ابن عربي والموسيقى الصوفية والعولمة

0
 

 

_-4cbb64d203f60

ان علاقة التصوف بالموسيقى علاقة وظيفية وقديمة، تضرب في أعماق التاريخ، باعتبار أن التصوف ظاهرة روحية وتربوية، عرفتها كثير من الحضارات القديمة؛ كحضارتي الصين والهند. كما مارس اليهود والنصارى التصوف، قبل أن يعرف عند المسلمين. واستعمال الموسيقى عند المتصوفة قديما وحديثا أمر منطقي؛ أي يستجيب لمنطق وجوهر التصوف، من حيث أن التصوف، في كثير من معانيه وتجلياته الفلسفية، نزوع أو ميل  نحو التخلص من عنصر الطين البشري وأوحال الدنيا، والتوجه إلى عالم الروح والانخراط فيه إلى الابد. ومن هنا، فإن وظيفة السماع والموسيقى، شيء أساسي عند الصوفية لتحقيق تلك الغاية الروحية. ولعل محيي الدين بن عربي الصوفي الشهير، يعتبر من كبار الصوفية الذين عالجوا في كتاباتهم موضوع الموسيقى الروحية معالجة فلسفية  ميتافيزيقية، لا تخلو من التأثيرات الهندية واليونانية واليهودية والمسيحية.

وقد كان السماع والموسيقى سمة لبعض الطرق الصوفية، في الوقت الذي رفض فيه بعض المتصوفة ذلك. بينما وفّق سواهم بين الموقفين.

ومن المعلوم أن المولوية وزعيمها جلال الدين الرومي من أكبر المؤيدين للسماع والرقص في الأذكار الصوفية. لأن السماع فيه تيسير للإيقاعات المحببة إلى النفوس. وحركات الرقص في الأذكار فيها تصعيد للرغبات وترويض للنفس، ورمز عن الحركات الدورية للأفلاك والكواكب وعن الروح الثملة بالعشق الإلهي.

وبصورة عامة فإن الطرق الصوفية ارتبطت بالسماع بطريقة أو بأخرى سواء أكانت قد استخدمت الدفوف والمزاهر والطبول والنايات أم اكتفت بالكلام الموقع الموزون المغنّى وفق مقاماته وأنغامه.

وقد عرف التاريخ الإسلامي عدداً كبيراً من الطرق الصوفية كالقادرية والرفاعية والسهروردية والشاذلية والبدوية والدسوقية والمولوية والكبراوية والششتية والحريرية والنقشبندية والبكتاشية واليونسية. وقد انقرض كثير من هذه الطرق وبقي بعضها حتى اليوم، وهي تختلف في نسبة استعمالها للموسيقى في أورادها وأذكارها.

إن السماع في الطرق الصوفية يتوسلون به إلى حالات من الوجد والتواصل مع المحبوب. وقد اخذ حيزاً من حياة الصوفيين وانتقل من خلالهم إلى الحياة العامة.

ولما أصيب الغربيون بالفراغ والجذب الروحي والأزمات النفسية، وأقبل بعضهم على الإسلام، كان التصوف هو الباب المناسب للدخول منه إلى بيت الدين الجديد. وهذا هو سبب اهتمام الغربيين المسلمين بابن عربي وجلال الدين الروحي وابن الفارض، وغيرهم من أقطاب الصوفية. وإذا كان دخول الغربيين في الإسلام يقلق بال المسؤولين السياسيين وأصحاب القرار والنفوذ، فإن تأييدهم وتشجيعهم للتصوف يدخل في إطار إبعاد رعاياهم من المسلمين الجدد عن الإسلام الصحيح. كما أن هؤلاء المسؤولين يعملون على إحياء ونشر ثقافة التصوف في البلدان الإسلامية، لكي تقف في وجه ثقافة اسلامية تزعجهم، أو لا يرغبون فيها.

ثم إن التصوف الذي ظهر عند المسلمين في أواخر القرن الثاني للهجرة، قد انحرف عندما انتقل من الزهد إلى الفلسفة ثم إلى التصوف الطرقي الذي نعيش الآن أسوء مراحله؛ حيث الدجل واستعباد الناس واستغفالهم، وألوان من المصائب والبدع والانحرافات العقدية.

وإنه لمما يؤلم القلب ويحزنه، أن تغدو فاس، مدينة القرويين؛ مهمد العلم ومعقل الثقافة والهوية والحضارة المغربية الأصيلة والعريقة، فضاء مستباحا للغناء الصوفي الفولكلوري العالمي المستورد. ولا شك أن العولمة التي لا تعترف بغير الثقافة الغربية المادية، وتعمل على إبادة أو طمس معالم الثقافات الأخرى، تحاول الآن مسخ الثقافة الإسلامية التي استعصت عليها، وتريد أن تزج بها في حمأة ما سمى بالتسامح والحوارالديني. بيد أنها تضرب في حديد بارد، وتروم أمرا دونه بيض الأنوق، أو تلهت وراء سراب في صحراء يباب. ولا علم لها بقوله تعالى: " يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون" (الصف، آية 8).

وقبل ما يزيد على عقد من الزمن، تركز اهتمام الإدارات الأمريكية المتعاقبة على الجماعات الصوفية في باكستان والصومال والسودان ومصر والأردن، وبعض دول المغرب العربي، ودول أوروبا وأمريكا.

ومبعث هذا الاهتمام الكبير بالصوفية، هو بحث أمريكا عن شريك داخل جسد الأمة المسلمة يمكن أن تنفذ من خلاله استراتيجياً إلى تحجيم وإبعاد التيارات السلفية التي تقف حجر عثرة أمام هيمنتها على المسلمين ومسعاها لإقصاء الإسلام من حياتهم. وقد وجد الباحثون الأمريكان هذه الضآلة المنشودة في الصوفية بصورة مركزية.

يرى الأمريكان أن "فرق المتصوفة" و"النخب الليبرالية" على امتداد العالم الإسلامي، هم أكثر المجموعات التي يسهل استيعابها وانخراطها في المشروع الأمريكي لمواجهة "المد السلفي" و"الإسلام السياسي" في العالم.

يتصور الغرب، وأمريكا على وجه الخصوص، أن الصوفية أكثر الفئات المسلمة تساهلاً في اتباع السنة وأعلاها احتفاء بالمبتدعات وأقلها في جانب تطبيق النصوص المنادية بالعمل بفهم السلف الصالح؛ ولذا يعتبرونهم غير متشددين في التطبيق والممارسة، بينما يشيدون بما يتميز به الفكر الصوفي من تقديس الأضرحة والمشايخ وحب الإنشاد والميل للطقوس الاحتفالية والموالد، فهي أمور يرتضونها ويعتبرونها ممثلاً للإسلام "الوسطي!"، وهم على استعداد لدعم انتشارها وترويجها في المجتمعات الإسلامية. وهذا بالطبع مردّه إلى أن النصرانية واليهودية لا ترغبان في وجود أمة إسلامية قوية في عقيدتها وارتباطها بربها ونبيها حتى تسهل مهمتهما بين المسلمين.

خلاصة الدراسات الأمريكية التي بُنيت عليها استراتيجية استغلال التصوف:

- الصوفية تُمثِّل: "البديل الثقافي والاجتماعي والدين الأساسي لمواجهة الأشكال الأيديولوجية للإسلام المهيمنة حالياً في العالم الإسلامي".

- الصوفية هي: "الإسلام الذي يمكن أن تتعامل معه أمريكا والغرب، حيث يمكن أن تقدم مساعدة عظيمة للعالم، وذلك عبر مواقفهم من الاستقلال والتعددية واحترام الأديان والعقائد الأخرى".

- الصوفية تُعتبَر: أوضح خيار للمسلمين للمصالحة بين "العالم اليهودي - المسيحي" و"العالم الإسلامي".
والخلاصة أن الغرب الأمريكي والاوربي يسعى جادا في إقامة الندوات واللقاءات والمهرجانات الصوفية حيث الموسيقى والرقص الصوفي، وحيث لغة الحب والعشق والعرفان والسياحة الروحية.

د. عبد الله الشارف، جامعة القرويين/كلية أصول الدين؛ تطوان المغرب. جمادى الثانية 1435/أبريل 2014.

 

 

علم الاجتماع الغربي؛ شرط أساسي من شروط النهضة والتنمية العربية؟

0
 

 

 

 

mritems-images-2001-3-2-1_596_1_34

علم الاجتماع الغربي من العلوم الإنسانية ذات النشأة الحديثة (القرن التاسع عشر الميلادي)؛ نشأ وتأسس في فرنسا عقب الأحداث والتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، أهمها؛

1-  تفكك النظام الإقطاعي وبروز النظام البورجوازي.

2-  ظهور الصناعة كقوة اقتصادية.

3-  حدوث الثورة الفرنسية.

كما يمكن إضافة العامل الثقافي الذي تجسد في الروح العلمية الجديدة، بعد صراع مرير بين العلماء الأحرار وأرباب الكنيسة، مما أدى إلى سيادة الفلسفات المادية والعقلانية، وانتصار قيم العلمانية.

لقد حمل مشعل علم الاجتماع الغربي خلال قرنين من الزمن سوسيولوجيون مؤسسون ومنظرون، أمثال: أ.كونت، وإ. دوركايم، وم. فيبر، ف باريتو، وأ. دوتوكفيل، وكارل مانهايم.... وسوسيولوجيون منظرون معاصرون، أمثال: ل.ألتوسير، وج بودريار، وأ. تورين، وج. جورفيش، وأ. غولدنر، ور. ميرتون، وت. بارسونز، وآخرون. ورغم أن موضوعهم واحد؛ وهو المجتمع في تجلياته الثابتة والمتحركة، إلا أنهم اختلفوا في رؤيتهم وتحليلهم للظواهر الاجتماعية، وذلك لاختلاف المناهج والأرضية الفلسفية والمذهبية؛ (علم الاجتماع الماركسي، علم الاجتماع الرأسمالي...). وبعبارة أخرى؛ فإن نظريات علم الاجتماع الغربي ومواقف وتصورات وممارسات السوسيولوجيين الغربيين، كانت ولا تزال إفرازا وتعبيرا عن إيديولوجيات معينة.

ثم انتقل علم الاجتماع الغربي إلى مجتمعاتنا العربية والإسلامية، عن طريق المحاكاة والتبعية، وظل محصورا داخل أقسام بعض الجامعات والمعاهد والمؤسسات. وأقيمت أبحاث ودراسات اجتماعية في موضوعات متعددة، وألفت كتب ونشرت مجلات في هذا المجال، كما عقدت ندوات ومؤتمرات حول علم الاجتماع والقضايا الاجتماعية العربية.

لكن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: ما مدى إسهام علم الاجتماع الغربي المستورد في تقدم وتنمية الأمة العربية والإسلامية؟ وهل علم الاجتماع الغربي شرط أساسي لتقدم بلداننا ؟

أعطي القوس باريها، وأنقل للقراء الجواب عن هذين السؤالين من نص مداخلة علمية للدكتور سعد الدين إبراهيم؛ أستاذ علم الاجتماع في الجامعة الأمريكية بالقاهرة:

"هل يستطيع الوطن العربي أن يعيش و"يزدهر" بلا علماء الاجتماع العرب؟

وحتى لا أطيل في المقدمات فإن إجابتي الشخصية عن السؤال بكل الصدق المؤلم هي أنه نعم .
نعم يستطيع مجتمعنا أن يعيش وبتقدم بلا علماء الاجتماع العرب ، ولكي أخفف على نفسي ألم هذه الإجابة، حاولت توجيه هذا السؤال نفسه بالنسبة إلى فئات أخرى في المجتمع ، وخلصت إلى أن هناك فئات عديدة لا يستطيع المجتمع أن يعيش بدونها أهمها : الفلاحون والعمال ورجال الإدارة والجيش ، وأن هناك فئات أخرى لا يستطيع المجتمع أن يتقدم بدونها أهمها : المهندسون والأطباء والعلماء وخبراء التكنولوجيا والاقتصاد .. أما علماء الاجتماع والأنتروبولوجيا والنفس والسياسة والإعلام والآثار وفئات أخرى عديدة فيمكن للمجتمع أن يعيش ويتقدم بغيرهم .
وبشكل آخر لو وضعنا السؤال : ماذا يحدث للوطن العربي إذا اختفى كل علماء الاجتماع فجأة ؟ والإجابة هي : لا شيء سيحدث للمجتمع سلباً أو إيجاباً ، وينطبق ذلك على فئات مهنية أخرى كما ينطبق على مجتمعات أخرى عديدة .
وبالمقابل هناك مجتمعات تقدمت في العصر الحديث دون أن يوجد فيها فئة مهنية تسمى علماء الاجتماع؛ مثل اليابان إلى ثلاثينيات هذا القرن ، والصين إلى عقود متأخرة من هذا القرن .
كذلك ليس هناك ما يثبت قطعياً أن بريطانيا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة ما كان لها أن تتقدم خلال القرنين الأخيرين، لولا وجود علماء الاجتماع فيها .
وما أريد أن أخلص إليه هو أن علماء الاجتماع كفئة مهنية متخصصة ليست ضرورية في المجتمع الحديث، وبالطبع لم تكن ضرورية في المجتمع التقليدي. ولكن ظهورها في الأكثر تقدما كان مصاحبا لرغبة وليس لضرورة، أن تفهم هذه المجتمعات نفسها في مرحلة التغير أو التحول السريع الذي أحدثته الثورات السياسية والاجتماعية والصناعية....

ولا بد من أن أسارع إلى القول بأن "الفهم" الذي يقدمه علم الاجتماع للذات المجتمعية ليس هو الفهم الوحيد. فمنذ بداية الحياة في جماعات منظمة، كانت هناك دائما "أفهام" يقدمها بعض أفراد المجتمع، سواء أكانت أسطورية أو خرافية أو ميتافيزيقية أو دينية أو فلسفية. كما أنه في المجتمع الحديث ليس علم الاجتماع هو الوحيد الذي يحتكر تقديم "فهم" للذات المجتمعية. فهناك علوم وأنساق معرفية أخرى تنافسه في تقديم "أفهامها"؛ كما أن هناك دائما فئات مهنية وأفرادا كثيرين يجتهدون في تقديم مثل هذه الأفهام"[1]

 

لا شك أن كلام د. سعد الدين إبراهيم يتضمن رأيا سديدا وموقفا صائبا في الموضوع، وهو موقف لا يرضي، بطبيعة الحال، السوسيولوجيين العرب المعاصرين الذين يعتبرون علم الاجتماع شرطا أساسيا في التقدم والانخراط في التنمية والحداثة. ولعل أشد ما أعجبني في هذا النص، قوله؛ " ليس هناك ما يثبت قطعيا أن بريطانيا ...... فيها". وقوله ؛ "إن علماء الاجتماع كهيئة مهنية متخصصة ليست ضرورية..... التقليدي".

نعم، ذلك أن التقدم الاجتماعي والسياسي والعلمي والتكنولوجي الذي أحرزت عليه هذه الدول، مرده إلى عوامل ثقافية واقتصادية وعلمية... متداخلة ومتضافرة، تراكمت عبر عقود بل قرون. وكان للحكام ورجال السياسة والاقتصاد والعلماء والفلاسفة، الإسهام الأكبر في صياغة ذلك التقدم. أما علماء الاجتماع فإن إسهاماتهم لا ترقى إلى مستوى المشاركة في صنع القرار والتغيير الفعلي، كما هو الشأن بالنسبة لرجال السياسة والاقتصاد.

وأحسن مثال يستشهد به الآن في هذا المضمار، مثال دولتي ماليزيا وتركيا، حيث أن هاتين الدولتين استطاعتا أن تحققا نموا اقتصاديا وتقدما صناعيا وتكنولوجيا دو وجود أوجست كونت ماليزي، أو دوركايم تركي، أو دو الاعتماد على مدرسة اجتماعية غربية معينة.

وفي هذا الصدد تقول د. وسيلة خزار: " ماذا حققت الماركسية بانحيازها إلى الطبقة البروليتارية ودعوتها إلى إقامة المجتمع الشيوعي؟ هل تحققت العدالة الاجتماعية التي نادى بها ماركس؟ هل انعدم التفاوت الطبقي الذي كان ينشده؟ هل سقطت الدولة كما تنبأ؟

لم يتحقق كل هذا، ما يؤكد أن عالم الاجتماع لا يملك أن يضع اقتراحاته وحلوله للمشكلات الاجتماعية موضع التطبيق العملي. ولهذا نؤكد من جديد أن أبحاثه السوسيولوجية هي مسؤوليته القصوى، ويبقى للتغيير والإصلاح قنواته ورجاله.

مسؤوليتنا كعلماء اجتماع تكمن في تعرية الواقع الاجتماعي بحيث يصبح مكشوفا أمام الجميع. ولرجال السياسة والأحزاب والنقابات المهنية والجمعيات الثقافية والدينية أن يؤدوا دورهم في العلاج والإصلاح والتغيير، بما يحقق أهداف وطموحات الجماهير التي تمثلها"[2]

وهذا هو عين الصواب، إذ لطالما اجتهد السوسيولوجيون العرب في "تعرية وكشف الواقع الاجتماعي العربي"، والتنبيه على مواطن الفساد، ومكامن الداء مع تقديم العلاج والحلول، ومع ذلك لم يلتفت أصحاب السلطة والقوة، وصناع القرار إلى كلامهم ونداءاتهم، لأن تصورات وطموحات أولئك السوسيولوجيين كثيرا ما تتعارض مع مصالح المسؤولين وأصحاب الجاه والنفوذ. كما أن أطروحات السوسيولوجيين الحداثيين ذوي الميولات الغربية، لا تتناغم مع عقلية وثوابت الأمة العربية والإسلامية.

 

د. عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين تطوان المغربم شعبان 1435/ يونيو 2014.

 

 

 

[1]-  "نحو علم اجتماع عربي"؛ جماعة من المؤلفين، مركز دراسة الوحدة، سلسلة كتب المستقبل العربي(7)، بيروت 2010 ، ص 343-344.

[2]- د. وسيلة خزار؛ "الأيديولوجيا وعلم الاجتماع"، منتدى المعارف، بيروت 2013. ص 305.