درس تربوي إيماني

0


ذات يوم، قبل عشرين سنة خلت، بينما كنت في طريقي إلى البيت، التقيت بأحد طلبتي في كلية أصول الدين، فحياني بتحية الإسلام، وطلب مني أن أستمع لكلامه، فاستجبت، ثم قال: "لقد أحاطت بي المشاكل من كل جانب حتى هممت بالانتحار!!  إني قد رسبت في الامتحان النهائي للمرة الثانية، وفقدت منحة الطالب، وتوفي أبي منذ سنة وأنا أكبر إخوتي، وليس لي مال أساعد به أمي، كما يصعب علي أن أعثر على عمل...فأنا أفكر في الموت. فقلت له: تعالى معي إلى المنزل. وبعد تناول وجبة الغذاء، هيأت لنا أم أولادي إبريقا من الشاي مع بعض الحلويات، وكنت بين الفينة والأخرى أطمئن الطالب الحيران وأردد له قول الله تعالى:  "فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا". ثم قلت له: سأساعدك في دراستك الجامعية هذه السنة، كي تنجح، إن شاء الله، وتحصل على المنحة من جديد. كما سأقدم لك بعض النصائح والإرشادات التربوية والإيمانية، وأهدي إليك  بعض الرسائل والكتب المتعلقة بتربية النفس وتزكيتها. ومن النصائح التي قدمتها له ما يلي:


_ احرص على صلاة الجماعة في المسجد.
_ عليك بقراءة جزء من القرآن كل يوم.
_ أكثر من الاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم.
_ اجتنب الحرام وقول السوء والغيبة والكبر... واجتهد في التحلي بالأخلاق الحميدة.
_ أكثر من الدعاء مع الإلحاح، لا سيما في جوف الليل.
_ الزم صلة الأرحام وأحسن إلى إخوانك المسلمين ولو بالكلمة الطيبة.


بعد مرور شهر، زارني الطالب نفسه، وكان فرحا مسرورا جميل المحيا، وقال لي:  لقد أنقدتني يا أستاذي من الهلاك، فقلت: أنقدك الله سبحانه وتعالى. يا أستاذي لقد بدأت الأمور تتحسن، إذ تغيرت رؤيتي لنفسي وللعالم، وبدأت أنظر إلى الأشياء والأمور نظرة تفاؤل، وقوي إيماني بالله، وصرت أحب الناس للصلاة والذكر، كما عثرت على عمل مؤقت، وسأجتهد في دراستي.


             وحصل الطالب بعد ذلك على شهادة الإجازة، ثم فاجأني بزيارة أخرى بعد ما يقرب من عشر سنوات، وأخبرني بأنه قد تزوج وله أولاد ويعمل مرشدا دينيا تابعا لوزارة الأوقاف والشؤون الدينية، كما أسند إليه خطبة الجمعة، فسررت لحاله.


وقبل بضع سنوات، التقيت بأحد الإخوة الأساتذة، وبدأنا نتجاذب أطراف الحديث حتى انتهينا إلى موضوع ضعف الإيمان الذي استشرى داؤه بين المسلمين، ثم قال لي: "أسألك عن عمل يحبب إلي العبادة ويذيب قساوة قلبي". فأجبته قائلا: "عليك بالقرآن وذكر الله". فقال: "أطلب منك أن تعلمني حب القرآن والذكر والسبيل إلى تزكية النفس"، فقلت له: "اسمع يا أخي، أنت أستاذ مثلي، فاجتهد كما يجتهد المسلمون الذين يرغبون في إزاحة غيوم الغفلة عن قلوبهم". فقال: "أريد منك نصائح عملية مكتوبة، أي برنامج عملي يتعلق بتقوية الإيمان وتزكية النفس." فقلت له: " لست شيخا تربويا صوفيا أوزع الأوراد وأعالج نفوس المريدين..." فما زال يلح، حتى كتبت له نصائح وخطوات عملية على طريق تزكية النفس.


             هذا وقد حصل لي مع طلبة وأشخاص آخرين مواقف شبيهة بالموقفين المشار إليهما، حيث كنت أمام حالات متنوعة تستدعي العناية والتوجيه الإيماني.


             وخلاصة القول؛ إن التربية الإيمانية وظيفة تلقائية في المجتمع الإسلامي يمارسها العلماء والفقهاء الربانيون، ولست منهم يقينا، بيد أنني أحبهم. كما يقوم بها الدعاة الصادقون والخطباء وأئمة المساجد ، وكل مسلم تتوفر فيه أوصاف معينة، ويأنس من نفسه القدرة على القيام بتلك التربية. وليست هذه التربية حكرا على شيوخ التربية من الصوفية الطرقيين كما يدعي المبتدعة.


             وليراجع الباحث مثلا، المجلد السادس من كتاب "حلية الأولياء وطبقات الأصفياء" لأبي نعيم، يجد فيه من كبار علماء الفقه والحديث كحماد بن سلمة، وحماد بن زيد، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري. وفي المجلد السابع هناك مثلا شعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة والليث بن سعيد وغيرهم. وفي المجلد الثامن؛ هناك الإمام الشافعي، والإمام أحمد، وإسحاق بن راهويه وغيرهم من رؤوس علماء الفقه والحديث، ممن أدخلهم أبو نعيم في جملة الأولياء من كتابه "الحلية". معنى هذا أن هؤلاء المذكورين وغيرهم كثير، كانوا علماء الفقه والحديث، وعلماء التربية والتزكية وإصلاح النفوس، وهم في ذلك قد سلكوا طريق الصحابة والتابعين. والذين ساروا من بعدهم على دربهم، ونهجوا نهجهم إلى يوم القيامة، كانوا مثلهم؛ نماذج في العلم والفقه، وأئمة يقتدى بهم في التقوى والورع والزهد وحسن السمت. وقد كان تلاميذهم يعرفون كثيرا عن أعمالهم الروحية والإيمانية؛ من ذكر وتلاوة وقيام الليل وصيام التطوع... وقد يخبرون عن بعض كراماتهم وأحوالهم الروحية، فيتأثرون بهم، ويقتفون أثرهم بطريقة تلقائية، فيتبوؤون بدورهم منازل التقوى والصلاح والاستقامة، دونما حاجة إلى أوراد أورسوم، أو طقوس وأعراف بدعية أو علوم لدنية وكشفية كما هو الشأن عند الصوفية.


د. عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين/جامعة القرويين. جمادى الثانية 1434/أبريل 2013.


 

يوسف إستس

0



لقد شهد العالم الغربي؛ الأوربي والأمريكي في العقود الأخيرة، إقبال عشرات أو مئات الآلاف من المسيحيين الغربيين على الإسلام. ولعل جل من  يدخل من هؤلاء في الإسلام، هم من المثقفين والأطر العلمية؛ من مهندسين وأطباء وباحثين أكاديميين، وأساتذة وقساوسة، وغيرهم من أصناف المثقفين وأهل العلم والمعرفة. وإن دل هذا على شيء، فإنما يدل على أن ديننا العظيم قد جمع، من خلال القرآن الكريم، من الحجج والبراهين والآيات البينات، ما جعل قلوب هؤلاء الغربيين تنقاد وتخضع، وتسلم لرب العالمين.


ولو اطلعت على ما كتبوه، بعد إسلامهم، من اعترافات وانطباعات إيمانية عميقة، لعلمت أن القوم كانوا يكتوون قبل إسلامهم، بنار الشرك ولظى الكفر، وقلق في النفس وضيق في الصدر. وها هم الآن ينشرون رسالة الإسلام بين قومهم وفي ديارهم، يبددون أستار الظلام وحجب الضلال.


ولعل الداعية يوسف إستس، يعتبر من أكبر دعاتهم المعاصرين، وممن امتلأت صدورهم بنور الإيمان واليقين، واندفعوا حاملين راية الإسلام، داعين قومهم إلى الدخول في دين الله. وبالمناسبة، أنقل إليكم نصا من موسوعة ويكيبيديا الإلكترونية، يعرف بهذا الرجل الأمريكي، الداعية الصادق:


"وُلِدَ يوسف إستس في عام1944 م، لعائلة نصرانية شديدة الالتزام بالنصرانية تعيش في الغرب الأوسط لأمريكا، حتى إن آباءه وأجداده لم يبنوا الكنائس والمدارس فحسب، بل وهبوا أنفسهم لخدمة النصرانية كذلك. كان يوسف مجتهدًا في البحث في الديانة المسيحية، كما درس الهندوسية واليهودية والبوذية، وعلى مدى 30 سنة لاحقة، عمل هو وأبوه معًا في مشاريع تجارية كثيرة، واستطاع يوسف جمع العديد من ملايين الدولارات في تلك السنوات، لكنه لم يجد راحة البال التي لا يمكن تحقيقها إلا بمعرفة الحقيقة وسلوك الطريق الصحيح للهداية. حصل على شهادة ماجستير في الفنون سنة 1974م وشهادة الدكتوراة في علم اللاهوت. بعد تعامله مع شخص مسلم مصري اسمه محمد اعتنق الإسلام سنة 1991م هو وزوجه ووالده ووالدته، ثم تعلَّم بعدها اللغة العربية والدراسات الإسلامية من سنة 1991 م إلى سنة 1998 م في مصر والمغرب وتركيا.


توفي والده في شهر ذي القعدة عام 1422هـ، وكان الشيخ يوسف مع كبر سنه يحضر أباه الطاعن في السن المُقعد على الكرسي المتحرك إلى الصلاة ويضعه في الصف ليحضر صلاة الجماعة (مشهد مؤثر جداً مع كونهما داعيين للنصرانية سابقاً). ولا يكاد يمر يوم إلا ويسلم على يديه أحد، وفي أحد الأيام جاءني مستبشراً طليق الوجه وقال : " أسلم اليوم ستون شخصاً !!". ولا يكتفي الشيخ بتلقين الشهادة فحسب بل يتابع المسلمين الجدد ويعلمهم أمور دينهم، حتى أنه يتكلف السفر لهم أحياناً، وله عدة أشرطة مرئية لمحاضرات عن الإسلام والإرهاب، وعن التعريف الواضح بالإسلام، وعن فهم الإسلام.. وغيرها.


يمضي الشيخ أغلب وقته في الدعوة إلى الله وتعليم الناس. يشغل وقته بطلب دعم المواد والأنشطة الدعوية ويبذل ما لديه للدعوة، مع حسن خلقه ومحبة الناس له ولطف تعامله وتذكيره الدائم بالله ، والحرص على ألا يضيع الوقت إلا في الدعوة أو الحديث النافع أو عمل خير، وحرصه على تعليم أولاده بنفسه حتى لا يتأثروا بالمجتمع المنحل عقدياً وفكرياً وأخلاقياً، مع حجاب زوجته الكامل وبناته. أسلم على يد الشيخ يوسف الآلاف من الناس، حتى أنه لم يعد يتذكر عددهم بالضبط. ففي إحدى محاضراته في ألمانيا أسلم جميع من في القاعة وعددهم ألف ومئتان وخمسون شخصاً.(المصدر: من هو يوسف إستس؟ موقع النسيم).


ولا يعرف يوسف إستس العربية مع أنه يقرأ القرآن قراءة صحيحة من المصحف، لكنه متمكن جداً في مسألة الأديان ويستطيع بفضل الله إقناع أو إفحام خصومه من الديانات الأخرى بطلاقة. وتراه يذكر أثناء حديثه بعض الأحاديث المترجمة من الصحاح والسنن بأرقامها في مواضعها، ولا يُعد الشيخ فقيهاً أو مفتياً، وهو متواضع ويحرص على مجالس العلم ويستفيد من طلاب العلم والمشايخ والدروس المنتظمة في تلك المنطقة. ويظهر حرصه على تطبيق السنة، وهو رائع جداً في الحوار والنقاش مع اليهود والنصارى ومحاجتهم. كما يتميز الشيخ بورعه وشفافيته وتأثره والربط دائماً بالعقيدة والتركيز عليها، وتحقيق التوحيد وقد قلت له مرة: أتمنى أن أتحدث الإنجليزية مثلك فقال: وأنا أتمنى أني ما عرفت من الإنجليزية حرفاً واحداً وأني أتحدث العربية مثلك، لأقرأ كلام ربي وأعقله وأتدبره.


وشارك الشيخ في مؤتمر الندوة العالمية للشباب الإسلامي بالرياض، وزار مكتب دعوة الجاليات بحي الربوة وأسلم على يديه أربعة فلبينيين في يوم الجمعة 19/8/1423هـ في خيمة الدعوة بالبطحاء في الرياض. وهو داعية في السجون الأمريكية يزور المسلمين ويعلمهم أمور دينهم وعقيدتهم، ويهدي لهم نسخاً من ترجمة معاني القرآن الكريم بالإنجليزية (نسخة الجيب من مجمع الملك فهد بالمدينة المنورة)، ويلقي لهم درساً مبسطاً في العقيدة وأركان الإسلام، يحضره أيضاً بعض السجناء من غير المسلمين ويسلم عدد منهم في كل مرة.


وموقعه على شبكة الإنترنت (الإسلام غداً islamtomorrow.com) هو من المواقع الدعوية المتميزة في أسلوب عرض الإسلام والدعوة إليه، وفك حيرة النصارى من ضلالهم، والشيخ يستقبل المئات من الرسائل على بريده، ويتابع المسلمين الجدد ويعلمهم ويجيب على تساؤلاتهم، ويعوقه أحياناً عن متابعة الموقع كثرة سفره في الولايات والدعوة وإقامة المحاضرات في الجامعات، وزيارة المسلمين في السجون وتعليمهم أمور دينهم."


 


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، جامعة القرويين. تطوان المغرب. جمادى الثانية 1434/ أبريل 2013. 

اليقين اليقين، يا عبد الله ويا أمة الله

2


عليك باليقين


أنت ميت وتحسب نفسك حيا، وحياتك من نوره "أفمن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها"، ونوره من اليقين، والموت أول مراحل اليقين؛ "واعبد ربك حتى يأتيك اليقين". فأكثر من ذكر هادم اللذات كي تحظى باليقين، وينشرح الصدر، وتنعم باليقظة، وتستشعر غربتك الدنيوية، وتتنسم عبير الحياة الأبدية. فتقرب إلى الله واسجد له بقلبك آخر سجدة، ولا ترفع رأسك منها أبدا، وصل صلاة مودع.


واعمل وظن بالله خيرا وبالنفس شرا، وانشد اليقين حتى يستهين قلبك بما استثقلته نفسك، وتعمل على المعاينة؛ كالعبد في الدنيا أمام سيده. والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، وإن أعوزك اليقين؛ ثقلت عليك العبادة، وحرمت السكينة، وفاتتك لذة القرب.


أقم قيامتك


إذا تذكرت الواقعة، وبرق البصر، وخسوف القمر، ولم يصبك خدر، ولا وجدت أثرا في باطنك، فما حصل لك اليقين بالمشهد الرهيب. أقم قيامتك قبل يومها، واستحضر مشاهدها قبل أن تباغثك، واجمع غدك بيومك وما ثم غير يومك. وإذا صح منك التقرب أعطيت سر العبادة، ونلت حلاوة المناجاة، وغشيتك السكينة، وكتبت في ديوان المقربين، ومن ذاق لذة الوهب لا يفرح بالكسب.


ارتو بماء اليقين


اطلب اليقين كي تقذف في عين الحقيقة، كما ألقي السحرة ساجدين، ولن يضرك بعد ذلك شيء، ولسان حالك: (إنا إلى ربنا لمنقلبون). والتمس منه ربط القلب كما ربط على قلوب الفتية؛ (إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها)، وعلى قلب أم موسى؛ (لتكون من المؤمنين)، ثم لن تستوحش مما يستوحش منه الغافلون، ولن تأنس إلا بما يأنس به الواصلون.


 


أجمل ما يرى


خير ما يلقى في القلب اليقين، وأجمل ما يرى وجه رب العالمين، وألذ ما يطرب السمع كلام الحبيب وترتيل الذكر بمزمار داود وشذو نساء الجنة والحور العين. وأحسن ما تقر به العين مقام أمين في أعلى عليين. وكل ما لم يفض بك إلى هذا فوهم وغرور وتخمين، أو هشيم تذروه الرياح فوق الربى وعلى البطاح. ولله ذر لبيد:


        ألا كل شئ ماخلا الله باطل         وكل نعيم لا محالة زائل.


وجه الله أعظم مما يخطر على بالك وأقر للعين وأجمل ما يرى وأبهى، وليس وراء الله مرمى، ولا بعد ذكر الله من خير يرجى أو نعمة تجتبى، ولا أحسن من قرآنه ما يتلى، وإليه يصعد الكلم الطيب ويرقى.


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين. جامعة القرويين. تطوان المغرب2003

مناهج العلوم الإنسانية: ملاحظات نقدية

0



إن العلوم الإنسانية في الغرب المعاصر تعاني مشاكل حادة، سواء على مستوى المنهج أو فيما يتعلق بالبناء النظري. ويرى كثير من الباحثين المتخصصين أن هذه المشاكل المنهجية والنظرية مرتبطة بطبيعة موضوع العلوم الإنسانية من جهة، وبالمؤثرات الفلسفية والإيديولوجية التي رافقت تلك العلوم في نشأتها وتطورها ومسيرتها التاريخية.


ثم إن هذه الفلسفات والإيديولوجيات التي صبغت العلوم الإنسانية بصبغتها، تمثل النتاج الفكري والفلسفي، الذي تمخض عن قرون من الصراع بين الفكر اللاهوتي الكنسي والفكر المتحرر، الذي عرف عند مفكري وفلاسفة عصري النهضة والتنوير.


ولما دخل القرن الثامن عشر الميلادي، كانت الثقافة الأوربية قد قطعت أعظم الأشواط في التحرر من هيمنة الفكر اللاهوتي الكنسي. ورفع فلاسفة التنوير شعار العقل، وآمنوا بقدرته على فهم الكون وتسخيره للإنسان، كما أخضعوا المعارف والعلوم للدراسة العقلية المتسلحة بالنقد والتحليل.


ومع نهاية القرن الثامن عشر الميلادي، بزغت العلمانية كمذهب قوي في وجه الكنيسة الكاثوليكية المثخنة بالضربات، والانتقادات الفلسفية والعلمية. كما توج هذا الوضع بأكبر ثورة اجتماعية وثقافية في تاريخ الغرب؛ وهي الثورة الفرنسية، تلك الثورة التي، إلى جانب الثورة الصناعية، شكلت أعظم سند لقيام المنهج الوضعي، وذلك على يد الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي أوجست كونت، في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي. وهكذا قامت الفلسفة الوضعية في وجه كل تفكير يخرج عن دائرة الحس، سواء أكان تفكيرا دينيا، أو فلسفيا، أو عقليا.


يقول أوجست كونت: "إننا ما دمنا نفكر بمنطق وضعي في مادة علم الفلك أو الفيزياء، لم يعد بإمكاننا أن نفكر بطريقة مغايرة في مادة السياسة أو الدين. فالمنهج الوضعي الذي نجح في العلوم الطبيعية غير العضوية، يجب أن يمتد إلى كل أبعاد التفكير"[1].


لكن يواجه من يتصدى لدراسة منهج العلوم الإنسانية، بعدم اتفاق العلماء وفلاسفة العلم فيما بينهم بشأنه. وقد ظهر هذا الخلاف واضحا منذ النشأة الحديثة للعلوم الإنسانية أو الاجتماعية الغربية.


"فنجد من جهة من ينادي بوحدة المنهج بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية. حيث يرى أصحاب هذا الاتجاه أن العلوم الطبيعية قد وصلت إلى درجة من التقدم، مما يجعل مناهجها تقدم مثالا جديرا بالاحتذاء والتطبيق في المجال الإنساني. فالإنسان، في رأيهم، ليس إلا جزءا من العالم الطبيعي... و لا مندوحة لمادة العلاقات الإنسانية، إذا أريد لها أن تكون علما، عن السير في نفس الطريق المنطقي الذي تسير فيه بقية العلوم الطبيعية".[2]


وهناك الرافضون لفكرة الوحدة المنهجية بين علوم طبيعية وعلوم إنسانية، وللرأي القائل بأن العلوم الطبيعية هي المثل الأعلى للفهم العقلي للواقع. ويذهب هؤلاء الرافضون إلى أنه: " بينما تتعامل العلوم الطبيعية مع علاقات ثابتة وموضوعات مادية، قابلة للقياس وتخضع للتجارب، فإن العلوم الإنسانية تفقد التجارب والقياس وتتعامل مع موضوعات معنوية ونفسية تند عن الثبات. من الخطأ إذا، في رأي أصحاب هذا الاتجاه، تطبيق المناهج التي ثبت نجاحها في العلوم الطبيعية على العلوم الإنسانية، لأن هذا سوف يؤدي إلى خلط كبير، بل هو السبب في تخلف العلوم الإنسانية. فالوحدة المنهجية في رأيهم مرفوضة لأنها تقوم على افتراض غير مؤكد، فحواه أن الطرق المستخدمة من قبل العلماء الطبيعيين هي وحدها المتصفة بالعلمية"[3] .


وهكذا إذا كانت القوانين الفيزيائية والبيولوجية والجيولوجية صالحة في كل زمان ومكان لكون العالم الطبيعي يحكمه نسق من الاطرادات الثابتة، فإن القوانين الإنسانية لا تخضع للنسق نفسه لأنها تختلف باختلاف الزمان والمكان.


"إن البحث العلمي إنما هو مجرد نشاط إنساني متأثر في نشأته وتطوره وفي صورته الحالية، بالظروف التاريخية والاختيارات الثقافية والقيمية، الخاصة بالمجتمعات الغربية...وأنه بهذا يحتمل ظهور توجهات أخرى منبثقة من نظرات أخرى للكون والحياة... نظرات قد تتطلب إدخال تعديلات جوهرية على تلك النظرة التقليدية، خصوصا عند التعرض بالدراسة للظواهر الإنسانية"[4]


ومن ناحية أخرى، فإن المناهج والدراسات الاجتماعية والتنظيمية لا يمكن فصلها عن الاتجاهات الفلسفية والإيديولوجية التي تسيطر على تلك المناهج والدراسات، وتؤثر في عملية التنظير العلمي والمنهجي.


إن مناهج العلوم الإنسانية في صورتها الحالية هي في الحقيقة إنتاج غربي مرتبط أشد الارتباط بالتاريخ الثقافي للغرب، ويعبر عن خصوصياته ومشكلاته الفكرية. وقد كان تسرّب هذه المناهج إلى جامعات ومراكز البحث العلمي في العالم الإسلامي أمرا تفرضه الحاجة نتيجة الفراغ العلمي، مع شدة الحاجة إلى التجديد. فكان لابد من استيراد العلوم الغربية، أو استيراد مناهجها الجاهزة بدون تعديل أو تغيير !!.


وهكذا أصبحت العلوم الاجتماعية في العالم " التابع " تعاني أزمة حادة، ناتجة أساسا عن التبعية النظرية للحقل المعرفي الغربي، وذلك على المستويين النظري والمنهجي. ومن مظاهر هذه التبعية؛ التقليد والنسخ الأعمى لمناهج المعرفة الغربية، وإعادة إنتاج فكرها، أو مجرد استهلاكه دون أدنى تساؤل أو مراجعة نقدية.


فعندما تأسست العلوم الاجتماعية في جامعات البلدان الإسلامية، لم يحاول الرواد الأوائل استعمال الحس النقدي والمنطق العملي، وإنما نقلوا مناهج الغرب كما تعلموها. إن إشكالية المنهج هي إشكالية النشأة والتأسيس، كما أن تكوين العلوم الاجتماعية عندنا حصل خارج السياق التاريخي والمجتمعي. ولذلك فهي لا تعبر عن عقلية المسلمين ولا عن واقعهم، كما أنها لا تعكس صورة التطور الحقيقي للمجتمعات الإسلامية، بل تعبر مضمونا ومنهجا عن تجربة المجتمعات الأوربية.


إن المنهج الاستدلالي الصوري، والمنهج العقلاني، والمنهج الظواهري، والمنهج البراغماتي، والمنهج الجدلي، والمنهج البنيوي، ومنهج التحليل النفسي، والمنهج الأركيولوجي، والمنهج التفكيكي، والمنهاج التفاعلي، إلخ ... كلها مناهج تدرس بها العلوم الاجتماعية في جامعاتنا، وهي مناهج لها تاريخها الخاص في الصراع مع الغيبي والمقدس والمعنوي.


"ومما يدعو للأسف أن هذه المناهج بمضامينها المعادية والمتحيزة، تدرس لطلبة الجامعة، وتؤخذ على أنها محض علوم ومعارف موضوعية عالمية، تلخص حقيقة المعرفة وتنشئ التصور السليم المتصل بالعالم.


وبالرغم من أن ميدان مناهج العلوم الاجتماعية في الغرب، قد شهد في العقود الأخيرة ظهور تيارات نقدية وتوجهات تمردية تستهدف المناهج الكلاسيكية، وتقترح مناهج جديدة تواكب التطورات الأخيرة للمجتمعات الغربية، فإن كتابنا وباحثينا وأساتذتنا الجامعيين، مازالوا يدورون في فلك تلك المناهج الكلاسيكية المتجاوزة، بل يستميتون في الدفاع عنها. وينتج عن هذا الموقف اللامنطقي والاستغرابي، تخلف واضح ومذهل عن " الإسهام في صياغة نهج الدور الحضاري للعلوم الاجتماعية، وهو دور تتحقق ماهيته بصورة دقيقة عندما يوضع في إطاره المجتمعي، ذلك الإطار الذي يستمد مقوماته من خصوصية المجتمع، وتفرد بنائه وتميزه وهويته الاجتماعية والسياسية، فضلا عن تميزه الديني  والثقافي ([5]) .









[1]1976; pp86-87  Raymond Aron:  Les étapes de la pensée sociologique /  Ed; Tel Gallimard





[2] - د. علا مصطفى أنور: "أزمة المنهج في العلوم الإنسانية"، المعهد العالمي للفكر الإسلامي؛ "قضايا المنهجية في العلوم الإسلامية والاجتماعية"‘ القاهرة 1417-1996/ ص187.





[3] - المرجع نفسه ؛ ص 189.





[4] - د. إبراهيم عبد الرحمن رجب: " التأصيل الإسلامي للعلوم الاجتماعية"، دار علم الكتب، الرياض..1416-1996، ص 51.





[5]- د. محمد أحمد بيومي: «علم الاجتماع بين الوعي الإسلامي والوعي المغترب» / دار المعرفة - الجامعية الإسكندرية، ص 52، 1993.



د. عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين/ جامعة القرويين تطوان المغرب. جمادي الثانية 1434. أبريل 2013.




المورسكيون الجدد

0


في يوم الأربعاء 23 نوفمبر من سنة 2011 م، انطلقت، في رحاب كلية الآداب والعلوم الإنسانية بتطوان، أشغال ندوة علمية تتعلق بموضوع المورسكيين. شارك فيها أساتذة جامعيون من مدينة تطوان وخارجها. وبعد استماع الحاضرين إلى كلمات ومداخلات السادة الأساتذة المشاركين، فتح باب الأسئلة والمناقشات، وكنت ضمن الذين أدلوا بدلوهم في هذه الندوة، و أخذت الكلمة قائلا:


"أشكر السادة الأساتذة الباحثين على ما أتحفونا به من مداخلات وجولات علمية وأدبية ،في عالم وتاريخ الموركيين، وأقدم التساؤل التالي:


إذا كان اهتمام كثير من الباحثين في بلداننا العربية الإسلامية بموضوع المورسكيين، يزداد يوما بعد يوم، نظرا لأهميته ولأبعاده الدينية والثقافية، ونظرا لما لحق المورسكيين من ظلم واضطهاد على مدى قرنيين من الزمن...لماذا لا يحظى موضوع: "المورسكيون الجدد" !، كما أسميهم، بالعناية نفسها. علما بأن المورسكيين الجدد أحياء، وهم بذلك أولى بالاهتمام. إن هؤلاء المورسكيين هم أبناء وأحفاد المهاجرين المسلمين المعاصرين في بلاد الغرب. ولقد أثبتت دراسات وأبحاث حول الموضوع أن أكثر من سبعة ملايين من أبناء وأحفاد المهاجرين المسلمين، الذين ولدوا ونشؤوا في المجتمعات الغربية، قد ذابوا وانصهر ثلاثة أرباعهم أو أكثر في أحشاء تلك المجتمعات. ذلك أن أغلبهم لا يتكلمون العربية، ولا صلة لهم بأعراف وتقاليد آبائهم الاجتماعية، وأغلبهم لا علم لهم بالواجبات الدينية، كما أن نسبة قليلة منهم من يحافظ على الصلاة والصوم.


أما الذين تزوجوا منهم بالأوربيات، أو اللواتي تزوجن بالأوربيين، فإن أولادهم وأحفادهم قد قطعوا الصلة نهائيا بالدين الإسلامي، فهم إن لم يكونوا قد تنصروا بحكم الوراثة، فقد تعلمنوا. ومما زاد في الطين بلة، أن الأحداث والوقائع التي عرفتها المجتمعات الإسلامية في العقود الأخيرة؛ بدءا من الثورة الإيرانية ومرورا بما سمي ب"تنظيم القاعدة". ثم أحداث 11 شتمبر 2001 بنيويورك، إلخ. كل ذلك كان له آثار سلبية في نفوس المهاجرين وأبنائهم، حيث غدوا أكثر فأكثر هدفا للكراهية والعنصرية، مما دفع بكثير من شباب المهاجرين المسلمين إلى التنكر، وتجنب كل العلامات والمظاهر التي توحي بأن أصولهم عربية أو إسلامية، حيث أن طائفة منهم مثلا، اختاروا أسماء النصارى بدل أسماء العرب المسلمين، أملا في طمس هويتهم، إلى غير ذلك من الكوارث والمآسي.


ومن هنا فإني أدعو السادة الأساتذة المحاضرين في هذه الندوة إلى الاهتمام بالمورسكيين الجدد، والعمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه. ثم إن الإحسان إلى المورسكيين الأحياء والعناية بهم، أولى من الاهتمام بالمورسكيين الموتى، والبكاء على أطلالهم ورفاتهم.


ومما لا ريب فيه أن هناك نوعا من التقارب والتماثل بين السياسة الغربية المتبعة إزاء المسلمين المهاجرين في دول الغرب، والسياسة التي اتبعتها السلطات المسيحية والكنسية، مع المورسكيين الذين ظلوا مقيمين في الأندلس بعد سقوط غرناطة. فإذا كانت المساجد قد هدمت آنذاك، أو تحولت إلى كنائس وإسطبلات، فإن السلطات الغربية المعاصرة قلما تستجيب لرغبة المسلمين المهاجرين في بناء المساجد داخل أحيائهم. كما تلوذ بالصمت إذا اعتدي على مساجدهم أو الأماكن التي يصلون ، والتي عادة ما توجد في الطوابق الأرضية، كما لا تسمح لهم برفع الصوت بالأذان، إلى غير ذلك من المضايقات. ثم إن وسائل الإعلام لا تتوقف عن حملتها الشعواء ضد المساجد وكل ما يتعلق بالمظاهر الإسلامية في الغرب.


والمثال الثاني الدال على شيء من التقارب بين السياستين القديمة والحديثة تجاه المسلمين في الغرب، آخذه من مجال التربية والتعليم. لقد أكدت النصوص التاريخية المتعلقة بالوجود الإسلامي في الأندلس بعد نكسة السقوط والانهيار، أن السلطات الكاثوليكية كانت تمنع الآباء المورسكيين من تعليم أبنائهم اللغة العربية، وتأمرهم بإرسالهم إلى المكان المخصص لهم لكي يتعلموا اللغة القشتالية، وإلا خضعوا للعقوبات اللازمة. وكان الهدف من وراء ذلك هو قطع الصلة بين هؤلاء الأبناء وبين أصولهم الدينية والثقافية، ثم تنصيرهم.


أما في الغرب المعاصر فإن:


"الأب المسلم والأم المسلمة إذا رزقا الصلاح ف
ي دينهما، قادران على تربية أولادهما تربية صالحة في أوربا إلى سن السادسة. وبعد هذه السن تلزم الدولة الأبوين بإحضار أولادهما إلى المدرسة، إذ أن التعليم إجباري لمدة عشر سنوات، وفي المدرسة يخضع الطفل لتربية لا تمت للدين بصلة، ولا للأخلاق الحميدة بقربى، فمن سن السابع تبدأ دروس الجنس في المدرسة، فيتعلم الأطفال معاني الجنس، وكيفية ممارسته، دون  تحذير من العلاقة الجنسية المحرمة، بل على العكس من ذلك فيها حض كبير على العلاقات الجنسية المطلقة.


كما أن الطفل لا ينجو من أفكار الإلحاد التي تطرح على رأسه الصغير، من مدرسه أو مدرسته، دون أن يغفل المدرس عن بيان حقوق الطفل، ومنها حق الاعتراض على أمه وأبيه، وأن ليس لأحد  أن يضربه أو يؤدبه، وحرية اختياره لدينه وعشيقته وطريقة حياته دون ممانعة من أب أو أم، وإن فعلا فيسحب حق تربيتهما لطفلهما. فلا يتجاوز الطفل سن البلوغ إلا هو عاص لربه، عاق لوالديه، مجانب للقيم والأخلاق إلا من رحم ربي"[1]


  وإن من يدعي أنه يستطيع أن يربي أولاده في أوربا التربية الإسلامية الصحيحة، فنقول له: بيننا وبينك واقع الحال. فالواقع يدلنا أن المنحرفين من أبناء المسلمين أضعاف أضعاف الملتزمين منهم، وهذا ليس في الآباء الذين درج آباؤهم على الرذيلة وتعودوا عليها، وإنما هذا في الأبناء الذين نشأ آباؤهم على الالتزام وثبتوا عليه.


إن سياسة الغرب تجاه المهاجرين المسلمين، تراهن على المستقبل، كما أنها تخفي التنصير وتعلن العلمانية والحرية والديمقراطية. تلك السموم التي قلما يشعر بها الآباء المسلمون المهاجرون، بيد أنهم قد يدركونها، لكن بعد فوات الأوان.


نعم إنه لمخطط رهيب ولمؤامرة مدبرة بإحكام. بالأمس أو قبل عقود، شرعت أوربا في استغلال سواعد المهاجرين المسلمين  في بناء دولتها، والآن تقطف ثمارا أخرى؛ إنهم الأبناء والأحفاد الذين بدؤوا ينصهرون ويذوبون في بوتقة المجتمعات النصرانية الغربية التي تعاني جمودا أو نقصا ديموغرافيا كبيرا !!.


وصدق أحد العلماء القدامى عندما سئل:


"من أتعس الناس؟" فأجاب: "أتعس الناس من باع دينه بدنياه". ثم قيل له: "ومن أتعس منه؟". فقال: "من باع دينه بدنيا غيره".


لما بدأت وفود العمال المهاجرين المسلمين تفد إلى أوربا بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، لإعادة بناء ما هدمته الحرب، والقيام بأعمال أخرى، غلب على ظن المسؤولين الغربيين أن هؤلاء المهاجرين سيعودون إلى بلدانهم بعد توفير قسط من المال. لكنهم آثروا البقاء والإقامة الدائمة، بعد أن تزوجوا وأنجبوا الأولاد؛ ذلك الصيد الذي لم تكن أوربا العجوز تحلم به ولا خطر ببالها !!. لكن هذه الإقامة الدائمة أقلقت، مع مرور الزمن، بال المسؤولين لما أحدثته من صراعات ومشاكل اجتماعية، بسبب الاختلاف الديني والثقافي، مما دعا هؤلاء المسؤولين لإقامة ما سمي بسياسة الاندماج.


وفي هذا الصدد يقول الكاتب التجاني بولعواني:


" بالنظر إلى الخطاب السياسي المهيمن في الغرب، يدرك أن البقاء المسلمين سواء في البلدان الأوربية أم في الدول الغربية، غير مرهون فحسب بتوفرهم على وضعية قانونية صحيحة، أو نيلهم لجنسية البلد الذي يوجدون فيه، أو حتى انتمائهم إليه بالولادة والتربية والتمدرس ونحو ذلك، ولكن مرهون بما هو أهم من ذلك كله، وهو وجوب انخراطهم في الحياة الغربية العامة؛ ثقافيا ولغويا واجتماعيا واقتصاديا وأخلاقيا وغير ذلك، على أن يكون هذا الانخراط مسايرا بل ومندرجا في بوتقة المجتمع الغربي، قلبا وقالبا، تفكيرا وسلوكا، وبعيدا عن أي تصارع مع أخلاق وتقاليد الغربيين، ولو أنها تهدد المسلمين المغتربين في هويتهم الدينية والثقافية، وفي تربية أبنائهم وتوجيههم، مما يضعهم أمام نارين؛ نار الولاء للآخر، ونار التمسك بالهوية الأصيلة.


وسعيا إلى تنفيد هذا المبتغى الذي يطلق عليه في الأدبيات الغربية سياسة الاندماج، تم حشد شتى الإمكانات القانونية والمادية والدعائية، التي وظفتها العديد من الدول الغربية في شكل مشاريع عدة، تأتلف حول أهداف موحدة. وتكلفت مختلف الأجهزة بتطبيق ذلك وتعميمه على كل الأجانب الموجودين بين ظهرانيها، من وزارات وأحزاب ومؤسسات تعليمية وجمعيات وشركات وغير ذلك، وعندما تمعن النظر في هذا الاهتمام اللافت بهذه القضية، تشعر وكأنك لست أمام سياسة الاندماج، وإنما أمام ثورة الاندماج، ما دام أن أولئك المشرفين على ملفات هذه القضية، تفهم من خطابهم وكأن لا خيار للأجانب والمسلمين إلا الاندماج في المجتمعات الغربية وأن رضى الغرب عنهم لا يأتي إلا من بوابة اندماجهم وفق رؤيته الفكرية والتنظيرية وإلا فإنهم سوف يحشرون لا محالة في خانة الخوارج الجدد !.[2]









[1] -  سالم بن عبد الغني الرافعي؛ أحكام الأحوال الشخصية للمسلمين في الغرب، ط 1 الرياض دار الوطن للنشر 1422هج، 2001م ص 80.





[2] - التيجاني بولعواني؛ "المسلمون في الغرب بين تناقضات الواقع وتحديات المستقبل"، أفريقيا الشرق؛ الدار البيضاء المغرب 2010،  ص74.


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/جامعة القرويين تطوان المغرب. جمادى الثانية 1434/ أبريل 2013.




الفرح قد يبدد الطاقة النفسية ويوهن الإرادة

0


الفرح انفعال نفسي من الانفعالات الوجدانية الفطرية، وهو يكثر ويقل، ويقوى ويضعف عندالإنسان حسب الظروف النفسية والاجتماعية، وحسب طبيعة الشخصية ونوعها. ويكون الفرح عاملا إيجابيا في بناء الشخصية ونموها، عندما يكون خاضعا لنور العقل، ومسيجا بسياج الحكمة.


وإذا كان الانسان مفراحا؛ أي كثير الفرح، كان أدنى إلى الوقوع في حالات نفسية غيرمرغوب فيها. وبعبارة أخرى؛ كلما أطلق الانسان العنان لنفسه، واسترسل مع أفراح الدنيا؛أي امتلأ باطنه بالأفراح والسرور الدنيوية مادية كانت أم معنوية، واعتاد هذا السلوك النفسي،كان أدعى لأن يفاجأ بما يسوؤه،أو بما لا يحمد عقباه. قال تعالى مخاطبا قارون: "لا تفرح إن الله لا الفرحين" (القصص 76). وقال أيضا "هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ" (يونس 22)


ففي الآية الأولى نهي صريح عن الفرح بمتاع الدنيا وزينتها .ذلك أن قارون أعطاه الله من الكنوز "ما إن مفاتيحه لتنوء بالعصبة أولي القوة " (القصص 76 ) فلم يشكر الله ولم يحسن إلى الناس، وإنما فرح فرحا شديدا أدى به إلى التكبر والمفاخرة والطغيان .فعذبه الله بأن خسف به الأرض قال تعالى: "فخسفنا به وبداره الأرض" (القصص 81).


وفي الآية الثانية، يصف الله ذلك النفر الذي ركب الفلك، وفرح بالريح الطيبة المناسبة. ثم  بعد ذلك أعقبتها ريح عاصف، فكان المشهد الرهيب، المنذر بالنهاية المفجعة.


إن الإكثار من الفرح، في مشهد قارون المخسوف به، تجاوز مستوى تبديد الطاقة النفسية ووهن الإرادة، إلى مستوى فاجعة الخسف.


والمشهد الثاني لم ينته بالغرق، وإنما أنجى الله النفر، كما جاء في الآية التي بعدها. ولكن هذا يدل على أن الفرح الشديد والغفلة عن الله، كثيرا ما يؤديان إلى الوقوع في مثل هذه الكوارث، ابتلاء من الله.


لكن؛ كيف يؤدي الفرح الشديد والإكثار منه عند امتلاك الإنسان للأشياءالدنيوية، من مال أو منصب أو مكانة ...، إلى تبديد الطاقة النفسية وإضعاف الإرادة ؟


إن الانسان عندما يظفر بحظ من حظوظ الدنيا، سواء بعد بذل مجهود أو من غير توقع، إماأن يفرح فرحا شديدا، أو يعتدل في فرحه، أو يفرح قليلا.


ففي الحالتين الثانية والثالثة، غالبا ما يحتفظ الإنسان بالوضع النفسي الذي كان عليه قبل الظفر بذلك الحظ. أما في الحالة الأولى، فإن طاقته النفسية تكون  معرضة للتبديد والضياع؛ بمعنى أن الفرح الشديد الذي تملكه، وغدا جزءا من كيانه ومصاحبا له، سيطر على وعيه وشعوره، وتسلل إلى لا وعيه الباطني، وبالتالي فإنه كثيرا ما يجعل هذا الحظ أو الشيء الذي يفرح به، موضوع تفكيره باستمرار. فهو من جهة قد يخشى عليه الضياع والهلاك أو الزوال. ومن جهة أخرى قد يفكر في سبل تنميته، أو جعله موضوع فخر ومباهاة. أو قد يفكر بنوع من الحسد، في أشخاص يتوفرون على حظ مماثل. إلى غير ذلك من الأفكار التي قد تلقي به في الأودية والشعاب.


إن التلذذ بموضوع الفرح، من خلال تأمله والتفكير فيه، أو النظر إليه، والذي قد يستغرق وقتا طويلا؛ أياما أو شهورا، وربما أكثر من ذلك، يستنزف الطاقة النفسية ويوهنها. فعندما ينتقل هذا الإنسان الأسير، من موضوع فرحه إلى موضوع آخر مرتبط بحياته أو مجتمعه، يفرض عليه الانخراط أو المبادرة أو المباشرة، قد يجد نفسه عاجزا لعدم توفره على الطاقة النفسية الكافية؛ يعني أن إرادته تكون حالتئذ ضعيفة، ولا تقوى على تحمل أعباء الحياة.


ومما لا شك فيه أن الأبطال والعباقرة والعلماء والمصلحين، قد حققوا ما حققوه بعزوفهم عن الحظوظ الدنيوية، وعدم الفرح بما يتهافت عليه عامة الناس، حيث سخروا قدراتهم وطاقاتهم النفسية والعقلية، فيما هم مشغولون به من العلم والأعمال السامية العظيمة.


والخلاصة أن الإنسان كلما قلل من الفرح بالدنيا وحظوظ النفس ما استطاع، كان أوفر طاقة وأقوى إرادة وأمضى عزيمة.


ومن  ناحية أخرى، فإن الإكثار من الفرح بالدنيا، ومن التمتع بزينتها، يفوت على الإنسان الفرح بالآخرة والتنعم بها. وشتان ما بين الفرحين والنعيمين. وإذا أردت معرفة الفرق بينهما، فاسأل التوابين الذين انتقلوا بتوبتهم من  رجس  الحرام إلى نعيم الحلال، ومن ذل المعصية إلى عز الطاعة، ومن شقاء اللهث وراء الدنيا إلى راحة القناعة والرضا. ومن الانصياع والاستسلام للشهوات، إلى الأخذ بزمام النفس الأمارة. بل اسأل الذاكرين الذين انتقلوا من قيظ الغفلة إلى برد اليقظة. ومن ضنك الإعراض عن الله، إلى سعة ذكره والتلذذ بمناجاته. ومن تعاسة الحيرة وألمها إلى نعيم الطمأنينة وظلالها. واسأل إن شئت الزهاد الصادقين، والدعاة المخلصين والعلماء الربانيين... ستجد أن كل هذه الطوائف المذكورة لن يستبدلوا بزينة الدنيا وزخرفها وشهواتها، ما هم مقيمين فيه من نعيم باطني كاد يشبه نعيم الآخرة، إن لم  يكن جزءا منه أو صورة من  صوره، بل قد صرح بذلك كثير منهم.


هذا، وإذا كان الإكثار من الفرح بالدنيا والتهافت على ملذاتها وشهواتها، كما أشرت، يضعف الطاقة النفسية، كما يوهن الإرادة خاصة فيما يتعلق بأعمال الخير والصلاح، فإن التوبة النصوح، والقناعة والرضا والإقبال على الله بالإكثار من ذكره والعمل بأوامره واجتناب نواهيه، والمحافظة على سنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، كل ذلك يجعل الطاقة النفسية الخيرة، قوية ومتدفقة، كما تقوى عند المسلم الصالح إرادة الخير والنفع لنفسه ولكافة المسلمين.


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/جامعة القرويين. تطوان المغرب. جمادى الثانية 1434/ أبريل 2013.