فاطمة المرنيسي وموضوع الحجاب

2




قالت د. فاطمة المرنيسي:


«أعتبر أن اللجوء إلى الحجاب كان وسيلة للسيطرة الجنسية، ولحماية طبقة من النساء الحرائر على حساب طبقة أخرى؛ الإماء»[1]. «إن تشريع الحجاب في المدينة قضى على الحرية التي برهن عليها الإسلام في بداية حياته. وللأسف الشديد كان ينبغي أن تمر خمسـة عشر قرنا، قبل أن يأتي المستعمر فيضغط على الحكومات الإسلامية، لكي تفتح ملف حقوق الفرد والمرأة »؟ ! ! ![2].


في النص الأول، ادعت الدكتورة فاطمة المرنيسي، بأن الحجاب شرع لحماية طبقة من النساء على حساب طبقة أخرى، وتستدل على ذلك في ص 236 من الكتاب نفسه، بقوله تعالى : ]يا أيها النبيء قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين [. وهو استدلال من باب تلبيس الحق بالباطل. و المؤكد في تاريخ السيرة أن النساء في أول الإسلام، كما في الجاهلية، كن يكشفن وجوههن سواء كن حرائر أم إماء. وكان بعض السفهاء يتعرض لهن عندما يخرجن بالليل لقضاء حاجاتهن. وإذا وقع الاعتداء بالتعرض على حرة قالوا حسبناها أمة، فأمرن أن يخالفن بزيهن زي الإماء بأن يدنين عليهن من جلابيبهن، وذلك بعد أن شكون إلى النبي  صلى الله عليه وسلم، فعل السفهاء بهن.  وترى الدكتورة فاطمة المرنيسي أن النبي  صلى الله عليه وسلم عندما عزم على ايجاد علاج لظاهرة "التعرض"، لم يكن ينوي قط استئصالها من الجذور، وإنما همه الوحيد هو صرف هؤلاء السفهاء عن إذاية نسائه ونساء المسلمين، أما الإماء وغيرهن من النسوة فلا شأن له بهن . !!


«وينبغي إيجاد وسيلة لفصل الإماء اللواتي أبيح لهن الزنا، عن الحرائر زوجات الاستقراطيين والرجال الأقوياء، اللواتي يحرم عليهن اقتراف تلك الفاحشة» [3].


يتضح من خلال هذا الكلام، أن الإسلام أقام نظاما اجتماعيا طبقيا أو على أصح تعبير، أقام ميزا عنصريا واجتماعيا بين النساء الحرائر والإماء، وشرع الحجاب وسيلة، من جهة، لجعل أولئك الحرائر في مأمن من التعرض والإذاية. ومن جهة أخرى لدفع الإماء وتشجيعهن على الزنا والرذيلة. كما أن تشريع الحجاب يعبر عن انتصار منطق السفهاء والمنافقين.


 إن هذه الاستنتاجات السخيفة، تتناقض مع النقل والعقل. أما تعارضها مع النقل، فلكونها تفتقر إلى دلائل من الكتاب والسنة، بالإضافة إلى أنه لم يقل بها أحد من الفقهاء والمفسرين سواء من القدامى أو المحدثين.


وأما تعارضها مع العقل فلأنها، تتناقض منطقيا مع أهداف الرسالة الإسلامية التي تنص على العدالة والمساواة، وبذلك شهد العقلاء من أئمة الإسلام. وواضح أن الأستاذة فاطمة المرنيسي، وقعت في التناقض من حيث كانت تروم الإبداع، إنها لم تحكم استعمال آليات المنهج الاجتماعي الدوركايمي، حيث فسرت ظهور الحجاب بالضغوط الاجتماعية في مجتمع المدينة، والتي تمثلت في موقف المنافقين والسفهاء. كما أنه قد غاب عن ذهن الباحثة الاجتماعية، أن القداسة الإلهية فوق مبادئ وقوانين منطق علم الاجتماع الوضعي، وأن كثيرا من تنبؤات علماء الاجتماع لم تتحقق، نظرا لتدخل المشيئة الإلهية في حياة الإنسان.


وقالت د. فاطمة المرنيسي:« إن عمر رضي الله عنه، عندما اقترح على النبي صلى الله عليه وسلم، أن يحجب نساءه عن الرجال، عمل على طمس البعد الحضاري والتحرري الذي نادى به الإسلام»[4]. !!


إن ما يؤكده المفسرون وكتاب السيرة ان عمر بن الخطاب الخليفة الثاني، طلب بإلحاح من النبي صلى الله عليه وسلم أن يحجب نساءه عن عامة الناس.


قال ابن كثير: » هذه آية الحجاب وفيها أحكام وآداب شرعية، وهي مما وافق تنزيلها قول بن الخطاب t كما ثبت ذلك في الصحيحين عنه أنه قال : وافقت ربي عز وجل في ثلاث، قلت : يا رسول الله لو اتخذت مقام ابراهيم مصلى، فأنزل الله تعالى ]واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى[. وقلت : يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو حجبتهن، فأنزل آية الحجاب، وقلت لأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، لما تمالأن عليه في الغيرة ]عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن [، فنزلت كذلك»[5].


عندما تدعي فاطمة المرنيسي أن حجب النبي  صلى الله عليه وسلم نساءه عن المسلمين كان بإيعاز من عمر بن الخطاب ، تجعل من هـذا الخليفة الجليل مشرعا، أي أن ذلك الحجاب لم يكن  ليشرع لولا تدخل عمر والحاحـه في طلب ذلك من النبي، صلى الله عليه وسلم. وهذا يفيد عدم معرفتها بمعنى الوحي وحقيقته. ومما لاشك فيه، كما يتبين من المراجع العربية التي اعتمدت عليها، أنها اطلعت على قول عمر: "وافقت ربي في ثلاث..." وفهمت مغزاه، غير أنها أبت إلا أن تفسر الحدث تفسيرا اجتماعيا ماديا على طريقة المدرسة الاجتماعية الوضعية.


زعمت الدكتورة فاطمة المرنيسي أن النبي صلى الله عليه وسلم، حجب نساءه بإيعاز من عمر أي أن الحجاب لم يكن ليشرع لولا تدخل عمر وإلحاحه في طلب ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم. وهكذا تعتبر الكاتبة عمر بن الخطاب رضي الله عنه أول من جنى على الإسلام وحضارته، وقضى على تطلعاته التحررية في مهدها.


إن النبي صلى الله عليه وسلم، حسب رأيها، [6] كان يود دائما أن يكون بيته مفتوحا لكل الناس، وأن الحجاب يمثل النقيض التام لكل ما كان يروم تحقيقه. غير أن عمر لم يستطع استيعاب هـذا الأمر، لأنه كان جاهلا بحقيقة الإنسان كما يتصورها الدين الجديد أي الإسلام. ومن هنا رأى أن الحل الوحيد لإعـادة النظام إلى نصابه في المدينة، هو "وضع الحواجز وإخفاء النساء موضوع ومحل الشهوات ".


«ولم يكن غريبا ان يصبح عمر لسان حال المقاومة الرجالية في وجه المشروع التعادلي الذي أتى به النبي  صلى الله عليه وسلم. كما كان عمر مناصرا لاستمرارية الوضع الراهن للمجال العائلي، لكونه كان يعتقد ان التغييرات التي أدخلها الإسلام على الحياة الجاهلية تخص الحياة العامـة والروحية. أما الحياة الخاصة فينبغي ان تظل محكومة بأعراف ما قبل الإسلام»[7].


وهذا التجريح لشخص عمر، إنما جعلته وسيلة للطعن في الإسلام، ويعبر عن أن فاطمة المرنيسي قد أصبحت ممن يجيدون استعمال لغة المستشرقين في دراسة الشخصيات الإسلامية، كما أن كلامها في شأن هذا الخليفة يذكرنا بالقصص التي تزخر بها الكتب المدرسية في الغرب المسيحي عن الإسلام والمسلمين؛ حيث تصور خلفاء الإسلام تصويرا تشمئز منه النفوس فتنعتهم بالغلظة والجور وسفك الدماء. وهكذا بعد أن حملت عمر بن الخطاب مسؤولية " الظلم" الذي لحق المرأة المسلمة خلال قرون طويلة بسبب الحجاب، ختمت النص المشار إليه بالتنبيه إلى أن المستعمر هو الذي خلص المرأة المسلمة، وأعتقها من العبودية حينما " فرض على الحكومات الإسلامية إعادة فتح ملف حقوق الإنسان والمرأة على الخصوص".


متى كان الغازي والمخرب مصلحا ومخلصا أيتها الباحثة الاجتماعية؟ من هي هذه المرأة المغربية التي عاشت في زمن الاستعمار وصرحت بأن المستعمر خلصها من العبودية التي أقامها فيها الإسلام؟ ولو كنت أنت نفسك امرأة مغربية في الثلاثينيات والأربعينيات، هل كنت تدعين أن المستعمر خلص المرأة… وأنت تشاهدين آثار خرابه ودماره للقرى والمدن وتشريده للأسر بقتل وسجن الآباء والأبناء؟ ما أظنك تفعلين.!  ولكن بعد ذهاب الاستعمار العسكري ومجيء الاستعمار الفكري وهيمنته الفكرية، وظهور المستغربين في بلاد المسلمين، تفشت هذه الأفكار الاستغرابية والدعاوى الباطلة.









[1] ـ FATIMA MERNISSI "Le Harem politique,Le Prophète et les femmes


         Ed. Albin Michel, Paris 1987,p23.





[2]- Le Harem politique,Le Prophète et les femmes, P 236





[3] - نفس المرجع .





[4]- فاطمة المرنيسي : " الحريم السياسي" ، ص.234 .





[5]- تفسير ابن كثير, ج 5  ,ص 489.





[6] ـ فاطمة المرنيسي : "الحريم السياسي" ص.236 .





[7]- فاطمة المرنيسي : " الحريم السياسي" ص.180 .


 د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/ جامعة القرويين. تطوان المغرب. جمادى الأولى 1434/ مارس 2013




التعليقات

  1. اشرف الخباز31 مارس 2013 9:30 ص

    المستعمر كانت نيته افساد اخلاق البنات و النساء المسلمات و لا يزال هذا هدفه لحد الساعة و للاسف ابناء جلدتنا يساعدونهم في الوصول الى تحقيق نواياهم الشيطانية الخبيثة و يساهمون بطرق مباشرة و غير مباشرة في ذلك ولا حول ولا قوة الا بالله

    ردحذف
  2. I have been examinating out some of your articles and i can claim nice stuff. I will make sure to bookmark your blog.

    ردحذف