التقوى نجاتك

0


نجاتك في سلامة مركبك


جسدك مركب لروحك، إن سلم من الخرق نجا من الغرق، وعانقت روحك الساحل الأبدي، وإلا كسرته أمواج الغواية، وقذفت بأشلائه. وصلاح مركبك معلق بسلامة حواسك؛ إذ بها يحصل العروج، وعليها يتوقف السفر. ولن تعبد الله ولن تشاهد آياته، ما لم تستقم جوارحك وما لم يخشع قلبك؛ ( تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله).


 


لباس التقوى


لباس التقوى جمالك، فلا تترك الشيطان يسلبك إياه فتفقد كرامة الاستخلاف، ثم يجردك عن إنسانيتك، ويزج بك في حمأة البهيمية، فيتحقق مراده فيك، ويسخر منك هو وقبيله. ولو رأيت الأجل ومروره، لنسيت الأمل وغروره، ولو شمرت فكرك فيما خلقت له، لما اشتد حرصك على الدنيا، ولما أتعبت نفسك فيما سيفنى.


 


ابتغ إليه الوسيلة


لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إلا التقوى، والتقوى أن يجدك حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك.


  


اتخذ تقوى الله تجارة


خسر بيعك وبارت تجارتك، واستحالت سرابا. وأقفرت جنتك، ولما تنبت شيئا. وما زلت تلهث حتى بلغ منك الجهد مبلغه، وتقطعت أوصالك، ونسيت أن "اليوم الرهان وغدا السباق والجنة الغاية"، و أن "من في الدنيا ضيف وما في يده عارية والضيف مرتحل والعارية مؤداة". فاتخذ تقوى الله، تجارة تأتك الأرباح وتحمد البضاعة. وحينئذ تلين الجوارح وتخشع، وتستخشن الجنوب ليونة المضجع، ويسجد القلب، ويهجم اليقين، فتندحر جيوش النفس الأمارة، وتغدو الآخرة أقرب إليك من حبل الوريد.  


 


 د. عبد الله الشارف؛ "واردات وخواطر إيمانية"، جمادى الأولى 1435/ مارس 2014. تطوان المغرب

بين الفلسفة العقلانية والوجدان

0






يرجع قيام الفلسفة الحديثة في أوربا إلى حركتين تاريخيتين، الأولى: حركة النهضة الفكرية وإحياء العلوم وآثار اليونان، والثانية: حركة الإصلاح الديني. ففي منتصف القرن الخامس عشر الميلادي، بدأت آثار اليونان وفلسفتهم تتسرب إلى عقول المثقفين والمفكرين الأوربيين، وانبعثت من إيطاليا لغة اليونان القدامى وفلسفتهم. ثم إن أسباب حركة النهضة الفكرية هاته، ترجع حسب بعض المؤرخين إلى أيام الحروب الصليبية و الاستيطان المسيحي  للقدس، و ولغيرها من المدن والحصون والقرى، حيث استفاد المسيحيون من حضارة المسلمين ومدنيتهم وعلومهم، وكان التلاقح الثقافي بينهما لصالح الغزاة. أضف إلى هذا حركة الترجمة من العربية إلى اللاتينية التي انطلقت من صقلية في القرن الثالث عشر الميلادي، ثم انتشرت في بعض المدن والمراكز العلمية الإيطالية والإسبانية والفرنسية.


أما فيما يخص الحركة الثانية أي حركة الإصلاح الديني، فإنها أسهمت بدور فاعل في تحرير العقول من العبودية التي فرضها اللاهوتيون والكنسيون. وقد تجلى ذلك في ظهور المذهب البروتستانتي على يد لوثر وكالفن، ذلك المذهب الذي دعا إلى التسلح بروح النقد وإخضاع النص الديني للتحليل والنقد العقلي. ولقد أدى تعاون النهضة الفكرية والعلمية مع حركة الإصلاح  الديني، إلى إنتاج عامل ثالث هو ازدهار العلوم الطبيعية، الذي كان له الأثر الفعال والمباشر في تحويل فلسفة القرون الوسطى المسيحية إلى الفلسفة الحديثة.


لم تكن الفلسفة الأوربية الحديثة تدعو إلى تشجيع البحث في العلوم الطبيعية فحسب، وإنما جعلت من الإنسان الحر محور تفكيرها؛ حيث دعت إلى إعادة بناء الإنسان الأوربي انطلاقا من أسس جديدة، وقيم إنسانية وضعية وفلسفية تقوم على تقديس العقل. وبذلك فشا الاعتقاد بأن العقل يستطيع حل كل ألغاز ومشاكل العالم. ثم إن هذا الميل إلى إخضاع كل شيء للعقل وسلطته، أدى إلى وضع العقل نفسه تحت مجهرالبحث والتحليل؛ فتساءل الإنسان الأوربي عن أصول المعرفة وطبيعة الإدراك، وأيهما الحكم في المعرفة: العقل أم التجربة؟ فجا ء العقلانيون، ويمثلهم ديكارت، وردوا المعرفة إلى العقل، وجاء التجريبيون، ويمثلهم بيكون، وأرجعوها إلى التجربة.


ظل العقل يشكل باستمرار محورا من المحاور الأساسية في الفلسفة الأوربية الحديثة. وعندما نشأ علم النفس الحديث، مال بعض علمائه إلى دراسة العمليات العقلية من إدراك وتعلم وتخيل، ودراسة خصائص الدماغ، والجهاز العصبي، وتعزيز ذلك بعلم التشريح، فحدث على إثر ذلك اكتشاف الذكاء المعرفي في فرنسا سنة 1905 على يد ألفريد بيني؛ الذي قام بابتكار طريقة لتشخيص  المستويات العقلية لدى الأطفال الأسوياء واللأسوياء، في المصحات والمدارس الابتدائية في باريس، وتواصلت الجهود في هذا المضمار على يد علماء بريطانيين وأمريكيين وألمانيين.


" أما الوجدان أو الانفعال، فقد نظر إليه السيكولوجيون على أنه متغير غير منظم ومشوش، ويصعب ضبطه أو السيطرة عليه، وأنه يتناقض مع التفكير المنطقي. وقد سادت هذه النظرة منذ القرن الثامن عشر، وسميت ب "حركة العقلنة"، التي لا ترى للوجدان دورا يذكر في نجاح الفرد، وأن حياته ستكون أفضل لو تم تحكيم عقله وعزل انفعالاته، حتى لا تشوش على التفكير السليم. وأن الانفعالات تعكس صورة غير حضارية للفرد.


وتبعا لهذا الاتجاه، فقد اقتصر مفهوم الذكاء لدى معظم الباحثين، لفترة طويلة من الزمن، على الذكاء المعرفي فقط؛ الذي يشير إلى مجموعة من القدرات المعرفية كالتفكير المجرد، والاستدلال والحكم والذاكرة وغيرها. غير أن هذه النظرة أثارت حفيظة بعض السيكولوجيين الذين شعروا بالخوف من سيطرة المدرسة المعرفية على العوامل الأخرى التي تتحكم في السلوك البشري، وفي مقدمتها العامل الوجداني، مما قد يؤدي إلى اختلال النظرة المتزنة إلى الإنسان باعتباره كائنا يجمع بين العقل والوجدان".[1]


وفي بداية الثمانينيات من القرن العشرين الميلادي، طرأ تحول في علم النفس الحديث متعلق بموضوع الذكاء والقدرات العقلية والنفسية؛ حيث أعيد النظر في الجانب الوجداني والانفعالي عند الإنسان. وبدأ الحديث يكثر بين علماء النفس عن الذكاء الوجداني أو الانفعالي، وأهميته في وقتنا الراهن الذي تفشت فيه مظاهر الفشل والانحراف والعنف، وتصاعدت وتيرة الجرائم والنزاعات والحروب. وهكذا برزت أهمية الذكاء الوجداني كقوة مسيطرة على كل قدراتنا الأخرى إيجابا وسلبا؛ إنها قوة الوجدان. كما تجعل من هذا الذكاء فنا من فنون قيادة الانفعالات وإدارتها. وانتشرت في السنوات الأخيرة كثير من الأبحاث العلمية والتربوية تتمحور حول هندسة الانفعالات وبرمجتها، مرتبطة بالتفكير وتفعيل مهاراته للوصول إلى وعي حقيقي بالذات وإدارتها في المواقف الصعبة. "وتسهم لغة الذكاء الانفعالي في هندسة الذات وتفعيل مسارات حيويتها في التوافق مع الذات والآخرين، واستثمار ذلك في تفعيل مسارات الطاقة اللامحدودة في مكنوناتها، لتبحر في عوالم التفكير الخلاق، والإبداع في الحياة، وهذه هي مكتسبات الاتجاهات السيكولوجية الحديثة، حيث أن حركة علم النفس في بداياتها؛ كانت ترفض كل ما يمت إلى الانفعالات بصلة ولا تقدس إلا لغة العقل والمعرفة، ولكننا في عصر الحداثة.



د. عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين/ تطوان المغرب. جمادى الأولى 1435/ مارس 2014.










[1] -  د. بشير معمرية؛ "الذكاء الوجداني مفهوم جديد في علم النفس"؛ مجلة علم التربية، عدد 16، 2005، ص 53/ الجديدة المغرب، مطبعة النجاح، الدار البيضاء.




الخلفية الفلسفية للمفاهيم التربوية

0

إن المطلع على آراء ونظريات أشهر الكتاب والمنظرين في ميدان التربية و البيداغوجيا من الغربيين خلال القرن التاسع عشر والعشرين، يلاحظ أن أفكارهم متقاربة، وقلما تتعارض لأنها تنهل من معين واحد هو معين المدنية الغربية القائمة على اصول الفلسفة المادية والعلمانية، ومن هنا جسدت تلك الأفكار منطلقات هذه المدنية وأهدافها.


وتعتبر القطيعة الروحية؛ أي الثورة ضد الدين ونبذ كل ماله علاقة بالتصور الديني والأخلاق والقيم الروحية؛ الأرضية الفكرية والفلسفية التي انطلق منها هؤلاء الكتاب، لأنهم اعتبروا الدين عاملا من عوامل التخلف والظلام. وترتبت على هذه المسلمة بالنسبة لهم، مسلمة ثانية ترى في الحياة المادية الدنيوية الحياة الحقيقية الوحيدة، إلى غير ذلك من المبادئ والمسلمات التي تقوم عليها الحضارة الغربية والتي لا يتسع المجال لذكرها.


لقد كان من الطبيعي أن تنعكس فلسفة الحضارة الغربية وتصوراتها على كافة العلوم والفنون والكتابات الأدبية والتربوية؛ فعندما ندرس مثلا فكر الكاتب والفيلسوف الأمريكي وليام جيمس (1842-1910) نجده قائما على ما يسمى بالبرجماتية؛ أي تقدير المبادئ والحقائق من خلال قيمتها العملية المنفعية، ونجده بالتالي قد دعا إلى اعتماد نتائج علم النفس التجريبي في مجال التربية، وإلى توجيه الأطفال توجيها عمليا منفعيا في إطار المفهوم المادي للحياة الأمريكية.


وهناك كاتب وفيلسوف آخر اسمه جون ديوي، الذي اشتهر أكثر من غيره في العصر الحديث بنظرياته التربوية، والذي أخذت بتوجيهاته مدارس ومراكز التوجيه التربوي في الدول الناطقة بالإنجليزية، بالإضافة إلى الدول التي خضعت للاستعمار الإنجليزي كمصر والعراق والهند. ولقد أثنى عليه الدكتور فاخر عاقل في كتابه معالم التربية ووصفه بالمربي العظيم. ويحدثنا التاريخ المعاصر أن جون ديوي هذا كان من ألد أعداء المسيحية في النصف الثاني من القرن 19، ولم يسلم بسبب موقفه المتطرف من انتقادات بعض المحافظين من رواد الكنيسة الكاثوليكية، لكن نظرا لهيمنة روح الحياة المادية والمنفعية في الغرب، لقيت آراؤه التربوية العلمانية قبولا منقطع النظير.


دعا جون ديوي إلى جعل المدرسة صورة واقعية للحياة الاجتماعية، كما دعا إلى رفض كل ما يتعلق بالماضي من فكر أخلاقي أو عادات اجتماعية أو معتقدات دينية، وأن القيم يجب أن تستنبط من الحياة الواقعية، أي الحياة المادية المنفعية التي يمثل المجتمع الأمريكي ، حيث عاش جون ديوي، أسمى نموذج لها.


إن هذا المسار المادي


 والنفعي للمفاهيم التربوية الحديثة، والذي نلمس آثاره في حياتنا الاجتماعية المعاصرة، يشكل نتاجا نهائيا وتتويجا لمجهودات فكرية وفلسفية لفلاسفة وعلماء النهضة الأوربية، التي انطلقت من إيطاليا في القرن الخامس عشر الميلادي، والتي من أقطابها بترارك، وإراسم، ثم مونتاني، وفنلون، مرورا بروسو وفولتير، قبل أن ينتقل الإرث التربوي إلى فرويد وجماعة من علماء النفس والبيداغوجيين والتربويين المحدثين.


هؤلاء المفكرون والفلاسفة ابتداء من عصر النهضة، كانوا يركزون على الإنسان انطلاقا من تصور أفقي في مقابل التصور العمودي ؛ ذلك التصور الذي يربط هذا المخلوق بخالقه. فكان من البديهي أن يصاغ الفكر التربوي في إطار هذا التصور الأفقي المنصب على الأرض والمادة، وكل ما له  بالمنفعة العاجلة والمادية.


د. عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين جامعة القرويين/ تطوان المغرب جمادى الأولى 1435/مارس2014.


 

أوجست كونت والقوانين الاجتماعية

0


في النصف الأول من القرن  التاسع عشر الميلادي، قام الفيلسوف الفرنسي أوجست كونت (1779-1857) بتأسيس علم الاجتماع الغربي، بوصفه علما مستقلا في ذاته، لدراسة الظواهر الاجتماعية دراسة علمية، شأنه في ذلك شأن العلوم الطبيعية. فكتب يقول:


"إنه لدينا الآن فيزياء سماوية ، وفيزياء أرضية ، ميكانيكية أو كيميائية ، وفيزياء نباتية وحيوانية ، ومازلنا بحاجة إلى نوع آخر من الفيزياء هو الفيزياء الإجتماعية، حتى يكتمل نسقنا المعرفي عن الطبيعة. وأعني بالفيزياء الاجتماعية، ذلك العلم الذي يتخذ من الظواهر الاجتماعية موضوعا للدراسة، باعتبار هذه الظواهر  من روح الظواهر العلمية والطبيعية والكيميائية والفيسيولوجية نفسها، من حيث كونها موضوعا للقوانين الثابتة"[1].


لقد اعتقد أوجست كونت أن علم الاجتماع هو المظهر المتطور النهائي للمعرفة الإنسانية، وأنه يقوم على المناهج نفسها التي قامت عليها العلوم الطبيعية، وذلك بافتراض التماثل بين ما هو  اجتماعي وما هو طبيعي.


أما من حيث الموضوع، فقد قسم علم الاجتماع إلى قسمين: علم الاجتماع الستاتيكي؛ ويتناول ما هو ثابت نسبيا ؛ ( المؤسسات والتنظيمات، والنظم الأسرية والسياسية والاقتصادية...). وعلم الاجتماع الديناميكي؛ ويدرس التغير وحركة المجتمع. ومن ناحية أخرى اعتبر أن المجتمعات الإنسانية تمر عبر مراحل حتمية ثلاث؛ المرحلة اللاهوتية، والمرحلة الميتافيزيقية، والمرحلة الوضعية.


ولقد كانت الثورة الفرنسية أعظم سند وعامل لقيام العلوم الاجتماعية؛ حيث ذهب نقاد أوجست كونت إلى أن نظريته في علم الاجتماع؛ تعبير عن الإيديولوجيا المنبثقة من واقع المجتمع الفرنسي بعد الثورة. وقد عبر أوجست كونت نفسه عن ذلك قائلا: "لولاها؛ أي الثورة، لما أمكن أن توجد نظرية التقدم، ولما أمكن تبعا لذلك أن يوجد العلم الاجتماعي"[2].


بيد أن الثورة العلمية التي سبقت الثورة الفرنسية ببضعة قرون، كانت قد مهدت الطريق لظهور وتطور العلوم الطبيعية، ثم العلوم الإنسانية. كما لا ننسى أثر الثورة الصناعية التي انطلقت من إنجلترا، في الإسهام الإيجابي في هذا المجال.


والخلاصة أن هذه الثورات العلمية والسياسة والاجتماعية المتلاحقة، قد أثرت في بنيات المجتمعات الأوربية؛ حيث تفكك النظام الإقطاعي، وحل محله النظام البورجوازي ثم الرأسمالي. ولقد عانت الأسر والطبقات الفقيرة والمتوسطة من تداعيات هذا التحول الاجتماعي والاقتصادي؛ إذ انتقل الفلاح الأوربي من أسر وعبودية النظام الإقطاعي، إلى جشع واستغلال النطام البورجوازي.


وهكذا أصبحت المسألة الاجتماعية الشغل الشاغل لكثير من المفكرين والسياسيين في ذلك العصر. ومن هنا كان أوجست كونت يهدف من خلال إنشائه لعلم الاجتماع إلى أمرين أساسين:


1-                     تقديم برنامج اجتماعي وسياسي كفيل بإنقاذ المجتمع الفرنسي والأوربي من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية.


2-                      جعل علم الاجتماع في إطار فكري وفلسفي شامل ومستلهم لروح العصرن؛ ذلك الإطار الذي سماه أوكست كونت بالمدهب الوضعي.


 


ولقد كتب أوجست كونت، سنة 1822، كتابا تحت عنوان: "مشروع الأعمال العلمية الضرورية لأعادة تنظيم المجتمع"، حيث بسط القول في موضوع البرنامج الاجتماعي المذكور. كما أنفق عشر سنين من عمره، 1832-1842، في تأليف كتابه الكبير (ستة مجلدات)؛ "دروس في الفلسفة الوضعية" التي تشكل الإطار الفكري والفلسفي لعلم الاجتماع.


وإذا كانت الآثار التي خلفتها الثورة الفرنسية قد روعت أوجست كونت، فإنه لم يهاجمها، ولم يقصد العودة بالمجتمع إلى الحالة التي كانت سائدة قبل الثورة، ولكنه استهدف الحفاظ على الحالة القائمة بالفعل.


"لقد استهدف الفكر الوضعي عند كونت الحفاظ على ما هو كائن. ونظرا إلى إيمانه أن العالم مسير بالأفكار، فقد اعتقد أن الفوضى الفكرية تنتج فوضى اجتماعية. وهكذا رأى بأن المهمة الملحة في تلك الفترة، هي إخضاع الظواهر الاجتماعية لقواعد المعرفة العلمية بغية إنتاج معرفة اجتماعية منظمة تكون مقبولة من طرف الجميع، وعلى هذا الأساس، فعلم الاجتماع باكتشافه لقوانين عامة تحكم الظواهر الاجتماعية، سوف يحد من التدخل السياسي للأفراد والجماعات. ومن خلال ذلك يعم موقف الخضوع اتجاه الظواهر المحكومة بقوانين، مما يساعد على إقامة نظام أخلاقي. إن فرضيته الأساسية هي توسيع مجال التحكم في الطبيعة إلى الإنسان والمجتمع، ويأتي تأسيس علم الاجتماع إذا كضرورة فكرية وسياسية وأخلاقية ملحة"[3].


والخلاصة أن تفكير أوجست كونت كعالم اجتماع، كان انعكاسا للأحداث المضطربة التي اتسم بها عصره؛ ذلك أن الثورة الفرنسية أدخلت تغييرات جذرية وعميقة على المجتمع، كما أن ظاهرة التصنيع أحدثت في كيان المجتمعات الأوربية خلخلة وهزات عنيفة. ومن هنا رغب أوكست كونت في وضع علم جديد للممجتمع، يهدف إلى تفسير القوانين التي تنظم حياة المجتمع كما هو الحال في العالم الطبيعي. ومثلما يسمح لنا اكتشاف القوانين التي تحكم العالم الطبيعي بالسيطرة على الأحداث والتنبؤ بوقوعها حولنا، فإن كشف القوانين التي تحكم سلوك المجتمعات الإنسانية سيعيننا، يرى أوكست كونت، على رسم مصائرنا والارتقاء بحالة الرفاه البشري. وكان أوجست كونت يرى أن المجتمع، مثله مثل العالم الطبيعي، يمتثل في أنشطته لقوانين ثابتة لا تتغير.


بيد أن كثيرا من الأبحاث العلمية والدراسات الاجتماعية النظرية والميدانية، أثبتت أن القوانين الاجتماعية نسبية وليست مطلقة، وأن مماثلتها أو تشبيهها بالقوانين الطبيعية، محض مجازفة وادعاء.


د. عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين/ جامعة القرويين تطوان المغرب. جمادى الأولى 1435/ مارس 2014.


 









[1] - أحمد الخشاب: "التفكير الاجتماعي؛ دراسة تكاملية للنظرية الاجتماعية"، بيروت دار النهضة العربية 1981، ص 545.





[2] - ليفي بريل؛ "فلسفة أوجست كونت"، ترجمة محمود القاسم، ص 2.





[3] - نيقولا تماشيف؛ "نظرية علم الاجتماع؛ طبيعتها وتطورها"، ترجمة محمود عودة وآخرون، سلسلة علم الاجتماع المعاصر؛ 2، ط8، القاهرة؛ دار المعارف، 1983، ص45.