عبد الله العروي واللغة العربية

0


 

كما انخدع بعض المثقفين في المشرق الإسلامي بنظريات وآراء المستشرقين في كتابهم وأطروحاتهم، انخدع بذلك أيضا بعض نظرائهم في المغرب، إما لجهلهم بحقائق التراث الإسلامي وعدم إطلاعهم على ينابيعه الصافية، وإما لوقوعهم تحت تأثير أهواء وانحرافات فكرية لم يجدوا مجالا لترويجها إلا بالتستر وراء أساتذتـهم المستشرقين.

يقول د. عبد الله العروي: " إن الاتجاه السني هو الذي تغلب منذ قرون على كل الاتجاهات الأخرى لأسباب معينة لا يكفي في توضيحها أن نقول إنها رجعية وإنها نتجت عن تحول طرق التجارة...الخ، هذه عموميات لا توضح شيئا، ولن تحررنا أبدا من سلطة الفكر الذاتي. علاقتنا الحقيقية ليست مع الفلاسفة المسلمين أو المعتزلة أو دعاة الباطنية، لأن هؤلاء كلهم أصبحوا تقريبا أجانب في ثقافتنا. علاقتنا مع كلام السنوسي وفقه الخليل ونحو ابن مالك. ويجب أن ننطلق ذهنيا ونقديا من هذا المنطق، لنحلل أسباب تغلغله واستمراره في الفكر العربي، ونكشف عن إمكانية تجاوزه" .!! 1

ويقول مالك بن نبي متحدثا عن " التلميذ المراكشي" أي عبد الله العروي: " إن بعض هؤلاء المشارقة المتتلمذين للمستشرقين يخفون عملهم التخريبي ضد الإسلام، بإيعاز واضح من أوساط استعمارية تحت رداء تقدمية جوفاء، تحاول سلب الإسلام من كل قيمة حضارية، بل تنسب له حالة التخلف الراهنة في العالم الإسلامي. ولا شك أن كتاب " الإيديولوجيات العربية في محضر الغرب"، الذي ظهر منذ بضعة أشهر بتقديم من مكسيم رودنسون، لاشك أن هذا الكتاب المبني على منطق سفسطائي، ذو صلة متينة بهذا التيار." 2

ولعل موضوع اللغة العربية يكون من أهم المواضيع التي تناولها د.عبد العروي بروح استشراقية. يقول في كتابه "ثقافتنا في ضوء التاريخ":
"لو تصورنا لسانا دون إعراب تام، ولا علامة تأنيث ولا مثنى ولا جمع تكسير، وهو تطور عادي في تاريخ الألسن، لو درس في المعاهد التربوية، وكتبت به آداب رفيعة، وحررت به مقالات علمية، وتفاهمت هل يمكن أن نقول إنه ليس لسانا، وليس عربيا؟
ليست النظرة السكونية إلى اللسان سوى انعكاس للفلسفة الماورائية، تظهر لنا بديهية ما بقينا متعلقين بالماورائيات. وبمجرد ما نعتنق نظرية حركية تطورية ندرك في الحين أنه من الشطط ربط منطق ثقافة بكاملها بشكل لغوي عارض. أكدنا مرارا أن مسايرة اللسان للتطورات الاجتماعية والتحولات التاريخية واقع قائم بالنسبة لكل مجموعة بشرية ولكل فترة من فترات حياتها. من غير المعقول أن نتصور أن المجموعة العربية وحدها غير خاضعة لهذا القانون العام" . 3

لا يستغرب المرء من موقف إزاء اللغة العربية كهذا الموقف، ما دام صاحبه من التلاميذ المخلصين للفكر الاستشراقي ومؤسسيه.
هيهات هيهات يا د كتور، أتظن أن معولك المستعار يستطيع النيل من جبل اللغة العربية الشامخ ؟ كلا، إنها لغة محفوظة بحفظ القرآن، فقد قال الحق سبحانه وتعالى في سورة الحجر، آية 9: "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون". فهناك علاقة تلازم بين حفظ القرآن وحفظ اللغة العربية، لزوم الظل للشيء.

قال د.إبراهيم السامرائي: "إن الجهود العظيمة التي قام بها علماء اللغة، بصرفها ونحوها، وما قام به علماء أصول الفقه من البحث في دلالات الألفاظ، لحراسة اللغة وحمايتها، والمحافظة على معهود العرب بالخطاب....هذه الجهود في الحقيقة، يمكن أن تعتبر ثمرة لخلود اللغة، وحفظها بحفظ الذكر المنزل من الله بها، إذ لا يمكن أن يتحقق حفظ النص الذي تعهد الله بحفظه، ويحمى من التحريف والتأويل، بدون حفظ لغته." 4
لا ريب أن هناك علاقة حميمية وروابط متينة بين اللغة العربية والقرآن. ولن تموت هذه اللغة لكونها منصهرة في القرآن ومعززة به، فعلو شأنها من علو شأنه، وقداستها من قداسته.

1 - د. عبد الله العروي "العرب والفكر التاريخي" المركز الثقافي العربي الدار البيضاء، 1983، ص:168.
2 - الاستشراق: نصوص نقدية، " إنتاج المستشرقين وأثره في الفكر الإسلامي الحديث" لمالك بن نبي، مجلة الفكر العربي عدد 32 يونيو 1983 ص: 1363.
3 - د. عبد الله العروي "ثقافتنا في ضوء التاريخ" الدار البيضاء 1983 ص:223.
4 - د. إبراهيم السامرائي: "في شرف العربية"، كتاب الأمة، عدد 42، قطر 1994، ص20.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان/المغرب. شوال1433-غشت 2012.

عيد الفطر؛ جمالية ومعاني

0


 

إن من نعم الله على المسلمين أن أكرمهم بعيدين جليلين؛ عيد الفطر وعيد الأضحى. ولا يعرف قدرهما وأسرارهما إلا من أوتي فهما في الدين، ويقينا في الإيمان، وذوقا في العبادة والتقرب. فالعيد مظهر من مظاهر الدين، وشعيرة من شعائره المعظمة.

ومن معاني وغايات عيد الفطر؛ معنى الشكر لله على التوفيق في عبادة الصيام والقيام، والتقرب إلى الله بقراءة القرآن وفعل الخيرات. ولا شك أن دلائل وعلامات الشكر تبدو واضحة على محيا المؤمنين، كما تنساب كلمات عطرة من بين شفاههم، أو تتجسد بجمالية أخاذة من خلال سلوكهم ومعاملاتهم.

والعيد في معناه الإنساني يوم تلتقي فيه قوة الغني، وضعف الفقير على محبة ورحمة وعدالة من وحي السماء، عنوانها الزكاة والإحسان، والتوسعة.

كما أن العيد في معناه الاجتماعي؛ تزاور الأقارب، وتمتين علاقات الأخوة والصلة، وطرح الكراهية والضغينة، وجلب أسباب السعادة والفرح والطمأنينة. كما أنه يوم الأطفال حيث يفيض عليهم بالفرح والمرح.

وكم من قريب يتجشم عناء السفر ليزور قريبه، فيقتسمان فرحة العيد، ويجددان علاقة القرابة، ويتعاهدان على البر والإحسان، وصون الرحم والقربى.وناهيك عما يضفيه العيد على القلوب من الأنس وعلى النفوس من البهجة.

تلك بعض المعاني الإيمانية والاجتماعية والإنسانية، التي يفيض بها العيد فيضا، ويعم نفعها جموع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها..

ولئن كان من حق العيد أن نبتهج به ونفرح، ونتبادل فيه التهاني، فإن حقوق إخواننا المشردين المعذبين شرقا وغربا تدعونا لأن نحزن لمحنتهم ونغتم، ونعنى بقضاياهم ونهتم؟

"أيها المسلم المستبشر بالعيد: لا شك أنك قد استعددت للعيد أبا كنت، أو أمًّا، أو شابا، أو فتاة، ولا ريب أنك قد أخذت أهبتك لكل ما يستلزمه العيد من لباس، وطعام ونحوه؟ فأضف إلى ذلك استعدادا تنال به شكورا، وتزداد به صحيفتك نورا، استعدادا هو أكرم عند الله، وأجدر في نظر الأخوة والمروءة. ألا وهو استعدادك للتفريج عن كربة من كرب من حولك من البؤساء، والمعدمين، من جيران، أو أقربين أو نحوهم؟ فتش عن هؤلاء، وسل عن حاجاتهم، وبادر في إدخال السرور إلى قلوبهم. وإن لم يسعدك المال فلا أقل من أن يسعدك المقال بالكلمة الطيبة، والابتسامة الحانية، والخفقة الطاهرة".


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/تطوان عيد الفطرالمبارك1433-غشت 2012.

سبيل الانتفاع بالقرآن

5


 

إن القرآن خطاب رباني موجه إليك، فافتح قلبك له، واخشع في تلاوته لعل الله يلهمك بعض أسراره. وإذا لم يحدث في باطنك خشوعا أو طمأنينة، فما وقع الخطاب على قلبك، وما وعت أذنك؛ (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ). فاحرص على أن تجعل رؤيتك بعين البصيرة للمشاهد الغيبية من جنة وملكوت، كرؤيتك بعين اليقين للمشاهد الدنيوية، لعل ذلك ينفعك في التقرب إلى الله.

ثم إن إدراك الطبيعة العلوية للخطاب القرآني واستشعار الحق الكامن فيه يتطلب تجريد النفس من أهوائها والإنصات إلى معانيه بقلوب واعية صادقة. والأسباب المساعدة على ذلك كثيرة، أهمها: حضور القلب أثناء التلاوة، وهو أس هذا البناء وشرطه اللازم، إذ كيف يتصور جني ثمار التلاوة والقلب ساه أو غافل. قال تعالى: "إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد" (سورة ق، آية 37).

ولكي يتم للعبد حضور القلب أثناء التلاوة، ينبغي له أن يجمع همته ويركزها في القصد المطلوب. وهذا أمر منطقي ومجرب؛ فإن الذي عقد العزم على إتيان أمر ما، أو القيام بمهمة معينة، واستفرغ لذلك وسعه وبذل فيه جهده، لا بد أن يحصل له من التركيز فيما هو مشغول به، والانصراف عن كل ما يشوش عليه عمله.

وعلى قدر محبته وتعظيمه لذلك الأمر ماديا كان أو معنويا، يتحرر باطنه من الوساوس والأفكار المثبطة، وصنوف من أحاديث النفس الجالبة للكسل والوهن، والمسببة في الإعراض عن القيام بجلائل الأعمال. وإذا كان التركيز وجمع الهمة في أمر دنيوي ابتغاء تحقيقه ونيله، يفضي في غالب الأحيان إلى الغرض المقصود، فمن باب أولى أن يؤدي هذا الشرط إلى الغرض المرجو إذا تعلق الأمر بقراءة القرآن.

وللعلامة الفقيه محمد بن قيم الجوزية كلام نفيس في هذا الباب قال رحمه الله تعالى:
"إذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته وسماعه, وألق سمعك، وأحضر حضور من يخاطبه به من تكلّم به سبحانه منه إليه، فإنّه خطاب منه لك، على لسان رسوله، قال تعالى: "إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ"(ق 37). وذلك أن تمام التأثير لمّا كان موقوفا على مؤثر مقتض، ومحل قابل، وشرط لحصول الأثر، وانتفاء المانع الذي يمنع منه، تضمّنت الآية بيان ذلك كلّه بأوجز لفظ وأبينه، وأدلّه على المراد.

فقوله تعالى: "إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى" (قّ:37) إشارة إلى ما تقدّم من أوّل السورة إلى ها هنا وهذا هو المؤثّر.

وقوله: "لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ" فهذا هو المحل القابل، والمراد به القلب الحيّ الذي يعقل عن الله، كما قال تعالى: "إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّا" أي حيّ القلب ، وقوله: "أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ" أي وجّه سمعه وأصغى حاسّة سمعه إلى ما يقال له، وهذا شرط التأثّر بالكلام.وقوله:" وَهُوَ شَهِيدٌ"؛ أي شاهد القلب حاضر غير غائب.

قال ابن قتيبة: "استمع كتاب الله وهو شاهد القلب والفهم، ليس بغافل ولا ساه". وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير، وهو سهو القلب، وغيبته عن تعقّل ما يقال له، والنظر فيه وتأمّل.

فإذا حصل المؤثر وهو القرآن، والمحل القابل وهو القلب الحي، ووجد الشرط وهو الإصغاء، وانتقى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب، وانصرافه عنه إلى شيء آخر، حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكّر".1

1- ابن قيم الجوزية؛ "الفوائد"، المكتبة العصرية بيروت، 1422-2002، ص 9-10.

د‌. عبد الله الشارف، جامعة القرويين/ كلية أصول الدين، تطوان المغرب، رمضان 1433-غشت 2012.

المستشرق وليم موير وأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم

1


لقد كانت أخلاق رسول الله ولا زالت محطَّ إعجاب كل المسلمين . كيف لا ونبينا قد أثنى عليه ربنا سبحانه وتعالى من فوق سبع سماوات، إذ يقول : "وإنك لعلى خلق عظيم" (سورة القلم، آية 4). وإن كل ما كتب في هذا الموضوع، قديما وحديثا، شعرا أو نثرا، يظل دائما دون مستوى الوصف الحقيقي لأخلاق وشمائل رسولنا الحبيب صلوات الله وسلامه عليه. فأنى لبشر أن يصف ويحيط بأخلاق من هو على "خلق عظيم" بلسان القرآن ؟ والله إن العقول لعاجزة كل العجز عن أن تصف أخلاقه، وتحيط بجوهرها. وإن كلمات العربية ذاتها قاصرة عن القيام بهذا الأمر . اللهم إن كانت وحيا. مثل قوله تعالى : "وإنك لعلى خلق عظيم". في حين أن قولي أو قولك إن خلق نبينا عظيم، لا يفي بالمقصود الحقيقي، و لا يرقى إلى مستوى الوصف المطلوب، لأن القول من القائل. فقول الإنسان ناقص لأن الإنسان كذلك. وقول الله كامل، لأن الله موصوف بالكمال ومنزه عن النقصان.

وإن من دلائل عظمة خلق النبي صلى الله عليه وسلم أن كثيرا من المستشرقين، لم يسعهم إلا أن يمدحوا هذه الأخلاق النبوية، ويعترفوا بفضل نبينا ورحمته بالبشرية.
فها هو ذا المستشرق البريطاني وليم موير؛ (1819-1905)، يصف حياة رسول الله قائلاً:
"ومهما يكن هناك من أمر، فإن محمدا صلى الله عليه وسلم، أسمى من أن ينتهي إليه الواصف، وخبير به من أمعن النظر في تاريخه المجيد، ذلك التاريخ الذي ترك محمدا صلى الله عليه وسلم في طليعة الرسل ومفكري العالم".1

وقال أيضا: "امتاز محمد(ص)، بوضوح كلامه ويسر دينه وقد أتم من الأعمال مايدهش العقول ولم يعهد التاريخ مصلحا أيقظ النفوس وأحيا الأخلاق ورفع شأن الفضيلة في زمن قصير كما فعل نبي الإسلام محمد (ص)".2

كما قال هذا المستشرق:
"ومن صفات محمد ~ صلى الله عليه و سلم ~ الجليلة الجديرة بالذكر ، والحَرية بالتنويه : الرقة و الاحترام ، اللذان كان يعامل بهما أصحابه ، حتى أقلهم شأناً ، فالسماحة والتواضع والرأفة والرقة تغلغلت في نفسه ، ورسخت محبته عند كل من حوله ، وكان يكره أن يقول لا ، فإن لم يمكنه أن يجيب الطالب على سؤاله ، فضل السكوت على الجواب ، ولقد كان أشد حياء من العذراء في خدرها ، وقالت عائشة[رض الله عنها]، :وكان إذا ساءه شيء تبينا ذلك في أسارير وجهه ، ولم يمس أحداً بسوء الا في سبيل الله ، ويُؤثر عنه أنه كان لا يمتنع عن إجابة الدعوة من أحد مهما كان حقيراً ، ولا يرفض هدية مهداة إليه مهما كانت صغيره، وإذا جلس مع أحد أياً كان لم يرفع نحوه ركبته تشامخاً وكبراً"3.

وكما قال أيضا:
"كانت السهولة صورة من حياته كلها، وكان الذوق والأدب من أظهر صفاته في معاملته لأقلِّ تابعيه، فالتواضع، والشفقة، والصبر، والإيثار، والجُود صفات ملازمة لشخصه، وجالبة لمحبَّة جميع مَنْ حوله، فلم يُعرف عنه أنه رفض دعوة أقلِّ الناس شأنًا، ولا هديةً مهما صغرت، وما كان يتعالى ويبرز في مجلسه، ولا شعر أحد عنده أنه لا يختصُّه بإقبال وإن كان حقيرًا، وكان إذا لقي مَنْ يفرح بنجاحٍ أصابه أمسك يده وشاركه سروره، وكان مع المصاب والحزين شريكًا شديد العطف، حَسَنَ المواساة، وكان في أوقات العسر يقتسم قُوتَهُ مع الناس، وهو دائم الاشتغال والتفكير في راحة مَنْ حوله وهناءتهم".4

1-وليم موير: "حياة محمد" ص20.
2- وليم موير: " " ص31
3- وليم موير: " " ص 14.
4- وليم موير: " " ص 14.

د.عبد الله الشارف؛ كلية أصول / تطوان المغرب/ رمضان المبارك 1433- غشت 2012.

عرس أهل التراويح

1
 



 

 

إن أفئدة المؤمنين تهوي إلى المساجد في رمضان، وإن شعورهم بالفرح والطمأنينة، وهم يؤمون المساجد لأداء صلاة العشاء ثم سنة التراويح، شعور لا يحتاج إلى برهان كما لا يحتاج النهار إلى دليل. وما من مؤمن في مشارق الأرض ومغاربها، إلا ويتذوق حلاوة هذا العرس الإيماني من خلال أداء سنة التراويح الحميدة.

وما أجمل الأحاديث التي تدور بين المصلين في أبواب المساجد، بعد الانتهاء من صلاة التراويح؛ فهناك من يثني على الإمام وصوته الرخيم العذب، الذي يجعلك تسبح في فضاء إيماني رائع وعميق. وهناك من يحدثك عن نعمة رمضان، ومناخه الإيماني العظيم، ويتمنى لو كانت السنة كلها رمضان. ومؤمن آخر يصف لك حاله قائلا: إني لأجد في رمضان خفة في الروح والبدن، كما أجد متعة نفسية قوية، عندما أتحرر من شهواتي خلال الصوم، إلى غير ذلك مما ينساب على ألسنة المؤمنين من الكلام الوجداني، و هم يتفيؤون ظلال عرسهم الإيماني.

بعد أن تدبرت الأمر مليا، ألفيت أن الله سبحانه وتعالى، من على المؤمنين بهذا الشهر العظيم؛ شهر القرآن والتوبة والعتق من النار. إنه هدية من الله لعباده المؤمنين، وفرصة غالية وثمينة، تدعو العباد إلى الاجتهاد في التوبة والطاعة.
إن هذه الفرصة عبارة عن حمام روحي وبدني، لمن أراد أن يستحم ويتوب كي يفوز، لهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: "بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له" (انظر شعب الإيمان للبيهقي).
نعم إن وسائل التوبة والإنابة، وتزكية النفس متوفرة للعبد على مدار السنة. لكنها تكون في رمضان، ذات طعم خاص وجاذبية متميزة، بحيث يسهل على من عزم على التوبة، أن يتوب، وعلى من أراد إصلاح نفسه، أن يصلحها، أو فعل خير أن يفعله.
ولذا كان السلف الصالح رضوان الله عليهم أكثر المؤمنين حبا لرمضان، وحرصا على الإكثار فيه من الطاعات والأعمال الصالحة. وما أن يودعهم هذا الضيف الكريم، حتى يشرعوا في دعائهم: اللهم بلغنا رمضان. !!
أخي المسلم؛ إن الله سبحانه و تعالى أهدى إليك هدية رمضان، وعبد لك طريق التوبة والعتق من النار. واعلم أن تلذذك وفرحتك ساعة فطرك وأكلك، وتنعمك حين تقبل على أداء صلواتك، وحين تستمع إلى صوت الإمام الندي، وشعورك بالسعادة والطمأنينة، وأنت في فضاء العرس الإيماني، كل ذلك لأنك في مأدبة الله !. فقد أكرمك عندما أبقاك حيا، ودعاك إليها، وشرفك بحضورها وهو ملك الملوك، وقد حرم منها خلقا كثيرا. !!

ولو اجتمع المؤمنون في كل بقاع الأرض وتضافرت جهودهم، ليجعلوا شهرا من شهور السنة أشبه برمضان، بل يوما وحدا من أيام السنة، أشبه بيوم من أيام رمضان، لما استطاعوا ولا وجدوا إلى ذلك سبيلا. فاعلم أنها مأدبة الرحمن، خصها الله في رمضان بعباده؛ عباد الرحمن. !!
فاجتهد أن تكون منهم، واشكر الله على دعوته إياك. وإلا فقد يحول الموت بينك وبين تلبيتك لدعوة أخرى، فقد تموت وأنت غير تائب، فالله الله، وما أراك تطيق الحرمان الأخروي، ولا رؤية مالك؛ "يا ما لك ليقض علينا ربك، قال إنكم ماكثون" !!(الزخرف، آية 78).

تلك كانت نفحة من نفحات رمضان، زارتني عقب صلاة التراويح، فسطرتها على التو، وهي في كامل توهجها، وأهديتها إليك أخي القارئ الحبيب، سائلا الله أن تتوهج في صدرك مثل ما فعلت في صدري.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/ تطوان المغرب، رمضان 1433المبارك-غشت 2012.

السنة النبوية روح القدوة المثالية

0


 

 

لا شيء أنفع للمحافظة على المقومات الذاتية للمسلم وأصالته، والارتقاء بسلوكه وأخلاقه، وتحقيق أمنه وسعادته في الدنيا والآخرة، من سنة الرسول محمد صلوات الله وسلام عليه وعلى آله. ولقد ضلت البشرية ولا زالت، عندما ظنت أن الأمن والسعادة يمكن جلبهما وتحقيقهما اعتمادا على العقل وحده، فتكسرت معاول الفلاسفة والعباقرة ومدعي الحكمة، على صخور الحقيقة الشماء، وخارت قواهم من فرط البحث والتنقيب، وأنهكهم الكبر والعجب والغرور، فحالت حجب النفس بينهم وبين المعرفة الصحيحة. وهل لغير الخالق القدرة على الإحاطة بطبيعة الإنسان وجلب المنافع له ودفع الأضرار عنه؟

ولما كانت خِلقة الرسول صلى الله عليه وسلم، في أحسن تقويم وأفضل وضع وأعدله، وأكمل صورة وأبهاها، وكانت شخصيتة صلوات الله عليه، مثالا للصفات الحسنة والأخلاق السامية، فإن جميع ما يصدر منه من حركات وسكنات، وأقوال وأفعال، يسير وفق الاعتدال والاستقامة والوسطية، ويهدف إلى معاني الاستخلاف، كما يهدف على معاني العبودية في أبهى وأجمل صورها وتجلياتها.

ولقد بين الإمام أحمد بن تيمية أن ” طريقة أهل السنة، اتباع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وآتباع وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال:”عليكم بسنتي” إلى آخر الحديث. فهم إنما سموا بأهل السنة لهذا المعنى، وسموا أهل الجماعة لأن الجماعة هي الاجتماع، وضدها الفرقة، نسبة إلى الأصل الثالث وهو الإجماع، ويقصد به الإجماع المنضبط وهو ما كان عليه السلف الصالح إذ بعدهم كثر الاختلاف، وافترقت الأمة”1

وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عماله بتعلم السنة والفرائض واللحن أي اللغة، وقال إن ناسا يجادلونكم- يعني بالقرآن- فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله”2
” وقال الأوزاعي رضي الله عنه: اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم"3
“وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ"4

إن أبا بكر رضي الله عنه عندما يخاف على نفسه أن يقوم بعمل أو يسلك مسلكا يكون العقل وحده فيه قائدا، فإنه ينطلق من قناعة راسخة مفادها أن سنة من لا ينطق عن الهوى أولى بالاتباع والاسترشاد، حتى في أدق الأمور.
هذا ويستفاد أيضا من قول أبي بكر رضي الله عنه: “… . إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ ” أن تمام العقل مشروط بتمام السنة والهدي النبوي، أي كلما كان المسلم أعلم بالسنة، وأحفظ لها وأحرص على فعلها وممارستها، كان عقله أقرب إلى التمام والكمال والفكر الصحيح. ولذا نفى الله العقل عن المشركين والكافرين، قال تعالى.” وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير”5. وقال أيضا: ” تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون”6

فنور العقل من نور السنة، وظلامه من ظلام الكفر أو الجهل أو البدعة.”قال أبو عثمان الحيري: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة”7
كما أن المسلم الذي لا يحرص على اتباع السنة وتعظيمها، يوشك أن يقع في البدعة، خاصة إذا كان إلى الجهل أميل. كما أن نور السنة إذا دخل القلب وسطع في جوانبه، بدد كل ما فيه من ظلمة الضلالات والبدع، فكذلك ظلام البدعة إذا تمكن من القلب نفى عنه كل ما له علاقة بنور السنة.

” قال سفيان الثوري رحمه الله: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها. وقال الفضيل بن عياض: من جلس إلى صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإيمان – أو قال الإسلام- من قلبه”.8

وخلاصة القول، إن إقامة السنة ومراعاتها والحفاظ عليها، يجعل الإنسان المسلم يحيا دائما في حال من الوعي الداخلي، واليقظة الشديدة وضبط النفس. ثم إن الانضباط السلوكي وفق تعاليم الرسول صلوات الله وسلامه عليه، المبثوثة في سنته الغراء، يقوي إرادة المسلم ويضاعف من طاقاته العقلية والروحية، فيغدو أكثر نشاطا وفاعلية ونفعا، وأقدر على القيام بوظيفة الاستخلاف. وهكذا من خلال إقامة السنة والحفاظ عليها، ومن خلال ذلك الانضباط السلوكي وفقا لمبادئها وتعاليمها، تصبح شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم متغلغلة في كيان المسلم، ومِؤطرة لسلوكه وحياته.

1-أحمد بن تيمية؛ مجموع الفتاوى، ج3 ص157
2-الشفا بتعريف حقوق المصطفى ن الجزء الثاني ص 9
3-عبد الرحمن أبو بكر السيوطي: ” الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع” تحقيق مصطفى عبد القادر عطا/ دار الكتب العلمية بيروت لبنان 1408/1988/ ص 12-13
4-الشفا، المرجع السابق ج 2- ص 12.
5-سورة الملك، آية 10.
6-سورة الحشر، آية 14
7-أبو بكر جابر الجزائري؛ “هذا الحبيب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم “، المكتبة العصرية صيدا، 1420-1999، ص 366.
8-السيوطي: الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع"، دار الكتب العلمية، بيروت 1408-1988 ص 19.

د. عبد الله الشارف؛ "القدوة بين الاتباع والابتداع"، مطبعة الخليج العربي، تطوان المغرب، 2007، ص 10وما بعدها.

لذة الذكر

0


 

كمال عقلك في كمال ذكرك

يا عبد الله؛
كمال عقلك في كمال ذكرك؛ "إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم"، ونقصان عقلك من نقصان ذكرك؛ "لا يذكرون الله إلا قليلا مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء"، فثلث عقلك في الذكر قائما، والثلث الثاني في الذكر قاعدا والثلث الأخير في الذكر عل جنبك. فارتع في رياض الذكر تلهم أنفاسه و تمنح أسراره، ف "أهل الجنة يلهمون التسبيح كما تلهمون النفس"، واحذر الغفلة كي لا تضيق أنفاسك ويختنق صدرك ولات حين مناص.

كن موصولا بالحق

ياعبد الله؛
إذا رمت التلذذ بشئ فلم تظفر بلذة، أو كان حظك ضعيفا، أو كطيف لم يلبث أن توارى، فاعلم أنك لم تكن موصولا بالحق وأن حبلك منقطع. واعلم أن لا تلذذ في الحقيقة إلا ما كان مع الذكر والقرب والحضور، وأن لذة الغفلة والبعد أماني وسراب وغرور. فاظفر بالأصل تنعم به وبالفرع، وإلا فلا أصل ولا فرع وإنما ضرب في حديد بارد.

إذا استغرق الذكر كيانك

يا عبد الله؛
إذا سكت لسان فمك عن الدنيا ونطق لسان قلبك بالآخرة، وتجوهرت نفسك بالذكر حتى استغرق كيانك، واستمعت إلى لغته العذبة بسمعك الباطني، وحصل لك الهيام بالتهليل والتسبيح، وصرت كانك مجذوب وما بك جذب، فاعلم أن الله قد فتح في قلبك نافدة تطل منها على جنة الذكر، وأن أهل الجنة، جعلني الله وإياك منهم، "يلهمون التسبيح كما تلهمون النفس"، وأن ذكرك يوقد من شجرة الإيمان تكاد أغصانها تتلألأ نورا ولو سكت لسان قلبك ساعة.

لابد لك من ذكره

يا عبد الله؛
يا عبد الله لا بد لك من ذكر ربك، في يومك وغدك، ودنياك وآخرتك. يا عبد الله إذا ذكرته، ستذكره في جنتك، تحت ظلال أشجارك، وعلى ضفاف أنهارك، وبين حور عينك ونسائك. يا عبد الله شتان بين ذكرك له مع أنفاسك، وذكرك له مع زفراتك وآهاتك. وشتان بين ذكرك؛ يا حبيبي اشتقت لرؤيتك، فإذا بمركب بجانبك يحملك إلى مولاك، وبين ذكرك؛ "يا مالك ليقض علينا ربك". فالبدار البدار، والتوبة التوبة، وما أراك تطيق رؤية مالك.

د. عبد الله الشارف؛ واردات وخواطر إيمانية، كلية أصول الدين/ تطوان المغرب. رمضان المبارك 1433-غشت 2012.

ما أشبه الظالم الفاسد بالحيوان

0


 

قال العلامة الفقيه محمد بن قيم الجوزية رحمه الله، في كتابه "الفوائد" ص 95:

"سبحان الله، في النفس : كِبر إبليس وحسد قابيل وعتو عاد وطغيان ثمود وجرأة نمرود واستطالة فرعون، وبغي قارون، وقحة هامان وهوى بلعام وحيل أصحاب السبت، وتمرد الوليد ، وجهل أبي جهل . وفيها من أخلاق البهائم : حرص الغراب، وشره الكلب، ورعونة الطاووس، ودناءة الجعل، وعقوق الضب، وحقد الجمل، ووثوب الفهد، وصولة الأسد، وفسوق الفأرة، وخبث الحية، وعبث القرد، وجمع النملة، ومكر الثعلب، وخفة الفراش، ونوم الضبع . غير أن الرياضة والمجاهدة تذهب ذلك . فمن استرسل مع طبعه فهو من هذا الجند، ولا تصلح سلعته لعقد : "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم . . . " سورة التوبة، الآية (111)، فما اشترى إلا سلعة هذبها الإيمان فخرجت من طبعها إلى بلد سكانه التائبون العابدون .

هذا نص تراثي رائع ونفيس يشتمل على فوائد ذات أهمية بالغة تتعلق بطبيعة النفس البشرية، وبعض مظاهر سلوكها وأوصافها مع إقامة تماثل وتقارب بين هذه الأوصاف البشرية وبين ما يشبهها من أوصاف كثير من الحيوانات.
وتشبيه الإنسان بالحيوان من حيث السلوك مبسوط في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: " مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل اسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بايات الله والله لا يهدي القوم الظالمين "سورة الجمعة آية 5.
وقوله أيضا: "فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث‏"..‏سورة الأعراف‏:176. وقوله تعالى: "أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا" سورة الفرقان آية 44.

بل إن الله سبحانه وتعالى مسخ أصحاب السبت، وصيرهم قردة، بسبب طغيانهم وتمردهم، وتجرئهم على حدود الله. معنى هذا أن الإنسان عندما تنحط أخلاقه، وتسوء سلوكاته بحيث يؤذي نفسه وغيره، يتعرى من عقله، ويقترب من الحيوانات، وينسج مع بعضهم علاقات القرابة.
وغني عن البيان أن أخلاق وصفات إبليس وفرعون وهامان وقارون، وكثير من صفات الحيوانات المذكورة في نص العلامة ابن القيم، أكثر من يجسدها الحكام والمسؤولون الظالمون، وأصحاب القوة والقرار المتجبرون عبر العصور والأزمان.

ولعل نموذجي جورج بوش وبشار الأسد، من النماذج البشرية الحيوانية المعاصرة، التي جمعت في كيانها عصارة تلك الصفات التي اتصف بها أولئك الطواغيت من إبليس وفرعون وهامان.. والصفات والغرائز التي جبل عليها الأسد والنمر والأفعى... ثم إن بشار الأسد إسم على مسمى وإن كان جبانا. وجورج بوش إسم على مسمى أيضا، لأن بوش إسم لنوع من الكلاب، كما أنه يبصبص بذنبه لليهود !!

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/ تطوان المغرب/ رمضان 1433/غشت 2012.

الوقت كنزك

3

مراعاة الوقت

يا عبد الله؛
لن تتجلى لك حقيقة ذاتك ما لم تراع وقتك، فلا تخضع لزمان لكونه فانيا، ولكون روحك لن تتغير وليست فانية، وكنزك هو الحال الذي أنت فيه، وأمسك لن يعود، وغدك ليس بحاصل، وحياتك هذه حلم، والتي بعد الموت هي الحياة؛ (يا ليتني قدمت لحياتي ). روحك فهمت الخطاب خارج حجاب الزمن، واستعصى عليها استحضاره تحت وطأته. احفظ وقتك، وتحقق بالله فيه، تسطع عليك شموس المعرفة، وتحقق مراد الله من خلقك، وتفز بفرصة العمر قبل فواتها. فهو الموصل إن تحققت به، والحجاب إن غفلت عنه، وساعتك التي أنت فيها.

اجعل الوقت مطية لك

يا عبد الله؛
لا تكن مطية وقتك، بل اجعله مطيتك. وأحكم قبضتك على لحظاتك، فقد تهلك بين فتحة عين وغمضتها. والكل في قبضته فاحذره لأ نه القهار. وأطلق بصرك فيما حولك، وبصيرتك في باطنك دون أن تشغل بسواه، فتحجب عما يمكن أن تلهمه. فإن صابرت وراقبت وأحاطت بك العناية، وتم لك ذلك، رميت سلاحك وكسرت شراع سفينتك.

اغتنم وقتك

يا عبد الله؛
لا تطرد يومك بغدك، ولا تجعل نفسك تعانق ما ليس بحاصل، أو ما لم يحن بعد وقت حصوله. وإذا لم تفعل ذلك، كنت غائبا وضيعت إمدادات وقتك، وأسأت الأدب؛ لأن الله لم يخلق شيئا عبثا، وآياته لم تزل تتجلى لك. ورب حضور منك يثمر علما يورثك القرب، ورب غيبة منك تثمر جهلا يورثك البعد. وإذا أنعم عليك بالقرب لم تعد تشغل بما سيأتي، لأن الذي يملك الكنز لا يعبأ بالفلس، كما أن القرب منه ينفي كل الأبعاد، فلا أثر لماضي ولا لمستقبل، ومن تعلق بجمال الله وأسر بنوره حضر ولن يغيب.

د. عبد الله الشارف؛ "واردات موخواطر إيمانية"، باريس 1981.

زيغريد هونكة والحضارة العربية الإسلامية

0


إن المطلع على تاريخ  الاستشراق لا يخالجه شك في أن نشأة هذا العلم كانت مرتبطة بأهداف سياسية ودينية واضحة ودقيقة. ذلك أن أرباب الكنيسة وأصحاب السلطة من الأوربيين، عملوا على تأسيس هذا العلم وتشجيع حركة الاستشراق بهدف السيطرة  السياسية على العالم الإسلامي، بعد الاطلاع على ثقافته وحضارته، كما كانو ا يتوخون من خلال هذا المشروع العلمي السياسي، تشويه حقيقة الدين الإسلامي، وتقديمه للمسيحيين في صورة قبيحة ومنفرة، كي يحولوا بينهم وبين الدخول في الإسلام. ومع ذلك فإن التاريخ يحدثنا عن صفحات مشرقة، عبر فيها بعض المستشرقين عن إعجابهم الكبير بعظمة الحضارة الإسلامية.


تقول المستشرقة زيغريد هونكه في كتابها القيم : (شمس الله تسطع على الغرب) : "إن هذه القفزة السريعة المدهشة في سلم الحضارة التي قفزها أبناء الصحراء ، والتي بدأت من اللا شيء لهي جديرة بالاعتبار في تاريخ الفكر الإنساني… وإن انتصاراتهم العلمية المتلاحقة التي جعلت منهم سادة للشعوب المتحضرة لفريدة من نوعها ، لدرجة تجعلها أعظم من أن تُقارَن بغيرها ، وتدعونا أن نقف متأملين  كيف حدث هذا ؟! وكيف أمكن لشعب لم يمثل من قبل دورا حضاريا أو سياسيا يذكر، أن يقف مع الإغريق في فترة وجيزة على قدم المساواة؟.


 إنَّ ما حققه العرب لم تستطع أن تحققه شعوب كثيرة أخرى كانت تمتلك من مقومات الحضارة ما قد كان يؤهلها لهذا ، بيزنطية وريثة الحضارتين الشرقية والإغريقية بقيت على جهالتها مع أنها بلغتها اليونانية كانت أقرب للناس إلى الحضارة الإغريقية والسوريون هم تلامذة الإغريق كان لهم من الحضارة قبل الإسلام حظ وفير ولقد غفلوا عن طريق الترجمة كثيراً من أعمال الإغريق إلى لغتهم ولكنهم أيضاً كبيزنطة  فشلوا في أن يجعلوا مما اقتبسوه من الإغريق بذرة  الحضارة تذدهر كما فعل العرب فيها بعد ، ولم تكن فارس التي اكتسبت من حضارات الصين والهند والإغريق بأسعد حظاً من بيزنطيه أو سوريا وبرغم تحسن الحالة الاقتصادية في تلك البلاد ورعاية الدولة للعلوم والعلماء فإنه لم يسمح لحضارة تلك البلاد أن تصبح حضارة مبتكرة مؤثرة إلا في جو عقلي آخر وفي ثنايا حضارة ثانية أنجع هي الحضارة العربية" 1


وتقول أيضا: «ان العرب  طوروا بتجاربهم وابحاثهم العلمية وما اخذوه من مادة خام عن الاغريق وشكلوه تشكيلا جديدا. فهم في الواقع الذين ابتدعوا طريقة البحث العلمي الحق القائم على التجربة...فعندهم فقط بدأ البحث الدائب الذي يمكن الاعتماد عليه يتدرج من الجزئيات الى الكليات...وعلى هذا الاساس ساروا في العلوم الطبيعية شوطا كبيرا، أثر فيما بعد بطريق غير مباشر، على مفكري الغرب وعلمائه؛ أمثال روجر باكون وماكنوس وقيتليو ودافنشي.ان العرب [ المسلمين ] هم مؤسسو الطرق التجريبية في الكيمياء والطبيعة والحساب والجبر والمثلثات وعلم الاجتماع، وبالاضافة الى عدد لا يحصى من الاكتشافات والاختراعات في مختلف فروع العلوم، والتي سرق اكثرها ونسب لآخرين.لقد قدم العرب [ المسلمون ] أثمن هدية، وهي طريقة البحث العلمي الصحيح، التي مهدت امام الغرب طريقة لمعرفة اسرار الطبيعة ‏».2


1-    زيغريد هونكة: "شمس الله تسطع على الغرب"، ترجمة فاروق بيضون، كما دسوقي، دار صادر ، ط  10، بيروت 2002، ص 354.


2-    المرجع نفسه، ص 401-402.


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/ تطوان المغرب. رمضان 1433- غشت 2012.