العاطفة الصادقة في أدب الرقائق

1






إن القارئ عندما يتأمل أدب الرقائق يكتشف أن كلماته ليست خرساء، وإنما هي ناطقة على الدوام، وأول رسالة تبعث بها إلى قلب قارئها، رسالة الصدق الوجداني، وهو صدق يعبر عن شعور حقيقي يختلج في نفس صاحبه. فالعاطفة الصادقة تضفي الحرارة والحياة على الأثر الأدبي وتجعل القارئ يشعر بمثل ما يشعر به الأديب. وهي تَنقل القراء إلى عوالم غير عوالمهم الواقعية، وتسري بهم إلى ملأ الرؤى التي بثها الأديب في أدبه.


وفي صدق العاطفة يكمن الفرق بين الأدب المطبوع والأدب المتكلف. أما المطبوع فيستهويك، ويمتعك، ويكسبك تجارب شعورية وفكرية جديدة. وأما المتكلف، فيزعجك، وينفرك، ويشعرك بالفتور، ولا يفيدك في شيء.


لنستمع إلى الفقيه محمد بن قيم الجوزية رحمه الله تعالى وهو يعبر بلغة الوجدان والعاطفة عن خوف المسلم من الوقوع في أسر الدنيا:


"لاح لهم المشتهى، فلما مدوا أيدي التناول بان لأبصار البصائر خبط الفخ، فطاروا بأجنحة الحذر وصوبوا إلى الرحيل الثاني "ياليت قومي يعلمون (سورة يس : 26). تلمح القوم الوجود، ففهموا المقصود، فأجمعوا الرحيل قبل الرحيل، وشمروا للسير في سواء السبيل؛ فالناس منشغلون بالفضلات، وهم في قطع الفلوات، وعصافير الهوى في وثاق الشبكة ينتظرون الذبح"[1].


ويقول في السياق نفسه:


"اقشعرت الأرض وأظلمت السماء، وظهر الفساد في البر والبحر من ظلم الفجرة، وذهبت البركات، وقلت الخيرات، وهزلت الوحوش، وتكدرت الحياة من فسق الظلمة، وبكى ضوء النهار وظلمة الليل من الأعمال الخبيثة والأفعال الفظيعة، وشكا الكرام الكاتبون والمعقبات إلى ربهم، من كثرة الفواحش وغلبة المنكرات والقبائح. وهذا والله منذر بسيل عذاب قد انعقد غمامه، ومؤذن بليل بلاء قد ادلهم ظلامه. فاعزلوا عن طريق هذا السبيل بتوبة نصوح ما دامت التوبة ممكنة وبابها مفتوح. وكأنكم بالباب قد أغلق، وبالرهن وقد غَلِق، وبالجناح وقد علق (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون)، سورة الشعراء : 227"[2].


ويقول أيضا: "اشتر نفسك اليوم؛ فإن السوق قائمة، والثمن موجود، والبضائع رخيصة، وسيأتي على تلك السوق والبضائع يوم لا تصل فيه إلى قليل ولا كثير؛ (ذلك يوم التغابن) سورة التغابن : 9، (ويوم يعض الظالم على يديه) سورة الفرقان : 27"[3].


إن هذه النصوص الثلاثة تفيض حيوية وصدقا، كما تنطوي على عاطفة قوية يبدو معها التعبير الموحي حاملا شحنة من المعنى أوسع من نطاق أحرفه؛ حيث العواطف الجائشة تتدفق تلقائيا، وتنفذ إلى أعماق النفوس، وتحركها وتحملها على مشاركة الكاتب في وجدانه. ثم إن العاطفة المشعة من كلمات هذه النصوص، هي من نوع العواطف السامية التي تسهم في الرفع من قدر الإنسان، وتذكره بحقيقته الجوهرية المتجلية في العبودية لله وحده، وتخاطب فيه معاني الإنسانية ومعاني الفطرة. ومما لا شك فيه أن الفكرة السامية المشبعة بالعاطفة الصادقة الجياشة، تلك الفكرة التي تسهم في الرفع من قدر الإنسان وتنزع به نحو الرفعة والعلا، لهي أجمل قيمة وأطيب صدى من الأفكار الداعية إلى التبذل والسفه، أي الأفكار التي تعكسها العواطف المنحطة التي تشد صاحبها نحو ما هو مسترذل ومستقبح.


د. عبد الله الشارف، جامعة القرويين/كلية أصول الدين، تطوان المغرب.


 












[1] ابن قيم الجوزية : "الفوائد"، ص : 60، المكتبة العصرية صيدأ بيروت، 1422/2002.





[2] المرجع نفسه، ص : 61-62.





[3] المرجع السابق، ص : 62.




التعليقات