التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من أغسطس, 2012

عبد الله العروي واللغة العربية

  كما انخدع بعض المثقفين في المشرق الإسلامي بنظريات وآراء المستشرقين في كتابهم وأطروحاتهم، انخدع بذلك أيضا بعض نظرائهم في المغرب، إما لجهلهم بحقائق التراث الإسلامي وعدم إطلاعهم على ينابيعه الصافية، وإما لوقوعهم تحت تأثير أهواء وانحرافات فكرية لم يجدوا مجالا لترويجها إلا بالتستر وراء أساتذتـهم المستشرقين. يقول د. عبد الله العروي: " إن الاتجاه السني هو الذي تغلب منذ قرون على كل الاتجاهات الأخرى لأسباب معينة لا يكفي في توضيحها أن نقول إنها رجعية وإنها نتجت عن تحول طرق التجارة...الخ، هذه عموميات لا توضح شيئا، ولن تحررنا أبدا من سلطة الفكر الذاتي. علاقتنا الحقيقية ليست مع الفلاسفة المسلمين أو المعتزلة أو دعاة الباطنية، لأن هؤلاء كلهم أصبحوا تقريبا أجانب في ثقافتنا. علاقتنا مع كلام السنوسي وفقه الخليل ونحو ابن مالك. ويجب أن ننطلق ذهنيا ونقديا من هذا المنطق، لنحلل أسباب تغلغله واستمراره في الفكر العربي، ونكشف عن إمكانية تجاوزه" .!! 1 ويقول مالك بن نبي متحدثا عن " التلميذ المراكشي" أي عبد الله العروي: " إن بعض هؤلاء المشارقة المتتلمذين للمستشرقين يخفون عملهم التخريبي ض

عيد الفطر؛ جمالية ومعاني

  إن من نعم الله على المسلمين أن أكرمهم بعيدين جليلين؛ عيد الفطر وعيد الأضحى. ولا يعرف قدرهما وأسرارهما إلا من أوتي فهما في الدين، ويقينا في الإيمان، وذوقا في العبادة والتقرب. فالعيد مظهر من مظاهر الدين، وشعيرة من شعائره المعظمة. ومن معاني وغايات عيد الفطر؛ معنى الشكر لله على التوفيق في عبادة الصيام والقيام، والتقرب إلى الله بقراءة القرآن وفعل الخيرات. ولا شك أن دلائل وعلامات الشكر تبدو واضحة على محيا المؤمنين، كما تنساب كلمات عطرة من بين شفاههم، أو تتجسد بجمالية أخاذة من خلال سلوكهم ومعاملاتهم. والعيد في معناه الإنساني يوم تلتقي فيه قوة الغني، وضعف الفقير على محبة ورحمة وعدالة من وحي السماء، عنوانها الزكاة والإحسان، والتوسعة. كما أن العيد في معناه الاجتماعي؛ تزاور الأقارب، وتمتين علاقات الأخوة والصلة، وطرح الكراهية والضغينة، وجلب أسباب السعادة والفرح والطمأنينة. كما أنه يوم الأطفال حيث يفيض عليهم بالفرح والمرح. وكم من قريب يتجشم عناء السفر ليزور قريبه، فيقتسمان فرحة العيد، ويجددان علاقة القرابة، ويتعاهدان على البر والإحسان، وصون الرحم والقربى.وناهيك عما يضفيه العيد على القلوب من الأنس

سبيل الانتفاع بالقرآن

  إن القرآن خطاب رباني موجه إليك، فافتح قلبك له، واخشع في تلاوته لعل الله يلهمك بعض أسراره. وإذا لم يحدث في باطنك خشوعا أو طمأنينة، فما وقع الخطاب على قلبك، وما وعت أذنك؛ (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ). فاحرص على أن تجعل رؤيتك بعين البصيرة للمشاهد الغيبية من جنة وملكوت، كرؤيتك بعين اليقين للمشاهد الدنيوية، لعل ذلك ينفعك في التقرب إلى الله. ثم إن إدراك الطبيعة العلوية للخطاب القرآني واستشعار الحق الكامن فيه يتطلب تجريد النفس من أهوائها والإنصات إلى معانيه بقلوب واعية صادقة. والأسباب المساعدة على ذلك كثيرة، أهمها: حضور القلب أثناء التلاوة، وهو أس هذا البناء وشرطه اللازم، إذ كيف يتصور جني ثمار التلاوة والقلب ساه أو غافل. قال تعالى: "إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد" (سورة ق، آية 37). ولكي يتم للعبد حضور القلب أثناء التلاوة، ينبغي له أن يجمع همته ويركزها في القصد المطلوب. وهذا أمر منطقي ومجرب؛ فإن الذي عقد العزم على إتيان أمر ما، أو القيام بمهمة معينة، واستفرغ لذلك وسعه وبذل فيه جهده، لا بد أن يحصل له من التركيز فيما هو مشغول

المستشرق وليم موير وأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم

لقد كانت أخلاق رسول الله ولا زالت محطَّ إعجاب كل المسلمين . كيف لا ونبينا قد أثنى عليه ربنا سبحانه وتعالى من فوق سبع سماوات، إذ يقول : "وإنك لعلى خلق عظيم" (سورة القلم، آية 4). وإن كل ما كتب في هذا الموضوع، قديما وحديثا، شعرا أو نثرا، يظل دائما دون مستوى الوصف الحقيقي لأخلاق وشمائل رسولنا الحبيب صلوات الله وسلامه عليه. فأنى لبشر أن يصف ويحيط بأخلاق من هو على "خلق عظيم" بلسان القرآن ؟ والله إن العقول لعاجزة كل العجز عن أن تصف أخلاقه، وتحيط بجوهرها. وإن كلمات العربية ذاتها قاصرة عن القيام بهذا الأمر . اللهم إن كانت وحيا. مثل قوله تعالى : "وإنك لعلى خلق عظيم". في حين أن قولي أو قولك إن خلق نبينا عظيم، لا يفي بالمقصود الحقيقي، و لا يرقى إلى مستوى الوصف المطلوب، لأن القول من القائل. فقول الإنسان ناقص لأن الإنسان كذلك. وقول الله كامل، لأن الله موصوف بالكمال ومنزه عن النقصان. وإن من دلائل عظمة خلق النبي صلى الله عليه وسلم أن كثيرا من المستشرقين، لم يسعهم إلا أن يمدحوا هذه الأخلاق النبوية، ويعترفوا بفضل نبينا ورحمته بالبشرية. فها هو ذا المستشرق البريطاني وليم موير

عرس أهل التراويح

      إن أفئدة المؤمنين تهوي إلى المساجد في رمضان، وإن شعورهم بالفرح والطمأنينة، وهم يؤمون المساجد لأداء صلاة العشاء ثم سنة التراويح، شعور لا يحتاج إلى برهان كما لا يحتاج النهار إلى دليل. وما من مؤمن في مشارق الأرض ومغاربها، إلا ويتذوق حلاوة هذا العرس الإيماني من خلال أداء سنة التراويح الحميدة. وما أجمل الأحاديث التي تدور بين المصلين في أبواب المساجد، بعد الانتهاء من صلاة التراويح؛ فهناك من يثني على الإمام وصوته الرخيم العذب، الذي يجعلك تسبح في فضاء إيماني رائع وعميق. وهناك من يحدثك عن نعمة رمضان، ومناخه الإيماني العظيم، ويتمنى لو كانت السنة كلها رمضان. ومؤمن آخر يصف لك حاله قائلا: إني لأجد في رمضان خفة في الروح والبدن، كما أجد متعة نفسية قوية، عندما أتحرر من شهواتي خلال الصوم، إلى غير ذلك مما ينساب على ألسنة المؤمنين من الكلام الوجداني، و هم يتفيؤون ظلال عرسهم الإيماني. بعد أن تدبرت الأمر مليا، ألفيت أن الله سبحانه وتعالى، من على المؤمنين بهذا الشهر العظيم؛ شهر القرآن والتوبة والعتق من النار. إنه هدية من الله لعباده المؤمنين، وفرصة غالية وثمينة، تدعو العباد إلى الاجتهاد في التوبة والط

السنة النبوية روح القدوة المثالية

    لا شيء أنفع للمحافظة على المقومات الذاتية للمسلم وأصالته، والارتقاء بسلوكه وأخلاقه، وتحقيق أمنه وسعادته في الدنيا والآخرة، من سنة الرسول محمد صلوات الله وسلام عليه وعلى آله. ولقد ضلت البشرية ولا زالت، عندما ظنت أن الأمن والسعادة يمكن جلبهما وتحقيقهما اعتمادا على العقل وحده، فتكسرت معاول الفلاسفة والعباقرة ومدعي الحكمة، على صخور الحقيقة الشماء، وخارت قواهم من فرط البحث والتنقيب، وأنهكهم الكبر والعجب والغرور، فحالت حجب النفس بينهم وبين المعرفة الصحيحة. وهل لغير الخالق القدرة على الإحاطة بطبيعة الإنسان وجلب المنافع له ودفع الأضرار عنه؟ ولما كانت خِلقة الرسول صلى الله عليه وسلم، في أحسن تقويم وأفضل وضع وأعدله، وأكمل صورة وأبهاها، وكانت شخصيتة صلوات الله عليه، مثالا للصفات الحسنة والأخلاق السامية، فإن جميع ما يصدر منه من حركات وسكنات، وأقوال وأفعال، يسير وفق الاعتدال والاستقامة والوسطية، ويهدف إلى معاني الاستخلاف، كما يهدف على معاني العبودية في أبهى وأجمل صورها وتجلياتها. ولقد بين الإمام أحمد بن تيمية أن ” طريقة أهل السنة، اتباع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا، واتباع سبي

لذة الذكر

  كمال عقلك في كمال ذكرك يا عبد الله؛ كمال عقلك في كمال ذكرك؛ "إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم"، ونقصان عقلك من نقصان ذكرك؛ "لا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء"، فثلث عقلك في الذكر قائما، والثلث الثاني في الذكر قاعدا والثلث الأخير في الذكر عل جنبك. فارتع في رياض الذكر تلهم أنفاسه و تمنح أسراره، ف "أهل الجنة يلهمون التسبيح كما تلهمون النفس"، واحذر الغفلة كي لا تضيق أنفاسك ويختنق صدرك ولات حين مناص. كن موصولا بالحق ياعبد الله؛ إذا رمت التلذذ بشئ فلم تظفر بلذة، أو كان حظك ضعيفا، أو كطيف لم يلبث أن توارى، فاعلم أنك لم تكن موصولا بالحق وأن حبلك منقطع. واعلم أن لا تلذذ في الحقيقة إلا ما كان مع الذكر والقرب والحضور، وأن لذة الغفلة والبعد أماني وسراب وغرور. فاظفر بالأصل تنعم به وبالفرع، وإلا فلا أصل ولا فرع وإنما ضرب في حديد بارد. إذا استغرق الذكر كيانك يا عبد الله؛ إذا سكت لسان فمك عن الدنيا ونطق لسان قلبك بالآخرة، وتجوهرت نفسك بالذكر حتى استغرق كيانك،

ما أشبه الظالم الفاسد بالحيوان

  قال العلامة الفقيه محمد بن قيم الجوزية رحمه الله، في كتابه "الفوائد" ص 95: "سبحان الله، في النفس : كِبر إبليس وحسد قابيل وعتو عاد وطغيان ثمود وجرأة نمرود واستطالة فرعون، وبغي قارون، وقحة هامان وهوى بلعام وحيل أصحاب السبت، وتمرد الوليد ، وجهل أبي جهل . وفيها من أخلاق البهائم : حرص الغراب، وشره الكلب، ورعونة الطاووس، ودناءة الجعل، وعقوق الضب، وحقد الجمل، ووثوب الفهد، وصولة الأسد، وفسوق الفأرة، وخبث الحية، وعبث القرد، وجمع النملة، ومكر الثعلب، وخفة الفراش، ونوم الضبع . غير أن الرياضة والمجاهدة تذهب ذلك . فمن استرسل مع طبعه فهو من هذا الجند، ولا تصلح سلعته لعقد : "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم . . . " سورة التوبة، الآية (111)، فما اشترى إلا سلعة هذبها الإيمان فخرجت من طبعها إلى بلد سكانه التائبون العابدون . هذا نص تراثي رائع ونفيس يشتمل على فوائد ذات أهمية بالغة تتعلق بطبيعة النفس البشرية، وبعض مظاهر سلوكها وأوصافها مع إقامة تماثل وتقارب بين هذه الأوصاف البشرية وبين ما يشبهها من أوصاف كثير من الحيوانات. وتشبيه الإنسان بالحيوان من حيث السلوك مبسوط في القرآن الك

الوقت كنزك

مراعاة الوقت يا عبد الله؛ لن تتجلى لك حقيقة ذاتك ما لم تراع وقتك، فلا تخضع لزمان لكونه فانيا، ولكون روحك لن تتغير وليست فانية، وكنزك هو الحال الذي أنت فيه، وأمسك لن يعود، وغدك ليس بحاصل، وحياتك هذه حلم، والتي بعد الموت هي الحياة؛ (يا ليتني قدمت لحياتي ). روحك فهمت الخطاب خارج حجاب الزمن، واستعصى عليها استحضاره تحت وطأته. احفظ وقتك، وتحقق بالله فيه، تسطع عليك شموس المعرفة، وتحقق مراد الله من خلقك، وتفز بفرصة العمر قبل فواتها. فهو الموصل إن تحققت به، والحجاب إن غفلت عنه، وساعتك التي أنت فيها. اجعل الوقت مطية لك يا عبد الله؛ لا تكن مطية وقتك، بل اجعله مطيتك. وأحكم قبضتك على لحظاتك، فقد تهلك بين فتحة عين وغمضتها. والكل في قبضته فاحذره لأ نه القهار. وأطلق بصرك فيما حولك، وبصيرتك في باطنك دون أن تشغل بسواه، فتحجب عما يمكن أن تلهمه. فإن صابرت وراقبت وأحاطت بك العناية، وتم لك ذلك، رميت سلاحك وكسرت شراع سفينتك. اغتنم وقتك يا عبد الله؛ لا تطرد يومك بغدك، ولا تجعل نفسك تعانق ما ليس بحاصل، أو ما لم يحن بعد وقت حصوله. وإذا لم تفعل ذلك، كنت غائبا وضيعت إمدادات وقتك، وأسأت الأدب؛ لأن الله لم يخلق شيئ

زيغريد هونكة والحضارة العربية الإسلامية

إن المطلع على تاريخ  الاستشراق لا يخالجه شك في أن نشأة هذا العلم كانت مرتبطة بأهداف سياسية ودينية واضحة ودقيقة. ذلك أن أرباب الكنيسة وأصحاب السلطة من الأوربيين، عملوا على تأسيس هذا العلم وتشجيع حركة الاستشراق بهدف السيطرة  السياسية على العالم الإسلامي، بعد الاطلاع على ثقافته وحضارته، كما كانو ا يتوخون من خلال هذا المشروع العلمي السياسي، تشويه حقيقة الدين الإسلامي، وتقديمه للمسيحيين في صورة قبيحة ومنفرة، كي يحولوا بينهم وبين الدخول في الإسلام. ومع ذلك فإن التاريخ يحدثنا عن صفحات مشرقة، عبر فيها بعض المستشرقين عن إعجابهم الكبير بعظمة الحضارة الإسلامية. تقول المستشرقة زيغريد هونكه في كتابها القيم : (شمس الله تسطع على الغرب) : "إن هذه القفزة السريعة المدهشة في سلم الحضارة التي قفزها أبناء الصحراء ، والتي بدأت من اللا شيء لهي جديرة بالاعتبار في تاريخ الفكر الإنساني… وإن انتصاراتهم العلمية المتلاحقة التي جعلت منهم سادة للشعوب المتحضرة لفريدة من نوعها ، لدرجة تجعلها أعظم من أن تُقارَن بغيرها ، وتدعونا أن نقف متأملين  كيف حدث هذا ؟! وكيف أمكن لشعب لم يمثل من قبل دورا حضاريا أو سياسيا يذكر