التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من مارس, 2012

الزمن في بعده الإيماني والذوقي

    من المسلمات أو البديهيات العقلية أن الزمان ذو أبعاد ثلاثة : ماض وحاضر ومستقبل. وهي عبارة عن ثلاث محطات مرتبطة أو ثلاث حلقات في سلسلة واحدة، والإنسان لا ينفك متنقلا بوعيه بين تلك المحطات الثلاث. فبينما هو في حاضره إذا به منجذب نحو الماضي أو هائم في فضاء المستقبل. فتجده لا يمل من اجترار بعض الأفكار المتعلقة بوقائع وأحداث معينة ماضية، لها علاقة بشخصيته؛ إما متلذذا بتذكرها إن كانت سارة، أو متألما إن كانت مقلقة أو محزنة. كما تلقاه في لحظات أخرى قد ألقى بنفسه في بحر المستقبل، وأطلق العنان لخياله كي يداعب ما يجود به ذلك البحر من نسمات وأحلام. وقد يكون استدعاء الماضي واستحضاره أو التحليق في فضاء المستقبل مما يعين الشخص على تحقيق هدف من الأهداف أو وضع أسس لأفكار وتصورات بناءة، وهذا ما نلمسه في سير الأبطال والقادة، أو العلماء والدعاة. بيد أن عامة الناس ممن ابتلوا بهذا الأمر؛ أي استدعاء الماضي أو التحليق في المستقبل، لا يجنون أي فائدة، بل يلحقون الأذى بذواتهم خاصة عندما يغدو ذلك الأمر وسواسا من الوساوس وهنا تضعف شخصيتهم وإرادتهم، ويصبح وجودهم ثقلا على المجتمع. ثم إن الشخص المريد البناء لا يلت

أشجان وحسرات

  وحدي، وحدي.... اركب هذه السفينة للمرة الثلاثين أو الأربعين...لست أذكر. انظر إلى وجوه كالحة كوجهي، إنهم مثلي؛ بؤساء تعساء. بعد دقائق ستطأ أقدامنا رصيف ميناء طنجة. لا أحد يستقبلنا، لا أحد يبتسم لنا، لا أحد يضمنا إلى صدره، كنا غرباء، بقينا كذلك وسنموت غرباء هنا أو هناك. في السنوات الأولى، كان الأصدقاء والأقرباء والجيران يفرحون لقدومنا، بل ينتظرون عطلة الصيف على أحر من الجمر، نحمل لهم الهدايا المتواضعة فيفرحون، ويجلسون معنا الساعات الطوال، نستمع إلى حديثهم كما يستمعون إلى أخبارنا، أين هم الآن؟!! بل أين أنا؟ وأين أولادي وأحفادي الصغار؟!! آه كل شيء انتهى. كلهم ذهبوا عني، وفروا مني فرارهم من المجذوم. لم أعد أصلح لهم، رائحتي تؤذينهم، لغة بلادي أصبحت ......آذانهم، استبدلوها بلغة فرنسا عادات بلادي وتقاليدها أدخلت إلى متحف اللوفر، وأقفل عليها. ديني ودين أجدادي يستهزئون به، ويرمونه بالتخلف والإرهاب والرجعية. إنهم يريدون مسح العار، والانسلاخ من كل الآثار الدالة على أن أصولهم عربية أو إسلامية!! نبذوني، لأنني شؤمهم وعارهم، وسبب مأساتهم. لطالما سخر منهم زملاؤهم الفرنسيون في المدارس والأزقة. نبذوني،

من لا شيخ له فالشيطان شيخه

  هذه العبارة من مقولات الصوفية الطرقيين التي يستعملونها كثيرا عندما يحاورون إنسانا لا يؤمن بمبادئهم، وينكر ضرورة وجود الشيخ لمن أراد إصلاح نفسه وتزكيتها. وهذا ما حصل لي مع بعض الأساتذة الجامعيين من الذين انتسبوا في السنوات الأخيرة إلى الطريقة البودشيشية، لما أنكرت عليهم تعلقهم بالطريقة الصوفية، ونبهتهم إلى أن السنة النبوية كلها منهج رباني رفيع ومتوازن، لمن أراد التوبة والتزكية. لكنهم أشادوا بموقفهم واختيارهم، واحتجوا بكلام أركانه أوهى وأضعف من أركان بيت العنكبوت. ومن ذلك قولهم: "من لا شيخ له فالشيطان شيخه" !! وإن المرء ليستغرب عندما يعلم أن أساتذة جامعيين يقذفون بأنفسهم في مستنقع الخرافات والضلالات، والأباطيل والدجل، نسأل الله العصمة والسلامة. وقد أشار أبو حامد الغزالي: "فكذلك المريد يحتاج إلى شيخ وأستاذ يقتدي به لا محالة ليهديه إلي سواء السبيل، فإن سبيل الدين غامض، وسبل الشيطان كثيرة ظاهرة، فمن لم يكن له شيخ يهديه قاده الشيطان إلى طرقه لامحالة، فمن سلك سبيل البوادي المهلكة بغير خفير فقد خاطر بنفسه وأهلكها، ويكون المستقل بنفسه كالشجرة التي تنبت بنفسها، فإنها تجف على الق

الإفساد التربوي: مادة اللغة الفرنسية أنموذجا

بينما كنت أتأمل بعض النصوص التربوية الفرنسية والمقررة في تسعينيات القرن الماضي، استوقفتني بعض المشاهد الغريبة والمفسدة. في الصفحة الأولى من الكتاب المدرسي (السنة التاسعة من التعليم الأساسي) ، تواجهنا صورة بالألوان لشاب في العشرينيات من عمره يتحدث إلى فتاة في مثل سنه يقول لها: «اسمي إيريك.. إن كريكوري طلب مني أن أقدم عندك في وقت الحاجة." في الصفحة الموالية، نجد صورة أخرى بالألوان، حيث تقدم فتاة نفسها لشاب قائلة: «اسمي سيسل فابغ، وأختي اسمها ايسابيل، لا شك أنك تعرفها… وهي التي دعتني لحضور هذه السهرة "!! ما الذي دعا المؤلفين لوضع هاتين الصورتين اللاخلاقيتين في مستهل الكتاب. صحيح أنهما يتعلقان بالدرس الأول الذي يحمل عنوان “أقدم نفسي، أقدم غيري”. لكن هل انعدمت كل الوسائل التقنية لشرح هذا الدرس، واضطررنا للجوء إلى هذه الوسيلة الملوثة. لا شك أن المشاهد للصورتين سيستنتج ما تتضمنه من معاني الخلوة والخلاعة، تلك المعاني التي سيكون لها الأثر السيئ في نفسية وسلوك التلميذ الناشئ. في الصفحة 119، نشاهد أربع صور ملونة، إحداهن تضم امرأة وابنتها وهما يتحدثان، تقول الأم: لا أريد أن تظلي كل مساء

عجب الذنب

  في عدد من الأحاديث النبوية الشريفة، جاء ذكر عجب الذنب على أنه الجزء من الجنين الذي يخلق منه جسده، والذي يبقى بعد وفاته وفناء جسده ليبعث منه من جديد. فقد أشار المصطفى (ص ) إلى أن جسد الإنسان يبلى كله فيما عدا عجب الذنب. فإذا أراد الله تعالى بعث الناس، أنزل مطرا من السماء فينبت كل فرد من عجب الذنب كما تنبت البقلة من بذرتها . ومن هذه الأحاديث العديدة روى أبو هريرة عن رسول الله (ص )" كل ابن آدم تأكل الأرض إلا عجب الذنب منه خلق وفيه يركب" وفي رواية لأبي سعيد الخدري مرفوعا إلى رسول الله ( ص ) أنه قال: "يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه قيل وما عجب ذنبه يا رسول الله ( ص )قال مثل حبة خردل منه نشأ". وهذه الأحاديث النبوية الشريفة تحتوي على حقيقة علمية لم تتوصل العلوم المكتسبة إلى معرفتها إلا منذ سنوات قليلة حين أثبت المتخصصون في علم الأجنة، أن جسد الإنسان ينشأ من شريط دقيق للغاية يسمى الشريط الأولى الذي يتخلق بقدرة الخالق سبحانه في اليوم الخامس عشر من تلقيح البويضة وانغراسها في جدار الرحم. وإثر ظهوره يتشكل الجنين بكل طبقاته وخاصة الجهاز العصبي، وبدايات تكون كل من ا

معاناة نفسية

  بينما أنا جالس في غرفتي ذات صباح قد أطلقت العنان لخيالي، إذا بي أطل من نافذة على عالمي الجنة والنار؛ ينشرح صدري تارة وينقبض أخرى، ويهيم قلبي لحظات ويطرب لانعكاس ألوان النعيم في مرآته، ثم يضيق ويتألم لورود ما يخيفه ويزعجه من صور العذاب وهول الجحيم، حتى غدا باطني مسرحا لصراع عنيف بين النعيم والجحيم والشقاوة والسعادة والطمأنينة والحيرة. وما هي إلا دقائق معدودة حتى فوجئت بنداء ينبعث من صميم قلبي وهاتف يهتف بي: إلى متى هذا النوم؟ إلى متى هذه الغفلة؟ ألا من يقظة توقظ عزمك وتضيء ما ادلهم من ليل حالك وتذيب حجارة القسوة الجاثمة فوق قلبك. أما آن لهذا القلب أن يلين ويخشع؟ ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق)؟ ولهذه العين أن تبصر وتتبصر وتدمع؟ ما لهذا خلقت يا عبد الله؟ وما خلق الله شيئا عبثا أو سدى، بل كل في فلك يسبحون وبكل لسان يسبحون، فأين لسانك؟ وأين قلبك؟ وأين قصدك؟ وما وجهتك؟. هيهات هيهات، أتظن الأمر سهلا وتحسب الوجود عبثا؟ كلا، فالأمر أعظم مما تتصور، والخطب أجل مما قد يخطر على بالك، والفضاء ضاق بما رحب، وعجلة الزمان أوشكت على التوقف، بعد أن أباد الأمم والقرون تعا

الأساس الفلسفي لمفهوم اللاشعور الفرويدي

  "يعتبر مفهوم “اللاشعور” من المفاهيم العلمية الأساسية التي يمكن القول أنها أحدثت ثورة إبستمولوجية في ميدان علم النفس، والتي شملت ميادين إنسانية أخرى كالاتنولوجيا والأنثروبولوجيا واللسنيات، بل حتى في مجال ابستمولوجيا العلوم المسماة “دقيقة” مثل الفيزياء. وقد استطاع مؤسس التحليل النفسي الفيلسوف والطبيب النمساوي “سيغموند فرويد” أن يفسر الكثير من الظواهر الاجتماعية، والسياسية، والفنية، والإتنولوجية، والدينية…”( [1]). “ لقد انتهت الملاحظات الإكلينيكية، في علاقة فرويد ببعض المرضى النفسانيين إلى وضع فرضية اللاشعور، هذه الفرضية أصبحت واقعا سيكولوجيا مؤكدا من خلال دراسة فرويد لظواهر سيكولوجية كثيرة، كالأحلام، والهفوات، والنكت، والنسيان، والصراع النفسي الذي يشكو منه المرضى النفسانيون. وإذا كانت كل الدراسات والبحوث الغربية حول مفهوم اللاشعور قد أفصحت عن جذوره الفلسفية، فإن جلها نسبته إلى أحط أنواع الفلسفات اللاعقلانية. إن الميتافيزيقيات الألمانية التي أعقبت المرحلة الكانطية والمتعلقة خصوصا بشيلينغ، وهجيل وشوبنهار، هي التي صاغت مفهوم اللاشعور صياغة فلسفية. في سنة 1818 صاغ شوبنهار فلسفته المبن

ثقافة الاستغراب

  إن قراءة خاطفة في عناوين الإنتاج الأدبي، ومقالات الصحف والمجلات والدوريات، منذ مطلع الاستقلال إلى الآن، تمكننا من الإطلاع على ترعرع تيار الاستغراب الثقافي، ومسيرته التي قطعها، إلى أن اشتد عوده واستحكمت في الأرض جذوره. إن جيل ما قبل الاستقلال كان يؤمن بمبادئ وقيم ثقافية روحية، غير المبادئ والقيم التي آمن بها جيل الاستقلال. لقد كان الأول يؤمن بالحماس الوطني والمسؤولية والتضحية في سبيل الدين واللغة والأرض، بماله ودمه، وظل يكافح إلى أن طرد المستعمر عن أرضه. في حين نلمس في جيل ما بعد الاستقلال تحولا سلبيا وخطيرا في القيم الثقافية والروحية. تحول في اتجاه الاستلاب، والتبعية واللهاث وراء ثقافة فرنسا، وغيرها، مما أدى إلى ظهور كتابات وأعمال ثقافية تتمحور حول الإنسان الغربي، فكرا وسلوكا وثقافة وحضارة. وهكذا مدحت ومجدت الاختيارات السياسية والاقتصادية بشقيها الليبرالي والاشتراكي. ولكم يطيب ويحلو لكثير من الدارسين تعليل وجود هذه الثقافة بعوامل خارجية، حيث يرون أن هذا النوع الجديد من الثقافة الذي أصبح سائدا، أي هذه القيم الجديدة التي نلاحظ وجودها في المجتمع المغربي الحديث، يمكن ردها في نظرهم إلى أس

حول الفرانكوفونية في المغرب

  حول الفرانكوفونية في المغرب "وبدلا من تنقية برامج التعليم العصري ومناهجه من عناصر الفكر العلماني والمادي ، ومن التبعية الثقافية المتمثلة في ازدواجية لغة التعليم، وفرنسة الثقافة والتفكير والعواطف، بدلا من ذلك قام المسؤولون عن النظام التعليمي بإدماج التعليم الإسلامي الأصيل، والتعليم الوطني العربي الحر – الذي أنشأه الشعب المغربي في عهد الحماية ليقاوم به التعليم العصري المتفرنس – في التعليم العصري المذكور!، وهكذا طبق المسؤولون مبدأ التوحيد بطريقة عكسية لرغبة الشعب، تاركين مدارس البعثة الثقافية الفرنسية – بسلطتها المستقلة كدولة داخل الدولة – لتنشئ جيلا مغربيا متفرنسا مائة في المائة، ولتكون طبقة المسؤولين في البلاد، ولتزرع بذور التمزق الفكري، والصراع الطبقي والعقدي بين أبناء الشعب الواحد " . وأخيرا لم تسلم رياض الأطفال من أخطبوط الفرانكوفونية؛ حيث نجد الطفل المغربي ولما يبلغ سنه الرابعة، قد أضحى فريسة للغزو اللغوي الأجنبي ، وأبواه يتلذذان باستماعهما إليه وهو يتلفظ ببعض الكلمات الفرنسية، إنها لجريمة نكراء ترتكب في حق هذا الطفل البريء؛ حيث يتم – في المهد – غرس بذور ازدواجية اللغة و

الهجرة إلى أوربا أو الخيال الذي أعدم

  تأملت حياتك فوجدتها مليئة بالأتعاب، والشقاء، وآلام الغربة، والضغوط النفسية، والاجتماعية. لا شك أنك حزين كئيب....قبل عقد، أو عقدين، أو ثلاثة، أو أكثر، كنت في بلدك المغرب، الجزائر، تونس، مصر....، تحلم بأن تطأ أقدامك أرض أوربا، حيث المال، والحداثة، والجمال، والعدالة، والعلم، والتقدم، و.... تحقق الحلم بعد أن قطعت المسافة أرضا أو جوا، ونزلت بالديار الأوربية، وانبهرت بالأضواء، والشوارع الفسيحة المضيئة، والعمارات الزجاجية الشاهقة، والقناطر الفولاذية المتقنة، والبساتين الجميلة الواسعة الفيحاء، ووسائل النقل النظيفة المريحة، والمقاهي، والمطاعم الفخمة، إلخ.كما أعجبت بأسلوب الحياة، ونظام العمل، واحترام الإنسان الأوربي للقوانين الاجتماعية والمدنية، وحبه للعلم والمعرفة والإنتاج. أنزلت الإنسان الأوربي منزلة عظيمة في قلبك حتى كاد يملكه، وطفقت تتحدث عنه مع أصدقائك بكل إعجاب. لقد صار في عينيك المثل الأعلى، إنه معلم البشرية، المبدع، المنتج، القاهر، العالم، المسير، المتحضر، صاحب الرسالة الحضارية العالمية... تزوجت أو استدعيت زوجتك، إنه حدث عظيم، حيث شعرت بالدفء النفسي، وألفة الحياة الزوجية، ثم ازدادت الأ

واحة الذكر

  إن الذكر بمفهومه اللساني والقلبي، وكذا من حيث أنه تأمل وتفكر وتدبر وطاعة وامتثال لأوامر الله، هذا الذكر له تأثير في تقوية الإرادة المثالية الهادفة واستثارة طاقاتها. ولما كانت النفس ميالة بطبعها إلى الملذات والشهوات، واتباع سبل الغواية، كانت بذلك السبب المباشر في إضعاف الإرادة الإنسانية، والحيلولة بينها وبين القيام بالوظائف السامية، ولا سيما وظيفة الاستخلاف في الأرض. وهنا تبرز أهمية الذكر بمفهومه الشامل، باعتباره أعظم وسيلة لتهذيب نوازع النفس وميولاتها والأخذ بيدها إلى ساحل السعادة والطمأنينة، كما تبرز أهميته أيضا في إعادة الحياة إلى الإرادة الحقيقية الهادفة، خاصة وأن عنصر الإرادة هو أحد العناصر الجوهرية المكونة لحقيقة الإنسان، إذ لولاها لما كان مكلفا، ولما تحمل الأمانة. ولما كان الإنسان في أغلب أحواله إذا مسه الخير منوعا وإذا مسه الشر جزوعا، وكانت نفسه دائمة الشعور بالفاقة والحاجة، متحملة للمشاق في سبيل الحصول على رغباتها المتجددة والتي لا تنقضي، أنعم الله عليه بالإسلام والقرآن وعلمه على لسان نبيه صلوات الله وسلامه عليه، كيف يمكن أن يعيش في هذه الدنيا عيشة راضية. ومن هنا كان ذكر الله

بين الاستغراب والتغريب والاغتراب

  ...ولعل المستشرق هـاملتون جيب يكون أسبق إلى الحديث عن الاستغراب من كثير من الباحثين المعاصرين في العالم الإسلامي . يقول هذا المستشرق": » والتعليم أكبر العوامل الصحيحة التي تدعو إلى الاستغراب. ولسنا نستطيع الوقوف على مدى الاستغراب في العالم الإسلامي إلا بمقدار دراسته للفكر الغربي وللمبادئ والنظم الغربية، ولكن هذا التعليم ذو أنواع كثيرة تقوم بها جهات متعددة، وبالطبع لابد أن هناك بالفعل قليلا من التعليم على الأسلوب الأوربي في المدرسة، وفي الكليـة الفنية وفي الجامعة، وعلى هذا التعليم يتـوقف كـل ماعداه« . لقد صدق المستشرق جيب فيما ذهب إليه من كون التعليم "أكبر العوامل الصحيحة التي تدعو إلى الاستغراب". ويمكن القول على سبيل التعريف: "إن الاستغراب ظاهرة نفسية واجتماعية وثقافية معاصرة، يتميز الأفراد الذين يجسدونها بالميل نحو الغرب والتعلق به ومحاكاته. نشأت في المجتمعات غير الغربية ـ سواء أكانت إسلامية أم لا-على إثر الصدمة الحضارية التي أصابتها قبيل الاستعمار وخلاله ". ومن أجل استجلاء أكثر لمدلول الاستغراب لابأس من عقد مقارنة سريعة بينه وبين بعض المفاهيم القريبة منه، م

عن الحرية والإباحية في باريس

  لما حللت بباريس في فاتح محرم الحرام سنة 1401ه موافق نوفمبر 1979 وبدأت أحتك بأفراد هذا المجتمع الجديد، كانت تنتابني أحيانا حالة نفسية رهيبة مصدرها الخوف من الذوبان وفقدان الهوية. غير أن اهتمامي بالدراسة والتحصيل كان يخفف من وطأتها، كما أن العلاقات الأولى التي نسجتها مع بعض الطلبة المغاربة جعلني أشعر بنوع من الدفء النفسي. والحقيقة أن الواقع النفسي والشعوري للطالب العربي المسلم في البلدان الأوربية قلما يسلم من الهزات العنيفة، لأن هذا الواقع يشكل مسرحا للصراع بين ثقافتين متعارضتين أشد التعارض. ولعل مظهر الحرية الفكرية و العقدية و الإباحية الجنسية، من بين المظاهر العنيفة التي تواجه المهاجر المسلم وتتحداه، بل قد تحدث ، مع الزمن، شروخا خطيرة في كيانه الثقافي والعقدي. إن هؤلاء المهاجرين المسلمين الذين يقيمون في مجتمعات تختلف ثقافيا، واجتماعيا، ودينيا عن مجتمعاتهم الأصلية، معرضون لا محالة لهزات وأزمات نفسية خطيرة ورهيبة. وبما أن مقولة "الإنسان ابن بيئته" لا ترحم، والسنن والقوانين الاجتماعية تتسم غالبا بصفتي القسر والحتمية، فإن هؤلاء المهاجرين يؤدون ثمن هجرتهم باهضا، حيث يتجلى ذلك في

اللون الأخضر في القرآن

  ما أكثر ما يرد لفظ اللون الأخضر في آيات القران الكريم والتي تصف حال أهل الجنة وما بها من نعيم في جو رفيع من البهجة والمتعة والاطمئنان النفسي فنجد في سوره الرحمن : "متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان (76) وقال تعالى : (عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا ) ( الانسان :21) يقول احد علماء النفس وهو أردتشام : "إن تأثير اللون في الإنسان بعيد الغور وقد أجريت تجارب متعددة بينت أن اللون يؤثر في إقدامنا وإحجامنا ويشعر بالحرارة أو البرودة ،و بالسرور أو الكآبة ، بل يؤثر في شخصيه الرجل وفي نظرته إلى الحياة . ويسبب تأثير اللون في أعماق النفس الإنسانية فقد أصبحت المستشفيات تستدعي الأخصائيين لاقتراح لون الجدران الذي يساعد أكثر في شفاء المرضى وكذلك الملابس ذات الألوان المناسبة وقد بينت التجارب أن اللون الأصفر يبعث النشاط في الجهاز العصبي ، أما اللون الأرجواني فيدعو إلى الاستقرار واللون الأزرق يشعر الإنسان بالبرودة عكس الأحمر الذي يشعر بالدفء ووصل العلماء إلى أن اللون الذي يبعث السرور والبهجة وحب الحياة هو اللون الأخضر . لذلك أصبح اللون المفضل في غرف العمليات

حوار بين المعول المغرور والجبل الأشم

يعتبر الدكتور محمد عابد الجابري من بين المفكرين المغاربة الذين تأثروا بأطروحات المستشرقين ومنهجهم في دراسة التراث الإسلامي. وعندما اطلعت على كتاباته الأخيرةالمتعلقة بفهمه للقرآن الكريم، سجلت بعض الملاحظات التي ستشكل، بإذن الله، أساس دراسة نقدية لذلك “الفهم الخاص” المستلهم لروح الاستشراق. بيد أنني استعجلت الأمر وبادرت بتحرير حوار رمزي متخيل بين “المعول المغرور والجبل الأشم”، بعد أن انقدح جوهره في ذهني فجأة أو ورد على قلبي ورودا. نسي الجيولوجي معوله على رأس جبل، وانحدر خائبا يائسا من هدمه. حدثت رياح هوجاء دحرجت المعول، فارتطم بصخرة عظيمة تكسرت على إثرها يده. فزمجر غاضبا : أيتها الصخرة اللعينة : سأنتقم لنفسي وأدكك ما بقي الليل والنهار، حتى تتحولي إلى ذرات تعبث بها تلك الرياح التعيسة التي آذتني. فأجابت الصخرة : أيها المعول المكسور المغرور؛ إن سيدك استخدمك ليقيس بك صلابة سيدي الجبل، فعندما تبين له أن الأدوات العاتية التي يملكها لن تقتلع الجبل الراسي من أصله وجذوره، أعرض عن حلمه وولى. فكيف تدعي ما لم يجرؤ عليه سيدك ؟ المعول المغرور: إن سيدي رغم قوته وقوة آلاته، إنسان عجول مفتقر إلى الصبر. أم

شيخ التربية ضروري أم لا؟

  إن أسلوب التلقي الذي ينتهجه المريد مع شيخه الطرقي، لا يخلو من عيوب معرفية وتربوية وأخطاء تعبدية وشرعية، ذلك أن هذه العلاقة تجعل المريد محصورا في دائرة مغلقة، بحيث يكون الشيخ بمثابة النواة المركزية، والمريدون عبارة عن إلكترونات تحوم حولها. ومن ثم فإن المعارف والأفكار التي يكتسبها المريد يستمدها من روح شيخه وشخصيته؛ إما يقظة وإما مناما، فيتشكل عنده نمط فكري واحد ينتظم من خلاله وبواسطته تصوره الوجودي والكوني، وكذا حياته الاجتماعية والدينية. وهكذا تغدو عين الشيخ المصدر الوحيد للإلهامات والإشراقات المعرفية. وبما أن المريد ينظر إلى شيخه الطرقي بعين الرضا والمحبة والتقديس، فإن عقله عاجز عن إدراك ما يمكن أن يصدرعنه من أخطاء وهفوات، وكيف يصدر ذلك عن الشيخ الكامل والقطب الرباني صاحب الأحوال والمقامات ؟!!. فالدين هو ما يفهمه شيخه، والعبادة هي التي يمارسها ويدعو إليها. وفيما يتعلق بالشيخ الطرقي باعتباره شيخ تربية، أقول متسائلا : هل يتوجب على المسلم المتعلم أن يتخذ شيخا من شيوخ التربية يسلك به طريقة معينة في العبادة وتزكية النفس أم يقتصر على شيوخ العلم والتعليم ويتفقه على أيديهم ؟. ليس مثلي من يج

المسلم المهاجرفي الغرب والكليات الخمس

  تهدف مقاصد الشريعة إلى حفظ النظام العام من خلال تحقيق المصالح وإبطال المفاسد. وأهم هذه المصالح هي المصالح الضرورية التي اصطلحوا على تسميتها بالكليات الخمس، وهي : حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. وإذا نظرنا إلى هجرة المسلمين في بلاد الغرب من خلال المصالح الضرورية، أو الكليات الخمس، ألفيناها لا تنسجم ولا تستجيب لمبادئ وأهداف ومقاصد الشريعة، لأنها تتعارض على الأقل مع ثلاثة من أركان الكليات الخمس وهي : الدين، والنفس، والنسل. فمن حيث الدين، نجد أن المسلم المقيم في الغرب معرض لضياع دينه عقيدة وأخلاقا. وإذا كان المهاجرون الأوائل يحرسون على أداء صلواتهم كيفما تيسر، فإن هذا الحرص ضعيف جدا عند أبنائهم من الجيل الثاني، ويكاد يكون منعدما لدى أبناء الجيل الثالث ، نظرا لأنهم أشربوا عادات الغربيين ونشأوا بين أكنافهم، ونطقوا بلسانهم ولغتهم، وتأثروا بالحياة الغربية ومبادئ التربية العلمانية. وكذلك الشأن فيما يتعلق بباقي الأركان الدينية الأخرى من زكاة وصوم وحج. وإذا انتقلنا إلى الركن الثاني من أركان الكليات الخمس، وهو ركن النفس، وجدنا أن العامل المسلم المهاجر في بلاد الغرب، قد بذل وسعه وطاقته