التخطي إلى المحتوى الرئيسي

السنة النبوية روح القدوة المثالية



 

 

لا شيء أنفع للمحافظة على المقومات الذاتية للمسلم وأصالته، والارتقاء بسلوكه وأخلاقه، وتحقيق أمنه وسعادته في الدنيا والآخرة، من سنة الرسول محمد صلوات الله وسلام عليه وعلى آله. ولقد ضلت البشرية ولا زالت، عندما ظنت أن الأمن والسعادة يمكن جلبهما وتحقيقهما اعتمادا على العقل وحده، فتكسرت معاول الفلاسفة والعباقرة ومدعي الحكمة، على صخور الحقيقة الشماء، وخارت قواهم من فرط البحث والتنقيب، وأنهكهم الكبر والعجب والغرور، فحالت حجب النفس بينهم وبين المعرفة الصحيحة. وهل لغير الخالق القدرة على الإحاطة بطبيعة الإنسان وجلب المنافع له ودفع الأضرار عنه؟

ولما كانت خِلقة الرسول صلى الله عليه وسلم، في أحسن تقويم وأفضل وضع وأعدله، وأكمل صورة وأبهاها، وكانت شخصيتة صلوات الله عليه، مثالا للصفات الحسنة والأخلاق السامية، فإن جميع ما يصدر منه من حركات وسكنات، وأقوال وأفعال، يسير وفق الاعتدال والاستقامة والوسطية، ويهدف إلى معاني الاستخلاف، كما يهدف على معاني العبودية في أبهى وأجمل صورها وتجلياتها.

ولقد بين الإمام أحمد بن تيمية أن ” طريقة أهل السنة، اتباع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم باطنا وظاهرا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وآتباع وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال:”عليكم بسنتي” إلى آخر الحديث. فهم إنما سموا بأهل السنة لهذا المعنى، وسموا أهل الجماعة لأن الجماعة هي الاجتماع، وضدها الفرقة، نسبة إلى الأصل الثالث وهو الإجماع، ويقصد به الإجماع المنضبط وهو ما كان عليه السلف الصالح إذ بعدهم كثر الاختلاف، وافترقت الأمة”1

وكتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى عماله بتعلم السنة والفرائض واللحن أي اللغة، وقال إن ناسا يجادلونكم- يعني بالقرآن- فخذوهم بالسنن فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله”2
” وقال الأوزاعي رضي الله عنه: اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم، وقل بما قالوا، وكف عما كفوا عنه، واسلك سبيل سلفك الصالح، فإنه يسعك ما وسعهم"3
“وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: لست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به، إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ"4

إن أبا بكر رضي الله عنه عندما يخاف على نفسه أن يقوم بعمل أو يسلك مسلكا يكون العقل وحده فيه قائدا، فإنه ينطلق من قناعة راسخة مفادها أن سنة من لا ينطق عن الهوى أولى بالاتباع والاسترشاد، حتى في أدق الأمور.
هذا ويستفاد أيضا من قول أبي بكر رضي الله عنه: “… . إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ ” أن تمام العقل مشروط بتمام السنة والهدي النبوي، أي كلما كان المسلم أعلم بالسنة، وأحفظ لها وأحرص على فعلها وممارستها، كان عقله أقرب إلى التمام والكمال والفكر الصحيح. ولذا نفى الله العقل عن المشركين والكافرين، قال تعالى.” وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير”5. وقال أيضا: ” تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون”6

فنور العقل من نور السنة، وظلامه من ظلام الكفر أو الجهل أو البدعة.”قال أبو عثمان الحيري: من أمر السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة”7
كما أن المسلم الذي لا يحرص على اتباع السنة وتعظيمها، يوشك أن يقع في البدعة، خاصة إذا كان إلى الجهل أميل. كما أن نور السنة إذا دخل القلب وسطع في جوانبه، بدد كل ما فيه من ظلمة الضلالات والبدع، فكذلك ظلام البدعة إذا تمكن من القلب نفى عنه كل ما له علاقة بنور السنة.

” قال سفيان الثوري رحمه الله: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية، المعصية يتاب منها، والبدعة لا يتاب منها. وقال الفضيل بن عياض: من جلس إلى صاحب بدعة أحبط الله عمله وأخرج نور الإيمان – أو قال الإسلام- من قلبه”.8

وخلاصة القول، إن إقامة السنة ومراعاتها والحفاظ عليها، يجعل الإنسان المسلم يحيا دائما في حال من الوعي الداخلي، واليقظة الشديدة وضبط النفس. ثم إن الانضباط السلوكي وفق تعاليم الرسول صلوات الله وسلامه عليه، المبثوثة في سنته الغراء، يقوي إرادة المسلم ويضاعف من طاقاته العقلية والروحية، فيغدو أكثر نشاطا وفاعلية ونفعا، وأقدر على القيام بوظيفة الاستخلاف. وهكذا من خلال إقامة السنة والحفاظ عليها، ومن خلال ذلك الانضباط السلوكي وفقا لمبادئها وتعاليمها، تصبح شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم متغلغلة في كيان المسلم، ومِؤطرة لسلوكه وحياته.

1-أحمد بن تيمية؛ مجموع الفتاوى، ج3 ص157
2-الشفا بتعريف حقوق المصطفى ن الجزء الثاني ص 9
3-عبد الرحمن أبو بكر السيوطي: ” الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع” تحقيق مصطفى عبد القادر عطا/ دار الكتب العلمية بيروت لبنان 1408/1988/ ص 12-13
4-الشفا، المرجع السابق ج 2- ص 12.
5-سورة الملك، آية 10.
6-سورة الحشر، آية 14
7-أبو بكر جابر الجزائري؛ “هذا الحبيب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم “، المكتبة العصرية صيدا، 1420-1999، ص 366.
8-السيوطي: الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع"، دار الكتب العلمية، بيروت 1408-1988 ص 19.

د. عبد الله الشارف؛ "القدوة بين الاتباع والابتداع"، مطبعة الخليج العربي، تطوان المغرب، 2007، ص 10وما بعدها.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وت

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954. الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016). المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازن

باقة من الخواطر الإيمانية

  ابتغ إليه الوسيلة لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إلا التقوى، والتقوى أن يجدك حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك.   إقرأ   كتابك أنت الكتاب والقارئ والمقروء والشاهد والمشهود، وحامل الأمانة والمكلف بالخلافة، وكلك آذان وألسنة.وبك تخبر عنك. وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. ركز أحوالك، واستمع لتسبيح ذاتك، وصحح كتابك قبل أن ينشر، وتنطق جلودك فيخرس لسانك ويحد بصرك ولات حين مناص. اختر خير الطلبين الطلب طلبان : طلب بالاستعداد، وطلب بالنفس، والأول في حضور، والثاني في غياب، وحضورك في الأول يتجلى في كونك تتأدب ولا تطلب منه إلا ما يمليه عليك استعدادك، وقد هيأت باطنك لقبول ما يورده عليك. ثم إن الإجابة قد تحصل دون التلفظ بالسؤال، لكون حصولها وقع بالاستعداد ولو بغير شعور منك. إذ من أصعب الأمور تحقق ال