عن الحرية والإباحية في باريس

0


 

لما حللت بباريس في فاتح محرم الحرام سنة 1401ه موافق نوفمبر 1979 وبدأت أحتك بأفراد هذا المجتمع الجديد، كانت تنتابني أحيانا حالة نفسية رهيبة مصدرها الخوف من الذوبان وفقدان الهوية. غير أن اهتمامي بالدراسة والتحصيل كان يخفف من وطأتها، كما أن العلاقات الأولى التي نسجتها مع بعض الطلبة المغاربة جعلني أشعر بنوع من الدفء النفسي. والحقيقة أن الواقع النفسي والشعوري للطالب العربي المسلم في البلدان الأوربية قلما يسلم من الهزات العنيفة، لأن هذا الواقع يشكل مسرحا للصراع بين ثقافتين متعارضتين أشد التعارض.
ولعل مظهر الحرية الفكرية و العقدية و الإباحية الجنسية، من بين المظاهر العنيفة التي تواجه المهاجر المسلم وتتحداه، بل قد تحدث ، مع الزمن، شروخا خطيرة في كيانه الثقافي والعقدي. إن هؤلاء المهاجرين المسلمين الذين يقيمون في مجتمعات تختلف ثقافيا، واجتماعيا، ودينيا عن مجتمعاتهم الأصلية، معرضون لا محالة لهزات وأزمات نفسية خطيرة ورهيبة. وبما أن مقولة "الإنسان ابن بيئته" لا ترحم، والسنن والقوانين الاجتماعية تتسم غالبا بصفتي القسر والحتمية، فإن هؤلاء المهاجرين يؤدون ثمن هجرتهم باهضا، حيث يتجلى ذلك في المعاناة الناجمة عن التصادم الثقافي والعقدي في مجتمع الهجرة، خاصة أن هذا المجتمع لا يقبل ثقافة وعقيدة المهاجرين المسلمين، بل يستعمل آليات الإكراه النفسية، والاجتماعية، والثقافية، والقانونية، لدفعهم للتنكر لثقافتهم وعقيدتهم أو للانسلاخ عنهما،
أما انبهار بعض الطلبة العرب و غيرهم من المهاجرين بهذه الحرية، فانه لا يعبر إلا عن ضعف العقيدة الإسلامية لديهم، كما يعبر عن قوة المؤثرات واستعلاء الثقافة الأوربية ورفضها للثقافات الأخرى، وكأن لسان حالها يقول : إما أن تعتنق مذهبنا في الحياة، أو ترحل عنا . وممالا شك فيه أن مظاهر الخلاعة والإباحية الجنسية، والاختلاط الفاحش والعري، وما إلى ذلك من ألوان الحيوانية والبهيمية، بالإضافة إلى الإلحاد والاستهزاء بالديانات، والأخلاق السامية مثل الحياء والمروءة… كل ذلك كان له وقع سيئ في نفسي، الأمر الذي جعلني لا أطمئن لكثير من معطيات هذه الحضارة، وأبحث في الدراسات التي اهتمت بنقدها وإبراز عيوبها؛ فقرأت في هذا الشأن بعض مؤلفات أوزوالد شبنجلر وبرنارد شو ورونيه كينو وغيرهم.
د.عبد الله الشارف
من مذكرات زمن الدراسة/ باريس 1979

لا يوجد تعليقات

أضف تعليق