العاطفة الصادقة في أدب الرقائق

1






إن القارئ عندما يتأمل أدب الرقائق يكتشف أن كلماته ليست خرساء، وإنما هي ناطقة على الدوام، وأول رسالة تبعث بها إلى قلب قارئها، رسالة الصدق الوجداني، وهو صدق يعبر عن شعور حقيقي يختلج في نفس صاحبه. فالعاطفة الصادقة تضفي الحرارة والحياة على الأثر الأدبي وتجعل القارئ يشعر بمثل ما يشعر به الأديب. وهي تَنقل القراء إلى عوالم غير عوالمهم الواقعية، وتسري بهم إلى ملأ الرؤى التي بثها الأديب في أدبه.


وفي صدق العاطفة يكمن الفرق بين الأدب المطبوع والأدب المتكلف. أما المطبوع فيستهويك، ويمتعك، ويكسبك تجارب شعورية وفكرية جديدة. وأما المتكلف، فيزعجك، وينفرك، ويشعرك بالفتور، ولا يفيدك في شيء.


لنستمع إلى الفقيه محمد بن قيم الجوزية رحمه الله تعالى وهو يعبر بلغة الوجدان والعاطفة عن خوف المسلم من الوقوع في أسر الدنيا:


"لاح لهم المشتهى، فلما مدوا أيدي التناول بان لأبصار البصائر خبط الفخ، فطاروا بأجنحة الحذر وصوبوا إلى الرحيل الثاني "ياليت قومي يعلمون (سورة يس : 26). تلمح القوم الوجود، ففهموا المقصود، فأجمعوا الرحيل قبل الرحيل، وشمروا للسير في سواء السبيل؛ فالناس منشغلون بالفضلات، وهم في قطع الفلوات، وعصافير الهوى في وثاق الشبكة ينتظرون الذبح"[1].


ويقول في السياق نفسه:


"اقشعرت الأرض وأظلمت السماء، وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة، وذهبت البركات، وقلت الخيرات، وهزلت الوحوش، وتكدرت الحياة من فسق الظلمة، وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة والأفعال الفظيعة، وشكا الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم، من كثرة الفواحش وغلبة المنكرات والقبائح. وهذا والله منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه، ومؤذن بليل بلاء قد ادلهم ظلامه. فاعزلوا عن طريق هذا السبيل بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح. وكأنكم بالباب قد أغلق، وبالرهن وقد غَلِق، وبالجناح وقد علق (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)، سورة الشعراء : 227"[2].


ويقول أيضا: "اشتر نفسك اليوم؛ فإن السوق قائمة، والثمن موجود، والبضائع رخيصة، وسيأتي على تلك السوق والبضائع يوم لا تصل فيه إلى قليل ولا كثير؛ (ذلك يوم التغابن) سورة التغابن : 9، (ويوم يعض الظالم على يديه) سورة الفرقان : 27"[3].


إن هذه النصوص الثلاثة تفيض حيوية وصدقا، كما تنطوي على عاطفة قوية يبدو معها التعبير الموحي حاملا شحنة من المعنى أوسع من نطاق أحرفه؛ حيث العواطف الجائشة تتدفق تلقائيا، وتنفذ إلى أعماق النفوس، وتحركها وتحملها على مشاركة الكاتب في وجدانه. ثم إن العاطفة المشعة من كلمات هذه النصوص، هي من نوع العواطف السامية التي تسهم في الرفع من قدر الإنسان، وتذكره بحقيقته الجوهرية المتجلية في العبودية لله وحده، وتخاطب فيه معاني الإنسانية ومعاني الفطرة. ومما لا شك فيه أن الفكرة السامية المشبعة بالعاطفة الصادقة الجياشة، تلك الفكرة التي تسهم في الرفع من قدر الإنسان وتنزع به نحو الرفعة والعلا، لهي أجمل قيمة وأطيب صدى من الأفكار الداعية إلى التبذل والسفه، أي الأفكار التي تعكسها العواطف المنحطة التي تشد صاحبها نحو ما هو مسترذل ومستقبح.


د. عبد الله الشارف، جامعة القرويين/كلية أصول الدين، تطوان المغرب.


 












[1] ابن قيم الجوزية : "الفوائد"، ص : 60، المكتبة العصرية صيدأ بيروت، 1422/2002.





[2] المرجع نفسه، ص : 61-62.





[3] المرجع السابق، ص : 62.




التراث والمعاصرة (مدخل)

0




ترجع الجذور التاريخية لقضية التراث والمعاصرة في العالم الإسلامي إلى حملة نابليون على مصر. ومع بزوغ فجر القرن التاسع عشرالميلادي، أخذت القضية تفرض نفسها ثقافيا وسياسيا في مختلف البلدان العربية والإسلامية. وما الاصلاحات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والبعثات الطلابية إلى أوربا، ومحاولات تحديث المجتمع الإسلامي إداريا وعسكريا، إلا صورة من الصور التي تعكس حدة تلك القضية وتجسد روحها. غير أن الشكل الذي تبلورت فيه هذه القضية والمسار التاريخي الذي عرفته، أثر فيهما عاملان أساسيان: أولهما داخلي والثاني خارجي.


فالأول يتلخص في عامل الانبهار الذي أصيب به العالم الإسلامي إثر الصدمة الحضارية التي انتابته بعد اطلاعه على قوة الأوربيين وتفوقهم، وذلك قبل مجيء الاستعمار ببضعة عقود. وقد نتج عن حالة الانبهار هذه، ظهور موقفين متقابلين : موقف يميل أصحابه إلى تقليد الحضارة الغربية، ومحاكاتها والذوبان فيها، عبر الانسلاخ التام عن التراث الإسلامي، وهذا الفريق يجسد الاستغراب بأدق أوصافه ومعانيه. وقد بلغ بهم الاستسلام وضعف الشخصية مبلغا أصبحوا معه موقنين بعدم جدوى  كل محاولة للإبداع والابتكار والاعتماد على الذات. وموقف مقابل له آثـر التقوقع على الـذات وأدار ظهره لكل ما يتعلق بالحضارة الغربية، ولاذ بالتراث يحمي به ذاته من سهام الغرب السامة. وطفق أصحابه يمجدون التراث الإسلامي ويعتزون بالآباء والأجداد، ويفتخرون بإسهاماتهم المشرقة في ميدان الفكر والحضارة. واستهدفوا بهذه الطريقة تجاوز حالة الشعور بالذل والهوان، بسبب الصدمة الحضارية.


والعامل الثاني الخارجي يتمثل في طبيعة الحضارة الغربية وجوهرها. فقد ورث الأوربيون عن أجدادهم الرومان حب السيطرة واستعمار الشعوب واستعبادها. إضافة إلى هذا استعملوا كل الوسائل لكي يقنعوا شعوب العالم بأن الحضارة الأوربيـة وقيمها، هي المقياس الوحيد لكل نهوض وتقدم. وكانت البحوث والدراسات  العلمية  والاجتماعية على رأس هذه الوسائل. وكمثال على ذلك؛ ظهور وتطور الدراسات الاتنولوجية والانتربولوجية. والتاريخ يثبت بأن نشأة الاتنولوجيا والانتربولوجيا تزامنت مع بدايات التدخل الأوربي في العالم. ولعل (ليفي برويل ( الانتربولوجي الفرنسي كان من الأوائل الذين سعوا في إثبات تفوق الغربيين والجنس الآري عموما، وذلك في كتابه "عقلية ما قبل المنطق" حيث أثبت أن "الشعوب البدائية" ومن شابهها من الأمم المتخلفة مفطورة على التفكير اللامنطقي.


وخلاصة القول؛ إن الثقافة الغربية تسودها نزعة مؤداها أن الإنسان الغربي هو النموذج الأمثل للإنسان، وبالتالي ينبغي الاقتداء به. ويسعى الغربيون ، حكاما ومثقفين ، مباشرة أو غير مباشرة ، لإقناع العالم بهذه الفرضية. وبما أن الموطن الأصلي لقضية التراث والمعاصرة هو الغرب، وأن هذه القضية التي عرفها الغرب منذ مطلع عصر النهضة تعتبر جزءا لا يتجـزأ من ثقافته، وأن ثقافته بطبيعتها تنزع إلى إلغاء غيرها من الثقافات والحلول محلها، كان من المنطقي أن تثار هذه القضية في البلاد الإسلامية التي خضعت للاستعمار. إذن لم تكن قضية التراث والمعاصرة لتثار في العالم الإسلامي ولتأخذ الشكل والمسار التاريخي المعروف، لولا حدوث عاملي الانبهار وهيمنة الحضارة الغربية.  وفي رأيي أن هذه القضية مفتعلة ومستوردة، أكثر من كونها تعبير عن تطور طبيعي وذاتي، للثقافة في المجتمعات الإسلامية.


غير أن هناك العديد من المثقفين المتشبعين بالتراث وروحه، تخطوا هذا الطرح الهزيل لقضية التراث، ورأوا أن هذه جوهر هذه القضية يتمثل في بعث روح حضارية تربط الحاضر بالماضي، وتؤكد عل الأصالة تأكيدها على المعاصرة. ورغم أنهم لا يؤمنون بشد العربة إلى الوراء ولا بالالتزام الحرفي بكل جوانب الماضي، بل يؤكدون على عوامل التقدم الحضارية، فإنهم يضعون إطارا عاما للتطور يحكمه الوحي الإلهي الذي ينبغي أن يشكل روح الحاضر ودستوره العام، كما كان في عصور الإسلام الذهبية.


د.عبد الله الشارف؛ الاستغراب في الفكر المغربي المعاصر؛ طوب بريس الرباط 2003، ص 108-109.

الجنة الجنة؛ لا تطلب غيرها

1


مد يمناك إلى باب الجنة


يا عبد الله


الجنة أقرب من أن ترحل إليها، وحورها فوق فرشها وبأبواب خيامها أشد انتظارا لك من أم لابنها المفقود. والمهر؛ طول التذلل والتجافي في جوف الليل؛ (تتجافى جنوبهم عن المضاجع)، والمحافظة على العهد والميثاق، بعدها يطيب التلاقي، وينعم كل خل بخليله، وتقر أعينهم بعطايا مليكهم، وهل جزاء الإحسان إلا الإحسان. ما أقصر عمر الدنيا، و"الأمر أسرع مما أنت فيه"، ولا فناء للآخرة، وأنت تعض بنواجدك على الفاني. بئس ما عضت نواجدك وثناياك، وبئس وخاب المسعى مسعاك.


اطلب دار البقاء


يا عبد الله


طلق العجوز الشمطاء، واخطب ود العروب الحوراء، واهجر رجز دار الفناء، واصب إلى نعيم دار البقاء. فقد سرى الركب ليلا وأنت نائم، وطوى المراحل بالذكر وأنت هائم، فإلى متى تظل مغلولا مقيدا وقد أرادك الله عبدا مخلدا؟


أين الفاني من الباقي


يا عبد الله


تقرب إلى الواحد الأحد، وعانق ساحل الأبد، ولا تقف مع اليوم، فقد أخنى عليه الذي أخنى على لبد، ولكن انظر إلى غد. فمثلك لا يرضى بالدنيا مقاما، ولا يكن لنعيمها حبا ولا غراما. فأين الفاني من الباقي، وأين الثرى من الثريا، وأين النعيم بلا نعيم من نعيم لا يفنى، وأين الملك بلا ملك من ملك لا يبلى؛ حيث ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وتطيب اللقيا ؟!!


أجمل ما يرى


يا عبد الله


خير ما يلقى في القلب اليقين، وأجمل ما يرى وجه رب العالمين، وألذ ما يطرب السمع كلام الحبيب، وترتيل الذكر بمزمار داود وشذو نساء الجنة والحور العين. وأحسن ما تقر به العين مقام أمين في أعلى عليين. وكل ما لم يفض بك إلى هذا، فوهم وغرور وتخمين، أو هشيم تذروه الرياح فوق الربى وعلى البطاح. ولله ذر لبيد:


        ألا كل شئ ماخلا الله باطل         وكل نعيم لا محالة زائل.


وجه الله أعظم مما يخطر على بالك، وأقر للعين وأجمل ما يرى وأبهى، وليس وراء الله مرمى، ولا بعد ذكر الله من خير يرجى أو نعمة تجتبى، ولا أحسن من قرآنه ما يتلى، وإليه يصعد الكلم الطيب ويرقى.


عرائس الجنة تناديك


يا عبد الله


عرائس الجنة تناديك، وتتود إليك، وقد طال انتظارها ولما يلن قلبك. بل أنت في شأن آخر، وقد ركبت بحر الغفلة والشهوات، فحيل بينك وبين هاتيك النداءات، فضاعت روحك بين الأنفاق وفي الفلوات. آمن عقلك بالميعاد، ولم يؤمن قلبك، فلا خير ولا أثر. وإذا لم تنجذب نفسك إلى نعيم الجنة فقد حرمت المنة، وخلا قلبك من التصديق، وإن صدقت فلا يقين.


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان، أوائل الثلاثينيات من القرن الخامس عشر الهجري.

الجابري والعقلانية

1


العقلانية مذهب فلسفي ينطلق من كون العالم بنوعيه؛ الميتافيزيقي والمادي، لا يمكن إدراكه إلا بالعقل وحده، باعتباره الأداة الرئيسة للمعرفة. والعقلانية أيضا مذهب قديم في البشرية، يبرز أشـد ما يبرز في الفلسفة اليونانية وخاصة عند سقراط وأرسطو. ولقد بقيت هذه الفلسفة مؤثرة في الفكر الأوربي زمنا ليس بالقصير، حتى ظهرت المسيحية فغيرت مجرى ذلك الفكر تغييرا جذريا؛ حيث أبعد العقل وحل محله المنطق الكاثوليكي الكنسي بأغلاله وقيوده. وقد تمخض هذا المذهب في العصور الحديثة، عن الصراعات الفكرية والعقدية التي رافقت تطور الفكر الأوربي منذ عصر النهضة. والعقلانية تمثل أحد الأسس التي قامت عليها الحضارة الأوربية، كما شكلت الوقود الأساسي للثورات الصناعية والاجتماعية والسياسية.


وترتـبـط العقـلانية الأوربية تاريخيا بالفيلسوف الـفـرنـسي "ديكارت". وكان الفيلسوفان "سبينوزا" و"ليبنز" من أشد دعاتها المتحمسين لها. ولقد حاول الفيلسوف "كانت" التصدي لها وانتقدها في كتابه "نقد العقل الخالص"، إلا أنها انتعشت من جديد بفصل ازدهار "مدرسة هيجل"،  في النصف الأول من القرن التاسع عشرالميلادي.


إن العقلانية، من هذا المنطلق، فلسفة غربية، صاحبت قيام وتطور البورجوازية و الرأسمالية في الغرب. ثم انتقلت إلى العالم. وإذا كانت في ميدان العلوم قد ظلت تتقدم، وبلا توقف، فإنها في ميدان الفلسفة والسياسة، شهدت تحولات وتقلبات كبيرة.


يتضح من هذا التمهيد أن العقلانية مذهب فلسفي وتصور للكون والحياة، ظهر في أوربا الحديثة انطلاقا من عصر النهضة. وهو مذهب يجسد بالأساس منطق الأوربين ونظرتهم الفلسفية للوجود.


والآن أقتطف من كتابات الأستاذ عابد الجابري بعض النصوص التي يدعو فيها إلى العقلانية، والتي لا تخلو من الروح الاستغرابية.


يقول الدكتورالجابري: «ينبغي إعادة كتابة تاريخنا الثقافي بصورة عقلانية وبروح نقدية... والتعامل العقلاني النقدي مع تراثنا يتوقف على مدى ما نوظفه بنجاح من المفاهيم والمناهج العلمية المعاصرة».[1]


ويقـول أيضا: «ونحن نعتقد أنه ما لم نمارس العقلانية في تراثنا، ومالم نفضح أصـول الاستـبداد ومظاهره في هذا التراث، فإننا لن ننجح في تأسيس حداثة خاصة بنا. حداثة ننخرط بها ومن خلالها في الحداثة المعاصرة "العالمية"، كفاعلين وليس كمجرد منفعلين»[2].


يرى الأستاذ الجابري أن تاريخنا الثقافي لم يكتب بعد، وبتعبير آخر؛ لم يدون بطريقة مفيدة وايجابية، أي نقدية وعقلانية. ومن هنا فهو يرى أنه إذا أردنا أن نعيد كتابة تاريخنا الثقافي بصورة عقلانية وبروح نقدية، فلا سبيل إلى ذلك سوى استعمال وتوظيف المناهج والمفاهيم العلمية المعاصرة، بمعنى أنه يستحيل علينا فهم ذاتيتنا وتراثنا مالم نستعمل "نظارة" غيرنا.


بيــد أنـه إذا كانـت الـمناهـج الـعـلمـية المعاصرة قـد أفرزتها الحضــارة الغـربـية لتتخـذها ، بالأساس ، أداة لفهم وتحليل ثقافاتها الأوربية، أي أن هذه المناهج تم وضع هندستها وشكلها ليتناسب مع تلك الثقافات، فكيف يتأتى لنا استعمالها لتحليل ثقاقتنا الذاتية؟


قد يجيب الأستاذ الجابري بقوله: «إن مفاهيم العلوم الإنسانية في الغرب ترتبط بالمرجعيات التي تـؤسس الثقافة الغربية والفكر الغربي، ولكنها في ذات الوقت تعبر عن واقع انساني عام. فإذا استطعنا أن نربط هذه المفاهيم بمرجعياتنا؛ أي أن نبيئها (من البيئة) في محيطنا وثقافتنا فإنها ستصبح ملكا لنا».[3]


هذه الإجابة وجيهة ومنطقية إلى حد ما، ولكن كيف السبيل إلى هذه "التبيئة" (إن صح التعبير)؟ وهل وضع لها كاتبنا إطارا نظريا، أو خطة منهجية دقيقة ومناسبة. كلا إنما نجده في كتاباته يتبنى كل ما يجذبه ويستلبه ويأسره من مفاهيم وتصورات غربية ولا "يبييء" منها شيئا. من ذلك قوله «سيلاحظ القارئ أننا نوظف مفاهيم تنتمي إلى فلسفات أو منهجيات أو "قراءات" مختلفة متباينة، مفاهيم يمكن الرجوع ببعضها إلى "كانت" أو "فرويد" أو "التوسير" أو "باشلار" أو "فوكو" بالاضافة إلى عدد من المقولات الماركسية التي أصبح الفكر المعاصر لا يتنفس بدونها»[4]...{؟!!}


والخلاصة أن باحثنا د. الجابري يمارس العقلانية ويوظف مفاهيمها بروح استغرابية.









[1] ـ د. محمد عابد الجابري "اشكاليات الفكر العربي المعاصر" ، مؤسسة بنشرة للطباعة والنشر ، الدار البيضاء ، 1989 ص 35.





[2] ـ "التراث والحداثة" المرجع السابق ص17.





[3] ـ د. محمد عابد الجابري: "التراث والحداثة" ، ص 287.





[4] ـ د. محمد عابد الجابري:" الخطاب العربي المعاصر" ، المرجع السابق ص12.


د.عبد الله الشارف؛ الاستغراب في الفكر المغربي المعاصر؛ طوب بريس الرباط 2003، ص 108-109



جوستاف لوبون والحضارة الإسلامية

0




يعتبر جوستاف لوبون (1841-1921) من المستشرقين القلائل الذين تحلوا بقسط وافر من الإنصاف والموضوعية العلمية، أثناء دراستهم للحضارة الإسلامية وتراثها الفذ الرائع. ولقد أشاد بهذه الحضارة وأثنى على علمائها وعباقرتها، كما مدح الإسلام ونبيه صلوات الله وسلامه عليه، وأشار إلى التسامح والرفق الذي مارسه المسلمون الفاتحون بشعوب البلدان التي فتحوها، مما دفعهم إلى الدخول في الإسلام أفواجا أفواجا. وإليك أخي القارئ الفطن بعض النصوص المقتبسة من كتاب "حضارة العرب" الذي ألفه هذا المستشرق الفرنسي المنصف:


"وقد أثبت التاريخ أن الأديان لا تفرض بالقوة، فلما قهر النصارى عرب الأندلس، فضل هؤلاء الطرد والقتل عن آخرهم على ترك الإسلام. ولم ينتشر القرآن بالسيف إذن، بل انتشر بالدعوة وحدها، وبالدعوة وحدها اعتنقته الشعوب التي قهرت العرب مؤخرا كالترك والمغول"[1]


"وكلما أمعنا في دراسة حضارة العرب والمسلمين وكتبهم العلمية واختراعاتهم وفنونهم ظهرت لنا حقائق جديدة وآفاق واسعة، ولسرعان ما رأيتَهم أصحاب الفضل في معرفة القرون الوسطى لعلوم الأقدمين، وإن جامعات الغرب لم تعرف لها مدة خمسة قرون موردًا علميًّا سوى مؤلفاتهم، وإنهم هم الذين مدَّنُوا أوربا مادة وعقلاً وأخلاقًا، وإن التاريخ لم يعرف أمة أنتجت ما أنتجوه في وقت قصير، وأنه لم يَفُقْهم قوم في الابتداع الفني"[2].


"ولم يقتصر فضل العرب والمسلمين في ميدان الحضارة على أنفسهم؛ فقد كان لهم الأثر البالغ في الشرق والغرب، فهُما مدينان لهم في تمدُّنِهم، وإن هذا التأثير خاص بهم وحدهم؛ فهم الذين هذّبوا بتأثيرهم الخُلُقي البرابرة، وفتحوا لأوربا ما كانت تجهله من عالَم المعارف العلمية والأدبية والفلسفية، فكانوا مُمدِّنين لنا وأئمة لنا ستة قرون، فقد ظلت ترجمات كتب العرب ولا سيِّما الكتب العلمية، مصدرًا وحيدًا للتدريس في جامعات أوربا خمسة أو ستة قرون، فعَلى العالم أن يعترف للعرب والمسلمين بجميل صنعهم في إنقاذ تلك الكنوز الثمينة"3].


"ولا يمكن إدراك أهمية شأن العرب إلا بتصور حال أوربا حينما أدخلوا الحضارة إليها، إذا رجعنا إلى القرن التاسع والقرن العاشر من الميلاد، حين كانت الحضارة الإسلامية في إسبانيا ساطعة جدًّا، رأينا أن مراكز الثقافة في الغرب كانت أبراجًا يسكنها سنيورات متوحشون يفخرون بأنهم لا يقرِؤجوستاف لوون، وأن أكثر رجال النصرانية معرفة كانوا من الرهبان المساكين الجاهلين الذين يقضون أوقاتهم في أديارهم ليكشطوا كتب الأقدمين النفيسة بخشوع"[4.


"إن الأمم التي فاقت العرب تمدنا قليلة للغاية، وإننا لا نذكر أمة كالعرب ،حققت من المبتكرات العظيمة في وقت قصير مثل ما حققوا، و إن العرب أقاموا دينا من أقوى الأديان التي سادت العالم،أقاموا دينا لا يزال تأثيره أشد حيوية مما لأي دين آخر،و إنهم انشأوا، من الناحية السياسية، دولة من أعظم الدول التي عرفها التاريخ،و إنهم مدنوا أوربة ثقافة و أخلاقا، فالعروق التي سمت سمو العرب و هبطت هبوطهم نادرة و لم يظهر،كالعرب،عرق يصلح أن يكون مثالا بارزا لتأثير العوامل التي تهيمن على قيام الدول و عظمتها و انحطاطها " 5.









1-جوستاف لوبون: "حضارة العرب " ترجمة عادل زعيتر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2000، ص 127.


2- جوستاف لوبون: حضارة العرب، تعريب عادل زعيتر، ص26.


3- المصدر السابق.


4-جوستاف لوبون: حضارة العرب، تعريب عادل زعيتر، ص566.


5- جوستاف لوبون   "         "      ص618.


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/ تطوان المغرب/ محرم 1434/نوفمبر2012.


 






الإرادة والذكر

0








قد يتبادر إلى الذهن لأول وهلة، أن الذكر والإرادة مفهومان منفصلان؛ باعتبار أن الذكر مجاله الدين والممارسة الروحية، التي تهدف إلى تقوية الرابطة بين الذاكر ومذكوره، وهو الله عز وجل. في حين أن الإرادة؛ وهي من المكونات الأساسية للشخصية الإنسانية ، تعتبر من المفاهيم الجوهرية المؤسسة لعلم الأخلاق، كما أن لها موقعها المتميز في المنظومات الفلسفية قديما وحديثا، وكذا في ثنايا الأبحاث والنظريات النفسية وفي صلب قضايا علم النفس الحديث. فكيف يا ترى يمكن الجمع بينهما؟. والحقيقة أن المفهومين متلازمان أقوى ما يكون التلازم، بل إن كل واحد منهما متوقف في وجوده على الآخر. بحيث إذا اختفى أحدهما اختفى الآخر.


إن علاقة التلازم والتداخل بين هذين المفهومين تتجلى في جوانب متعددة من حياة الإنسان؛ وعلى رأسها الجانب المعرفي. ذلك أن المسلم  لن يمتلك المعرفة الحقيقية إلا إذا استوعب مفهوم الذكر وتمثله في إطاره الشمولي، بحيث يؤدي هذا الاستيعاب والتمثل إلى تربع الإرادة القوية والهادفة، والملتزمة على عرش قلبه ، فيغدو بذلك مثالا للمسلم الذاكر المريد.


إن أنوار الذكر الشرعي اللساني والقلبي، عندما تنفذ إلى قلب المسلم وتضيء أرجاءه، تعمل في الوقت نفسه على تربية النفس وتزكيتها، وتحويل صفاتها وأخلاقها الذميمة من كبر وعجب وحسد ورياء وجهل، إلى أضدادها من تواضع... وحب وتعلم، فتنقشع غيوم النفس الأمارة، وترفع موانع المعرفة، ثم تفتح أبواب التلقي والتعلم بعد أن كانت موصدة.


وكما أن دخول ميدان الذكر، والترقي في مدارجه على المنهج النبوي وسنة الصحابة الأطهار، يفضي بالمسلم إلى عالم المعرفة الحقة، بعد التسلح بالإرادة الصحيحة والهادفة، فإن ركوب بحر الجهالة والغفلة، يجعل الإنسان أشبه ما يكون بالحيوان المتوحش بل أضل سبيلا.


ولما كان حال النفس الذاكرة كما ذكرت آنفا، كان حال النفس الغافلة بخلاف ذلك خائرة القوة، مسلوبة الإرادة يغلب عليها الخوف والقلق، إذا حل بها مكروه. ذلك أن الإنسان حين يغفل عن ذكر الله، فإنه ينتقل تلقائيا إلى ذكر غيره، فينتقل من التوحيد إلى الصنمية، حيث ينسب الفاعلية والتأثير إلى الأصنام التي يقيمها، فتضطرب بذلك معتقداته ويتمزق ولاؤه وتتناثر شخصيته، ولا ينقذه من هذا التمزق والاضطراب، إلا العودة إلى ذكر الله عز وجل.


نعم إن الذكر بمفهومه اللساني والقلبي، وكذا من حيث أنه تأمل وتفكر وتدبر، وطاعة وامتثال لأوامر الله، والمبادرة إلى الإصلاح، والبناء الاجتماعي والحضاري...  هذا الذكر له تأثيرعميق في تقوية الإرادة المثالية الهادفة واستثارة طاقاتها.


وبما أن النفس ميالة بطبعها إلى الملذات والشهوات، واتباع سبل الغواية، كانت بذلك السبب المباشر في إضعاف الإرادة الإنسانية، والحيلولة بينها وبين القيام بالوظائف السامية، ولا سيما وظيفة الاستخلاف في الأرض. وهنا تبرز أهمية الذكر بمفهومه الشامل، باعتباره أعظم وسيلة لتهذيب نوازع النفس وميولاتها، والأخذ بيدها إلى ساحل السعادة والطمأنينة، كما تبرز أهميته أيضا في إعادة الحياة إلى الإرادة الحقيقية الهادفة، لا سيما وأن عنصر الإرادة، هو أحد العناصر الجوهرية المكونة لحقيقة الإنسان، إذ لولاها لما كان مكلفا، ولما تحمل الأمانة.


وهكذا فإن الذكر الحقيقي والشامل يهدف أولا وقبل كل شيء، إلى تنمية قوى الإرادة التي تتجسد عمليا في محبة الله وخشيته ورجائه، لأن محبة الله تدفع الفرد إلى طاعته، وخشيته تزجره عن المضي فيما يغضبه، والرجاء من الله يمنحه القدرة على الاستمرار وعدم الملل. والنجاح في هذه الإرادات الثلاث، يؤدي إلى تحرير القلب من الخضوع لغير الله، وإلى الانسجام مع سننه وقوانينه في الوجود.


ولا يعدم المتأمل والباحث الحصيف، الشواهد التي تدل على أن واقعنا الحضاري اليوم يعاني أزمة في الإرادة، تمخضت عن أزمة في الذكر؛ أي في العلاقة بين المخلوق وخالقه؛  معنى ذلك أن أبعاد الأزمة روحية أكثر منها اجتماعية أو سياسية أو ما شابه ذلك، وباتت المشاكل النفسية والاجتماعية، الناتجة عن الضعف والانحراف في بنية الإرادة ومسارها، كثيرة.


ويوم تنكبت الحضارات منهج الفطرة  وأعرضت عن خطاب الوحي، سلك أهلها سبيل الحياة البهيمية، وتقلصت دائرة الإرادات، وانحصرت في المجالات المتعلقة بالأهواء والشهوات والسلوكات الدنيئة. بل إن الإرادة كمبحث من مباحث الفلسفة وعلم النفس قد أصبحت، منذ مطلع القرن التاسع عشر الميلادي، موضوع جدل حاد بين الاتجاهين العقلاني واللاعقلاني؛ حيث أكد الاتجاه الثاني خضوع الإنسان لقوى باطنية لاشعورية تحدد سلوكه وتوجه إرادته، مما يؤكد الطابع الجبري والقسري لسلوك الإنسان. وهو ما نلمسه في صلب نظرية التحليل النفسي عند فرويد ونظرائه من أنصار النظرية، أو فيما قبل في ثنايا فلسفة شوبنهور وسواه من الفلاسفة الذين أعلوا من شأن العقل الباطني واللاشعوري. ولعل الأمراض النفسية والعصبية المنتشرة في العالم الغربي خير دليل على أن الإنسان الغربي يعاني أزمة حادة وخطيرة على مستوى الإرادة.


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/ تطوان المغرب، ذو الحجة 1433-نوفمبر2012.     


 


 

عز الحجاب وذلت الرقاب

1








أيتها القارئات المؤمنات الطاهرات؛ أبعث إليكن بهذه الرسالة الإيمانية التربوية، المتضمنة لقصة واقعية، كان فضاء كلية أمريكية مسرحا لها.


  يحكي الدكتورالأمريكي محمد أكويا قائلا:


" قبل أربع سنوات, ثارت عندنا بالجامعة زوبعة كبيرة, حيث التحقت للدراسة طالبة أميركية مسلمة, و كانت محجبة, و قد كان من بين مدرسيها رجل متعصب يبغض الإسلام و يتصدى لكل من لا يهاجمه. فكيف بمن يعتنقه و يظهر شعائره للعيان؟ كان يحاول استثارتها كلما وجد فرصة سانحة للنيل من الإسلام. وشن حربا شعواء عليها, و لما قابلت هي الموضوع بهدوء ازداد غيظه منها,فبدأ يحاربها عبر طريق آخر,حيث الترصد لها بالدرجات, و إلقاء المهام الصعبة في الأبحاث, و التشديد عليها بالنتائج, و لما عجزت المسكينة أن تجد لها مخرجا تقدمت بشكوى لمدير الجامعة مطالبة فيها النظر إلى موضوعها. و كان قرار الإدارة أن يتم عقد بين الطرفين المذكورين؛ الدكتور و الطالبة، لسماع وجهتي نظرهما والبت في الشكوى. و لما جاء الموعد المحدد، حضر أغلب أعضاء هيئة التدريس، و كنا متحمسين جدا لحضور هذه الجولة التي تعتبر الأولى من نوعها عندنا بالجامعة.


 بدأت الجلسة التي ذكرت فيها الطالبة أن المدرس يبغض ديانتها. و لأجل هذا يهضم حقوقها العلمية، و ذكرت أمثلة عديدة لهذا، و طلبت الاستماع لرأي بعض الطلبة الذين يدرسون معها، وكان من بينهم من تعاطف معها و شهد لها. و لم يمنعهم اختلاف الديانة أن يدلوا بشهادة طيبة بحقها. حاول الدكتور على أثر هذا أن يدافع عن نفسه، و استمر بالحديث فخاض بسب دينها. فقامت تدافع عن الإسلام. أدلت بمعلومات كثيرة عنه. و كان لحديثها قدرة على جذبنا، حتى أننا كنا نقاطعها فنسألها عما يعترضنا من استفسارات، فتجيب فلما رآنا الدكتور المعني مشغولين بالاستماع والنقاش، خرج من القاعة.فقد تضايق من اهتمامنا و تفاعلنا. فذهب هو ومن لا يرون أهمية للموضوع.


بقينا نحن مجموعة من المهتمين نتجاذب أطراف الحديث. في نهايته قامت الطالبة بتوزيع ورقتين علينا كتب فيها: "ماذا يعني لي الإسلام؟ "؛ الدوافع التي دعتها لاعتناق هذا الدين العظيم. ثم بينت ما للحجاب من أهمية و أثر. وشرحت مشاعرها الفياضة صوب هذا الجلباب و غطاء الرأس الذي ترتديه. الذي تسبب في كل هذه الزوبعة. لقد كان موقفها عظيما، و لأن الجلسة لم تنته بقرار لأي طرف، فقد قالت أنها تدافع عن حقها، و تناضل من أجله، ووعدت إن لم تظفر بنتيجة لصالحها، أن تبذل المزيد حتى لو اضطرت لمتابعة القضية و تأخير الدراسة نوعا ما. لقد كان موقفا قويا. و لم نكن أعضاء هيئة التدريس نتوقع أن تكون الطالبة بهذا المستوى من الثبات، و من أجل المحافظة على مبدئها. و كم أذهلنا صمودها أمام هذا العدد من المدرسين و الطلبة. و بقيت هذه القضية يدور حولها النقاش داخل أروقة الجامعة. أما أنا فقد بدأ الصراع يدور في نفسي من أجل تغيير الديانة، فما عرفته عن الإسلام حببني فيه كثيرا، و رغبني في اعتناقه. و بعد عدة أشهر أعلنت إسلامي، و تبعني دكتور ثان و ثالث في نفس العام، كما أن هناك أربعة طلاب أسلموا. و هكذا في غضون فترة بسيطة أصبحنا مجموعة لنا جهود دعوية في التعريف بالإسلام والدعوة إليه، و هناك الآن عدد من الأشخاص في طور التفكير الجاد، و عما قريب إن شاء الله ينشر خبر إسلامهم داخل أروقة الجامعة. و الحمد لله وحده."[1]


أرأيت، أختي القارئة المؤمنة، صولة الحق وهشاشة الباطل، ذلك أن الحق أبلج والباطل لجلج، ومن ركب المنى أسحر وأدلج. فلا يجزعنك زبد الظلم ورعد الطغاة وبرقهم، فإنها سحابة صيف عن قريب تقشع، ويتلاشى ما كان يخاف ويفزع؛ "وقد مكروا مكرهم وعند الله مكرهم وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله إن الله عزيز ذو انتقام". (سورة إبراهيم؛ 48-49).


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/ جامعة القرويين، تطوان المغرب، ذو الحجة 1433/ نوفمبر 2012.










[1] م. نايف منير فارس؛ "علماء ومشاهير أسلموا"، دار ابن حزم، 2010، ص 52-53.




من وحي الحج

0







هذه باقة من الخواطر والمناجاة، جاشت معانيها في صدري، وقذف بأسرارها في قلبي، خلال موسم  الحج، حيث كنت متفيئا ظلاله، مرتويا من عيون المنن الإلهية، متأسيا ومتيمنا بالشمائل المحمدية.


لقد أحلني مولاي بيته، وبوأني كنفه، حتى شغلت بلذة أنسه عما سواها، فانجلت ظلمات الشكوك، وانحسر لثام الشبهات، وأسفر وجه اليقين وأشرق نوره. فلما استقرت في باطني بوارق اليقظة، أخذت في أهبة السفر إلى الله لا ألوي على شيء. كيف لا وقد ملأت المحبة شغاف قلبي، وسرت روحها في كياني. ثم أعقب حال اليقظة والانتباه، شعور عميق بالذل والانكسار، والخضوع والافتقار للرب سبحانه وتعالى، يقول رب العزة: ” يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد"


فأيقنت يقينا جازما، أن صلاحي وخلاصي، وهداي وسعادتي، بيده جل وعلا، وأن هذا الخير وهذه اليقظة منه وحده، وأن رحمته بي اقتضت تذكري له وسياقتي إليه. فالتجأت إليه لجوء المضطر، الذليل المستعطف، ووضعت خذي على عتبة العبودية، ناظرا بقلبي إلى ربي ووليي، نظر الذليل إلى العزيز الرحيم.


أحرم بالتوبة


تجرد من نسيج أوهامك وغزل شهواتك، وأحرم بتوبة من غير ميقات، وطف ببيت التوحيد، وتعلق بمعاني الصفات الإلهية، واسع بين الخوف والرجاء؛ بدءا بالأول وختما بالثاني، واستمطر الرحمة من فوق جبلها، وتعرف إلى الرحيم معرفة لن تشقى بعدها أبدا؛ (… اشهدوا يا ملائكتي أني قد غفرت لهم…). وتمثل نفسك إسماعيل الذبيح، واقطع بسكين الصبر واليقين، حلقوم النفس الأمارة والودجين، كي ينهمر دم الغفلة والشهوات، فتتجلى لك الآيات.


الجبل الخاشع


نظرت إلى الجبل الخاشع فاهتز كياني، وخشعت جوارحي، فإذا بقلبي يستمع إلى تسبيح صخوره و هوامه وطيوره التي لها حرمة المكان. فأحسست بوطأة التسبيح وصولة الخشوع، وحملني شعوري إلى عالم يجل عن الوصف و النعت، فنادتني الأشواق: اللحاق اللحاق، ارتحل المحبون وحان وقت الفراق.


طرقت الباب


طرقت الباب فقيل لي: ارجع من حيث أتيت، فافترشت التراب واستلقيت، ثم توسدت بخدي العتبة وبكيت، فنادتني هواتف الروح؛ تجرد من تاج الهوى وطيلسان النفس الأمارة، وطواغيت الشرك، والبس رداء الذل والافتقار، وإزار الخوف والاضطرار، وقتئذ يفتح الباب على مصراعيه، ويتحقق السفر منه إليه، ويحلو الذكر والمناجاة، ويحصل مالا تترجمه العبارات. (فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام).


ملة إبراهيم


لا ترغب عن ملة إبراهيم فتشقى، ولا ترغب بنفسك عن نفس نبيك فتضل. واجمع رغباتك في المرغوب الأحد، تسعد في الدارين وإلى الأبد. واعلم أن تحررك من رغباتك العاجلة، يقوى يقينك ويحبب إليك نعيم الآجلة، وأن لهثك وراءها يضنيك، ومن الظمأ ما يرويك. واعلم أن شمسك قد أوشكت على الطلوع من مغربها، وأن ساعتك قد بدت كاشفة حجابها. فأين قلبك من وطأتها وهولها، وما أنت قائل لربك وربها ؟ (وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم).


د.عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين، تطوان المغرب/1433-2012.

الإيديولوجيا نتاج القطيعة الروحية والفكرية

1


 

 

يرى كارل مانهايم بأن " الايديولوجيا هي الوعي الزائف بالذات"، ويلاحظ ريمون آرون الالتباس العميق المستخدم في كلمة ايديولوجية، فهي تـارة تكون ذات معنى حيادي بل اطرائي وطـورا بمعنى متبذل. فهو يرى: «أن هناك تذبذبا في استخدام تعبير ايديولوجيا يتراوح بين المعنى الحجاجي : الايديولوجيا هي الافكار المزورة، هي تبرير المصالح والأهواء، وبين المعنى المحايد : الصياغة الجدية لموقف معين اتجاه الواقع الاجتماعي أو السياسي» .1

ويذهب أندري لالند في قاموسه الفلسفي أن دستوت دوتراسي، هو واضع مصطلح الايديولوجيا، وذلك إبان فترة الثورة الفرنسية (1789)، وفي كتابه "مذكرة حول ملكية التفكير" ذهب دوتراسي إلى أن الايديولوجيا تمثل : "العلم الذي يدرس الأفكار بالمعنى الواسع لكلمة أفكار، وخصائصها وعلاقتها بالوعي الاجتماعي" 2. وبما أن ظهور هذا المصطلح تزامن مع الثورة الفرنسية، فقد كان يكتسي طابعا ثوريا. ولايخفى على احد مدى قوة الأفكار التي نادت بها البورجوازية الصاعدة، مثل العدالة والاخوة والحرية، وتأثيرها في الشعب الفرنسي الذي صنع الثورة.

لقد كانت مدرسة دستوت دوتراسي تسعى في البداية لأن تكون علما للمعاني والأفكار المجردة، يدرس نشأتها وتاريخ تطورها بدءا من الاحساسات الأولية التي اهتم بها عصــر العقل (القرن17م) خاصة؛ جون لوك وكوندياك. ولم تكن تلك الصياغات وقفا على القضايا المعرفية، فقط بل جاوزتها إلى الامور السياسية ايضا. فوقفت لذلك وراء قادة الثورة الفرنسية، واستعمل أولئك القادة أفكار مدرسة الايديولوجيا كسلاح لايستغنى عنه في الصراع ضد العقائد السياسية والدينية المتسلطة، التي اعتمد عليها النظام السابق في الحكم.

وبعدما كان الأوربي بالأمس القريب يقدس مبادئ الدين الكنسي، ويملأ قلبه بأفكار مصدرها السماء، إذا به يسقط فجأة في فراغ ويشعر بخواء رهيب إثر حدوث تلك القطيعة الفكريـة والروحية، وبعد نبذ كل أنواع التدين. لكن هذا الفراغ وهذا الخواء يجب ملؤهما والا تمزق الإنسان. ومن هنا كانت قوة الأفكار وقوة الايديولوجيات. فبقدر ماكانت هذه الافكار أساسا لروح الحضارة الصناعية، كانت أيضا بلسما لذلك التمزق الباطني الذي أحدثته القطيعة الروحية الفجائية. لابد للإنسان أن يقدس شيئا. والأوربي الذي أعرض عن تقديس مبادئ الكنسية وأعرض عن السماء، قدس الافكار وولى وجهه شطر الارض. فتقاذفته الأفكار والفلسفات ودحرجته الايديولوجيات؛ من ليبيرالية واشتراكية وديموقراطية إلى غير ذلك .
" تجلت هذه الايديولوجيات، التي ستحاول رد الثقة إلى نفوس الأوربيين المتأثرة بفعل القطيعة، في الفكر الليبيرالي والديموقراطين ومن جهة أخرى في الفكر الاشتراكي وكذلك في الفكر العلماني "3 .
ويمكن اعتبار الفكر البورجوازي، أول نسق فكري حديث تبلور في اطار فكر ايديولوجي. ذلك أن الطبقة البورجوازية الصاعدة قبيل اندلاع الثورة، كانت تدعو إلى تقويض المجتمع الإقطاعي وإقامة مجتمع جديد تسوده العدالة والحرية، غير أن حاجاتها إلى إطار فكري تستند إليه كانت ضرورية، ومن هنا تبنت البورجوازية فلسفة التنوير، واتخذت منها المرآة التي عكست فيها رؤيتها لنفسها وللعالم، وهي أيضا المرآة التي أسقطت عليها الصورة التي ينبغي للطبقات الأخرى ان تتعرف بها. وبما أن فلسفة التنوير فلسفة عقلانية فإن البرجوازية الناشئة نددت بكل سلطة لاتقوم على العقل، وبالتالي هاجمت سلطة الاقطاعيين التي تستمد مشروعيتها من تقاليد بالية وآراء ذاتية مناقضة للعقل.
ولما تبنى البورجوازيون المبادئ الإنسانية ومبادئ العقل، وواعدوا الشعب الفرنسي بإقامة العدالة والقضاء على الظلم والفساد وإرساء أسس العلم ، تم لهم الوصول إلى الحكم، بعد أن أذكوا نار الثورة الفرنسية بأفكارهم الاجتماعية ومواقفهم السياسية.

لكن ما أن استتب الأمر لصالح الطبقة البورجوازية هذه، حتى انطفأت الروح الثورية، وتحولت هذه الطبقة إلى أسرة محافظة وظهرت نياتها الأنانية، وعاد الفتك بالإنسان الفرنسي والأوربي عامة، وعاد الاستغلال من جديد. فظهر استخدام الأطفال والنساء في المصانع الأولى الناشئة، وما أشبه ذلك من ألوان الظلم والعذاب، وكان من نتائج ذلك ظهور الحركة اللاعقلانية أو الرومانسية، والتي قامت كرد فعل ضد الحركة العقلانية، وخصوصا العقلانية البورجوازية . ويذهب جان باكلير في كتابه : "ماهي الايديولوجيا" إلى أن:

" الطلب الايديولوجي ، أو الرغبة في التأدلج، حاد وقياسي لدى المجتمعات الغربية منذ القرن الثامن عشر، وكذا عند الشعوب البدائية، ويضيف من ناحية أخرى، بأن الايديولوجيا تعبير عن انحراف تدريجي للمعرفة... وهكذا يتضح التناقــض الــصارخ المتضمن في الحــداثة أو الثقافة العصرية. ذلك أن الاشخاص الأذكياء والمثقفين منهم في الوقت نفسه، أكثر الناس بلاهة وأشدهم غباء ، إن الأفـراد المثقفين أصبحوا ضحية الفصام النفسي والشخصي (الشيزوفرينيا) الناتج عـن كون تقـدم وتطور العلم والمعرفة، مصاحب بتطـور ونمـو موازي بالنسبـة لفقدان الواقع وضياع العقل السليم "4 .

1 - Raymond Aron (trois essais sur l’age industriel )
. Paris, Plon 1966, p 215
1 ـ André Lalande "Vocabulaire technique et critique de la philosophie" . Ed. PUF Paris 1976 p.458.
3 - Jean Baechler ;(Qu'est-ce que l'ideolegie)Ed . Callimard 1976 France . p .116
4- Jen Baechler , Qu'est-ce que l'ideolegie, Ed / Callimard 1976 France P394

د. عبد الله الشارف؛ "الاستغراب في الفكر المغربي المعاصر"، ص 98...، طوب بريس، الرباط 2003.

نشأة التنصير

0




يمكن اعتبار لحظة بداية المواجهة بين المسيحية والدين الإسلامي الناشئ في مكة والمدينة، نقطة الانطلاق التاريخية لعملية التنصير. إذ أن الوحي لم يلبث أن أضاء بنوره أرجاء المدينتين، وهز كيان القبائل العربية، ونفذ إلى قلوب طالما استحوذ عليها الجهل والجمود، حتى سارع أفراد من نصارى الجزيرة العربية إلى مجادلة المسلمين في هذه العقيدة الجديدة. هذا الجدال الأول الذي وقع بين الطرفين في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، سيكون الحلقة الأولى في سلسلة من الجدالات، التي سيخوض فيها علماء ومناظرون من الجانبين طوال العصور الإسلامية وإلى الآن.

لم تلحق محاولات التنصير والتشكيك أي ضرر بالعقيدة الصلبة، ولم يعرف التاريخ الإسلامي في عصوره المزدهرة رجالا تنصروا. واكتفى البابوات والقساوسة ورجال الكنيسة بتشويه صورة الإسلام، فنظموا حملة خبيثة ضد المسلمين ودينهم الحنيف، حيث ظهرت مآت الكتب المليئة بالأكاذيب، كي تشبع الرغبة العدائية التي أصلها أصحاب الكنيسة في قلوب رعاياهم من النصارى، وحتى يتم إقامة سد منيع في وجه الدولة الإسلامية النامية.
بقيت نار الحقد تتأجج في صدور النصارى ما يقرب من ستة قرون، حتى اندلعت الحروب الصليبية، فظن الصليبيون أنهم بحملتهم الدينية التي تخفي وراءاها أطماعا سياسية واقتصادية، سيسيطرون على الشرق الإسلامي وسيعملون على تنصير أهاليه بعد أن يخلو لهم الجو للتنصير. وكان من لطف الله أن خابت نياتهم، بالرغم من تفكك الدولة الإسلامية آنذاك، وبعث الله للمسلمين القائد الصالح صلاح الدين الأيوبي، فأحيا همم المسلمين ووحد صفوفهم، وجمع كلمتهم على الجهاد، فكان النصر حليفهم وطردوا النصارى الغزاة من بيت المقدس.

ظلت الهزيمة تعمل عملها في نفوس النصارى حيث لم يهدأ لهم بال، وشرعوا يفكرون في خطة غير خطة الحرب، لأن شوكة المسلمين قوية. فاستقر رأيهم على غزو أرض المسلمين وممارسة التنصير بالطرق السلمية.
ويحدثنا التاريخ أن "رامون لول" الذي تعلم العربية على يد أسير عربي، بذل مجهودات كبيرة في سبيل إيجاد مكان للغة العربية في معاهد ومدارس أوربا. وكان من نتائج ذلك السعي أن صادق مجمع فيينا الكنسي في سنة 1312م على تدريس اللغة العربية والاهتمام بها. فكانت جامعات باريس وأكسفورد وسلمنكا، بالإضافة إلى جامعة المدينة البابوية، أولى الجامعات السباقة إلى تعليم اللغة العربية لطلابها.

جاء في كتاب " الغارة على العالم الإسلامي" يقول: " ادوين بلس في كتابه؛ "تاريخ التبشير" :إن تاريخ التبشير المسيحي يرجع إلى صدر النصرانية ومبتدأ تأسيسها. وإن ريمون لول الإسباني هو أول من تولى التبشير بعد أن فشلت الحروب الصليبية في مهمتها. فتعلم لول العربية بكل مشقة، وجال في بلاد الإسلام، وناقش علماء المسلمين في بلاد كثيرة (...)

وصف المؤلف تنظيم إرساليات التبشير في القرون الوسطى في الهند وجزائر السند وجاوة، واختلاط المنصرين بالمسلمين منذ ذلك الحين. وأشار إلى " بتر هيلنغ: الذي احتك بمسلمي سواحل إفريقيا، وإلى اهتمام هولندة بالتنصير في جاوة في أوائل القرن الثامن عشر، حتى قسمت جاوة لهذه الغاية إلى مناطق لكل منها كنيسة ومدرسة، وقال: عدد الذين تنصروا سنة 1721 بلغ 100.000. وكان النصارى في سيلان سنة 1722 ( وكانت يومئذ تحت سلطة هولندة)، يبلغ عددهم 424000، وتساءل عما بقي منهم الآن وقال: إن المسلمين كانوا قليلين فصاروا الآن فئة كثيرة. (....) وسرد تاريخ تنظيم الإرساليات البروتستانية؛ من دانماركية وانجليزية وألمانية وهولندية، وأخبار اتصال بعضها ببعض، وأسماء الملوك والأمراء الذين كانوا عضدا لها ومؤيدين لأعمالها في القرن السابع عشر وما بعده، في كل أقطار العالم. (....) فتأسست سنة 1795 " جمعية لندن التبشيرية" وما عتمت أن تأسست جمعيات على شاكلتها في اسكوتلندا ونيويورك، وانتشرت هذه الفكرة في ألمانيا والدانمارك وهولندة والسويد والنرويج وسويسرا وغيرها... وتأسست جمعيات فرعية كثيرة مثل " جمعية التبشير في أرض التوراة العثمانية". وبلغ الشغف بهذا العمل إلى أن تأسست إرساليات تبشير طبية على سبيل التجربة، لتلحق بالإرساليات العامة فنجحت نجاحا باهرا، لذلك أخذت تنمو وتزداد، وتألفت لها أقسام نسائية وأرسل بعضها إلى الهند والأناضول" 1.

مع حلول القرن التاسع عشر حين تزامن صعود الإمبريالية الأوربية مع اضمحلال الخلافة العثمانية، وتصدع أطراف الدولة الإسلامية، ازداد التنصير تجبرا وخبثا، واهتدى إلى وسائل جديدة استعملها للوصول إلى مآربه، مستغلا تضعضع المسلمين وضعف سياستهم. وكان على رأس تلك الوسائل؛ إنشاء مدارس تنصيرية تعليمية في مختلف بلدان المسلمين، تهدف إلى التأثير في أطفال المسلمين الأبرياء، وزرع بذور الشك والانحراف في نفوسهم قصد القضاء على عقيدتهم.

" لما نزل المبشرون الأمريكيون من البروتستانت في سوريا حوالي 1820 كانت الفكرة التي تراودهم أن يبشروا من طريق التعليم (...) إلا أن بؤرة نشاطهم التعليمي التبشيري كانت في بلدة عبية الدرزية في جبل لبنان، حيث أنشأوا مدرسة لتخريج المعلمين والواعظين (المبشرين) عام 1843. وفي عام 1859 أسس البروتستانت الأمريكيون في عبية أيضا مدرسة للبنات"2 . وفي سنة 1862 تأسست الجامعة الأمريكية في بيروت. وسعيا إلى منافسة جامعة الأزهر ومضايقتها، أنشئت الجامعة الأمريكية بالقاهرة، كما أنشأ الفرنسيون كلية لهم في لاهور.
وهكذا لم يشرف القرن التاسع عشر على نهايته، حتى كانت أغلبية البلدان الإسلامية مسرحا للعمل التنصيري التعليمي، وموطنا لإنشاء المدارس ذات الأهداف التنصيرية.

وفي مؤتمر القدس قال زويمر كلاما خطيرا؛ إذ رسم خط التبشير بعد ذلك: ولكن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية للقيام بها في البلاد المحمدية، ليست في إدخال المسلمين في المسيحية، فإن هذا هداية لهم وتكريما (!) وإنما مهمتكم؛ أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقا لا صلة له بالله. وفي نهاية كلمته قال: إنكم أعددتم نشئا في ديار المسلمين لا يعرف الصلة بالله، ولا يريد أن يعرفها، وأخرجتم المسلم من الإسلام ولم تدخلوه في المسيحية، وبالتالي جاء النشء الإسلامي لما أراده له الاستعمار المسيحي، لا يهتم بالعظائم، ويحب الراحة والكسل، ولا يعرف من دنياه إلا الشهوات" .

1 - ا.ل شاتلية A. le chatelet " الغارة على العالم الإسلامي" ترجمة محب الدين الخطيب ومساعده اليافي. بيروت د.ت ص: 13-14.
2 - مصطفى خالدي وعمر فروخ: " التبشير والاستعمار" المكتبة العصرية صيدا الطبعة الثالثة 1970 ص:80.


د. عبد الله الشارف، جامعة القرويين/كلية أصول الدين، تطوان المغرب، ذو الحجة 1433/اكتوبر 2012.