صاحبه ملكة التمييز، وأضعف عنده قوة النفس العاقلة، جرده بالكلية عن زمنه الروحي المتميز بالإرادة الذاتية، وقوة الوعي واليقظة، والانسجام مع روح المسؤولية والاستخلاف، وألقى به في يم الزمن النفسي الشهوي المظلم؛ لا يسمع ولا يرى، لكونه مستعبد من قبل هواه، قال تعالى : " أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون ". (سورة الجاثية : 23).


وعندما أصبح الهوى إلها يعبد، بطلت وظيفة الحواس، وحيل بين الإنسان وبين زمنه الروحي الفطري، مما أدى إلى حصول القطيعة بينه وبين السماء فخر منها، فتخطفته مخالب الزمن النفسي الشهوي، فانساق مع لذاته ومتعه المادية، إلى أن يفيق في قبره، ولات حين مناص، أو يتداركه الله سبحانه برحمته.


إن زمنك الذي فصلك إذن عن حقيقتك، وأخضع عقلك لمحسوساتك، هو زمنك النفسي الشهوي المرتبط بالماديات الفانيات، وبالأوهام والخيالات. إنه الزمن المهيمن على حياتك وكيانكن والمانع لك من معرفة الزمن الآخر الروحي الفطري، بله الاستفادة منه.


ثم إن المكوث المتواصل في هذا الزمن النفسي المسكر، يؤثر سلبا  في العقل ويقيده، وقد يشله. "فإن رمت الحق وجب كسر قيد العقل المقيد"، إذ تستحيل معرفة الله وعبادته والخضوع لأوامره بقلب ميت وعقل مغلول ومقيد. "وسمي العقل عقلا لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك أي يحبسه"[3].


ومن أبرز أسباب ضياع العقل؛ الجهل بحقيقته، وهذا ما يخفى على أغلب الناس؛ إذ الكل يظن أنه يحسن توظيف عقله، في حين يبدو للمدقق والمتأمل، أن العقل عند معظم الناس، يتجلى في شدة الحرص على المصلحة الدنيوية، والرغبات والأهواء والشهوات النفسية، والحذر من المخاطر المحيطة، والتفنن في أساليب النفاق....وكأن العقل خلق لأغراض مادية دنيوية فقط. إن هذا التصور الخاطئ لمفهوم العقل، وهذا  الاستعمال المنحرف لوظيفته، يدلان على أن الإنسان قد حاد عن فطرته، وأخلد إلى الأرض واتبع هواه. فأصبح عقله مقيدا بتلك الأهواء والضلالات والشهوات المسكرة، مما جعله أشبه بحيوان يعيش داخل كهف مظلم، لأن نور العقل المنبعث من القلب المنيب، قد انطفئ بفعل الأهواء والشهوات والتعلق بالزمن النفسي الشهوي الآني.


إن القطيعة التي حصلت بين القلب المنيب والعقل بسبب الأهواء والشهوات والضلالات، قيدت ذلك العقل وأفقدته وظيفته وهام الإنسان على وجهه.











[1] 1- عبد الله الشارف خواطر إيمانية، باريس 1981.





[2] - رواه الإمام أحمد في مسنده.





[3] - ابن منظور، لسان العرب، مادة عقل.



د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/جامعة القرويين، تطوان المغرب، ربيع الأول 1434/ يناير 2013.


 


 





الشيخ الطرقي والمريد: عقد باطل وفاسد عقلا ونقلا

3


قال العلامة أحمد بن تيمية رحمه الله :


" وخير الشيوخ الصالحين، وأولياء الله المتقين: أتبعهم له وأقربهم وأعرفهم بدينه وأطوعهم لأمره: كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي. وسائر التابعين بإحسان، وأما الحسب فلله وحده ولهذا قالوا (حسبنا الله ونعم الوكيل) ولم يقولوا ورسوله... فليس لأحد أن يدعو شيخا ميتا أو غائبا: لا من الأنبياء ولا غيرهم، فلا يقول لأحدهم: ياسيدي فلان أنا في حسبك أو في جوارك، ولا يقول بك أستغيث وبك أستجير[1].


 إن أسلوب التلقي الذي ينتهجه المريد مع شيخه الطرقي، لا يخلو من عيوب معرفية وتربوية وأخطاء تعبدية وشرعية، ذلك أن هذه العلاقة تجعل المريد محصورا في دائرة مغلقة بحيث يكون الشيخ بمثابة النواة المركزية، والمريدون عبارة عن إلكترونات تحوم حولها، ومن ثم فإن المعارف والأفكار التي يكتسبها المريد، يستمدها من روح شيخه وشخصيته؛ إما يقظة وإما مناما، فيتشكل عنده نمط فكري واحد ينتظم من خلاله وبواسطته تصوره الوجودي والكوني، وكذا حياته الاجتماعية والدينية. وهكذا تغدو عين الشيخ المصدر الوحيد للإلهامات والإشراقات المعرفية، وبما أن المريد ينظر إلى شيخه الطرقي بعين الرضا والمحبة والتقديس، فإن عقله عاجز عن إدراك ما يمكن أن يصدرعنه من أخطاء وهفوات، وكيف يصدر ذلك عن الشيخ الكامل والقطب الرباني صاحب الأحوال والمقامات ؟!!. فالدين هو ما يفهمه شيخه، والعبادة هي التي يمارسها ويدعو إليها.


ومما له علاقة بأسلوب التلقي المشار إليه ما يتلقاه المريد عن شيخه من الأوراد، التي بواسطتها يتقوى قلبه، وتصبو نفسه نحو الترقي في الأحوال والمقامات، بيد أن هذا الترقي كثيرا ما يؤدي بصاحبه إلى الوقوع في الجذب أوالفناء، مما قد يدفع به إلى العزلة التامة عن المجتمع، وهذا ما لا يحصل للمسلم الذي يذكر الله كما أمر، وكما بين نبيه محمد صلوات الله وسلامه عليه، في سنته المطهرة. قال الفقيه أحمد بن تيمية: "وكذلك العباد: إذا تعبدوا بما شرع الله من الأقوال والأعمال ظاهرا وباطنا، وذاقوا طعم الكلم الطيب والعمل الصالح الذي بعث الله به رسوله، لوجدوا في ذلك من الأحوال الزكية والمقامات العلية والنتائج العظيمة، ما يغنيهم عما قد حدث من نوعه كالتغبير ونحوه من السماعات المبتدعة الصارفة عن سماع القرآن، وأنواع من الأذكار والأوراد لفقها بعض الناس."[2]


وقال الإمام الأصولي أبو إسحاق الشاطبي:


" إن اتباع الهوى طريق إلى المذموم، وإن جاء في ضمن المحمود؛ لأنه إذا تبين أنه مضاد بوضعه لوضع الشريعة، فحيثما زاحم مقتضاها في العمل كان مخوفا. أما أولا فإنه سبب تعطيل الأوامر وارتكاب النواهي، لأنه مضاد لها. وأما ثانيا فإنه إذا اتبع واعتيد ربما أحدث للنفس ضراوة وأنسا به، حيى يسري معها في أعمالها، ولا سيما وهو مخلوق معها ملصق بها في الأمشاج. فقد يكون مسبوقا بالامتثال الشرعي فيصير سابقا له، وإذا صار سابقا له صار العمل الامتثالي تبعا له وفي حكمه، فبسرعة ما يصير صاحبه إلى المخالفة، ودليل التجربة حاكم هنا.


وأما ثالثا، فإن العامل بمقتضى الامتثال من نتائج عمله الالتذاذ بما هو فيه، والنعيم بما يجتنيه من ثمرات الفهوم، وانفتاح مغاليق العلوم. وربما أكرم ببعض الكرامات، أو وُضِع له القبول في الأرض فانحاش الناس إليه، وحلقوا عليه، وانتفعوا به، وأموه لأغراضهم المتعلقة بدنياهم وأخراهم..[3]."


لاحظ معي أيها القارئ اللبيب كيف نبه المحقق الأصولي أبو إسحاق على هذه المسألة الدقيقة، وبين فيها أن اتباع الهوى يجر المسلم إلى المذموم وإن جاء في ضمن المحمود. فالشيخ الطرقي الذي وضع أورادا وصيغا للذكر على طريقة غير طريقة الشرع الحكيم، وعلى منهج لا عهد لأصحابه والتابعين به، يكون قد ابتدع في أمر تعبدي وقفي لا مجال فيه للاجتهاد أو إبداء الرأي، وإن بدا له أن هذه الأوراد والأذكار تدور في فلك ما هو محمود ومحبب إلى الله سبحانه. وهذا باب من الأبواب التي سلكها كثير من السالكين والعباد فزلت فيها أقدامهم.




1-أحمد بن تيمية؛ "فتاوى ابن تيمية"، ج 11، ص 498-499، د. ت، د. ط. .





[2]2-أحمد بن تيمية؛ "اقتضاء الصراط المستقيم"، ص 282، مكتبة المعارف للنشر والتوزيع، الرباط، 1419





[3]3- أبو إسحاق الشاطبي؛ "الموافقات في أصول الشريعة"، المجلد 1، الجزء 2، ص 133-134، دار الكتب العلمية، بيروت، د. ت. .




د.  أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، صفر الخير 1434/ يناير 2013.










 



سكون النفس في سكون الليل

1




ما أقسم الله عز وجل في كتابه بشيء من مخلوقاته إلا وله شأن جليل في عالم الخلق. فلا شك أن الليل وقد أقسم الله به في أكثر من آية (والليل إذا سجى) (والليل إذا يسري) (والليل إذا يغشى) يحتوي على أسرار لا يعلم عددها وكنهها إ لا الله.


ثم إنه كثيرا ما ذكر الليل في القرآن مقترنا بلفظ له علاقة بالسكون  (هو الذي جعل لكم  الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا)، (فالق الإصباح وجاعل الليل سكنا)، (من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون).... وهذا يدل على مدى لطف الله وعنايته بالإنسان، الذي يجد راحته في السبات بعد كدحه طول النهار. إذ لو كان الزمن كله نهارا لتعذرت الحياة.


غير أن المعنى الروحي لحالة السكون المتأصلة في الليل، هو أهم مشار إليه، والله أعلم، في تلك الآيات، خصوصا إذا ما لوحظ المضمون والبعد الروحي للألفاظ القرآنية: يسكن، سكن، أو سكينة (وجعل منها زوجها ليسكن إليها)، (وصل عليهم إن صلواتك سكن لهم)، (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين).


إن السكون في عالم المادة هو ما يناقض الحركة، وفي عالم النفس هو الطمأنينة والرجوع إلى الأصل، وإن الأرواح قبل الهبوط، لم تعرف الاضطراب لكونها كانت في عالم الثبات. فالسكون صفة أصلية لها، والاضطراب صفة عرضية. وحنين الإنسان إلى الليل كي يجد الراحة، لا ينفصل عن حنين نفسه إلى ذلك "الليل" الذي تسكن فيه بسكونها إلى أصلها. ويساعد النفس على ذلك تحررها من قيود الحواس أثناء النوم. فبعد أن كانت سجينة حواسها خلال النهار، قدم الليل بسباته وأزاح عنها القيود ومكنها من شيء من الطمأنينة.


ثم  إن الإنسان لو لم يكن في سكون الليل أقرب إلى حقيقته وإلى معرفة نفسه وربه ، لما أكد سبحانه على أهمية  قيام الليل؛ (ومن الليل فاسجد وسبحه ليلا طويلا)، (يأيها المزمل قم الليل إلا قليلا)، (إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوم قيلا). ذلك أن الانقطاع عن شواغل الحياة اليومية وضجيجها، والتوجه إلى الله بقلب فارغ في سكون الليل، يخول للعبد أن يتدبر ويحيا لحظات روحية عميقة، تجعله على اتصال قوي ومباشر بحقيقته.


والنهار مسرح جلي لظهور آثار الأسماء الإلهية.  والإنسان سواء شعر أم لم يشعر، يظل خلال النهار في انتقال متواصل من حال إلى حال، نتيجة تنوع آثار تلك الأسماء، ونتيجة معاينته لعدد من آيات الله عز وجل.  فالمؤمن إذا وقع بصره مثلا على أمر تتجلى فيه الرحمة ذكره بالرحمن، وإن كان القهر متجليا ، ذكره بالقهار. وهكذا فإن قلبه دائما معلق بالله، وكل شيء يذكره به وبأسمائه وصفاته .


وتلك الآثار لا تفتأ واقعة على الإنسان، كما أن لطفها به وشدتها عليه، يختلفان بحسب منزلته عند الله. ومهما يكن من أمر، فالمعاناة والمكابدة لا ينفك الإنسان عنها؛ (لقد خلقنا الإنسان في كبد). أما الليل، فإن هدوءه وسكونه أجلب للسكينة والطمأنينة، وأنفع للعبادة. فلما خيم  بظلامه على المخلوقات، وسرت فيها آيته، خشعت وسكنت، وحل الثبات  محل الحركة، وخفتت وطأة المكابدة، وذب في نفوس المؤمنين حنين الرجوع، فأقبلوا بوجوههم على الله، وفي الحديث: "ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول ؛ من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له؟"[1].


[1] حديث صحيح؛ انظر الجامع الصغير؛ ج 2، ص 1357

 

عبد الله الشارف، باريس 1983.         






[1] حديث صحيح؛ انظر الجامع الصغير؛ ج 2، ص 1357.



"ارفعي الحجاب عن وجهك يا سيدتي" !!

6


في الخمسينيات من القرن العشرين الميلادي، نشرت صحيفة "العلم" المغربية مقالا تحت عنوان: " ارفعي الحجاب عن وجهك يا سيدتي"، جاء فيه: "في فاس عقدت الرابطة النسوية لحزب الاستقلال في منزل السيد أحمد مكوار، وتحت رئاسة حرمه... اجتماعا لدراسة مشاكل المرأة المغربية. وقد حضر الاجتماع عدد من سيدات المجتمع الفاسي وأوانسه، من طالبات المعهد الثانوي التابع لجامعة القرويين، ومن مدرسة أم البنين الثانوية، وسواهما من المدارس التي يتابع فتيات فاس دراستهن فيها.كان موضوع الاجتماع هو الحجاب ..والحقيقة أن الرابطة توفقت أيما توفيق في معالجة هذا الموضوع الذي أصبح مثار مناقشات، ولعل القراء والقارئات بالذات،  تتبعوا ما تنشره هذه الجريدة من مقالات كلها تتصل بموضـوع الحجاب. فمنذ أيام كتبت الآنسة سعاد بلا فريح... وأول أمس عقبت الآنسة فاطمة القباج على الموضوع...


والحجاب أصبح عقبة كآداء في طريق تقدم المرأة المغربية في بناء مجتمع سليم، يقوم على أساس تكافؤ الفرص للرجل والمرأة. هؤلاء الفتيات مؤمنات بأن الحجاب ليس وسيلة لستر عورة حرم الله النظر إليها، ولكنه حجاب يستر عنهن الحياة، يحجب عنهن الانطلاق والتحرر والشعور بالشخصية المسؤولة التي تواجه مصيرها بنفسها. إن الفتاة تشعر كأن الحجاب سلطة مشرعة عليها، فتظل أسيرة هذا الوهم.انها تريد ان تستنشق الهواء بمسامها كلها، أن تنظر إلى الحياة، فتشعر بأقدامها راسخة على الأرض. إنها لا تريد أن تبقى "نوالة" متنقلة بالجلباب والجورب والحجاب. وإذا كانت المرأة فاضلة مؤمنة بمسؤوليتها، واثقة من شخصيتها... فلماذا نربي فيها الإحساس بالنقص؟ لماذا نتصورها مخلوقة ضعيفة سهلة الإغراء؟


 انظروا إلى هذه الصورة؛ وجوه ضاحكة، مشرقة،لا ترى واحدة منهن تضع على وجهها حجابا...


لقد قررت الرابطة النسوية لحزب الاستقلال بفاس محاربة الحجاب، والدعوة إلى السفور. أنها خطوة جريئة نباركها وندعو كل هيئة نسوية الاقتداء بها..."[1].


إنه الاستغراب الذي كان كامنا كمون النار تحت الرماد. لقد استغل أولئك النسوة، وأغلبهن ينتمين إلى الطبقات البورجوازية، الحالة النفسية للمرأة المغربية عشية الاستقلال؛ حيث داعبتها رياح الحرية، وحملتها في أفق لا محدود، إنها كانت تعيش لحظات كلها عاطفة وانفعالات نفسية سعيدة. وهكذا سرعان ما استجابت لنداء السفور، بعدما أوهمت بأن لبس الحجاب، والقعود في البيت، سجن وذلة وخمول، وأن السفور تحرر. ومع غياب الوعي بالشريعة، تم الربط بين التحرر من المستعمر والتحرر من التقاليد، التي تجسد تعاليم الإسلام ومبادئه، فكانت الثورة عليها وعلى بعض القيم التي هي من صميم الدين.


والخلاصة أن الفتيات والنسوة اللواتي استجبن لنداء السفور، وقعن فريسة الاستغراب عند التلبية، وإن كنت لا أنفي ميلهن المسبق إلى نبذ الحجاب، في حين أن اللائي تولين كبره أي حملن لواء السفور، كن قد استغربن قبل الاستقلال بسنوات أو عقود، إذ لا يخفى على أحد أن كثيرا من الأسر البورجوازية في المغرب أثناء الاستعمار، كانت معجبة بحياة الأوربيين وأسلوب عيشهم، فكانت تقلده ما استطاعت على خوف من الجمهور وعامة الناس، لكن بعد الاستقلال غدا التقليد قاعدة، وأصبح الاستغراب جليا بعدما كان كامنا.


 [1] ـ جريدة العلم، 24 غشت 1956


د. عبد الله الشارف، جامعة القرويين/كلية أصول الدين تطوان المغرب. صفر الخير 1434/ يناير 2013.









[1] ـ جريدة العلم، 24 غشت 1956 .