الزمن في بعده الإيماني والذوقي

0


 

 

من المسلمات أو البديهيات العقلية أن الزمان ذو أبعاد ثلاثة : ماض وحاضر ومستقبل. وهي عبارة عن ثلاث محطات مرتبطة أو ثلاث حلقات في سلسلة واحدة، والإنسان لا ينفك متنقلا بوعيه بين تلك المحطات الثلاث. فبينما هو في حاضره إذا به منجذب نحو الماضي أو هائم في فضاء المستقبل. فتجده لا يمل من اجترار بعض الأفكار المتعلقة بوقائع وأحداث معينة ماضية، لها علاقة بشخصيته؛ إما متلذذا بتذكرها إن كانت سارة، أو متألما إن كانت مقلقة أو محزنة. كما تلقاه في لحظات أخرى قد ألقى بنفسه في بحر المستقبل، وأطلق العنان لخياله كي يداعب ما يجود به ذلك البحر من نسمات وأحلام. وقد يكون استدعاء الماضي واستحضاره أو التحليق في فضاء المستقبل مما يعين الشخص على تحقيق هدف من الأهداف أو وضع أسس لأفكار وتصورات بناءة، وهذا ما نلمسه في سير الأبطال والقادة، أو العلماء والدعاة. بيد أن عامة الناس ممن ابتلوا بهذا الأمر؛ أي استدعاء الماضي أو التحليق في المستقبل، لا يجنون أي فائدة، بل يلحقون الأذى بذواتهم خاصة عندما يغدو ذلك الأمر وسواسا من الوساوس وهنا تضعف شخصيتهم وإرادتهم، ويصبح وجودهم ثقلا على المجتمع.
ثم إن الشخص المريد البناء لا يلتفت إلى الماضي، أو يرنو إلى المستقبل إلا وهو مشدود بحبل متين إلى حاضره، بل تجده لا يؤمن ولا يقدس إلا الحاضر، بحيث أن الصور والمعاني الملتقطة من الماضي أو المستقبل سرعان ما تذوب في اللحظة الآنية ويبقى الحاضر هو المهيمن والمطلق.

وعندما يستولي اليقين على القلب يمتلئ نورا وإشراقا ومحبتا لله، ورضا وشكرا، وتنتفي عنه الشكوك والهموم والغموم. ومن ثمراته أنه يدعو إلى قصر الأمل والزهد والتوكل والصبر، ثم إن استحضار حال اليقين والتحقق به، وممارسته يجعلك ممسكا بناصية الزمن الحاضر أو اللحظة الآنية، أو الساعة التي أنت فيها وما ضيع المسلم هذا الكنز إلا بضعف اليقين، ولذا تجده يحس بسرابية الزمن الحسي! الذي ينسرب من بين أصابعه انسراب المياه الجارية؛ فلا تكاد يده الإمساك بلحظة واحدة منه. إنه يفلت من بين يديه وهو في ذروة الاعتقاد بامتلاكه! يالها من مراوغة الزمن الحسي ولو كان العبد من الموقنين بالآخرة لأفلح في إمساكه بلحظة الآن ولاحتفظ بحضورها وعمقها وخصوبتها، بل وتجددها وتدفقها وحيويتها. لأن المسلم عندما يوقن بالآخرة فإنه يستحضرها في قلبه، ويتمثل عظمتها ومشاهدها، ويسيح في أرجائها ويشرب من رحيقها، ويتذوق نعيمها وحلاوتها، ثم يفيض على قلبه من معانيها وحقائقها ما يزيده ثباتا وأنسا ويقينا. إن الآخرة خارجة عن مفهوم الزمن الدنيوي وبالتالي فإن المسلم الذي يستحضرها بعمق يسبح لا محالة في فضاء الزمن الثابت أو اللازمن مما يجعله يحس ويشعر بثبات الزمن في دنياه فيمسك دائما باللحظة الآنية).
إن هذه المعاني والحقائق المتدفقة عندما تنسكب في شغاف قلبه ويرتوي بها كيانه، وتلهج بذكرها ألسنة خلاياه، تثمر معرفة لا عهد للعقل بها، أي لا تدخل في دائرة المعرفة العقلية، وإنما هي من ثمار المعرفة القلبية الثابتة اليقينية.

د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف: "تجربتي الصوفية"/ منشورات الزمن، الرباط 2011.

أشجان وحسرات

8


 

وحدي، وحدي....
اركب هذه السفينة للمرة الثلاثين أو الأربعين...لست أذكر.
انظر إلى وجوه كالحة كوجهي، إنهم مثلي؛ بؤساء تعساء. بعد دقائق ستطأ أقدامنا رصيف ميناء طنجة.
لا أحد يستقبلنا، لا أحد يبتسم لنا، لا أحد يضمنا إلى صدره، كنا غرباء، بقينا كذلك وسنموت غرباء هنا أو هناك.
في السنوات الأولى، كان الأصدقاء والأقرباء والجيران يفرحون لقدومنا، بل ينتظرون عطلة الصيف على أحر من الجمر، نحمل لهم الهدايا المتواضعة فيفرحون، ويجلسون معنا الساعات الطوال، نستمع إلى حديثهم كما يستمعون إلى أخبارنا، أين هم الآن؟!!
بل أين أنا؟ وأين أولادي وأحفادي الصغار؟!! آه كل شيء انتهى.
كلهم ذهبوا عني، وفروا مني فرارهم من المجذوم. لم أعد أصلح لهم، رائحتي تؤذينهم، لغة بلادي أصبحت ......آذانهم، استبدلوها بلغة فرنسا عادات بلادي وتقاليدها أدخلت إلى متحف اللوفر، وأقفل عليها. ديني ودين أجدادي يستهزئون به، ويرمونه بالتخلف والإرهاب والرجعية.
إنهم يريدون مسح العار، والانسلاخ من كل الآثار الدالة على أن أصولهم عربية أو إسلامية!!
نبذوني، لأنني شؤمهم وعارهم، وسبب مأساتهم. لطالما سخر منهم زملاؤهم الفرنسيون في المدارس والأزقة.
نبذوني، شتموني، أهانوني...
ها أنا ذا وحدي على ظهر السفينة، ليتها كانت سفينة النهاية، سفينة الموت.
أرى الآن، المسافرين يستعدون لمغادرة السفينة، لا يفصلنا عن رصيف الميناء، إلا بعض المئات من الأمتار.
سبحان الله، كم هي جميلة شمس بلادنا! كم هو نقي وعليل نسيمها وهواؤها! ....

ما أجمل هذا الصوت الذي اقتحم على غرفتي وأوقف تولد هواجسي وأحزاني، إنه صوت المؤذن الندي يدعو المسلمين لصلاة العصر، سأتوضأ بسرعة ثم اتجه نحو المسجد القريب من الفندق.
بعد دقائق معدودة كنت بباب الجامع الكبير، فوجدت المصلين مصطفين قد كبروا تكبيرة الإحرام، فأخذت مكاني في الصف الثاني وكبرت وشرعت في قراءة الفاتحة، فإذا بعيني تدمعان ثم أحسست بقشعريرة تذب في جلدي، وعندما هويت إلى الأرض ساجدا تملكني انكسار نفسي عميق، فسبحت الله ثم أكثرت من الاستغفار، وبعد تسليم الإمام والفراغ من الصلاة لم أستطع مغادرة المسجد .....شعرت بطمأنينة تغمر كياني فآثرت المكوث فيه وانزويت في ركن من أركانه، خرج الناس وبقي عدد قليل بعضهم أخذ المصحف الكريم، وبدأ يقرأ، والبعض الآخر استند إلى سارية من سواري المسجد واستغرق في الذكر أو التأمل. ومنهم من اضطجع على جنبه. ويبدو أن كثيرا من المساجد العتيقة في كل المدن المغربية، تظل أبوابها مفتوحة بين الصلوات؛ حيث يحلو لكثير من المصلين التنعم بالجلوس فيها، طلبا للذكر والراحة، أو هروبا من صخب الحياة وضوضاء المدينة.
أطلقت العنان لخيالي فانهالت علي الخواطر من كل حدب وصوب؛ تارة أسبح في عالم الطفولة البريئة، وتارة أتذكر أسفاري الأولى إلى فرنسا، ومعانات الغربة، وتارة أخرى تقفز إلى مخيلتي، صور ومشاهد متعلقة بحياتي وحياة أبنائي وأحفادي الصغار، فأشعر بضيق في صدري يمنعني من التنفس الطبيعي.
آه، ليتني لم أسافر إلى فرنسا، ولم أغترب!
ليتني لم أتزوج، ولم أرزق أولادا ولا أحفادا!
هذا أمر، جاش في صدري، فضعضعني وهد كياني، وسيصاحبني ويلازمني ملازمة الظل للشيء، إلى أن أوضع في قبري.

د. عبد الله الشارف، تطوان المغرب/ ربيع الثاني 1433- مارس 2012

من لا شيخ له فالشيطان شيخه

0


 

هذه العبارة من مقولات الصوفية الطرقيين التي يستعملونها كثيرا عندما يحاورون إنسانا لا يؤمن بمبادئهم، وينكر ضرورة وجود الشيخ لمن أراد إصلاح نفسه وتزكيتها.
وهذا ما حصل لي مع بعض الأساتذة الجامعيين من الذين انتسبوا في السنوات الأخيرة إلى الطريقة البودشيشية، لما أنكرت عليهم تعلقهم بالطريقة الصوفية، ونبهتهم إلى أن السنة النبوية كلها منهج رباني رفيع ومتوازن، لمن أراد التوبة والتزكية. لكنهم أشادوا بموقفهم واختيارهم، واحتجوا بكلام أركانه أوهى وأضعف من أركان بيت العنكبوت. ومن ذلك قولهم: "من لا شيخ له فالشيطان شيخه" !! وإن المرء ليستغرب عندما يعلم أن أساتذة جامعيين يقذفون بأنفسهم في مستنقع الخرافات والضلالات، والأباطيل والدجل، نسأل الله العصمة والسلامة.
وقد أشار أبو حامد الغزالي: "فكذلك المريد يحتاج إلى شيخ وأستاذ يقتدي به لا محالة ليهديه إلي سواء السبيل، فإن سبيل الدين غامض، وسبل الشيطان كثيرة ظاهرة، فمن لم يكن له شيخ يهديه قاده الشيطان إلى طرقه لامحالة، فمن سلك سبيل البوادي المهلكة بغير خفير فقد خاطر بنفسه وأهلكها، ويكون المستقل بنفسه كالشجرة التي تنبت بنفسها، فإنها تجف على القرب، وإن بقيت مدة وأورقت لم تثمر. فمعتصم المريد بعد تقديم الشروط المذكورة شيخه. فليتمسك به تمسك الأعمى على شاطئ النهر بالقائد... ، وليعلم أن نفعه في خطئه لو أخطأ أكثر من نفعه في صواب نفسه لو أصاب." (؟ !! ) (أبو حامد الغزالي: " إحياء علوم الدين" ، ج 3، ص 112-113.
إن القارئ المتأمل قد يعجب لهذه الأفكار الغريبة التي سطرها العلامة أبو حامد الغزالي في هذا النص تلك الأفكار التي تتعارض كليا مع منطق العقل والنقل أي الشرع فقوله "إن سبيل الدين غامض "، لم يقل به عامة الناس من المسلمين بله علماؤهم . إن الأدلة العقلية والنقلية على يسر الدين، ووضوح منهاجه، واستواء مسلكه، أكثر من أن تحصى. إن الله الذي خلق العباد و أمرهم بعبادته، وأرسل الرسل وأنزل الوحي، يستحيل أن يأمرهم بما لا يطيقون وبما لا يفهمون أو بما هو غامض. ومن الأدلة النقلية قوله تعالى " إن هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا" ( الإنسان 3 ).
ومن السنة الصحيحة، قول النبي (ص): "تركتم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك".
ثم إن قول أبي حامد الغزالي: " فمن لم يكن له شيخ يهديه قاده الشيطان إلى طرقه لا محالة"، قول مردود عليه. نعم نحن جميعا نعلم أن الشيطان عدو الإنسان الأكبر، لا يتوقف عن إغواء الآدميين والكيد لهم واهلاكهم، بيد أن الله يقول:"إن عبادي ليس لك عليهم سلطان" ( الحجر 42)، ويقول أيضا :" إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون" (الأعراف 201).
والغريب أن المطلع على شطحات كثير من الشيوخ الطرقيين، وانحرافاتهم وتكالبهم على الدنيا، واستعبادهم لمريديهم، وأكاذيبهم ودعاواهم، ومسوخاتهم ومنكراتهم، لا يشك أن هؤلاء هم الشياطين حقا، كما قال تعالى: "شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا" (الأنعام 113).
د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف
تطوان/ المغرب، ربيع الثاني 1433/ فبراير 2012.

الإفساد التربوي: مادة اللغة الفرنسية أنموذجا

1
بينما كنت أتأمل بعض النصوص التربوية الفرنسية والمقررة في تسعينيات القرن الماضي، استوقفتني بعض المشاهد الغريبة والمفسدة.
في الصفحة الأولى من الكتاب المدرسي (السنة التاسعة من التعليم الأساسي) ، تواجهنا صورة بالألوان لشاب في العشرينيات من عمره يتحدث إلى فتاة في مثل سنه يقول لها: «اسمي إيريك.. إن كريكوري طلب مني أن أقدم عندك في وقت الحاجة."
في الصفحة الموالية، نجد صورة أخرى بالألوان، حيث تقدم فتاة نفسها لشاب قائلة: «اسمي سيسل فابغ، وأختي اسمها ايسابيل، لا شك أنك تعرفها… وهي التي دعتني لحضور هذه السهرة "!!
ما الذي دعا المؤلفين لوضع هاتين الصورتين اللاخلاقيتين في مستهل الكتاب. صحيح أنهما يتعلقان بالدرس الأول الذي يحمل عنوان “أقدم نفسي، أقدم غيري”.
لكن هل انعدمت كل الوسائل التقنية لشرح هذا الدرس، واضطررنا للجوء إلى هذه الوسيلة الملوثة. لا شك أن المشاهد للصورتين سيستنتج ما تتضمنه من معاني الخلوة والخلاعة، تلك المعاني التي سيكون لها الأثر السيئ في نفسية وسلوك التلميذ الناشئ.
في الصفحة 119، نشاهد أربع صور ملونة، إحداهن تضم امرأة وابنتها وهما يتحدثان، تقول الأم: لا أريد أن تظلي كل مساء بجانبي … ألم يقترح نيكولا عليك العشاء معه؟ فتجيب البنت: “نعم ولكن أبيت” أية فائدة يجنيها التلميذ والتلميذة من هذا الحوار اللاخلاقي؟.
“صباح الخير؛
اسمي ليلى. أدرس في السنة الأولى من التعليم الثانوي شعبة الآداب تعجبني، مثلك السينما والقراءة والموسيقى العصرية.
قامتي طويلة، وزني 50 كلغ ألبس سروالا متجانسا مع معطف أحمر… أتمنى أن تكون هذه المراسلة بداية صداقة طويلة.
ليلى ؟!!!
هذه الرسالة نسجها مؤلفو الكتاب المدرسي وأدرجوها في محور «وصف الشخصية» أحد محاور الكتاب المدرسي للسنة الأولى من التعليم الثانوي.
ألا يستحي هؤلاء المؤلفون (المربون) من هذا العمل الشنيع؟ ما هذه الرذيلة التي يدعون إليها أيأمن أحدهم على ابنته الغواية والتأثر بهذه الرسالة والاختلاء بالذكور؟ هل هذا درس تربوي أم درس إفسادي؟
“ينبغي للمرأة … أن تفتن وتحير وتسحر . وبما أنها تشبه الوثن الذي يعبد، فحري بها أن تستعمل المساحيق ومستحضرات التجميل كي تعشق، … فتستولي على القلوب وتأسر العقول )؟!!!
هذا النص للشاعر الفرنسي الخليع والماجن “شارل بودلير”)، دعوة أخرى من “المربين” إلى بناتنا البريئات لدفعهن إلى ولوج عالم التبرج والغواية،
لا شك أن هذه النصوص النتنة والمفسدة، والمحرضة على الميوعة والانحلال الخلقي، كان لها وقعها السيئ في عقول وقلوب تلاميذنا وفلذات أكبادنا. ورغم أنها نصوص قد درست في تسعينيات القرن الماضي، فإن أثرها السام والهدام، لم تمحه الأيام ولا السنون. وما نشاهده كل يوم من مظاهر التفسخ المتجلية في سلوك التلاميذ والطلبة إلا نتيجة من نتائج تلك النصوص وأشباهها. إن ما قد عجز عنه المستعمر الفرنسي فيما مضى، لم يعجز أذنابه وتلامذته المستغربون الأوفياء !!!
د. عبد الله الشارف
تطوان، المغرب/ ربيع الأول 1433/ فبراير 2012

عجب الذنب

1


 

في عدد من الأحاديث النبوية الشريفة، جاء ذكر عجب الذنب على أنه الجزء من الجنين الذي يخلق منه جسده، والذي يبقى بعد وفاته وفناء جسده ليبعث منه من جديد. فقد أشار المصطفى (ص ) إلى أن جسد الإنسان يبلى كله فيما عدا عجب الذنب. فإذا أراد الله تعالى بعث الناس، أنزل مطرا من السماء فينبت كل فرد من عجب الذنب كما تنبت البقلة من بذرتها .
ومن هذه الأحاديث العديدة روى أبو هريرة عن رسول الله (ص )" كل ابن آدم تأكل الأرض إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب" وفي رواية لأبي سعيد الخدري مرفوعا إلى رسول الله ( ص ) أنه قال: "يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه قيل وما عجب ذنبه يا رسول الله ( ص )قال مثل حبة خردل منه نشأ".
وهذه الأحاديث النبوية الشريفة تحتوي على حقيقة علمية لم تتوصل العلوم المكتسبة إلى معرفتها إلا منذ سنوات قليلة حين أثبت المتخصصون في علم الأجنة، أن جسد الإنسان ينشأ من شريط دقيق للغاية يسمى الشريط الأولى الذي يتخلق بقدرة الخالق سبحانه في اليوم الخامس عشر من تلقيح البويضة وانغراسها في جدار الرحم. وإثر ظهوره يتشكل الجنين بكل طبقاته وخاصة الجهاز العصبي، وبدايات تكون كل من العمود الفقري وبقية أعضاء الجسم، لأن هذا الشريط الدقيق قد أعطاه الله تعالى القدرة على تحفيز الخلايا
على الانسقام والتخصص والتمايز والتجمع في أنسجة متخصصة، وأعضاء متكاملة في تعاونها على القيام بكافة وظائف الجسد. وثبت أن هذا الشريط الأولي يندثر فيما عدا جزءا يسيرا منه يبقى في نهاية العمود الفقري ( العصعص )، وهو المقصود بعجب الذنب في أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإذا مات الإنسان يبلى جسده كله إلا عجب الذنب الذي تذكر أحاديث رسول الله ( ص ) أن الإنسان يعاد خلقه منه بنزول مطر خاص من السماء ينزله ربنا تعالى وقت أن يشاء، فينبت كل مخلوق من عحب ذنبه كما تنبت البقلة من بذرتها .
وقد أثبتت مجموعة من علماء الصين في عدد من التجارب المختبرية، استحالة إفناء عجب الذنب (نهاية العصعص) كيميائيا بالإدابة في أقوى الأحماض، أو فيزيائيا بالحرق، أو بالسحق، أو بالتعريض للأ شعة المختلفة، وهو ما يؤكد صدق حديث الرسول صلى الله عليه وسلم.
"موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة المطهرة" يوسف الحاج أحمد، مكتبة ابن حجر، دمشق، ص166/ 1424-2003.

معاناة نفسية

2


 

بينما أنا جالس في غرفتي ذات صباح قد أطلقت العنان لخيالي، إذا بي أطل من نافذة على عالمي الجنة والنار؛ ينشرح صدري تارة وينقبض أخرى، ويهيم قلبي لحظات ويطرب لانعكاس ألوان النعيم في مرآته، ثم يضيق ويتألم لورود ما يخيفه ويزعجه من صور العذاب وهول الجحيم، حتى غدا باطني مسرحا لصراع عنيف بين النعيم والجحيم والشقاوة والسعادة والطمأنينة والحيرة. وما هي إلا دقائق معدودة حتى فوجئت بنداء ينبعث من صميم قلبي وهاتف يهتف بي: إلى متى هذا النوم؟ إلى متى هذه الغفلة؟ ألا من يقظة توقظ عزمك وتضيء ما ادلهم من ليل حالك وتذيب حجارة القسوة الجاثمة فوق قلبك. أما آن لهذا القلب أن يلين ويخشع؟ ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق)؟ ولهذه العين أن تبصر وتتبصر وتدمع؟ ما لهذا خلقت يا عبد الله؟ وما خلق الله شيئا عبثا أو سدى، بل كل في فلك يسبحون وبكل لسان يسبحون، فأين لسانك؟ وأين قلبك؟ وأين قصدك؟ وما وجهتك؟.
هيهات هيهات، أتظن الأمر سهلا وتحسب الوجود عبثا؟ كلا، فالأمر أعظم مما تتصور، والخطب أجل مما قد يخطر على بالك، والفضاء ضاق بما رحب، وعجلة الزمان أوشكت على التوقف، بعد أن أباد الأمم والقرون تعاقب الحركة والسكون، وليل نهارك قد جن عليك ولما تعاين نجومه، أقم قيامتك قبل قيامها فهول القيامة أشد ما ينتظر والساعة أدهى وأمر. وليوقفنك رب العزة بين يديه وليسألنك سؤال عزيز مقتدر، وقتئذ تبلغ القلوب الحناجر وتفترس الندامة الصدور ويعض الظالم على يديه ولات حين مناص.
ياعبد الله أنت أكرم على الله من أن تسحرك الدنيا بظلها الزائل، أو تعبث بك الشياطين وتزج بك في حمأة الشهوات والضلالات، وإلهك ينتظر رجوعك وتوبتك ويفرح بذلك أكثر من فرح أم برجوع ولدها المفقود.
يا عبد الله، أول ما يلزمك معرفته الطريق الموصل إلى الله، طريق يبصرك بعيوبك، ويرفع حجاب نفسك ويحرق ظلمات الطبع وكدورات النفـس بأشعة البصيرة، حتى يقوم بقلبك شاهد من شواهد الآخرة، وتغدو كأنك تعاين بعض معالمها فتنجذب إليها بكليتك، ولن تظفر بذلك ما لم تعمـل على تجديد التوبة وتصحيحها، وتسع جادا في القيام بالمأمورات الظاهرة والباطنة، وترك المنهيات الظاهرة والباطنة. وكن على يقين أنك مهما اجتهدت في هذا الأمر، وصدقت الله فيه، فستحظى بمحبة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك بتعظيمك لشخصه واتخاذه إماما ومعلما، وقد تستولي روحانيته على قلبك فتغدو مشكاة النبوة مصدرا وسراجا لسلوكك وآدابك، بل وعينا تنهل منها معارفك وخواطرك،ولا تعجبن لهذا، فالأمر أبين من فلق الصبح، إذ محبتك الصادقة لله ستفضي بك لا محالة إلى إتباع رسوله صلوات الله وسلامه عليه.أليس رب العزة يقول: "ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها للذين يتقون ويوتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون الذين يتبعون الرسول النبي الأمي".؟

د.عبد الله الشارف
من ذكرياتي زمن الدراسة / باريس 1981

الأساس الفلسفي لمفهوم اللاشعور الفرويدي

0


 

"يعتبر مفهوم “اللاشعور” من المفاهيم العلمية الأساسية التي يمكن القول أنها أحدثت ثورة إبستمولوجية في ميدان علم النفس، والتي شملت ميادين إنسانية أخرى كالاتنولوجيا والأنثروبولوجيا واللسنيات، بل حتى في مجال ابستمولوجيا العلوم المسماة “دقيقة” مثل الفيزياء.
وقد استطاع مؤسس التحليل النفسي الفيلسوف والطبيب النمساوي “سيغموند فرويد” أن يفسر الكثير من الظواهر الاجتماعية، والسياسية، والفنية، والإتنولوجية، والدينية…”( [1]).
“ لقد انتهت الملاحظات الإكلينيكية، في علاقة فرويد ببعض المرضى النفسانيين إلى وضع فرضية اللاشعور، هذه الفرضية أصبحت واقعا سيكولوجيا مؤكدا من خلال دراسة فرويد لظواهر سيكولوجية كثيرة، كالأحلام، والهفوات، والنكت، والنسيان، والصراع النفسي الذي يشكو منه المرضى النفسانيون.

وإذا كانت كل الدراسات والبحوث الغربية حول مفهوم اللاشعور قد أفصحت عن جذوره الفلسفية، فإن جلها نسبته إلى أحط أنواع الفلسفات اللاعقلانية. إن الميتافيزيقيات الألمانية التي أعقبت المرحلة الكانطية والمتعلقة خصوصا بشيلينغ، وهجيل وشوبنهار، هي التي صاغت مفهوم اللاشعور صياغة فلسفية.
في سنة 1818 صاغ شوبنهار فلسفته المبنية على الإرادة ويقصد بهذه “الإرادة حيوية لا معقولة تسري في الموجودات انطلاقا من الكائنات المادية مرورا بالنباتات، فالحيوانات وكل قوى الكون والطبيعة تعبر عن هذه “الإرادة”. ويعتبر الإنسان المرحلة النهائية لتجسيد هذه الإرادة.
لكن شوبنهار يرى أن هذه الإرادة الكلية أسمى من العقل، بل إن المعرفة والعقل يوجدان ويتحركان طبقا لأوامرها. ومن هنا فإنها إرادة لا شعورية. وكل قراراتنا وتصرفاتنا لا تعبر عن تفكير شعوري حر وإنما هي عبارة عن تجليات لتلك الإرادة( [2]).
“وفيما بين سنتي 1831 و 1846 بلور كارل كوستاف كروس نظريات تقنية قريبة من نظريات شوبنهاور، وقال بأن مفتاح معرفة الحياة العقلية الشعورية يوجد في منطقة اللاشعور.
ثم أتى بعده فون هارتمان وهو ألماني أيضا، ووضع كتابة فلسفة اللاشعور وذلك سنة 1869. فتأثر بالتـأمل الميتافيزيقي الهيجلي، وقال بان اللاشعور يؤسس الحياة العقلية كما يؤسس الحياة الجسدية، فكل النشاطات العقلية والجسدية مدفوعة بالقوة اللاشعورية، فالغريزة تهدف إلى غاية لا شعورية أي أنها لا تعي ولا تشعر بالهدف الذي تنتهي إليه.
لقد كانت فلسفات القرن التاسع عشر المتعلقة باللاشعور شديدة الخصوبة، إذ أنها عملت على تأسيس قوة اللاشعوور في الكون والإنسان، تلك القوة التي تحرك كل شيء وتحدد نشاطات العقل والشعور الإنساني”(3
إن فرويد وجه ضربة قاضية إلى العقلانية من خلال تأكيده أن مجال النشاط الإنساني يكمن في اللاوعي واللاشعور، وفي أعماق جلها ينكشف لعين المراقب، ومن خلال ميله إلى أن فكر الإنسان الواعي لا يسيطر على سلوكه إلا بمقدار يسير. وفي هذا الصدد يقول جورج بوليتزر: “عندما نريد التنويه بمفكر أو منظر نقول إنه أحدث ثورة كوبرنيكية… إن تلامذة فرويد لم يغفلوا عن تقديم مثل هذه التهنئة لأستاذ فيينا (أي فرويد)وتكمن الثورة الكوبرينكية التي أحدثها فرويد في كونه استبدل علم النفس المتمحور حول الشعور، بعلم النفس القائم على محور اللاشعور. وهذا العمل (من قبل فرويد) يتناغم مع الأطروحات اللاعقلانية، كما يفيد أن اللاعقلاني واللاشعوري يشكلان قاعدة النفس والحياة”(4.

[1])- ”الفكر الإسلامي والفلسفة” الكتاب المدرسي … ص275.”
([2[2])-J. C. Filloux ; L’inconcient P.U. F, Paris 1963 – P9 – 10.
([3المرجع نفسه ص 13 – 14.
([4G. Politzer (Ecrits: Les Fondements de la Psychologie) Ed. Sociales Paris 1973 P 297.

د. عبد الله الشارف،
أثر الاستغراب في التربية والتعليم بالمغرب، ص88-89-90. ألطوبريس، طنجة 2000.

ثقافة الاستغراب

1


 

إن قراءة خاطفة في عناوين الإنتاج الأدبي، ومقالات الصحف والمجلات والدوريات، منذ مطلع الاستقلال إلى الآن، تمكننا من الإطلاع على ترعرع تيار الاستغراب الثقافي، ومسيرته التي قطعها، إلى أن اشتد عوده واستحكمت في الأرض جذوره. إن جيل ما قبل الاستقلال كان يؤمن بمبادئ وقيم ثقافية روحية، غير المبادئ والقيم التي آمن بها جيل الاستقلال. لقد كان الأول يؤمن بالحماس الوطني والمسؤولية والتضحية في سبيل الدين واللغة والأرض، بماله ودمه، وظل يكافح إلى أن طرد المستعمر عن أرضه. في حين نلمس في جيل ما بعد الاستقلال تحولا سلبيا وخطيرا في القيم الثقافية والروحية. تحول في اتجاه الاستلاب، والتبعية واللهاث وراء ثقافة فرنسا، وغيرها، مما أدى إلى ظهور كتابات وأعمال ثقافية تتمحور حول الإنسان الغربي، فكرا وسلوكا وثقافة وحضارة. وهكذا مدحت ومجدت الاختيارات السياسية والاقتصادية بشقيها الليبرالي والاشتراكي.
ولكم يطيب ويحلو لكثير من الدارسين تعليل وجود هذه الثقافة بعوامل خارجية، حيث يرون أن هذا النوع الجديد من الثقافة الذي أصبح سائدا، أي هذه القيم الجديدة التي نلاحظ وجودها في المجتمع المغربي الحديث، يمكن ردها في نظرهم إلى أسباب في مقدمتها هيمنة النظامين العالميين اللذين أصبحا مفروضين علينا؛ وهما وهما النظامالاقتصادي والنظام الإعلامي.

هذا تعليل صحيح، لكنه يتضمن نصف الحقيقة، أما النصف الآخر والأهم فإنه مغيب؛ إنه العامل الداخلي المسؤول الأساسي عن التبعية والوقوع في قفص النظامين الاقتصادي والإعلامي وغيرهما. لقد غاب عن هؤلاء الدارسين العامل الداخلي المتجلي في الاستغراب والانبهار بالإنسان الغربي، ذلك العامل الناتج عن الانحراف العقدي والثقافي، الذي أصاب المجتمع المغربي والأمة الإسلامية جمعاء.

ومن ناحية أخرى يمكن الحديث عن الثقافة السياحية كمظهر آخر من مظاهر الاستغراب الثقافي عندنا، إنها ثقافة تقوم أساسا على الميوعة والخلاعة من خلال الحفلات الفلكلورية والسهرات “الفنية”؛ حيث يكثر الرقص وما إلى ذلك. كما ينسب إلى هذه الثقافة ما يسمى بإحياء مواسم الأولياء، والاهتمام بأضرحة الأقطاب والصالحين، إلى غير ذلك من فنون الشعوذة والتدجيل والبلاهة وتنويم العقل وتخديره.
لماذا تقوم جهات مسؤولة بالإشراف على هذه الحفلات والمواسم؟ أليس الهدف الرئيسي من وراء ذلك شد أنظار السائح الأجنبي وتثبيت صورته الفلكلورية التي يحملها في ذهنه عن المغرب؟ ثم إرضاء رغبته في الاطلاع عن أنواع وعجائب العادات والتقاليد المنتشرة في الجبال والوديان عند أهالي البربر؟
أما كان لهذه الجهود أن تصرف في تشجيع وتنمية ثقافة ذاتية بدل بذلها في إنتاج ثقافة مائعة سخيفة ومبتذلة؟
ولعي لا أعدو الحقيقة إذا قلت بان الفلكلور بصورته الحالية يعبر عن المظهر الجامد والمشوه لجانب من تراثنا الثقافي. ذلك أن المستعمر عمل – بكل ما أوتى من دهاء ومكر – على مسخ تراثنا، كما حاولنا إقناعنا بأن التراث لا مصير له إلا متاحف التاريخ، وهكذا تم تحويله إلى مجرد إرث تاريخي نفتخر به ونغتني بأمجاده، ونختار منه النماذج الفلكلورية التي تكرس النظرة الغربية.

د. عبد الله الشارف
أثر الاستغراب في التربية والتعليم بالمغرب، ألطوبريس، طنجة 2000.

حول الفرانكوفونية في المغرب

0


 


حول الفرانكوفونية في المغرب


"وبدلا من تنقية برامج التعليم العصري ومناهجه من عناصر الفكر العلماني والمادي ، ومن التبعية الثقافية المتمثلة في ازدواجية لغة التعليم، وفرنسة الثقافة والتفكير والعواطف، بدلا من ذلك قام المسؤولون عن النظام التعليمي بإدماج التعليم الإسلامي الأصيل، والتعليم الوطني العربي الحر – الذي أنشأه الشعب المغربي في عهد الحماية ليقاوم به التعليم العصري المتفرنس – في التعليم العصري المذكور!، وهكذا طبق المسؤولون مبدأ التوحيد بطريقة عكسية لرغبة الشعب، تاركين مدارس البعثة الثقافية الفرنسية – بسلطتها المستقلة كدولة داخل الدولة – لتنشئ جيلا مغربيا متفرنسا مائة في المائة، ولتكون طبقة المسؤولين في البلاد، ولتزرع بذور التمزق الفكري، والصراع الطبقي والعقدي بين أبناء الشعب الواحد " .

وأخيرا لم تسلم رياض الأطفال من أخطبوط الفرانكوفونية؛ حيث نجد الطفل المغربي ولما يبلغ سنه الرابعة، قد أضحى فريسة للغزو اللغوي الأجنبي ، وأبواه يتلذذان باستماعهما إليه وهو يتلفظ ببعض الكلمات الفرنسية، إنها لجريمة نكراء ترتكب في حق هذا الطفل البريء؛ حيث يتم – في المهد – غرس بذور ازدواجية اللغة والشخصية، والصراع النفسي وأزمة الذات. وإذا كان تعلم الطفل للغة أجنبية إلى جانب لغة الأم في سن مبكرة جدا ينمي قدراته العقلية واللغوية… كما يدعي المسؤولون التربويون عندنا، فلماذا لا ينصح المسؤولون في الغرب أبناءهم بذلك؟ وإني أتحدى كل من يقدم لي ولو إسما واحد لدولة غربية يتعلم أبناءها في رياض الأطفال لغة ثانية إلى جانب اللغة الوطنية، إذ لو لم يكن في الأمر خطر على عقلية ونفسية الطفل لسبقنا إليه الغربيون لأنهم، أعلم الناس ببيداغوجيتهم الحديثة، وأنى لمقلد أن يبتكر فيما قلد فيه غيره؟
إن الاستجابة للمد الفرنكفوني عبر ممارسة اللغة الفرنسية، وتمثل ثقافة الفرنسيين وتقمصها وذلك من خلال الصحافة والإذاعة المرئية والمسموعة ومن خلال التعليم، لدليل جلي على مدى تجذر الاستغراب فكرا وسلوكا في المجتمع المغربي.
“ذلك أن اللغة ليست أداة معرفة فحسب، ولكنها كيان ثقافي. ويوم تتخذ أمة أو يتخذ شعب ما لغة علمية له غير لغته الأساس، سيكون مستعدا لأن يطرح أسس ثقافته الأساسية وكل مقوماتها الحضارية، ليندمج في ثقافة اللغة التي اعتنقها. اللغة توحي، وأكثر من الإيحاء أنها تنقل من الفكر ومن الفعل ومن الممارسة ومن البعد الحضاري، كل ما اختلطت به، فأصبح مجموع ما يكون الثقافة القومية والوطنية، تنقل كل ذلك إلى الشعب الذي اقتبسها، وشيئا فشيئا يندمج من حيث يشعر أو لا يشعر، وشيئا فشيئا يلغي كل مقوماته وكيانه لتصبح له مقومات أخرى مستعارة وكيان آخر مستعارا”

إن تعلم اللغات الأجنبية أمر حيوي للغاية، لا سيما ونحن نعيش في زمن العولمة والتحديات الحضارية والثقافية. لكن نشر هذه اللغات وإدماجها في المنظومة التعليمية والتربوية ينبغي أن يكون قائما على مبادئ وضوابط تأخذ بعين الاعتبار الثقافة والمقومات الذاتية للشعب المغربي، والتي تتجسد في الدين والهوية والتاريخ والحضارة. ومما لا شك فيه أن الموقع التي تحتله اللغات الأجنبية وخاصة الفرنسية في ميدان التربية والتعليم، والثقافة والإعلام، وشؤون الإدارة... يؤكد أن مقوماتنا الذاتية مستهدفة، وأنه يراد للشعب المغربي أن ينسلخ منها، بل إنه إنه مدفوع إلى ذلك دفعا.

ولعله لا مجال للمقارنة بين المغاربة الغيورين في عهد الاستعمار، الذين كابدوا حرب الفرنسة وعملوا على تأسيس المدارس والمعاهد الإسلامية الحرة،وبين أبنائهم وأحفادهم من المستغربين المعاصرين الذين ينافحون عن اللغة الفرنسية وينتصرون لها أكثر مما يفعل الكثير من أبنائها إزاءها. لكن قد يقول قائل إنهم معذورون أو مجبرون على هذا الاختيار باعتبار المناخ السياسي والاقتصادي العالمي، والفترات الانتقالية التي تلت الاستقلال، وكذا العلاقة الثنائية بين المغرب وفرنسا، وما شاكل ذلك من الأسباب الواهية. والحقيقة أن الاستغراب فعل إرادي تام، والمستغرب يمارس استغرابه بمحض إرادته ومن تلقاء نفسه، وإلا كان كل من عاش ويعيش وسيعيش الذل والهوان معذورا ولا ذنب عليه .

د. عبد الله الشارف
أثر الاستغراب في التربية والتعليم في المغرب، ألطوبريس، طنجة 2000.ص49-50-51-52.

الهجرة إلى أوربا أو الخيال الذي أعدم

1


 

تأملت حياتك فوجدتها مليئة بالأتعاب، والشقاء، وآلام الغربة، والضغوط النفسية، والاجتماعية. لا شك أنك حزين كئيب....قبل عقد، أو عقدين، أو ثلاثة، أو أكثر، كنت في بلدك المغرب، الجزائر، تونس، مصر....، تحلم بأن تطأ أقدامك أرض أوربا، حيث المال، والحداثة، والجمال، والعدالة، والعلم، والتقدم، و....
تحقق الحلم بعد أن قطعت المسافة أرضا أو جوا، ونزلت بالديار الأوربية، وانبهرت بالأضواء، والشوارع الفسيحة المضيئة، والعمارات الزجاجية الشاهقة، والقناطر الفولاذية المتقنة، والبساتين الجميلة الواسعة الفيحاء، ووسائل النقل النظيفة المريحة، والمقاهي، والمطاعم الفخمة، إلخ.كما أعجبت بأسلوب الحياة، ونظام العمل، واحترام الإنسان الأوربي للقوانين الاجتماعية والمدنية، وحبه للعلم والمعرفة والإنتاج. أنزلت الإنسان الأوربي منزلة عظيمة في قلبك حتى كاد يملكه، وطفقت تتحدث عنه مع أصدقائك بكل إعجاب. لقد صار في عينيك المثل الأعلى، إنه معلم البشرية، المبدع، المنتج، القاهر، العالم، المسير، المتحضر، صاحب الرسالة الحضارية العالمية...
تزوجت أو استدعيت زوجتك، إنه حدث عظيم، حيث شعرت بالدفء النفسي، وألفة الحياة الزوجية، ثم ازدادت الأحلام والآمال وتنوعت، مرت سنوات أخرى أنجبت خلالها زوجتك أولادا، فكبرت الأسرة، وكبرت معها الأحلام.ثم بدأ الأولاد يتلفظون بالكلمات الفرنسية أو الإنجليزية أو الألمانية أو....، ويتمتمون أحيانا بكلمات عربية تلتقطها آذانهم من فمك أو فم زوجتك. لكنك همست إلى نفسك قائلا: أخشى أن يقتصر لسانهم على لغة الأوربيين ولا يتكلمون العربية إلا كلمات، لا لن يحدث هذا أبدا، وسأرجع إلى بلادي قبل أن يلجوا سن البلوغ.
بعد ذلك، ولج هؤلاء الأولاد سن المراهقة، وبدأوا يتحررون من سلطة الآباء، كما شعروا بأن كيانهم متجذر في التربة التي ولدوا ونشأوا فيها، وقد تغذت ونفوسهم بثقافة وعادات ومدنية الأوربيين، فرفضوا كل ما تفكر فيه من أسطورة العودة، وخاطبوك بصريح العبارة: إن شئت فارجع إلى وطنك، أما نحن فلن نغادر وطننا!! كلام غاية في المنطق والصواب، لكنه أشد ألما في قلبك من طعنة الخنجر. هناك شعرت بآمالك وأحلامك تتهاوى، كما تفعل القصور الرملية التي يصنعها الأطفال على الشاطئ عندما تدنو منها مياه البحر فتحولها من خيال إلى عدم.
نعم، لقد أعدم خيالك لأنه كان خيالا. كما كان خطاب الأبناء أو موقفهم من "حلم العودة" بالنسبة لك، بداية العد العكسي، وبداية النهاية.لقد تبين لك أنك كنت تعمل في غير معمل، أو كنت تضرب في حديد بارد، وأن سنوات التعب والكدح ذهبت نتائجها وثمراتها أدراج الرياح، وقديما قال الشاعر:
ما كل ما يتمنى المرء يدركه تجري الرياح بما لا تشتهي السفن
ضاقت بك الأرض بما رحبت، بعد أن حصل ما لم يكن يخطر ببالك، ولا هجس في ضميرك، إنهم أبناؤك الذين كنت تتعب من أجلهم، وتكد وتشقى لكي يسعدوا في مستقبلهم!
إن السنوات التي كنت خلالها تبذل مجهودات كبيرة في تنشئتهم، ورعايتهم، وتفكر في حياتهم ومستقبلهم بعد العودة إلى الوطن الحبيب، هي السنوات نفسها التي، على حين غفلة منك، صاغت شخصيتهم، وغذتها بعناصر ومكونات الثقافة الأوربية، وأرضعتهم لبن التربية العلمانية، وبذرت في قلوبهم بذور المحبة للوطن الذي نشأوا فيه، وترعرعوا في أحضانه. فكيف يغادرونه إلى أرض لم ينشأوا فيها ولم يألفوها، ولا يتكلمون لغتها إلا كلمات متقطعة، أو جملا مزركشة، ولا يستسيغون عاداتها وتقاليدها، بل يستغربون من أسلوب حياة أهلها، ونمط عيشهم. هيهات هيهات، إلا أن يشاء الله.
د. عبد الله الشارف، جامعة القرويين، كلية أصول الدين
تطوان المغرب، صفر الخير 1431 يناير 2010

واحة الذكر

0


 

إن الذكر بمفهومه اللساني والقلبي، وكذا من حيث أنه تأمل وتفكر وتدبر وطاعة وامتثال لأوامر الله، هذا الذكر له تأثير في تقوية الإرادة المثالية الهادفة واستثارة طاقاتها.
ولما كانت النفس ميالة بطبعها إلى الملذات والشهوات، واتباع سبل الغواية، كانت بذلك السبب المباشر في إضعاف الإرادة الإنسانية، والحيلولة بينها وبين القيام بالوظائف السامية، ولا سيما وظيفة الاستخلاف في الأرض. وهنا تبرز أهمية الذكر بمفهومه الشامل، باعتباره أعظم وسيلة لتهذيب نوازع النفس وميولاتها والأخذ بيدها إلى ساحل السعادة والطمأنينة، كما تبرز أهميته أيضا في إعادة الحياة إلى الإرادة الحقيقية الهادفة، خاصة وأن عنصر الإرادة هو أحد العناصر الجوهرية المكونة لحقيقة الإنسان، إذ لولاها لما كان مكلفا، ولما تحمل الأمانة.
ولما كان الإنسان في أغلب أحواله إذا مسه الخير منوعا وإذا مسه الشر جزوعا، وكانت نفسه دائمة الشعور بالفاقة والحاجة، متحملة للمشاق في سبيل الحصول على رغباتها المتجددة والتي لا تنقضي، أنعم الله عليه بالإسلام والقرآن وعلمه على لسان نبيه صلوات الله وسلامه عليه، كيف يمكن أن يعيش في هذه الدنيا عيشة راضية. ومن هنا كان ذكر الله أفضل طريق موصلة على الحقيقة إلى الاطمئنان، والاقتناع بأنه لا فاقة يمكن الشعور بوطأتها مع وجود الذكر الصادق، وممارسته بمفهومه الشامل والعميق.
ولعل أحسن من عبر عن هذا المعنى؛ العلامة محمد ابن قيم الجوزية رحمه الله إذ يقول: "في القلب خلة وفاقة لايسدها شيء البتة إلا ذكر الله عز وجل، فإذا صار الذكر شعار القلب، بحيث يكون هو الذاكر بطريق الأصالة واللسان تبع له، فهذا هو الذكر الذي يسد الخلة ويفني الفاقة، فيكون صاحبه غنيا بلا مال، عزيزا بلا عشيرة، مهيبا بلا سلطان، فإذا كان غافلا عن ذكر الله عز وجل، فهو بضد ذلك فقير مع كثرة جدته، ذليل على سلطانه، حقير مع كثرة عشيرته"
وأسمى أنواع الذكر أن تستحضر الله في قلبك حتى تغدو كأنك تسمع الذكر بلسان الكائن الروحي المتعلق بذلك العضو الذي بين جناحيك، أو تشعر بعد التحقق بالخشية والحياء، بأن نظر الله المصوب إليك قد ملك عليك كيانك، فأنت مستغرق في الذكر وإن لم يتحرك به لسانك، أو مستغرق فيه وأنت تمارس وظيفة الاستخلاف، أو تتفكر في مخلوقات الله، أو تنعم بما أحل الله لك من النعم.
وإذا غدا الاستغراق في الذكر لسان حالك، غمرتك حلاوة لم تعهدها من قبل، إنها حلاوة الذكر الناتجة عن الأنس بالله والقرب منه، وكلاهما ثمرة الطاعة والمحبة. فكل مطيع مستأنس وكل عاص مستوحش، ومن أنست نفسه بالله لم يجد لذة في الأنس بغيره، ومن أشرق قلبه بالنور لم يعد فيه متسع للظلام.

د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف/ ربيع الأول 1433- فبراير 2012/ تطوان المغرب

بين الاستغراب والتغريب والاغتراب

2


 

...ولعل المستشرق هـاملتون جيب يكون أسبق إلى الحديث عن الاستغراب من كثير من الباحثين المعاصرين في العالم الإسلامي . يقول هذا المستشرق":
» والتعليم أكبر العوامل الصحيحة التي تدعو إلى الاستغراب. ولسنا نستطيع الوقوف على مدى الاستغراب في العالم الإسلامي إلا بمقدار دراسته للفكر الغربي وللمبادئ والنظم الغربية، ولكن هذا التعليم ذو أنواع كثيرة تقوم بها جهات متعددة، وبالطبع لابد أن هناك بالفعل قليلا من التعليم على الأسلوب الأوربي في المدرسة، وفي الكليـة الفنية وفي الجامعة، وعلى هذا التعليم يتـوقف كـل ماعداه« . لقد صدق المستشرق جيب فيما ذهب إليه من كون التعليم "أكبر العوامل الصحيحة التي تدعو إلى الاستغراب".
ويمكن القول على سبيل التعريف: "إن الاستغراب ظاهرة نفسية واجتماعية وثقافية معاصرة، يتميز الأفراد الذين يجسدونها بالميل نحو الغرب والتعلق به ومحاكاته. نشأت في المجتمعات غير الغربية ـ سواء أكانت إسلامية أم لا-على إثر الصدمة الحضارية التي أصابتها قبيل الاستعمار وخلاله ".
ومن أجل استجلاء أكثر لمدلول الاستغراب لابأس من عقد مقارنة سريعة بينه وبين بعض المفاهيم القريبة منه، مثل تغريب واغتراب .
فإذا كان التغريب عمل ثقافي وسياسي يتولاه المسؤولون في الغرب ومن والاهم من المستشرقين والمستغربين، يهدف إلى طمس معالم الحياة الدينية والثقافية للمجتمعات الإسلامية وغيرها، وإجبار هذه المجتمعات على تقليد الغرب والدوران في فلكه، فان الاستغراب مرتبط أساسا بالعامل الداخلي، أي بالمكونات الذاتية الاجتماعية والثقافية والسياسية لتلك المجتمعات، حيث أن هذه المكونات ـ بما تميزت به من انحطاط وتقهقر وجمود ـ ساعدت على إفراز ظاهرة الاستغراب. يقول أنوار الجندي متحدثا عن التغريب: » منذ أن طرح الاستشراق مصطلح "التغريب" في الثلاثينيات من هذا القرن، لفت الأنظار إلى إحدى الغايات الكبرى التي يستهدفها الغزو الثقافي الغربي للفكر الإسلامي، وهي صبغ الثقافة الإسلامية بصبغة غربية، واخراجها عن طابعـها الإسلامـي الخالص، واحتواؤهـا على النحـو الذي يجعلها تفقد ذاتيتها وكيانها« .
أما مفهوم الاغتراب فيقصد به "أن المرء يصبح غريبا تجاه شيء معين أو شخص معين كان يرتبط به على نحو وثيق...ويعرف الشخص المغترب سياسيا بأنه هو ذلك الشخص الذي يكون لديه شعور دائم بالغربة عن المؤسسات السياسية القائمة، وعن القيم السياسية الموجودة وعن القيادات التي تضطلع بأمر السلطة" .
ولفظ الاغتراب أصبح من المصطلحات التي يكثر شيوعها في وقتنا الراهن، لأن الإنسان بوجـه عـام مغترب في عصره، نتيجة لمجموعة العوامل المصاحبة لظروف التغيرات الثقافية والاجتماعية والتكنولوجية الحديثة في الحضارة الأوربية، التي ترتب عليها إهدار فرديته وقيمه التاريخية، وجعله مجرد مخلوق آلي. كما أن طغيان النزعة العلمانية على القيم الراسخة التي شكلها الدين يعتبر عاملا أساسيا فيبروز ظاهرة الاغتراب
إن العامل الداخلي في الاستغراب أكثر هيمنة من العامل الخارجي، ومن هنا بات من المنطقي أن يكون لفظ مستغرب مبني للمعلوم باعتبار أن الاستغراب يعبر عن ظاهرة نفسية وعقلية واجتماعية تشكل الذات الواعية للمستغرب محورها الرئيس. وبالتالي فالإنسان المستغرب يعي استغرابه تمام الوعي، ويمارسه بكامل إرادته وشخصيته.
د. عبد الله الشارف
الاستغراب في الفكر المغربي المعاصر/ طوب بريس، الرباط 2003، ص 29...

عن الحرية والإباحية في باريس

0


 

لما حللت بباريس في فاتح محرم الحرام سنة 1401ه موافق نوفمبر 1979 وبدأت أحتك بأفراد هذا المجتمع الجديد، كانت تنتابني أحيانا حالة نفسية رهيبة مصدرها الخوف من الذوبان وفقدان الهوية. غير أن اهتمامي بالدراسة والتحصيل كان يخفف من وطأتها، كما أن العلاقات الأولى التي نسجتها مع بعض الطلبة المغاربة جعلني أشعر بنوع من الدفء النفسي. والحقيقة أن الواقع النفسي والشعوري للطالب العربي المسلم في البلدان الأوربية قلما يسلم من الهزات العنيفة، لأن هذا الواقع يشكل مسرحا للصراع بين ثقافتين متعارضتين أشد التعارض.
ولعل مظهر الحرية الفكرية و العقدية و الإباحية الجنسية، من بين المظاهر العنيفة التي تواجه المهاجر المسلم وتتحداه، بل قد تحدث ، مع الزمن، شروخا خطيرة في كيانه الثقافي والعقدي. إن هؤلاء المهاجرين المسلمين الذين يقيمون في مجتمعات تختلف ثقافيا، واجتماعيا، ودينيا عن مجتمعاتهم الأصلية، معرضون لا محالة لهزات وأزمات نفسية خطيرة ورهيبة. وبما أن مقولة "الإنسان ابن بيئته" لا ترحم، والسنن والقوانين الاجتماعية تتسم غالبا بصفتي القسر والحتمية، فإن هؤلاء المهاجرين يؤدون ثمن هجرتهم باهضا، حيث يتجلى ذلك في المعاناة الناجمة عن التصادم الثقافي والعقدي في مجتمع الهجرة، خاصة أن هذا المجتمع لا يقبل ثقافة وعقيدة المهاجرين المسلمين، بل يستعمل آليات الإكراه النفسية، والاجتماعية، والثقافية، والقانونية، لدفعهم للتنكر لثقافتهم وعقيدتهم أو للانسلاخ عنهما،
أما انبهار بعض الطلبة العرب و غيرهم من المهاجرين بهذه الحرية، فانه لا يعبر إلا عن ضعف العقيدة الإسلامية لديهم، كما يعبر عن قوة المؤثرات واستعلاء الثقافة الأوربية ورفضها للثقافات الأخرى، وكأن لسان حالها يقول : إما أن تعتنق مذهبنا في الحياة، أو ترحل عنا . وممالا شك فيه أن مظاهر الخلاعة والإباحية الجنسية، والاختلاط الفاحش والعري، وما إلى ذلك من ألوان الحيوانية والبهيمية، بالإضافة إلى الإلحاد والاستهزاء بالديانات، والأخلاق السامية مثل الحياء والمروءة… كل ذلك كان له وقع سيئ في نفسي، الأمر الذي جعلني لا أطمئن لكثير من معطيات هذه الحضارة، وأبحث في الدراسات التي اهتمت بنقدها وإبراز عيوبها؛ فقرأت في هذا الشأن بعض مؤلفات أوزوالد شبنجلر وبرنارد شو ورونيه كينو وغيرهم.
د.عبد الله الشارف
من مذكرات زمن الدراسة/ باريس 1979

اللون الأخضر في القرآن

0


 

ما أكثر ما يرد لفظ اللون الأخضر في آيات القران الكريم والتي تصف حال أهل الجنة وما بها من نعيم في جو رفيع من البهجة والمتعة والاطمئنان النفسي فنجد في سوره الرحمن : "متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان (76)
وقال تعالى : (عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا ) ( الانسان :21)
يقول احد علماء النفس وهو أردتشام : "إن تأثير اللون في الإنسان بعيد الغور وقد أجريت تجارب متعددة بينت أن اللون يؤثر في إقدامنا وإحجامنا ويشعر بالحرارة أو البرودة ،و بالسرور أو الكآبة ، بل يؤثر في شخصيه الرجل وفي نظرته إلى الحياة .

ويسبب تأثير اللون في أعماق النفس الإنسانية فقد أصبحت المستشفيات تستدعي الأخصائيين لاقتراح لون الجدران الذي يساعد أكثر في شفاء المرضى وكذلك الملابس ذات الألوان المناسبة وقد بينت التجارب أن
اللون الأصفر يبعث النشاط في الجهاز العصبي ،
أما اللون الأرجواني فيدعو إلى الاستقرار
واللون الأزرق يشعر الإنسان بالبرودة
عكس الأحمر الذي يشعر بالدفء
ووصل العلماء إلى أن اللون الذي يبعث السرور والبهجة وحب الحياة هو اللون الأخضر .
لذلك أصبح اللون المفضل في غرف العمليات الجراحية.. لثياب الجراحين والممرضات .
ومن الطريف أن نذكر هنا تلك التجربة التي تمت في لندن على جسر ( بلاك فرايار ) الذي يعرف بجسر الانتحار تتم من فوقه حيث تم تغيير لونه الأغبر القاتم إلى اللون الأخضر الجميل مما سبب انخفاض حوادث الانتحار بشكل ملحوظ .
واللون الأخضر يريح البصر ذلك لان الساحة البصرية له اصغر من الساحات البصرية لباقي الألوان كما أن طول موجته وسطي فليست بالطويلة كاللون الأحمر ولا بالقصيرة كالأزرق .

"موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم والسنة المطهرة" يوسف الحاج أحمد، مكتبة ابن حجر، دمشق، ص924/ 1424-2003.

حوار بين المعول المغرور والجبل الأشم

1


يعتبر الدكتور محمد عابد الجابري من بين المفكرين المغاربة الذين تأثروا بأطروحات المستشرقين ومنهجهم في دراسة التراث الإسلامي. وعندما اطلعت على كتاباته الأخيرةالمتعلقة بفهمه للقرآن الكريم، سجلت بعض الملاحظات التي ستشكل، بإذن الله، أساس دراسة نقدية لذلك “الفهم الخاص” المستلهم لروح الاستشراق. بيد أنني استعجلت الأمر وبادرت بتحرير حوار رمزي متخيل بين “المعول المغرور والجبل الأشم”، بعد أن انقدح جوهره في ذهني فجأة أو ورد على قلبي ورودا.
نسي الجيولوجي معوله على رأس جبل، وانحدر خائبا يائسا من هدمه. حدثت رياح هوجاء دحرجت المعول، فارتطم بصخرة عظيمة تكسرت على إثرها يده. فزمجر غاضبا : أيتها الصخرة اللعينة : سأنتقم لنفسي وأدكك ما بقي الليل والنهار، حتى تتحولي إلى ذرات تعبث بها تلك الرياح التعيسة التي آذتني.
فأجابت الصخرة :
أيها المعول المكسور المغرور؛ إن سيدك استخدمك ليقيس بك صلابة سيدي الجبل، فعندما تبين له أن الأدوات العاتية التي يملكها لن تقتلع الجبل الراسي من أصله وجذوره، أعرض عن حلمه وولى. فكيف تدعي ما لم يجرؤ عليه سيدك ؟
المعول المغرور:
إن سيدي رغم قوته وقوة آلاته، إنسان عجول مفتقر إلى الصبر. أما أنا فسأظلُّ أنخُرُ في هذا الجبل، وأهشِّم صخراته متسلحا بالعزيمة والصبر، حتى إذا تعبت وفنيت قواي، سأعهد لأولادي بمتابعة العمل الشاق، وهؤلاء سيوصون أولادهم وهكذا إلى أن يصبح الجبل أثرا بعد عين.
الصخرة:
ألم يأتك نبأ “ثمود الذين جابوا الصخر بالوادي وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد” ؟
(سورة الفجر، الآيات من: 9 إلى 14)
المعول المغرور:
دعني من هذه القصص والأساطير، ومن الأقوام التي عاشت في القرون الغابرة، وكانت تؤمن بالخرافات والآلهة الجبارة، فهذا زمن آخر؛ زمن العلم والمادة، زمن الاكتشافات والإبداعات واختراق الفضاء، وزمن هدم الجبال !!
الصخرة:
لكن يا عزيزي الأبله؛ ألم تسمع أن العلم اكتشف أخيرا سر وجود الجبال، وأكد أنها ضرورية للحفاظ على توازن الأرض، وهو ما أثبته القرآن الكريم قبل خمسة عشر قرنا : “وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم” (سورة لقمان، الآية : 10). فإذا هدَّمتها أنت وأسيادك وذريتك، ستضطرب الأرض وتحدث الكارثة !.
المعول المغرور:
هذا الذي تزعمينه ليس من شأني، ولا يتسع له عقلي، إنما مرادي هو تحطيمك أنتِ والجبل، ولن تستطيعي النيل من إرادتي، ولكأني مسوقٌ إلى هذا العمل سوقا، أو مجبَرٌ عليه جبرا.
الصخرة:
مادام عقلك ناقصا وأَفِنًا، ومرادك مراد الحمقى المغرورين، وإرادتك أثبتَّها لغيرك بقولك أنك مسوق ومجبر، فلا معنى للاستمرار في الحوار.
يا بنيّ :
إن مثل الجيولوجي والمعول والجبل، كمثل المستشرق والمستغرب والقرآن.
بقلم : الدكتور عبد الله الشارف
تطوان، جمادى الأولى 1429
ماي 2008

شيخ التربية ضروري أم لا؟

0


 

إن أسلوب التلقي الذي ينتهجه المريد مع شيخه الطرقي، لا يخلو من عيوب معرفية وتربوية وأخطاء تعبدية وشرعية، ذلك أن هذه العلاقة تجعل المريد محصورا في دائرة مغلقة، بحيث يكون الشيخ بمثابة النواة المركزية، والمريدون عبارة عن إلكترونات تحوم حولها. ومن ثم فإن المعارف والأفكار التي يكتسبها المريد يستمدها من روح شيخه وشخصيته؛ إما يقظة وإما مناما، فيتشكل عنده نمط فكري واحد ينتظم من خلاله وبواسطته تصوره الوجودي والكوني، وكذا حياته الاجتماعية والدينية. وهكذا تغدو عين الشيخ المصدر الوحيد للإلهامات والإشراقات المعرفية. وبما أن المريد ينظر إلى شيخه الطرقي بعين الرضا والمحبة والتقديس، فإن عقله عاجز عن إدراك ما يمكن أن يصدرعنه من أخطاء وهفوات، وكيف يصدر ذلك عن الشيخ الكامل والقطب الرباني صاحب الأحوال والمقامات ؟!!. فالدين هو ما يفهمه شيخه، والعبادة هي التي يمارسها ويدعو إليها.
وفيما يتعلق بالشيخ الطرقي باعتباره شيخ تربية، أقول متسائلا : هل يتوجب على المسلم المتعلم أن يتخذ شيخا من شيوخ التربية يسلك به طريقة معينة في العبادة وتزكية النفس أم يقتصر على شيوخ العلم والتعليم ويتفقه على أيديهم ؟.
ليس مثلي من يجيب عن هذا السؤال أو يحسم فيه ولكني "أعطي القوس باريها"،
وأقول: ذكر عبد الفتاح أبو غدة في هامش من هوامش تحقيقه لكتاب "رسالة المسترشدين" لأبي عبد الله الحارث المحاسبي، ما نصه:
"وقد كتب الإمام الفقيه الأصولي المحدث النظار، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي الغرناطي، صاحب كتاب "الموافقات" و"الاعتصام" ، المتوفى سنة 790، من غرناطة قاعدة الأندلس، إلى شيخ الصوفية في عصره أبي عبد الله محمد بن عباد النفزي، خطيب جامع القرويين في مدينة فاس، المتوفى سنة 792 رحمهما الله تعالى.
كتب إليه يسأله: هل على السالك إلى الله تعالى أن يتخذ لزاما شيخ طريقة وتربية يسلك على يديه؟ أم يسوغ له أن يكون سلوكه إلى الله تعالى من طريق التعلم والتلقي من أهل العلم دون أن يكون له شيخ طريقة؟. فكتب إليه الشيخ ابن عباد، كما في كتابه "الرسائل الصغرى" ص 106 وما بعدها وص 125 وما بعدها:
"الشيخ المرجوع إلي في السلوك ينقسم إلى قسمين: شيخ تعليم وتربية، وشيخ تعليم بلا تربية.
فشيخ التربية ليس ضروري لكل سالك، وإنما يحتاج إليه من فيه بلادة ذهن واستعصاء نفس. وأما من كان وافر العقل منقاد النفس، فليس بلازم في حقه، وتقيده به من باب الأولى. وأما شيخ التعليم فهو لازم لكل سالك.
أما كون شيخ التربية لازما لمن ذكرناه من السالكين فظاهر، لأن حجب أنفسهم كثيفة جدا، ولا يستقل برفعها وإماطتها إلا الشيخ المربي، وهم بمنزلة من به علل مزمنة، وأدواء معضلة من مرض الأبدان، فإنهم لا محالة يحتاجون إلى طبيب ماهر يعالج عللهم بالأدوية القاهرة.
وأما عدم لزوم الشيخ المربي لمن كان وافر العقل منقاد النفس، فلأن وفور عقله وانقياد نفسه يغنيانه عنه، فيستقيم له من العمل بما يلقيه إليه شيخ التعليم ما لا يستقيم لغيره. وهو واصل بإذن الله تعالى، ولا يخاف عليه ضرر يقع له في طريق السلوك إذا قصده من وجهه، وأتاه من بابه.
واعتماد شيخ التربية هو طريق الأئمة المتأخرين من الصوفية، واعتماد شيخ التعليم هو طريق الأوائل منهم. ويظهر هذا من كتب كثير من مصنفيهم، كالحارث المحاسبي، وأبي طالب المكي، وغيرهما، من قبل أنهم لم ينصوا على شيخ التربية في كتبهم على الوجه الذي ذكره أئمة المتأخرين، مع أنهم ذكروا أصول علوم القوم وفروعها، وسوابقها ولواحقها، لا سيما الشيخ أبو طالب، فعدم ذكرهم له دليل على عدم شرطيته ولزومه في طريق السلوك. وهذه هي الطريقة السابلة – أي المسلوكة- التي انتهجتها أكثر السالكين، أشبه بحال السلف الأقدمين، إذ لم ينقل عنهم أنهم اتخذوا شيوخ التربية، وتقيدوا بهم والتزموا معهم ما يلتزمه التلامذة مع الشيوخ المربين، وإنما كان حالهم اقتباس العلوم، واستصلاح الأحوال بطريق الصحبة والمؤاخاة بعضهم لبعض.
د. عبد الله الشارف،
من كتاب "تجربتي الصوفية" ص 176..منشورات الزمن/ الرباط 2012.

المسلم المهاجرفي الغرب والكليات الخمس

0


 

تهدف مقاصد الشريعة إلى حفظ النظام العام من خلال تحقيق المصالح وإبطال المفاسد. وأهم هذه المصالح هي المصالح الضرورية التي اصطلحوا على تسميتها بالكليات الخمس، وهي : حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال.
وإذا نظرنا إلى هجرة المسلمين في بلاد الغرب من خلال المصالح الضرورية، أو الكليات الخمس، ألفيناها لا تنسجم ولا تستجيب لمبادئ وأهداف ومقاصد الشريعة، لأنها تتعارض على الأقل مع ثلاثة من أركان الكليات الخمس وهي : الدين، والنفس، والنسل.
فمن حيث الدين، نجد أن المسلم المقيم في الغرب معرض لضياع دينه عقيدة وأخلاقا. وإذا كان المهاجرون الأوائل يحرسون على أداء صلواتهم كيفما تيسر، فإن هذا الحرص ضعيف جدا عند أبنائهم من الجيل الثاني، ويكاد يكون منعدما لدى أبناء الجيل الثالث ، نظرا لأنهم أشربوا عادات الغربيين ونشأوا بين أكنافهم، ونطقوا بلسانهم ولغتهم، وتأثروا بالحياة الغربية ومبادئ التربية العلمانية. وكذلك الشأن فيما يتعلق بباقي الأركان الدينية الأخرى من زكاة وصوم وحج.
وإذا انتقلنا إلى الركن الثاني من أركان الكليات الخمس، وهو ركن النفس، وجدنا أن العامل المسلم المهاجر في بلاد الغرب، قد بذل وسعه وطاقته في توفير الحاجيات الضرورية من غذاء ولباس ومسكن وعلاج ، وما إلى ذلك مما له علاقة بالجانب المادي في حياته، في حين نجده فد استهان بالمقومات الروحية والمعنوية للنفس.
لقد أنزل مهاجرنا المسلم بنفسه من الذل والهوان، ما لا يليق به وبكرامته باعتباره مسلما. وكفى بالعنصرية البغيضة التي يعانيها دليلا على كونه مهمشا، ومحتقرا، وضعيفا، وعرضة للاستغلال والازدراء والإهانة، والتهمة والطرد، وللسلوكات الوحشية التي كثيرا ما أودت بحياة بعض المهاجرين. كما أن ولاءه للغربيين وللقوانين الوضعية يؤثر في نفسه أيما تأثير، بحيث يخضع لسلطانهم وأحكامهم، تلك الأحكام التي غالبا ما تتعارض مع أحكام الدين الإسلامي. إن هذا الظلم الذي أنزله بنفسه، وبأهله الذين يتحمل مسؤوليتهم، بسبب إقامته بين ظهراني المشركين وخضوعه لهم، وقبوله لشروطهم، وحبه، وتقبله، واستحسانه لكثير من أفكارهم وعاداتهم.
أما فيما يتعلق بركن النسل، فإن الأمر أدهى وأمرُّ. ذلك أن معظم أبناء هؤلاء المهاجرين وأحفادهم، قد اختلطوا بأبناء النصارى اختلاط الحابل بالنابل، وتزوجوا منهم، وتناسلوا، فظهر نسل جديد محكوم عليه، إلا من رحم الله، بالذوبان والتلاشي، والانصهار في بوتقة المجتمعات العلمانية المادية؛ حيث تنعدم شجرة الأنساب، ودوحة الأرحام، ووشائج القرابة، ودفء العشيرة. فلا قريب ولا نسيب ولا حميم، ولا عمومة ولا خؤولة ولا أصهار. أبناء وأحفاد يربطهم بتاريخ ودين آبائهم وأجدادهم، خيوط أوهى من خيوط بيت العنكبوت.
ولست أبالغ إذا قلت: إن الكليات الخمس عند المسلمين في بلدان النصارى قد أصابها تصدع وتمزق، وانحراف خطير، وما لم يبادر هؤلاء المهاجرون إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه، فإن العاقبة ستكون وخيمة، ولن ينفع ندم بعد فوات الأوان. ورب قائل يقول: هذا أمر لا يرتق فتقه، ولا يلأم صدعه.
لقد كان مهاجرنا المسلم، وهو يغادر وطنه إلى أوربا، ينوى تحقيق مصلحة دنيوية. لكنه تجاهل أولم يتفطَّن للمفسدة الدينية التي قد تترتب عن جلب تلك المصلحة. ومن القواعد الفقهية الثابتة في الفقه الإسلامي؛ قاعدة؛ "درء المفاسد مقدم على جلب المصالح".
والخلاصة أن عاملنا المسلم المهاجر في الغرب قد أخطأ عندما قدم حفظ المال على حفظ الدين والنفس والنسل، وفضل الدنيا على الآخرة.
د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/ جامعة القرويين، تطوان المغرب.
مجلة "النور"، عدد 458، فبراير 2009،تطوان، المغرب.