فاطمة المرنيسي وموضوع الحجاب

2




قالت د. فاطمة المرنيسي:


«أعتبر أن اللجوء إلى الحجاب كان وسيلة للسيطرة الجنسية، ولحماية طبقة من النساء الحرائر على حساب طبقة أخرى؛ الإماء»[1]. «إن تشريع الحجاب في المدينة قضى على الحرية التي برهن عليها الإسلام في بداية حياته. وللأسف الشديد كان ينبغي أن تمر خمسـة عشر قرنا، قبل أن يأتي المستعمر فيضغط على الحكومات الإسلامية، لكي تفتح ملف حقوق الفرد والمرأة »؟ ! ! ![2].


في النص الأول، ادعت الدكتورة فاطمة المرنيسي، بأن الحجاب شرع لحماية طبقة من النساء على حساب طبقة أخرى، وتستدل على ذلك في ص 236 من الكتاب نفسه، بقوله تعالى : ]يا أيها النبيء قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين [. وهو استدلال من باب تلبيس الحق بالباطل. و المؤكد في تاريخ السيرة أن النساء في أول الإسلام، كما في الجاهلية، كن يكشفن وجوههن سواء كن حرائر أم إماء. وكان بعض السفهاء يتعرض لهن عندما يخرجن بالليل لقضاء حاجاتهن. وإذا وقع الاعتداء بالتعرض على حرة قالوا حسبناها أمة، فأمرن أن يخالفن بزيهن زي الإماء بأن يدنين عليهن من جلابيبهن، وذلك بعد أن شكون إلى النبي  صلى الله عليه وسلم، فعل السفهاء بهن.  وترى الدكتورة فاطمة المرنيسي أن النبي  صلى الله عليه وسلم عندما عزم على ايجاد علاج لظاهرة "التعرض"، لم يكن ينوي قط استئصالها من الجذور، وإنما همه الوحيد هو صرف هؤلاء السفهاء عن إذاية نسائه ونساء المسلمين، أما الإماء وغيرهن من النسوة فلا شأن له بهن . !!


«وينبغي إيجاد وسيلة لفصل الإماء اللواتي أبيح لهن الزنا، عن الحرائر زوجات الاستقراطيين والرجال الأقوياء، اللواتي يحرم عليهن اقتراف تلك الفاحشة» [3].


يتضح من خلال هذا الكلام، أن الإسلام أقام نظاما اجتماعيا طبقيا أو على أصح تعبير، أقام ميزا عنصريا واجتماعيا بين النساء الحرائر والإماء، وشرع الحجاب وسيلة، من جهة، لجعل أولئك الحرائر في مأمن من التعرض والإذاية. ومن جهة أخرى لدفع الإماء وتشجيعهن على الزنا والرذيلة. كما أن تشريع الحجاب يعبر عن انتصار منطق السفهاء والمنافقين.


 إن هذه الاستنتاجات السخيفة، تتناقض مع النقل والعقل. أما تعارضها مع النقل، فلكونها تفتقر إلى دلائل من الكتاب والسنة، بالإضافة إلى أنه لم يقل بها أحد من الفقهاء والمفسرين سواء من القدامى أو المحدثين.


وأما تعارضها مع العقل فلأنها، تتناقض منطقيا مع أهداف الرسالة الإسلامية التي تنص على العدالة والمساواة، وبذلك شهد العقلاء من أئمة الإسلام. وواضح أن الأستاذة فاطمة المرنيسي، وقعت في التناقض من حيث كانت تروم الإبداع، إنها لم تحكم استعمال آليات المنهج الاجتماعي الدوركايمي، حيث فسرت ظهور الحجاب بالضغوط الاجتماعية في مجتمع المدينة، والتي تمثلت في موقف المنافقين والسفهاء. كما أنه قد غاب عن ذهن الباحثة الاجتماعية، أن القداسة الإلهية فوق مبادئ وقوانين منطق علم الاجتماع الوضعي، وأن كثيرا من تنبؤات علماء الاجتماع لم تتحقق، نظرا لتدخل المشيئة الإلهية في حياة الإنسان.


وقالت د. فاطمة المرنيسي:« إن عمر رضي الله عنه، عندما اقترح على النبي صلى الله عليه وسلم، أن يحجب نساءه عن الرجال، عمل على طمس البعد الحضاري والتحرري الذي نادى به الإسلام»[4]. !!


إن ما يؤكده المفسرون وكتاب السيرة ان عمر بن الخطاب الخليفة الثاني، طلب بإلحاح من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحجب نساءه عن عامة الناس.


قال ابن كثير: » هذه آية الحجاب وفيها أحكام وآداب شرعية، وهي مما وافق تنزيلها قول بن الخطاب t كما ثبت ذلك في الصحيحين عنه أنه قال : وافقت ربي عز وجل في ثلاث، قلت : يا رسول الله لو اتخذت مقام ابراهيم مصلى، فأنزل الله تعالى ]واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى[. وقلت : يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو حجبتهن، فأنزل آية الحجاب، وقلت لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، لما تمالأن عليه في الغيرة ]عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن [، فنزلت كذلك»[5].


عندما تدعي فاطمة المرنيسي أن حجب النبي  صلى الله عليه وسلم نساءه عن المسلمين كان بإيعاز من عمر بن الخطاب ، تجعل من هـذا الخليفة الجليل مشرعا، أي أن ذلك الحجاب لم يكن  ليشرع لولا تدخل عمر والحاحـه في طلب ذلك من النبي، صلى الله عليه وسلم. وهذا يفيد عدم معرفتها بمعنى الوحي وحقيقته. ومما لاشك فيه، كما يتبين من المراجع العربية التي اعتمدت عليها، أنها اطلعت على قول عمر: "وافقت ربي في ثلاث..." وفهمت مغزاه، غير أنها أبت إلا أن تفسر الحدث تفسيرا اجتماعيا ماديا على طريقة المدرسة الاجتماعية الوضعية.


زعمت الدكتورة فاطمة المرنيسي أن النبي صلى الله عليه وسلم، حجب نساءه بإيعاز من عمر أي أن الحجاب لم يكن ليشرع لولا تدخل عمر وإلحاحه في طلب ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا تعتبر الكاتبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من جنى على الإسلام وحضارته، وقضى على تطلعاته التحررية في مهدها.


إن النبي صلى الله عليه وسلم، حسب رأيها، [6] كان يود دائما أن يكون بيته مفتوحا لكل الناس، وأن الحجاب يمثل النقيض التام لكل ما كان يروم تحقيقه. غير أن عمر لم يستطع استيعاب هـذا الأمر، لأنه كان جاهلا بحقيقة الإنسان كما يتصورها الدين الجديد أي الإسلام. ومن هنا رأى أن الحل الوحيد لإعـادة النظام إلى نصابه في المدينة، هو "وضع الحواجز وإخفاء النساء موضوع ومحل الشهوات ".


«ولم يكن غريبا ان يصبح عمر لسان حال المقاومة الرجالية في وجه المشروع التعادلي الذي أتى به النبي  صلى الله عليه وسلم. كما كان عمر مناصرا لاستمرارية الوضع الراهن للمجال العائلي، لكونه كان يعتقد ان التغييرات التي أدخلها الإسلام على الحياة الجاهلية تخص الحياة العامـة والروحية. أما الحياة الخاصة فينبغي ان تظل محكومة بأعراف ما قبل الإسلام»[7].


وهذا التجريح لشخص عمر، إنما جعلته وسيلة للطعن في الإسلام، ويعبر عن أن فاطمة المرنيسي قد أصبحت ممن يجيدون استعمال لغة المستشرقين في دراسة الشخصيات الإسلامية، كما أن كلامها في شأن هذا الخليفة يذكرنا بالقصص التي تزخر بها الكتب المدرسية في الغرب المسيحي عن الإسلام والمسلمين؛ حيث تصور خلفاء الإسلام تصويرا تشمئز منه النفوس فتنعتهم بالغلظة والجور وسفك الدماء. وهكذا بعد أن حملت عمر بن الخطاب مسؤولية " الظلم" الذي لحق المرأة المسلمة خلال قرون طويلة بسبب الحجاب، ختمت النص المشار إليه بالتنبيه إلى أن المستعمر هو الذي خلص المرأة المسلمة، وأعتقها من العبودية حينما " فرض على الحكومات الإسلامية إعادة فتح ملف حقوق الإنسان والمرأة على الخصوص".


متى كان الغازي والمخرب مصلحا ومخلصا أيتها الباحثة الاجتماعية؟ من هي هذه المرأة المغربية التي عاشت في زمن الاستعمار وصرحت بأن المستعمر خلصها من العبودية التي أقامها فيها الإسلام؟ ولو كنت أنت نفسك امرأة مغربية في الثلاثينيات والأربعينيات، هل كنت تدعين أن المستعمر خلص المرأة… وأنت تشاهدين آثار خرابه ودماره للقرى والمدن وتشريده للأسر بقتل وسجن الآباء والأبناء؟ ما أظنك تفعلين.!  ولكن بعد ذهاب الاستعمار العسكري ومجيء الاستعمار الفكري وهيمنته الفكرية، وظهور المستغربين في بلاد المسلمين، تفشت هذه الأفكار الاستغرابية والدعاوى الباطلة.









[1] ـ FATIMA MERNISSI "Le Harem politique,Le Prophète et les femmes


         Ed. Albin Michel, Paris 1987,p23.





[2]- Le Harem politique,Le Prophète et les femmes, P 236





[3] - نفس المرجع .





[4]- فاطمة المرنيسي : " الحريم السياسي" ، ص.234 .





[5]- تفسير ابن كثير, ج 5  ,ص 489.





[6] ـ فاطمة المرنيسي : "الحريم السياسي" ص.236 .





[7]- فاطمة المرنيسي : " الحريم السياسي" ص.180 .


 د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/ جامعة القرويين. تطوان المغرب. جمادى الأولى 1434/ مارس 2013




أنشودة الذكر

1

 





ذكري نَفَسي نَفَسي ذكري؛ "سبق المُفَردون"


ذكري سكينتي، ذكري أمني، ويُتَخَطف الناس من حولي


ذكري سياحتي، ذكري تأملي؛ "ويتفكرون في خلق السموات والأرض"


ذكري حريتي، ذكري إرادتي وعزيمتي، ذكري استجابتي لما يحييني؛ "استجيبوا لله


وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم"


ذكري عمارة قلبي، ذكري غراس جنتي؛ "سبحان الله وبحمده"


**********                                         


ذكري دوائي من أسقامي، ذكري سلاحي في نحر عدوي؛ الوسواس الخناس


ذكري جنتي؛ عدني وفردوسي؛ "أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر"


ذكري جلاء همي وحزني، وحياة روحي ونور قلبي؛ يسعى بين يدي، ويضيء ما حولي؛ "يهدي الله لنوره من يشاء"


ذكري يقظتي من غفلتي، وتوبتي من خطيئتي، وزوال غشاوتي عن مهجتي؛ "وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور"


ذكري نَفَسي، نَفَسي ذكري؛ "أهل الجنة يُلهمون التسبيح والتكبير كما تُلهمون النفس"


**********                                         


ذكري غذائي، ذكري رحيقي، ذكري شرابي من سلسبيلي


ذكري لذتي، ونعيم قلبي؛ ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله عز وجل


ذكري أنيسي في خلوتي، ورفيقي في جلوتي: "أنا جليس من ذكري"


ذكري قائما، ذكري قاعدا، ذكري على جنبي، وفي جميع أحوالي، وأتفكر في خلقه، و أجني العنب من الدوالي


ذكري يحجبني، ذكري يقيني غيبتي ونميمتي، ولغوي وغفلتي، ذكرى يذكرني إذا طاف بي


 شيطاني؛ فإذا أنا مبصر


**********                                         


ذكري قناعتي، ذكري رزقي وغناي، ذكري وقايتي من فقري وفاقتي؛ "من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين"


ذكري خادمي، ذكري معيني؛ ييسر عسيري ويذلل صعابي؛ "لا حول ولا قوة إلا بالله"


 ذكري أفضل أعمالي، وتاج أقوالي، ونور أفعالي


ذكري أكبر من صدقتي، ومن بري وإحساني، ومن حجي وعمرتي؛ "ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون"


ذكري مداد قلمي، وروح كلماتي، ونور بصري في قراءتي، ومرشدي في مذاكرتي، وباب


 معرفتي. والذكر بالتذكر، والعلم بالتعلم، والله يحيي القلوب بالذكر والحكمة، كما يحيي الأرض بوابل السماء.



د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/ جامعة القرويين. ربيع الأول 1426/أبريل 2005.











علاقة الاستغراب بالتنصير

2


إن ظاهرة الاستغراب التي تجلت في الثقافة العربية الحديثة على اختلاف ألوانها وأشكالها، أفرزتها عوامل داخلية مرتبطة بالذات العربية فكرا ومجتمعا، وعوامل خارجية متعلقة بالغرب وحضارته ومؤسساته. لكن قد يقول قائل: ما علاقة الاستغراب بالتنصير؟ أو كيف يكون هذا الأخير الذي هو دعوة إلى النصرانية، سببا من أسباب نشأة الاستغراب، الذي من خصائصه النزوع نحو الحداثة والعلمانية في التفكير والممارسة؟! أو بعبارة أخرى؛ إذا كانت أوربا حريصة كل الحرص على تعميق أسس التوجيهات الإلحادية واللادينية في بنياتها الاجتماعية والسياسة والثقافية، فلماذا تبنت وأيدت حركات التنصير منذ زمن ليس بالقصير؟ ولماذا لا تزال إلى الآن تقدم الإمدادات والإمكانات لنجاح تلك الحركات؟.


في الواقع ليس في هذه السياسة المنطوية على هذا التناقض الصارخ ما يدعو للعجب، إذا كنا جميعا نعلم أن الوصول إلى الأهداف المرسومة عبر التناقضات، يشكل جانبا جوهريا في طبيعة النظام الرأسمالي. وهكذا، انطلاقا من  المنطق المكيافيلي، اقتنع الغرب بالدور الذي يمكن أن يقوم به التنصير في عملية تخدير الشعوب وإخضاعها لسلطته، وبادر بتعبئة رجال الكنيسة وإعداد الجنود المنصرين، وإنشاء المؤسسات وتنظيم البعثات والإرساليات التنصيرية إلى البلدان المستهدفة.


في البداية لم تستعمل أوربا منطق القوة في إخضاع الشعوب الضعيفة، وإنما مهدت لاستعمارها بالطرق " السلمية"، فكان التنصير أفضل تلك الطرق. إن هذه الطريقة الدينية، في الظاهر، برهنت قبيل الاستعمار وخلاله وبعده، على قوة هائلة في مجال اختراق المقومات الذاتية للشعوب التي خضعت للاستعمار، وتفكيك بنياتها الثقافية والاجتماعية والسياسية، وفي العمل على إذابة ذاتية هذه الشعوب في شخصية الرجل الغربي المستعمر، وبالتالي العمل على خلق أرضية الاستغراب.


لقد عمل المنصرون في المغرب وفي غيره من البلدان الإسلامية، على إظهار الرجل الغربي بمظهر الإنسان المتمدن والمتحضر، الذي يسعى إلى إخراج الناس من ظلمات الجهل والتأخر إلى نور العلم والتقدم. وجعلوا من أنفسهم مثالا على ذلك، فأسسوا المدارس لنشر التعليم، وبنوا المستشفيات والملاجئ، وعملوا على بث روح النصرانية في مؤسساتهم، وفي نفوس من يتعاملون معهم. هذا العمل الدؤوب من قبل المنصرين، جعل من الرجل الغربي السيد القوي والإيجابي، ورجل العصر الذي لا غنى لأحد عنه.


ومن ناحية أخرى، فإن لعمل المنصرين تأثيرا خطيرا في نفسية الأشخاص المستهدفين وخاصة فيما يتعلق بقواهم الذاتية، ذلك أن مبادرة المنصرين إلى بناء المدارس والمستشفيات إلى غير ذلك، ينتج عنه إضعاف أو عرقلة القوة الذاتية للمغاربة ولغيرهم من الشعوب الإسلامية، فتضعف لديهم المبادرة الشخصية، وإرادة التغيير والبناء ويصيبهم نوع من الشلل النفسي. وإذا أضيف إلى هذا كله ما قام به المنصرون في مؤسساتهم التعليمية، وفي كتاباتهم، وسائر أنشطتهم من هجوم على التاريخ الإسلامي، الذي أظهروه بمظهر العنف والوحشية والصراع، تبين مدى الجهود التي حشرها الأوربيون في شخص المنصر، ليعمل على استمالة الرجل المستهدف، بعد تجريده من كل المقومات.


وتجدر الإشارة من جديد، إلى أن أوربا خصوصا منذ مطلع القرن التاسع عشر، لم تكن تسعى، عن طريق التنصير، إلى تنصير المسلمين وإدخالهم في المسيحية، بقدر ما كانت تهدف إلى زعزعة عقائدهم ليسهل عليها استدراجهم وجعلهم تحت سلطتها. إن المنصرين الذين يجوبون البلدان الإسلامية حاليا، لا يطمعون في أن يعتنق أحد المسلمين المسيحية، لعلمهم بكراهية المسلمين الشديدة لدين الكنيسة، وإنما يعملون على استقطاب الشباب وإغرائهم بالأموال ووسائل أخرى جذابة، ثم إخضاعهم لعميلة أشبه ما تكون بعملية غسل الدماغ، حيث يوجهون عقولهم توجيها خاصا، بعد أن يوحوا إليها بأفكار تهدف إلى التحلل من الدين والتقاليد والأعراف، وسلوك مسلك الحرية والإباحية. ويأملون بعد ذلك في أن يكون أفراد هذه العينات نماذج لغيرهم، ويفتتن بهم أصحاب العقول الضعيفة من الشباب. قال زويمر[1] في المؤتمر التبشيري بالقاهرة سنة 1906: " لا ينبغي للمبشر المسيحي أن يفشل أو ييأس ويقنط، عندما يرى أن مساعيه لم تثمر في جلب كثير من المسلمين إلى المسيحية، لكنه يكفي جعل الإسلام يخسر المسلمين بذبذبة بعضهم، عندما تذبذب مسلما وتجعل الإسلام يخسره تعتبر ناجحا أيها المبشر المسيحي، ويكفي أن تذبذبه ولو لم يصبح هذا المسلم مسيحيا"[2].


إن العمل التنصيري بهذه الممارسة الخبيثة، يعمل على إبقاء المغاربة وغيرهم من المستهدفين داخل دائرة التخلف والتبعية، كما يمكن من جانب آخر، لسيادة الغرب وهيمنته الثقافية، ويظل التنصير أيضا شكلا من أشكال التحديات الغربية الموجهة تجاه المسلمين، لجعلهم يتدرجون في الأخذ بأساليب حياة الغرب وقيمه، مما نتج عنه ارتجاج وخلخلة في بنية مجتمعاتهم، حيث حلت العادات والتقاليد الغربية المنحرفة، محل العادات والتقاليد الإسلامية الضابطة لسلوك المسلم، واستعيض عن الثقافة الإسلامية المتينة بثقافة الغرب الخادعة، بدعوى أن الأولى تخلفت عن الركب ولم تواكب تطور العصر. في حين أن الثانية تجسد واقع العصر وتستشرف مستقبله. وهكذا انخدع جماعة من المستغربين بثقافة المستعمر الغاشم، واستلبوا حضاريا وثقافيا وسقطوا في أسر الحضارة الغازية.


لقد أدرك المستعمر أهمية " الإنجيل الاجتماعي" ودوره في إضعاف هوية المجتمعات الإفريقية الآسيوية وتهميش عاداتها وتقاليدها، فشجع عمليات التنصير وأنفق الأموال الطائلة على إنشاء المؤسسات، والمصالح الاجتماعية المتعلقة به. وبما أن الضعيف مولع بتقليد القوي كما يقول ابن خلدون، فإن كثيرا من أفراد المجتمعات التي أصيبت بنكبة الاستعمار، شرعوا تدريجيا في التأثر بالمستوطنين وبالنشاط التنصيري الذي يستهدفهم، وبدأوا ينبذون، أو على الأقل يحتقرون عاداتهم وتقاليدهم ويعظمون عادات النصارى. ولا يتسع المجال هنا لذكر أنواع العادات الدخيلة المستوردة، ولعل الاحتفال برأس السنة الميلادية في البلدان الإسلامية أحسن دليل على ذلك.


يستنتج مما سبق أن الحركات التنصيرية كان لها دور حاسم في خلق ظاهرة الاستغراب في المجتمعات الإسلامية، حيث ترعرعت تحت عيون المنصرين فآت اجتماعية أفرزت عددا من المستغربين، كان من بينهم كثير من المسؤولين، أصحاب المناصب العليا، والكتاب، وكثير من أهل الفن والتجارة،  ومن البورجوازيين، وهذا لا يعني أن الاستغراب لم يغز الطبقات الاجتماعية الأخرى، لكنه كان أشد ظهورا وتمثلا في فآت المسؤولين وأشباه المثقفين، وأفراد الطبقة البرجوازية.









[1] - صموئيل زويمر من أكابر قادة التنصير الإنجليزي في الشرق الإسلامي أثناء الحكم الاستعماري البريطاني في أوائل هذا القرن.





[2] - د. علي جريشة " الاتجاهات الفكرية المعاصرة" دار الوفاء للطباعة والنشر المنصورة 1986 ص: 30.


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/جامعة القرويين- تطوان المغرب. جمادى الأولى 1434/ مارس 2013




بين الاستشراق والاستعمار

0




إن الدول الأوروبية عندما بدأت تفكر في نهضتها العلمية والاجتماعية والاقتصادية بعد الحروب الصليبية، شجعت عمليات نقل علوم المسلمين وإرسال البعثات الطلابية إلى المؤسسات العلمية في الأندلس. ثم أنشأت مدارس ومعاهد تهتم بتدريس علوم العربية والبحث فيما يتعلق بحضارة المسلمين وثقافتهم. ولما قطعت هذه الدول، بخطى ثابتة، مراحل بنائها الحضاري، وانتقل التاريخ من الشرق الإسلامي إلى الغرب النصراني، وتغيرت موازين القوى بينهما، حينذاك وتبعا لمنطق وفلسفة الإمبريالية، فكر الأوربيون في بسط نفوذهم السياسي على العالم. وهكذا تم اللجوء للمرة الثانية، إلى المستشرقين والمتخصصين في علوم الشرق وتاريخه ودياناته، وعادات وتقاليد شعوبه ونظمه السياسية والقانونية.


فإذا كان الهدف المتوخى من الاستشراق في المرحلة الأولى، هو تهيئ أرضية للبناء الحضاري، فإن الهدف منه في مرحلة التوسع الإمبريالي؛ هو دراسة عقائد وعادات وأخلاق الشرق وحياته الاجتماعية والثقافية، وكذا ثرواته وقوته العسكرية من أجل الوصول إلى مواطن القوة في كل ذلك والتخطيط لإضعافها، وإلى مواطن الضعف والتفكير في سبل اغتنامها. ولما نمت عملية الاستيلاء العسكري ووطئت أقدام المستعمر أراضي البلدان المكتسحة، قامت في وجه القوة الاستعمارية حركات الجهاد والمقاومة الهادفة إلى طرد الغزاة وتحرير البلاد. هنالك التجأت السياسية الاستعمارية من جديد إلى الاستشراق، وشجعته على العمل بجانبها في سبيل إضعاف المقاومة الروحية والمعنوية. وهكذا عمل عدد كبير من المستشرقين، من خلال نشاطاتهم وكتاباتهم، على بث روح الوهن والارتباك في تفكير الشرقيين، وذلك عن طريق التشكيك فيما أيديهم من تراث وما يمتلكونه من عقيدة وقيم إنسانية، مما يجعلهم يفقدون الثقة في أنفسهم، ويرتمون في أحضان الغرب. وكمثال على عمل المستشرقين في هذا القصد؛ إحياؤهم للقوميات التاريخية التي اندثرت نهائيا بعد مجيء الإسلام. لقد عمل المستشرقون على إحياء (الفرعونية) في مصر و (الفينيقية) في سوريا ولبنان و (الأشورية) في العراق و(البربرية) في شمال أفريقيا. لماذا كل هذا؟ أليس هدفهم من ورائه هو تشتيت شمل الأمة الإسلامية، وتمزيق وحدتها وإضعاف قدرتها، ثم وضع العقبات المانعة من تحررها؟


" وقد استطاع الاستعمار أن يجند طائفة من المستشرقين لخدمة أغراضه وتحقيق أهدافه، وتمكين سلطانه في بلاد المسلمين. وهكذا نشأت هناك رابطة رسمية وثيقة بين الاستشراق والاستعمار، وانساق في هذا التيار، عدد من المستشرقين ارتضوا لأنفسهم أن يكونوا عملاء، وأن يكون علمهم وسيلة لإذلال المسلمين، وإضعاف شأن الإسلام وقيمه. هذا عمل يشعر إزاءه المستشرقون المنصفون بالخجل والمرارة. وفي ذلك يقول المستشرق الألماني المعاصر (استفان فيلد: " ..... والأقبح من ذلك أنه توجد جماعة يسمون أنفسهم مستشرقين، سخروا معلوماتهم عن الإسلام وتاريخه في سبيل مكافحة الإسلام والمسلمين. وهذا واقع مؤلم لابد أن يعترف به المستشرقون المخلصون لرسالتهم بكل صراحة"[1].


لم تكن الدول الاستعمارية، كإنجلترا وفرنسا وهولندا وإيطاليا وألمانيا وغيرها، لتحقق كل خططها الاستعمارية لولا وجود جيش المستشرقين. فبالنسبة للمغرب مثلا، لهم يكن في مقدور الماريشال ليوطي – المقيم الفرنسي أيام الحماية – أن ينجح في سياسته البربرية وخططه في تقسيم المغاربة إلى عرب وبربر، لو لم يستعن بالمستشرقين والانتروبولوجيين المتخصصين في لهجات البربر وعاداتهم وتقاليدهم. لقد أنشأ المستعمر الفرنسي سنة 1914 مدرسة فرنسية بربرية بالرباط، كان من بين نشاطها نشر دراسات وأبحاث عن المناطق البربرية، في مجلة نصف شهرية، تحمل عنوان "الوثائق البربرية". إن إخماد المقاومة في القرى والجبال والمناطق البربرية استلزم إيجاد وتكوين مجموعة من "المتبربرين"، الذين بعد تعلمهم اللهجات البربرية سيتم استعمالهم في الأغراض المناسبة، وهكذا برزت في هذه المجموعة أسماء عديدة أمثال لوشاتلييه، وميشو بلير، ولوكلاي، ولاووست، وجوستينياغ، ولوبينياك وغيرهم.


"ومن بين أطروحات ماكراي ومونتاي ما يلي:  إن البربر قديما، عاشوا في مناخ اجتماعي مماثل للمناخ الاجتماعي الذي عاش فيه اليونانيون قبل أثينا، واللاتينيون قبل روما"[2]. و"إن الحكام الاستعماريين الفرنسيين، استنادا إلى فرضيات أتنولوجية، حاولوا عزل البربر عن باقي الشعب المغربي، وإخضاعه لعملية تكييف معينة تصيرهم مع مرور الأيام كائنات إنسانية طيعة تبغض التمرد والثورة. ومن هنا عملوا على إبعاد العنصر البربري عن الإسلام واللغة العربية، بل ذهبوا إلى أنه إذا كان من الضروري أن يتطور هؤلاء البربر فينبغي العمل على توجيه تطورهم نحو ثقافة أوروبية محضة وليس في اتجاه ثقافة إسلامية"[3].










[1] - د. محمود حمدي زقزوق المرجع السابق ص 44.






[2] - Poul coatalen "Ethnologie barbare, in Annales Marocaines de Sociologie, Rabat, Institut de sociologie 1970 p 3."




[3] - Abdellah Charef, " Essai sur la structure sociale des immigrés marocains dans la région parisienne ", Thèse de doctorat de troisième cycle d'Anthropologie, Université paris v 1984 p: 52.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب. جمادى الأولى 1434/ مارس 2013.

 


حول الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية

1

 



يقول مارك كونطاغ:  "إن الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية شيء طارئ، أو حادثة تاريخية تحيا في ظروف مفارقة ومتناقضة... وهو أدب انتقالي أو مرحلي قام بدور هام، إلى جانب الأدب العربي، في الصراع ضد الاستعمار الجديد"1


مما لاشك فيه أن الاستعمار الفرنسي لبلدان المغرب العربي، يعتبر السبب الأساسي في ظهور هذا الأدب، إذ لولا وجود تلك الظاهرة السياسية والإمبريالية، لما كانت هناك دواع لكي يعبر بعض الروائيين والقصاصين من أبناء تلك الأقطار، عما يختلج في صدورهم بلغة غير لغتهم الأم. ولقد استطاعت إدارة الاستعمار الفرنسي بما أوتيت من قوة  ودهاء، أن تهمش اللغة العربية وتظهرها بمظهر العقم والجمود، وتعلي، في المقابل، من شأن اللغة الفرنسية، وتجعل منها اللغة الوحيدة في ميدان الفكر والأدب. ومن هنا كانت المدارس والمؤسسات التعليمية الفرنسية تستقطب كل سنة، عددا لا بأس به من أبناء المغاربة، مما أدى إلى ظهور جيل  يحمل راية اللغة والثقافة الفرنسيتين .  فكان منهم كتاب، وروائيون، وشعراء ممن سيضعون اللبنات الأولى للأدب المغربي المكتوب بالفرنسية.


وصرح نجيب العوفي، في حوار أجري معه حول هذا الأدب، بأن ظاهرة الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية، أو الأدب المغربي الفرنكفوني بوجه عام، ظاهرة ثقافية حساسة تولدت ضمن سياق تاريخي وسياسي بالغ التعقيد، سياق الهيمنة أو الهجمة الاستعمارية التي اكتسحت كافة الأصعدة والمجالات، بما في ذلك المجال الروحي والثقافي واللساني، الذي يعد وعاء الهوية وذاكرتها.


جاءت الظاهرة إذن في سياق مخطط استعماري شامل لغسل الذاكرة وطمس الهوية وتمييع اللسان، لأجل تمييع الوجدان، وكان الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية لذلك "شرا" لابد منه.


لقد كان "منفى اضطراريا" على حد تعبير الكاتب الروائي مالك حداد. وكأن الأديب المغربي الكاتب باللغة الفرنسية بمثابة "اللاجئ اللغوي" الذي استغل لجوءه هذا ليقول كلمته. لكن بعد حصول الأقطار المغربية على استقلالها، أصبح هذا اللجوء اللغوي غير مبرر وغير مشروع2.


أجل ليس هناك أي سبب منطقي لاستمرار هذا الأدب ، ولقد كان ألبير ميمي أول من أكد سنة 1957 بأن الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية سيموت أو ينمحي تلقائيا بعد الاستقلال3 .


وذهب عبد اللطيف اللعبي في مجلة "أنفاس"، إلى أن هذا الأدب يساهم في بلورة الثقافة الوطنية، وأنه لا يستعمل اللغة الفرنسية إلا كأداة مؤقتة5 . ومعلوم أن هذا الرأي كما ورد في المجلة المذكورة لا يمثل وجهة نظر اللعبي فحسب، وإنما يعبر عن موقف كل كتاب المجلة آنذاك. إذن ما هي يا ترى الأسباب التي حالت دون احتضار هذا الأدب إلى الآن بالرغم من توفر الشروط الموضوعية لذلك؟


لعل تفسير موزوني لهذه الاستمرارية يتضمن جانبا من الإجابة: "إن الأدب المكتوب بالفرنسية يشكل في الواقع ثغرة  يمكن التنفس من خلالها، ذلك أن هذا الأدب يتناول بسخرية تلك المواضيع التي يحجم عنها – لأسباب أخلاقية أو دينية – الكتاب المغاربة الذين يكتبون بالعربية. فمأساة " الخبز الحافي" لمحمد شكري، دليل على الرقابة الصارمة في وجه الكتابات المتعلقة بالجنس. لقد ترجم هذه الرواية بول بولز إلى الإنجليزية سنة 1973، ثم ترجمها الطاهـر بن جلون إلى الفرنسية سنة 1980.....


وهكذا ما دامت هناك مقاومة أخلاقية، فإن الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية سيظل دائما في خدمة الخطابات التي تهدد القيم... إذن هناك على الأقل ثلاثة أسباب لتفسير استمرارية هذا الأدب: طبيعته الإيديولوجية ، رغبته في المساهمة في بلورة الثقافة الوطنية، وقدرته على إيصال الخطابات الممنوعة والمحرمة"6


لا شك أن هذا التفسير ألقى بعض الأضواء على السر في استمرارية الأدب المغربي المكتوب بالفرنسية، بالرغم من اندثار العوامل الاستعمارية التي أنشأته وأخرجته إلى الوجود. لكن لماذا لا نعتبر الأسباب الثلاثة المذكورة آنفا، والتي حالت دون أفول هذا الأدب وموته، من صنع هؤلاء الكتاب المستغربين الذين شق عليهم أن يطلقوا لغة المستعمر؟ لقد بحثوا عن مجال خصب يتخذونه موضوعا لكتاباتهم الروائية والقصصية والشعرية، فلم يجدوا أحسن من واقع المرأة المغربية، وواقع العلاقات الجنسية ووضعية الأعراف والتقاليد في المدن والقرى، وممارسة المغاربة على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية والثقافية للدين والعقيدة...الخ، كل ذلك في صورة رمادية غير مشرقة، بلغت حدا متناهيا من الاستخفاف بمقومات المجتمع المغربي ومقدساته. وإذا كانوا قد تقربوا إلى فرنسا بإثارتهم للمواضيع ذاتها، التي كانت وما تزال تستهوي الباحثين الفرنسيين من الانتروبولوجيين والمستشرقين، فإنهم قد فاقوا أساتذتهم في الوقاحة والازدراء بأصالة المجتمع المغربي وتراثه.


ومن الناحية النفسية، يمكن القول؛ إن هؤلاء الروائيين وجدوا أنفسهم، غداة الاستقلال، معزولين عن الشعب المغربي لكونهم لا يملكون أداة التواصل الرئيسة، وهي اللغة العربية، فولوا وجوههم قبل أوربا وحكموا على أنفسهم بالنفي عندما اختاروا اللغة الفرنسية وسيلة للتعبير، والقارئ الفرنسي هدفا لإبداعهم الأدبي.


وفي هذا الصدد يقول نجيب العوفي: "إن القارئ الفرنسي الأوربي يبقى هو المستهدف الأول لهذا الأدب، سيما إذا علمنا أن أغلب النصوص الأدبية المكتوبة بالفرنسية، مطبوعة بكمية وافرة في فرنسا على نحو خاص، وأن أغلب هؤلاء الأدباء الفرنكوفونيين مقيمون بفرنسا، ويحملون معهم المغرب كذاكرة موشومة، ومادة خامة للكتابة. ومن ثم أرى أن الجمهور الأساسي الذي يتوجه إليه هذا الأدب، هو الجمهور الأوربي بعامة والجمهور الفرنسي بخاصة، من غير أن يعني هذا غياب الجمهور المفرنس، لكن حجمه يبدو أقل من الحجم الأول لأنه ببساطة لا يمثل القارئ "النموذجي" الذي يتوجه إليه أو يتصوره الكاتب المغربي الفرانكفوني"7.


الهوامش:









1 –Litterature marocaine, in Europe, revue mensuelle Juine-Juillet 1979 Paris p 3





2 – الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي، عدد 270 مارس 1989


3- ( Le roman marocaine de langue française)Ed Publisud, 1987 Paris, p 23-24 i Lahsen Mouzoun





4-  p -24  ؛ Lahsen Mouzoun





6- Litterature maghrebine actuelle et francophonie, in soffles n° 10-11- p 38 Abdellatif Laabi





7 - الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي...... المرجع السابق





د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/ تطوان المغرب. جمادى الأولى 1434/ مارس 2013.





وجود شيخ التربية الصوفية زمن الصحابة والتابعين؛ دعوى باطلة

2




إذا اطلعنا على تاريخ الصحابة والتابعين وتابعيهم إلى نهاية القرن الثاني للهجرة، لن نجد ذكرا لمصطلح شيخ التربية لفظا أو مضمونا، بما يحمله من الحمولات والمعاني التربوية الصوفية. وليتصفح القارئ مثلا كتاب "صفة الصفوة" للعلامة ابن الجوزي، ثم لينظر هل يجد أن أحدا من مئات الرجال المترجم لهم نعت أو وصف ب" شيخ التربية". وذلك راجع لأسباب جوهرية منها:


- 1  أن المسلمين، خلال هذين القرنين من الزمن، كانوا أحرص الناس على التقوى والاستقامة والتمسك بالكتاب والسنة. فلم يكونوا بحاجة إلى شيوخ التربية بالمعنى الصوفي الذي أصبح متداولا في القرون اللاحقة. وبمعنى آخر، لم تكن هناك أزمات أومشاكل نفسية أوروحية متعلقة بضعف الإيمان. وإن وجدت فسرعان ما تعالج، إما عن طريق الصحبة الصالحة وما أكثرها في ذلك العهد، أو عن طريق اللجوء إلى شيخ فقيه عالم معروف بالصلاح والزهد فيطلب منه النصيحة.
2 -أن روح التربية الروحية والإيمانية، كانت تسري بين المسلمين بطريقة تلقائية، لأن مظاهر الحياة الاجتماعية كانت تعبر أصدق تعبير عن الاستقامة وحب الدين ونصرته، الأمر الذي بدأ يتغير بعد انصرام العقود الأولى من حكم العباسيين، وظهور نفوذ الفرس.
 3 -إن العلم أو الفقه والتربية، كانا يشكلان وجهين لعملة واحدة، فالصحابي أو التابعي، أو من تبعه خلال تلك الفترة أو الحقبة الصافية، عندما ينفق أحدهم العلم، فإنه في الوقت ذاته يلقن التربية الروحية والإيمانية. فلم يكن هناك شيخ في العلم والفقه دون أن يكون شيخا في التربية.


             يستنتج مما سبق أن إسم شيخ التربية لم يكن ينعت به أحد في ذلك الزمن، أو ينادى به عليه، أو يخاطب به، بل كان الشيوخ العلماء والفقهاء يمارسون العلم والفقه تحصيلا وإنفاقا كما يمارسون التربية الروحية والإيمانية، ومن هنا فإن مصطلح شيخ التربية من المصطلحات المستحدثة.


             والمسلم يحتاج في حياته إلى من يعلمه القرآن أو الحديث أو الفقه، أو يعلمه طرق وأساليب إصلاح النفس وتزكيتها. لكن ذلك المطلوب لا يتعين في شخص بذاته بحيث إذا انتسب إليه الطالب المستفيد يواليه وحده ولا ينفصل عنه، كما يفعل الصوفية مع شيوخهم، بل يستحسن أن يكثر من الشيوخ والعلماء، تماما كما يتغذى النحل وهو ينتقل بين الأزهار. وكل من قدم لمسلم فائدة فقهية أو تربوية فهو شيخه فيها، كما عليه أن يبحث عن الشيوخ والعلماء الربانيين الورعين الزاهدين في الدنيا، والراغبين في الآخرة، فهم وإن قلوا لم ينقطعوا ولله الحمد.


             وبهذه الطريقة يظل قلب المسلم معلقا بخالقه وبسنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه ، مع الاستفادة من الشيوخ والعلماء. فلم يرتبط الصحابة ولا التابعون ولا من تبعهم بشخص واحد في العلم والتربية، وجعلوه محورهم ومستندهم الوحيد، لأن هذا الأسلوب أي أسلوب الاقتصار على شيخ واحد له عيوب كثيرة: منها أن أي شيخ أو فقيه أو عالم يعتبر غير معصوم، إذ قد تصدر منه أخطاء في الفقه أو التربية، تؤثر سلبا في عقيدة أو سلوك أتباعه أو تلاميذه، وهم لا يشعرون،وذلك بسبب حبهم لشيخهم الوحيد وتعصبهم لطريقته أو لمذهبه. ولذا كان تعدد المشارب وموارد الفوائد بتعدد الشيوخ والعلماء، أسلم وأصوب وأهدى سبيلا.


             والخلاصة أن كل مسلم يكون على علم بفقه العبادات، مطلع على السيرة النبوية وسير الصحابة والتابعين والأئمة، متخلق بأخلاق الإسلام، راغب في التقوى والاستقامة،... يعتبر مؤهلا، بالقوة والفعل، للقيام بدور الشيخ التربوي إذا دعت الضرورة لذلك، ودون حاجة لأن ينعت بوصف شيخ التربية، أو يسعى للاتصاف بها والتخصص فيها، حتى يعرف بها ويشار إليه بالبنان، إذ عندما يصل الأمر إلى هذا المستوى، قد يلج صاحبه باب الفتنة، فيفتن نفسه وغيره.



د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/جامعة القرويين. جمادى الأولى 1434/ مارس 2013.


العلمانية في النفق المسدود

0




لقد أثبتت كثير من الدراسات الغربية المتعلقة بالنقد والتحليل الاجتماعي والحضاري، أن الحضارة الغربية، رغم تقدمها العلمي والتكنولوجي، عرفت تصدعا عميقا، واضطرابا خطيرا على المستوى النفسي والعقدي. ولعل ذلك يرجع أساسا، إلى القطيعة المعرفية بين السماء والأرض، تلك القطيعة التي أحدثتها الفلسفات العقلانية والمادية المتعاقبة خلال القرون الأخيرة، والتي توجت بالفلسفة العلمانية. ثم إن هذه العلمانية، ذات النشأة الأوربية، سرعان ما تحولت إلى "مأزق أوربي"، همش المسيحية في أوربا وجعل مجتمعاتها تعيش فراغا دينيا، انصرف فيه أغلب الناس عن الإيمان الديني، حتى أغلقت كثير من  الكنائس أو بيعت !!.


 هذه العلمانية عجزت عن أن تملأ هذا الفراغ، وتجيب على أسئلة النفس الإنسانية التي يجيب عنها الدين. يقول القس الألماني، عالم الاجتماع، الدكتور "جوتفرايد كونزلن":


" نبعت العلمانية من التنوير الغربي، وجاءت ثمرة لصراع العقل مع الدين، وانتصاره عليه، باعتباره مجرد أثر لحقبة من حقب التاريخ البشري، يتلاشى باطراد في مسار التطور الإنساني. ومن نتائج العلمانية فقدان المسيحية لأهميتها فقدانا كاملا، وزوال أهمية الدين كسلطة عامة لإضفاء الشرعية على القانون والنظام والسياسة والتربية والتعليم...بل وزوال أهميته أيضا كقوة موجهة فيما يتعلق بأسلوب الحياة الخاص للسواد الأعظم من الناس وللحياة بشكل عام ..فسلطة الدولة وليست الحقيقة، هي التي تصنع القانون ..وهي التي تمنح الحرية الدينية.


ولقد قدمت العلمانية الحداثة باعتبارها دينا حل محل الدين المسيحي، يفهم الوجود بقوى دنيوية هي العقل والعلم..لكن وبعد تلاشي المسيحية في أوربا، سرعان ما عجزت العلمانية عن الإجابة على أسئلة الإنسان التي كان الدين يقدم لها الاجابات ..فالقناعات العقلية أصبحت مفتقرة الى اليقين .. وغدت الحداثة العلمانية غير واثقة من نفسها، بل وتفكك أنساقها، العقلية والعلمية، عدمية ما بعد الحداثة .. فدخلت الثقافة العلمانية في أزمة بعد أن أدخلت الدين المسيحي في أزمة ..فالإنهاك الذي أصاب المسيحية أعقبه إعياء أصاب كل العصر العلماني الحديث، وتحققت نبوءة نيتشة 1844-1900عن إفراز التطور الثقافي الغربي لأناس يفقدون نجمهم الذي فوقهم، ويحيون حياة تافهة ذات بعد واحد لا يعرف الواحد منهم شيئا خارج نطاقه ..وبعبارة ماكس فيبر 1864  1920: "لقد أصبح هناك أخصائيون لا روح لهم وعلماء لا قلوب لهم" ! .


لقد أزالت العلمانية السيادة الثقافية للمسيحية عن أوربا.. ثم عجزت عن تحقيق سيادة دينها العلماني على الإنسان الأوربي، عندما أصبح معبدها العلمي عتيقا ! ففقد الناس "النجم" الذي  كانوا به يهتدون"[1] .


 أصاب القس الألماني كبد الحقيقة، وبين عجز العلمانية عن أن تحل محل الدين، أو تأخذ بيد الإنسان الغربي التائه، الذي أضحى هدفا لأمواج الحداثة وما بعد الحداثة العاتية. قال تعالى:    "أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ) (النور:40).


 

[1] -جوتفرايد كونزلن؛ "مأزق المسيحية والعلمانية في أوربا" ص 28-31-32. تقديم د. محمد عمارة، القاهرة 1999.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب. جمادى الأولى 1434/ مارس 201










دوافع الاستشراق

0






لقد كانت هناك دوافع كثيرة تكمن وراء تأسيس الاستشراق ونشأته، وأهمها أربعة : الدوافع النفسية والدوافع الدينية والدوافع السياسية والدوافع العلمية.


في الوقت الذي كان الظلام يخيم على ربوع أوربا، وكانت المجتمعات المسيحية مسرحا للتمزق الاجتماعي وللصراعات والحروب الدينية، كانت أنوار العالم الإسلامي بشرقه وغربه ساطعة متلألئة، وكان صدى الاجتهاد  العلمي والمعرفي، يقرع  آذان أفراد من الشعوب الأوربية فيهز كيانهم. وكانت أخبار العمران وازدهار الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الإمبراطورية الإسلامية غير خافية على جمهور النصارى. ثم إن الإسلام في مدة لا تزيد على قرن من الزمان، انتشر في بقاع أرضية واسعة امتدت من تخوم الصين شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا، وصاحب هذا الانتشار نهضة عمرانية واجتماعية وثقافية لم يسبق لها مثيل. هذه المظاهر والعوامل جعلت الإنسان الأوربي آنذاك يقف مشدوها أمام عظمة الإسلام، وأصيب بشيء من الذهول. فما لبث أن شعر بدافع يحثه على البحث في هذه الحضارة الجديدة، والإطلاع على أحوال أهلها. ومن هنا فإن التاريخ يحدثنا أن رحلات كثيرة، بدافع من حب الاستطلاع والرغبة النفسية، كان يقوم بها عدد من النصارى إلى البلدان الإسلامية، وذلك قبل الحروب الصليبية بزمن طويل. وكثيرا ما كان هؤلاء الرحل بعد رجوعهم، يدونون ما عاينوه في الشرق الإسلامي، وما لفت أنظارهم من تقدم علمي واجتماعي، وربما شجعهم ذلك على تعلم العربية ليتسنى لهم الإطلاع على ثقافة المسلمين.


فيما يخص الدوافع الدينية يبدو أن الباحث في شأنها لا يحتاج إلى بذل جهد كبير ليثبت أن العامل الديني يعتبر عاملا أساسيا في ظهور الاستشراق. لقد أدرك الرهبان وأرباب الكنائس منذ ظهور الإسلام، أن هذا الدين الجديد يشكل خطرا على كيانهم وكيان رعاياهم من المسيحيين. ولكي يمنعوا وصوله إلى ديارهم ينبغي تأليب قلوب الأوربيين ضده، وتأصيل الكراهية والحقد والعداء في بواطنهم تجاه المسلمين. غير أن تحقيق هذا الهدف يستدعي الإطلاع على مبادئ الإسلام والطعن فيها، واختلاق الأباطيل حولها وتحريف الحقائق، فلم يجد الرهبان بدا من تعلم اللغة العربية والإطلاع على ثقافة المسلمين، فكانوا بحق أول من مارس الاستشراق وكتب عن الشرق الإسلامي.


بعد نهاية الحروب الصليبية واندحار جيوش النصارى، استنتج هؤلاء دروسا وعبرا من بينها أن العالم الإسلامي متفوق من حيث القوة الاقتصادية، وبالتالي لا يمكن قهره والانتصار عليه، إلا انطلاقا من قوة اقتصادية أوربية. وفي عصر النهضة الأوروبية وما بعدها أصبح العالم الإسلامي يشكل مجالا اقتصاديا ذا أهمية قصوى بالنسبة للتجار الأوربيين الناشئين، وتبع ذلك بالضرورة اهتمام الغرب المسيحي بدارسة علوم الشرق. "ومن خلال هذه الدراسات أدرك الغرب أنه إذا أراد أن يسامي الشرق ويتفوق عليه فليس له من سبيل آخر يوصله إلى انتزاع زمام الأمور من يده إلا بتعلم لغاته، وما يتعلق بها من حضارة وعلوم، وأدرك أنه لكي يتسرب إلى مصادر القوة في الشرق ويمزقها، يجب أن يتسلح بالقوة الاقتصادية، ولذلك تشبث بهذا المحور وجعله هدفه الأسمى، وسخر كل شيء في سبيله فطلب التجارة الرابحة، وهو أقوى المشجعات البشرية على النشاط والعمل، كان له أثره الطبيعي في ميول الأمة ومجهوداتها الفكرية. وبينما كان التاجر يسعى في تحصيل النفع المادي من الشعوب الشرقية، شرع يتعلم لغاتها وآدابها وينشئ المعاهد ويؤسس الجمعيات ليتعلم أبناء جلدته ومواطنوه"[1].


وبالنسبة للدافع العلمي فإنه لم يفرض نفسه إلا بعدما بدأت الكنيسة تفقد هيبتها في قلوب رعاياها، ولاحت في الأفق بوادر نهضة علمية وثقافية، وعزم بعض ساسة الدول الأوربية على الأخذ بأسباب التقدم والرقي، فشرعوا يحثون أرباب العلم والمعرفة على نقل كتب العلم من العربية إلى اللاتينية. وهكذا أقبل المستشرقون على دراسة تراث الشرق الإسلامي بهمة وشغف، وفي هذه المرحلة لم يكن الدافع عند هؤلاء دينيا بل كانت جهود البحث تجسد أغراضا علمية هدفها اقتناء ما تحويه علوم الشرق من فوائد وكنوز؟ وتميزت هذه المرحلة أيضا بوصول هيئات أوربية إلى المعاهد والمؤسسات العلمية بالأندلس، كما تميزت بإنشاء مدارس لتعليم العربية وعلوم المسلمين في أهم مدن أوربا.


[1] - د.أحمد سمايلوقتش "فلسفة الاستشراق وأثرها في الأدب العربي المعاصر، دار المعارف مصر 1980 ص 45-46"



د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/ تطوان المغرب. ربيع الثاني 1434/ مارس 2013.











.




المؤسسات الاجتماعية الأوربية ودورها في تفكيك الأسر المسلمة المهاجرة

0





إن مما عمت به البلوى في زماننا هذا، كون العائلات المسلمة التي تعيش بين ظهراني الأوربيين، تعاني أزمات اجتماعية ونفسية لا حصر لها، كما يتهددها باستمرار خطر التفكك والانهيار. ذلك أن المؤسسات الاجتماعية التي تحتضن المهاجرين تمتلك صلاحيات قانونية وسياسية، تسمح لها بأن تتحكم في كافة المراحل الحياتية والثقافية والمادية، لتلك العائلات والأسر، بحيث تجبرها تدريجيا، على التخلي عن كثير من عاداتها وقيمها الإسلامية، وتبني العادات الغربية.

كما لا يخفى على أحد أن معظم العائلات المسلمة تعيش بفضل المساعدة الإجتماعية في هذه الدول، مما يعطي للمؤسسة الإجتماعية، حق الإشراف على هذه الأسر ومراقبتها ومراقبة الأولاد مراقبة دقيقة، وتتبع حياتهم ومراحل تنشئتهم الاجتماعية. ولكل أسرة مسؤولة من المؤسسة الإجتماعية، تتابع تفاصيل الأسرة المسلمة و تسعى لإخضاعها للقواعد والقوانين السارية في هذه الدول.ولهذا السبب، أضحت هذه الأسر المغتربة والمستهدفة، ضحية مشاكل وتوترات نفسية عميقة، غالبا ما تفضي إلى التفكك، ثم التلاشي شيئا فشيئا.
وكثيرا ما تبلغ سلطة وقوة هذه المؤسسات الإجتماعية، إلى درجة إعلانها وتقريرها بعدم صلاحية الأبوين المسلمين المهاجرين، لتربية الأبناء، الذين يؤخذون قهرا ويوزعون على عائلات أوربية، فتتغير أسماؤهم، ثم يتدرجون في تنشئة اجتماعية وعقدية أخرى.. وهكذا يتم مسلسل احتواء وتنصير كثير من أبناء المسلمين.


ومن المشاهد المألوفة والمكررة والتي تؤدي بتلك الأسر إلى ذلك المصير المشؤوم ؛ مشهد الخلاف بين المهاجر المسلم وزوجته، حيث تتدخل المؤسسة الإجتماعية لوضع حدّ لهذا الخلاف، وقد تدعّي الزوجة المسلمة أنّ زوجها ضربها أو حاول ضربها، وهو الأمر المحظور قانونيا. و يتعرض ضارب زوجته للسجن من سنتين إلى خمس سنوات. وعندها يدعي الزوج أيضا ومن باب الانتقام، أنّ الزوجة هي التي حاولت ضربه،  هنا تحكم المؤسسة الإجتماعية بأن لا الزوج ولا الزوجة يصلحان لتربية الأطفال، فتصدر قرارا بأخذ الأطفال و منحهم لأسر نصرانية.

ولقد كشف برنامج تليفزيوني سويدي، أنّ الجمعية المسيحية في السويد وفي شمال أوربا و التي تعرف بكلمة "الحياة"، والتي تعّد من أنشط الجمعيات المسيحية، يعمل العديد من أعضائها في المؤسسات الإجتماعية، ويلجؤون إلى المكر القانوني لمصادرة أطفال المسلمين وتوزيعهم على أعضاء هذه الجمعية، وتنصيرهم في وقت لاحق. و قد نجحت الدول الأوربية من خلال هذه الإستراتيجية في تفكيك آلاف الأسر المسلمة.

وبمجردّ أن تشكو المرأة المهاجرة زوجها للمؤسسة الإجتماعية تمنح بيتا على الفور، و يطلب من زوجها عدم الإتصال بها، و إلاّ كان مصيره السجن. ثمّ يلحق بها الأولاد كخطوة أولى. وبعد ذلك يتمّ تجريد الأم من أولادها خصوصا إذا أصيبت بمرض نفسي، أو لم تستطع تحمل مسؤولية الأبناء وحدها، أو لسبب آخر..


"و تعمد المؤسسات الإجتماعية إلى العمل ضدّ العرف الذي كانت تلتزم به هذه الأسرة المسلمة في بلادها؛ حيث القوامة للرجل. فالمؤسسة الإجتماعية تبعث راتب الإعانة الإجتماعية باسم المرأة وإلى حسابها، و هي التي تعطي جزءا من هذه الإعانة لزوجها الذي لا يتحمّل هذا الموقف، ويدخل في خصام دائم مع زوجته.ولقد اعترف أب مسلم فقد أولاده بهذه الطريقة، قائلا: لقد وضعت عشرة آلاف دولار حتى أصل إلى الجنة المزعومة، وبدلا من أن أحصل على الرفاهية، فقد أضعت أسرتي و أولادي، فماذا سأقول للمولى - عز وجل - يوم يسألني عنهم وقد أصبحوا نصارى وبامتياز.. ؟! "


ويبدو أن سياسات الإدماج التي تنتهجها الحكومات الأوربية إزاء أفراد الجاليات المسلمة، ليست قائمة على أسس إنسانية وحضارية، كما أنها لا تحترم الخصوصيات الثقافية والعقدية لهؤلاء المغتربين. وإنما تسعى بكل الوسائل المشروعة وغير المشروعة، لإدماجهم في النسيج الاجتماعي والثقافي الغربي، إدماجا قسريا لا رحمة فيه. ومن هنا فإن إطلاق العنان للمؤسسات الإجتماعية حتى تنهج هذا النهج التفكيكي والتنصيري المدمر، مع الأسر المسلمة، قد جاء نتيجة إخفاق سياسة إدماج المسلمين في المجتمعات الغربية.



د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/جامعة القرويين، تطوان المغرب. ربيع الثاني 1434/مارس 2013.




نفسك نفسك، احذرها وصاحبها

2





كن راميا


يا بني كن راميا ثم راميا ثم راميا، وإذا لم تستطع فعليك بسورة لقمان فإنها تعلم الحكمة، بل الوحي كله عين الحكمة. وإذا وضعت الحرب أوزارها، فنازل نفسك منازلة عزيزة، فإن أذعنت أو جنحت للسلم فاجنح لها، واشترط عليها، وإلا فلا تغمد سيفك حتى تفئ إلى أمر الله. فإن فاءت فعاملها باللطف والحكمة، فإنها أسيرة ومنكسرة. ثم صاحبها بالترغيب والترهيب وذكرها بالمنزل الأول؛ منزل الحبيب، قبل الشروق وعند المغيب.


 


اتخذ لنفسك مكانا شرقيا


اتخذ لنفسك مكانا شرقيا واثبت على ذلك ولو غرب كل من حولك، والله يحجبك عن عيون الخلق. شمس بصرك تغرب لفنائها وفنائه. وشمس بصيرتك في شروق ولو عند كشف الغطاء، وحين تشرق الأرض بنور ربها، ويرفع الحجاب وتعنو الوجوه للحي القيوم. شمس المعارف الربانية تورث الوهب، ومن صفاته الوهاب، وشمس العلوم الدنيوية تورث الكسب ومن صفاتك الكاسب، وقد أمرت أن تتخلق بأخلاقه، وأخلاقه من صفاته.


كسر أصنامك


كسر أصنامك تبد لك أسرارك، ولذ بالرحمان تفز بالإحسان. أبناء جلدتك عكفوا على الأصنام، وزينوها ووضعوا لها الأرقام، وحلت عندهم محل خالق الأنام، ومنها المحسوس والمخيل، والثاني أظلم لتعلقه بالوهم، وكلاهما سراب لأن ما خلا الله باطل، "ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور". لا تلتفت إلى الأصنام فتصيبك السهام، وتبرأ منها وممن يطوف حولها، واحتم بصاحب الحول سبحانه ما أعظمه.


 


د. عبد الله الشارف؛ "واردات وخواطر إيمانية" 2005/ تطوان المغرب.