مهاجر يعود إلى وطنه وينادي: وايوسفاه!!

1


 

يا يوسف بن تاشفين المرابطي !! يا صاحب "الزلاقة" ! يا من دحر جيوش النصارى وحرر المسلمين وحمى حماهم ! أدرك الضحايا !!
إن إخوانك المغاربة، الآن، في بلاد النصارى أذلاء ومهانون، يعانون الظلم والعنصرية، وكثيرا ما يسجنون ويقتلون. أبناؤهم وأحفادهم، إلا القليل منهم، قد "تعلمنوا"، أو في طريقهم إلى الذوبان والتنصر. وكثير منهم يحملون أسماء نصرانية ولا يتكلمون اللغة العربية. أما الهوية الدينية والشعائر الإسلامية فلا تسأل عنهما.
إن نسبة لا بأس بها من نسائهم يعملن خادمات في بيوت النصارى. ثم إن فتيات لا يعلم عددهن إلا الله، قد هاجرن بيوت آبائهن على عادة الفتيات الغربيات، وآثرن الحياة مع الخلان والفتيان الفرنسيين والهولنديين وغيرهم. وكذلك الحال بالنسبة لكثير من أبناء وأحفاد المغاربة المهاجرين الذين يفضلون العيش مع الفرنسيات وغيرهن من فتيات الغرب والزواج منهن، على الاقتران بفتيات من أصول عربية مسلمة.
إنهم يلدون ويربون نسلا نصرانيا أو علمانيا، إلا من رحم الله، ليتقوى به أهل الكفر والضلال.
لقد اختلط الحابل بالنابل، واتسع الخرق على الرقيع، وضاع الدين والنفس والنسل. وإني لأرى القوم في غمرتهم ساهون، وفي دنياهم يعمهون. لقد باعوا دينهم بدنياهم، وآخرتهم بعاجلتهم. إنها والله لفاجعة الفجائع، ونائبة النوائب، وقاصمة الظهر وكارثة الدهر. !!
أين المسؤولون؟ أين الدعاة؟ أين العلماء؟ أين المصلحون؟
يا للمصيبة لا يوسف المرابطي لها ! ويا للكارثة ولا زلاقة لها !
وتحضرني بالمناسبة أبيات شعرية رثائية يصور مشهدا مأساويا يمت إلى مشهدنا هذا بصلة. قال الشاعر أبو البقاء الرندي الأندلسي في آخر "نونيته" الشهيرة، وهو يرثي االأندلس حال سقوطها، وانفراط عقدها:
يارب أم وطفل قد حيل بينهما كما تفرق أرواح وأبدان !
وطفلة مثل حسن الشمس إذ طلعت كأنما هي ناقوت ومرجان !
يقودها العلج للمكروه مكرهة والعين باكية والقلب حيران !
لمثل هذا يذوب القلب من كمد إن كان في القلب إسلام وإيمان !

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، جمادى الثانية 1433-أبريل 2012.

الفرار إلى الله

0


 

فر إلى الله

يا عبد الله:
لا تألف غيره لأنك مفارقه، ولا تتعلق بسواه لأنه فان. وروحك خالدة. واعلم أنك في سفر منه إليه، وقد أودعك الأمانة فضيعتها في الطريق لتزودك زاد المقيم، ونسيت أنك على سفر، فأمنت سقر، فلفحك لهيبها. فر إليه وتذكر ألفتك الأصلية، واسأل الله أن يردها إليك، وفي الحديث ( اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي وتجمع بها أمري…وتلهمني بها رشدي وترد بها ألفتي ).

د. عبد الله الشارف؛ “خواطر إيمانية”، باريس 1981.

ذات المسلم وعلاقتها بالإيمان

0


 

إن مفهوم الذات كما يتصوره الإسلام، يتحدد انطلاقا من علاقة المسلم الذاتية بالشريعة السمحة، والعقيدة الصحيحة القائمة على التوحيد. فالشريعة هي المقياس للسلوك المقبول أو المرفوض، حيث أن المسلم الملتزم يحرص على ألا يكون سلوكه سلوكا عشوائيا أو غير موزون، وإنما يضبط كل أقواله وأفعاله وجميع معاملاته بضوابط الشريعة، كما يجتهد في التأدب والتأسي بآداب وسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. كما يرتبط مفهوم الذات في ضوء التصور الإسلامي بعنصر التوازن، حيث لا يطغى على الذات التفكير المادي والانفعالات الحادة، والانحرافات السلوكية، وتغدو في اتساق متناغم مع الشرع، دون تضاد في الأبعاد العقلية والجسمية والروحية والاجتماعية.
ويتصف مفهوم الذات في الإسلام بالايجابية، من خلال تفاعل الفرد مع الأحداث والتأثير فيها، وتوجيهها بما يرضي الله تعالى ويخدم مصلحة المجتمع، كما يرتبط بالجدية في العمل والتفاعل مع أنشطة الحياة المختلفة بكل حماس ونشاط من غير تكاسل وفتور. ثم إن مفهوم الذات في الإسلام يعلي من قيمة الإرادة الحرة، التي هي من متطلبات التكليف الشرعي، ويشجع على استعمالها في أفعال الخير، تلك الأفعال التي يستفيد منها الناس في الدنيا ويجد صاحبها الجزاء الأوفى عند الله في الآخرة.
وأعظم ما في الدين الصحيح؛ الإيمان القوي، فهو سره وروحه وحيويته، وليس الإيمان مجرد معرفة ذهنية بحقائقه، أو مجرد قيام الإنسان بأعمال وشعائر؛ فكم من واحد عرف وجحد، وآخر صلى وصام وهو منافق. إن الإيمان في حقيقته عمل نفسي يبلغ أغوار النفس وأعماقها، ويحيط بجوانبها كلها من إدراك وإدارة ووجدان. كما لا بد أن يقترن بالمعرفة الإيمانية إذعان قلبي وانقياد إرادي، يتمثل في الخضوع والطاعة لله ورسوله.
قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله: " فالإيمان تصديق القلب بالله وبرسوله، التصديق الذي لا يرد عليه شك ولا ارتياب، التصديق المطمئن الثابت المستقين الذي لا يتزعزع ولا يضطرب، ولا تهجس فيه الهواجس. ولا يتلجلج فيه القلب والشعور، والذي ينبثق منه الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله، فالقلب متى تذوق حلاوة هذا الإيمان، واطمأن إليه وثبت عليه، لابد مندفع لتحقيق حقيقته في خارج القلب. في واقع الحياة في دنيا الناس، يريد أن يوحد بين ما يستشعره في باطنه من حقيقة الإيمان، وما يحيط به في ظاهره من مجريات الأمور وواقع الحياة، ولا يطيق الصبر على المفارقة بين الصورة الإيمانية التي في حسه، والصورة الواقعية من حوله، لأن هذه المفارقة تؤذيه وتصدمه في كل لحظة، ومن هنا هذا الانطلاق إلى الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس. فهو انطلاق ذاتي من نفس المؤمن. يريد به أن يحقق الصورة الوضيئة التي في قلبه، ليراها ممتلة في واقع الحياة والناس."

1- سيد قطب؛ "في ظلال القرآن"، ج6 ص3348، ط25، دار الشروق،بيروت 1417-1996.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، جمادى الثانية 1433-أبريل 2012.

ابن عربي الصوفي ووحدة الأديان

1


 

مما لاشك فيه أن محيي الدين بن عربي الصوفي كان من المتصوفة القائلين بوحدة الوجود، تلك النظرية التي ترجع في أصولها إلى الفلسفات الهندية واليونانية، والتي تسربت إلى الثقافة الإسلامية بعد اتساع رقعة العالم الإسلامي واحتكاك المسلمين بغيرهم من الشعوب والأمم. كما أن هذا الصوفي صرح بعض تآليفه بفكرة وحدة الأديان المنبثقة عن نظرية وحدة الوجود، وهو القائل:

لقد كنت قبل اليوم أنكر صاحبي
إذا لم يكن ديني إلى دينه داني
لقد صار قلبي قابلاً كلّ َ صورة ٍ
فمرعى لغزلان، ودير ٍ لرهبان ِ
وبيت ٍ لأوثان ٍ وكعبة طائف ٍ
وألواح توراة ٍ ومصحف قرآن ِ
أدين بدين الحب أنى توجهت ْ
ركائبه، فالحب ديني وايماني

في الأبيات السابقة إشارة صريحة لموقف ابن عربي القائل بوحدة الاديان, وكان يقول إن مرشديه في الطريق الروحي هم ثلاثة موسى وعيسى ومحمد عليهم جميعا أفضل الصلاة والسلام.
ويقول الدارسون لتراث ابن عربي إن مفهوم وحدة الأديان عنده يقوم على إرجاع حقيقة كل دين إلى جوهره الأساسي, وهو يعتقد أن كل الأديان في جوهرها واحدة. ويرى بأن الفروقات بين الأديان في العبادات والطاعات مجرد فروق لا تمس الجوهر إذ أن الحق واحد في أصله غير أنه في كل عصر انما يتجلى على لسان نبي من الأنبياء, بحسب لغة قومه وعلى هيئة ما يفهمون وطبقاً لما يعقلون.
ويذهب ابن عربي إلى حد يصور فيه قلبه مجالاً يستوعب كل الأديان والمعتقدات بحثاً عن الكمال. ومعلوم أن هذا التصور والاعتقاد يعتبر انحرافا أو مروقا عن الدين الحنيف الذي هو الإسلام قال تعالى:
"إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب" (سورة آل عمران، آية 19) . وقال عز وجل: "" ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه " آل عمران 84)

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، جمادى الثانية 1433-أبريل 2012.

لا طمأنينة إلا مع الله

0


 

يا عبد الله:

إذا داعبت رياح الطمأنينة قلبك وذقت حلاوتها، فأكثر من الشكر والحمد، ثم احذر الله والزم المراقبة، لأن مكر الله شديد، والسلب بعد المنح ليس ببعيد. ولا تعتبر الطمأنينة غاية في ذاتها، ولا تقف معها، لأن وقوفك معها وقوف مع نفسك. ولا تكن أسير حلاوتها فتتعلق بها فتحجب عن الله لأن إلى ربك المنتهى.

د. عبد الله الشارف؛ "خواطر إيمانية"، باريس 1981.

تأصيل مفهوم الجامعة

0


 

قال الدكتور طه جابر العلواني: “إن كلمة جامعة قد أخذت من لفظ الجمع. وإذا كان الجامع قد سمي جامعا لأنه موضع اجتماع الناس لعبادة الله جل شأنه، فإن كلمة جامعة تدل على مكان يجتمع الناس فيه لخدمة العلم المعرفة: كشفا وإنتاجا وتعلما وتعليما، حيث يرتبط مفهوم العلم بالعبادة، ويتصل مفهوم العلم بالعمل".1
يستفاد من هذا الكلام أن العقيدة أمر جوهري في بناء مفهوم الجامعة وكيانها، وما من مجتمع يشق طريقه الحضارية إلا وهو يستحضر ويعي ويمارس عقيدة معينة راسخة تحفز نشاطاته وتحشد طاقاته. كما لا يخفى على أحد أن الجوامع والمساجد هي الفضاءات الأولى التي منها انبثق العلم، حيث كانت تعقد الحلقات العلمية والمجالس الفقهية والأدبية.
إن الغرب رغم علمانيته وتوجهاته المادية الإلحادية، ينطلق من عقيدة فلسفية ثابتة، والتي هي ثمرة قرون من التفكير والبحث والصراع بين العلم واللاهوت الكنيسي.
والقرآن الكريم أعظم خطاب يشتمل على عقيدة نظرية شاملة، قائمة على التوحيد والعبودية لله، والاستخلاف في الأرض، كما تشير من خلال الآيات القرآنية، إلى كل ما يفيد الإنسان ويصلح له في حياته وبعد موته. ومن هنا فإنه يقع على عاتق الجامعات الإسلامية؛ تكوين العلماء بالمفهوم الشامل الذي يربط بين النظر والتطبيق، كما يربط بين السماء والأرض. إذ كل محاولة لبناء الجامعة على أسس حديثة ودون إدماج فعلي لعنصر العقيدة تعتبر محاولة فاشلة، بل فاسدة ومفسدة.
لقد ركز القرآن الكريم على بناء الإنسان، وضبط سلوكه، وأمره بالحركة في الأرض، مستعملا أخلاقيات التقوى والرحمة والعدل والمساواة، وقدم بذلك للبشرية المفهوم الأصيل للحضارة والمدنية.
إن التخلف الفكري الذي يعيشه المجتمع الإسلامي، ناتج أساسا عن غياب نظام عقلي منسجم، وثقافة متماسكة وقناعة فكرية موحدة، وهذا الغياب الخطير نجم عن الانحراف في التصور العقدي لدى المسلم.
وإذا كانت الجامعات والمؤسسات العلمية والتربوية، شبه خالية من حرارة وأثر العنصر العقدي، فكيف نأمل أن تنهض مجتمعاتنا وتتقدم؟
إن الجامعة في الغرب تقوم بدور خطير في عملية بناء وتشكيل ومراجعة فكر الأمة وثقافتها، وحراسة أهدافها الأساسية، وتكوين أجيالها، وتشكيل عقول أبنائها، وتكوين نفسياتهم، بشكل يجعل طاقات الأمة كلها موجهة باتجاه إنتاج النموذج العقلي والنفسي والإنساني، الذي تبنته الأمة. فالجامعات في الغرب على سبيل المثال هي التي تصنع الفكر وتنتجه، وهي التي تقوم بعملية تحليله ونقده واختباره، وهي التي تقوم بعملية غربلة كل ما يطرح وفقا للمناهج العلمية والبحثية التي تبنتها، وهي التي تنزل الأفكار التي تثبت صلاحيتها وانسجامها مع المنهج، واتفاقها مع النموذج المطلوب إلى الواقع، لتتحول على القنوات التربوية والثقافية والتعليمية المختلفة، لتصبح بعد ذلك جزءا من مكونات عقلية الأمة ونفسيتها. وفي الوقت ذاته هي التي تقوم بإعدام وإتلاف الأفكار التافهة، والمميتة أو القاتلة، أو الضارة بحركة الأمة، والحيلولة بينها وبين أن تتسرب إلى عقلية الأمة أو نفسيتها.
إنه لمن الخطأ الفادح الاعتقاد أن العقيدة الإسلامية ستبقى حاضرة ما دامت تدرس في أقسام الدراسات الإسلامية وكليات أصول الدين والشريعة….بل لو تصورنا تدريسها في كل الكليات الطب، والهندسة والقانون…. الخ. لن يكون ذلك مجديا ما لم تهو إليها القلوب، ويظهر أثرها في السلوك وفي رسم الأهداف القريبة والبعيدة، والمثل العليا. إن كل طالب بل كل فرد مسلم، يجب أن يكون لديه علم حيوي بعلوم الشريعة، وشعور وجداني عميق وصادق بعقيدته الإسلامية، مع تمثلها وممارستها، فذلك هو المنهاج المعياري أو منهج الوجود الإسلامي.

1– د. طه جابر العلواني: “الجامعات الإسلامية وبناء علوم الأمة”، مجلة جامعة القرويين العدد 11 1419/1998، ص: 239.

د.عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، جمادى الثانية 1433-أبريل 2012.

توماس كارليل وكلامه عن محمد صلى الله عليه وسلم

1


 

قال تعالى: لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون (سورة المائدة 83).
إن النور المحمدي الساطع لا يزال، منذ أن سطع في أرجاء مكة المكرمة، ينتشر ويخترق الأمكنة والأزمنة هاديا من خلال القرآن الكريم إلى السعادة والصراط المستقيم. ولا غرو أن يكثر في العصور الحديثة العلماء المسيحيون الذين لم يسعهم إلا الإجلال والإكبار والاعتراف، بعدما أبهرتهم الحجج الدامغة، بأن محمدا صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، وجاء بالقرآن وحيا من الله عز وجل. وبالمناسبة أقتطف من كتاب "الأبطال" لمؤلفه العالم والفيلسوف الإنجليزي توماس كارليل (1795-1881):
"لقد أصبح من أكبر العار، على أي فرد متمدن من أبناء هذا العصر أن يصغي إلى ما يظن من أن محمداً خداع مزور. وآن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال ، فإن الرسالة التي أداها ذلك الرسول ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرناً لنحو مائتي مليون من الناس أمثالنا، خلقهم الله الذي خلقنا، أفكان أحدكم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها، ومات عليها هذه الملايين الفائتة الحصر. أكذوبة وخدعة؟ أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبداً، ولو أن الكذب والغش يروجان عند خلق الله هذا الرواج، ويصادفان منهم مثل ذلك التصديق والقبول، فما الناس إلا بلّه ومجانين، وما الحياة إلا سخف وعبث وأضلولة، كان الأولى بها أن لا تخلق.
فوا أسفاه ما أسوأ هذا الزعم وما أضعف أهله وأحقهم بالرثاء والرحمة..
وبعد، فعلى مَن أراد أن يبلغ منزلة ما في علوم الكائنات أن لا يصدق شيئاً البتة من أقوال أولئك ، فإنها نتائج جيل كفر، وعصر جحود وإلحاد، وهي دليل على موت الأرواح في حياة الأبدان، ولعل العالم لم ير قط رأياً أكفر من هذا وألأم.
وهل رأيتم قط معشر الإخوان أن رجلاً كاذباً يستطيع أن يوجد ديناً، إن الرجل الكاذب لا يقدر أن يبني بيتاً من الطوب! فهو إذا لم يكن عليماً بخصائص الجير والجص والتراب وما شاكل ذلك، فما ذلك الذي يبنيه ببيت، وإنما هو تل من الأنقاض، وكثيب من أخلاط المواد، نعم وليس جديراً أن يبقى على دعائمه اثني عشر قرناً، يسكنه مائتا مليون من الأنفس، ولكنه جدير أن تنهار أركانه فينهدم فكأنه لم يكن"1.
"وما كان محمد أخا شهوات، برغم ما اتهم به ظلماً وعدواناً، وما أشد ما نجور ونخطئ إذا حسبناه رجلاً شهوياً، لا همّ له إلا قضاء مآربه من الملاذ، كلا فما أبعد ما كان بينه وبين الملاذ أيا كانت، لقد كان زاهداً متقشفاً في مسكنه، ومأكله، ومشربه، وملبسه، وسائر أموره وأحواله. وكان طعامه عادة الخبز والماء، وربما تتابعت الشهور ولم توقد بداره نار وانهم ليذكرون ـ ونعم ما يذكرون ـ أنه كان يصلح ويرفو ثوبه بيده، فهل بعد ذلك مكرمة ومفخرة؟ فحبذا محمد من رجل خشن اللباس، خشن الطعام، مجتهد في الله قائم النهار، ساهر الليل دائباً في نشر دين الله، غير طامح إلى ما يطمح إليه أصاغر الرجال من رتبة أو دولة أو سلطان. غير متطلع إلى ذكر أو شهرة كيفما كانت، رجل عظيم وربكم وإلا فما كان ملاقياً من أولئك العرب الغلاظ توقيراً واحتراماً وإكباراً وإعظاماً، وما كان يمكنه أن يقودهم ويعاشرهم معظم أوقاته، ثلاثاً وعشرين حجة وهم ملتفون به يقاتلون بين يديه ويجاهدون حوله. لقد كان في هؤلاء العرب جفاء، وغلظة، وبادرة، وعجرفية، وكانوا حماة الانوف، أباة الضيم، وعر المقادة صعاب الشكيمة، فمن قدر على رياضتهم، وتذليل جانبهم حتى رضخوا له واستقادوا فذلكم وايم الله بطل كبير، ولولا ما أبصروا فيه من آيات النبل والفضل، لما خضعوا له ولا أذعنوا، وكيف وقد كانوا أطوع له من بنانه.
وظني أنه لو كان أتيح لهم بدل محمد قيصر من القياصرة بتاجه وصولجانه لما كان مصيباً من طاعتهم مقدار ما ناله محمد، في ثوبه المرقع بيده فكذلك تكون العظمة، وهكذا تكون الأبطال".2

1- توماس كارليل؛ "الأبطال"، ترجمة محمد السباعي، كتاب الهلال عدد 326، ص 53، 1978
2- توماس كارليل؛ المرجع نفسه ص 78.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين تطوان المغرب، جمادى الثانية 1433- أبريل 2012

الفرنسيون والتصوف

0


 

...وذات صباح ركبت قطار المترو قاصدا معهد الدراسات العليا الشرقية لكي أحضر درس الأستاذ ميشال شولدفيتسك حول التصوف الإسلامي. ولما دخلت قاعة الدرس وجدتها غاصة بالطلبة والباحثين المغرمين بالفكر الصوفي. عندما أخذت مقعدي كان الأستاذ على وشك الانتهاء من مقدمة تتعلق بكتاب عوارف المعارف للسهروردي المتصوف، والحاضرون ينصتون إليه في خشوع كأن على رؤوسهم الطير. ثم شرع في قراءة نص طويل من الكتاب المذكور وأتبعه بترجمة فورية. ولما انتهى من الترجمة طلب من امرأة شابة، كانت جالسة بالقرب منه أن تقوم بتصحيح ما قد يكون قد ارتكبه من أخطاء اثناء القيام بترجمته السريعة للنص الصوفي، فلبت طلبه وقومت بعض التعابير الواردة في الترجمة. ولقد علمت فيما بعد أن السيدة كانت مبرزة في اللغة العربية، وأنها ابنة الأستاذ المذكور الذي أعجبت بتواضعه ونزاهته العلمية. وبعد خروجي من قاعة الدرس أخبرني أحد الطلبة أن الأستاذ يعمل مديرا لإحدى دور النشر الكبرى في فرنسا، كما بدأ يشتغل منذ دخوله في الإسلام بالكتابة عن المتصوفة المسلمين، خاصة محيي الدين بن عربي. ولما اطلعت على بعض تآليفه لمست من خلالها إعجابه الشديد بنظرية وحدة الوجود الصوفية. وسمعته مرة يمدح ابن عربي ويثني على كتابه "الفتوحات المكية" الذي اعتبره أعظم كتاب في الفكر الصوفي على الإطلاق، كما أكد بأنه من المستحيل نقل بعض فصول هذا الكتاب إلى لغة أخرى لغزارة المعاني وعمقها، ولأن لغة الذوق إذا بلغت درجة معينة من العمق والتجريد فإنها تستعصي على الترجمة.
لم يكن الأستاذ الباحث ميشال شولديفيسك وحيدا في هذا المجال، بل هناك عشرات من الباحثين والأساتذة الذين يهتمون بالموضوع نفسه. ويبدو أن موضوع التصوف قد تبوأ مكانة لا بأس بها في الجامعات، والمعاهد، والمؤسسات والجمعيات الثقافية التي تهتم بدراسة الحضارات الشرقية. كما أن دخول الفرنسيين في الإسلام غالبا ما يتم من باب التصوف. وهذا يسري حسب اطلاعي على معظم الغربيين الذين اختاروا الإسلام دينا جديدا، ذلك لأنهم يلتجئون إلى الحياة الصوفية فارين من لهيب الحياة المادية. ولا يستغرب المرء عندما يسمع بوجود فرنسيين منتسبين إلى زاوية أو طريقة صوفية معينة. ولقد التقيت بمجموعة منهم ينتسبون إلى شيخ يعيش في دمشق حيث يقومون بزيارته عندما يشتاقون إليه، كما التقيت بآخرين لهم علاقة قوية بالزاوية البودشيشية ببركان.


د.عبد الله الشارف
من ذكرياتي زمن الدراسة / باريس 1980

الذكاء الانفعالي وبناء الذات

0


تمهيد:

لم يكن مفهوم الذات متداولا بكثرة في أعمال وكتابات علماء النفس في النصف الأول من القرن العشرين، اللهم إذا استثنينا أعمال المحللين النفسيين، وعلى رأسهم فرويد ويونج وآدلر، لأن علماء النفس انطلاقا من العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر الميلادي، وإلى حدود العقد الخامس من القرن العشرين الميلادي، كانوا مغرمين بدراسة الجهاز العصبي، وإجراء التجارب على الدماغ والحواس، وابتكار مقاييس الذكاء الإنساني، ودراسة قوة الإدراك والذاكرة والتخيل، وغير ذلك من الموضوعات التي يمكن إخضاعها للتجارب والمقاييس الكمية. وبعبارة أخرى لم يحظ الجانب الشعوري والبعد الباطني باهتمام أولئك العلماء إلا قليلا. كما همش عالم العاطفة والوجدان والانفعالات، وذلك بسبب التوجه المادي للحضارة الغربية، وكذا بسبب تأثر علماء النفس بمنهج العلوم التجريبية وتبنيهم لتصور وفلسفة هذه العلوم، ذلك التصور الذي لا يعترف بالموضوعات التي يتعذر إخضاعها للتجربة والملاحظة.
ولما ظهرت مدرسة التحليل النفسي على يد سيجموند فرويد في النصف الأول من القرن العشرين، بدأ مفهوم الذات يؤسس مكانه في ميدان علم النفس المعاصر. ولقد انطلقت هذه المدرسة كطريقة لعلاج بعض الأمراض النفسية، ثم أصبحت نظرية ونظاما سيكولوجيا كان له أبلغ الأثر ليس فقط في علم النفس، بل في سائر العلوم والفنون الإنسانية.
اهتمت مدرسة التحليل النفسي اهتماما كبيرا بموضوع الشخصية، وساهمت من خلال أدواتها ومفاهيمها في إرساء مبادئ وقواعد جديدة لفهم هذا الموضوع. ثم إن الأزمات والأمراض النفسية التي انتشرت في المجتمعات الغربية بين الحربين العالميتين، وفي أعقا ب الحرب العالمية الثانية، سواء كانت نتيجة لهاتين الحربين أو نتيجة للطبيعة المادية والآلية المعقدة للحضارة الغربية، أو بسبب غياب عامل الدين وعنصر القيم الإنسانية… هذه الأزمات دعت علماء النفس لكي يتجهوا نحو الشخصية مستهدفين تحليلها وفهمها، ثم البحث عن سبل علاجها، وكذا مساعدة الإنسان على التكيف داخل بيئته الاجتماعية والحضارية. وهكذا برز مفهوم الذات في قائمة المفاهيم النفسية التي تحضى باهتمام كبير من قبل علماء النفس المعاصرين. حتى أصبح هذا المفهوم في العقدين الأخيرين يحتل مكانة الصدارة في الإرشاد والتربية، والعلاج النفسي كما ظهر في السنوات الأخيرة ما يسمى بسيكولوجية الذات.

آليات الذكاء الوجداني أو الانفعالي وعلاقتها بالذات:

يذهب بعض علماء النفس المهتمين بمجال الذكاء الانفعالي إلى أن هذا الذكاء في علاقته بالذات يتجلى أو يتجسد في خمسة مستويات رئيسة:
المستوى الأول: الوعي بالذات أي معرفة انفعالات الذات، ومراقبتها مما يساعد على التحكم والضبط الانفعالي.
المستوى الثاني: إدارة الذات أي التخلص من الانفعالات السلبية، وتحويلها إلى انفعالات إيجابية، وممارسة مهارات الحياة بفاعلية. وإدارة أفعاله وأفكاره ومشاعره بطريقة متوافقة ومرنة.
المستوى الثالث: حفز الذات أي تأ جيل الإشباع. كما يشير إلى الدافعية الذاتية والتحكم في الانفعالات . وهي جوانب هامة للذكاء الوجداني. وتشير إلى القدرة على تنظيم الانفعالات والمشاعر وتوجيهها إلى تحقيق الإنجاز والتفوق، واستعمال المشاعر والانفعالات في صنع أفضل القرارات، وفهم كيف يتفاعل الآخرون مع الانفعالات المختلفة .
المستوى الرابع: التعاطف أي استشعار انفعالات الآخرين أي؛ القدرة على إدراك ما يشعر به الآخر، وهو أمر يستلزم قدرتنا على فهم مشاعرنا أولا، أي القدرة على الوعي بالذات. والتعاطف مهم في السياق الاجتماعي، بين الأزواج والأصدقاء، وفي المجال المهني، كما في علاقة الرئيس بالمرؤوسين، أو العامل بزملائه، فلا بد أن تكون للفرد القدرة والحساسية على قراءة الإشارات الانفعالية للآخر بدقة أولا، قبل أن تتم عملية التعاطف كاستجابة.
المستوى الخامس: التعامل مع الآخرين أي المهارات الاجتماعية. وفي هذا الصدد كتب دانييل جولمان يقول: “معظم الأدلة تشهد على أن الناس الماهرين انفعاليا، الذين يعرفون كيف يتحكمون في مشاعرهم جيدا، والذين يقرؤون بكفاءة مشاعر الناس الآخرين ويحسنون التعامل معها، يكون لهم السبق والتفوق في أي مجال من مجالات الحياة.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب.

المستغربون وإفساد المرأة والأسرة

0


 

في غياب الفهم الصحيح لنصوص الشرع والوعي بالهوية الثقافية، وتحت تأثير وطأة الفكر الغربي، سارعت بعض المنظمات بالدعوة إلى السفور ونبذ الحجاب منذ عقود طويلة. ففي الخمسينيات نشرت صحيفة "العلم" مقالا تحت عنوان: " ارفعي الحجاب عن وجهك يا سيدتي"، جاء فيه: "في فاس عقدت الرابطة النسوية لحزب الاستقلال في منزل السيد احمد مكوار، وتحت رئاسة حرمه... اجتماعا لدراسة مشاكل المرأة المغربية. وقد حضرالاجتماع عدد من سيدات المجتمع الفاسي وأوانسه من طالبات المعهد الثانوي التابع لجامعة القرويين، ومن مدرسة أم البنين الثانوية، وسواهما من المدارس التي يتابع فتيات فاس دراستهن فيها.كان موضوع الاجتماع هو الحجاب ..والحقيقة ان الرابطة توفقت أيما توفيق في معالجة هذا الموضوع الذي أصبح مثار مناقشات، ولعل القراء ـ والقارئات بالذات ـ تتبعوا ما تنشره هذه الجريدة من مقالات كلها تتصل بموضـوع الحجاب. فمنذ أيام كتبت الآنسة سعاد بلا فريح... وأول أمس عقبت الآنسة فاطمة القباج على الموضوع...والحجاب أصبح عقبة كآداء في طريق تقدم المرأة المغربية في بناء مجتمع سليم... يقوم على أساس تكافؤ الفرص للرجل والمرأة...هؤلاء الفتيات مؤمنات بأن الحجاب ليس وسيلة لستر عورة حرم الله النظر إليها... ولكنه حجاب يستر عنهن الحياة... يحجب عنها الانطلاق... والتحرر والشعور بالشخصية المسؤولة التي تواجه مصيرها بنفسها. إن الفتاة تشعر كأن الحجاب سلطة مشرعة عليها... فتظل أسيرة هذا الوهم...انها تريد ان تستنشق الهواء بمسامها كلها... أن تنظر إلى الحياة، فتشعر بأقدامها راسخة على الأرض. إنها لاتريد أن تبق "نوالة" متنقلة بالجلباب والجورب والحجاب... وإذا كانت المرأة فاضلة... مؤمنة بمسؤوليتها. واتقة من شخصيتها... فلماذا نربي فيها الإحساس بالنقص؟ لماذا نتصورها مخلوقة ضعيفة سهلة الاغراء؟
انظروا إلى هذه الصورة... وجوه ضاحكة...مشرقة لا ترى واحدة منهن تضع على وجهها حجابا...
لقد قررت الرابطة النسوية لحزب الاستقلال بفاس محاربة الحجاب... والدعوة إلىالسفور. انها خطوة جريئة نباركها وندعو كل هيئة نسوية الاقتداء بها.."1 .
انه الاستغراب الذي كان كامنا كمون النار تحت الرماد. لقد استغل أولئك النسوة ـ وأغلبهن ينتمين إلى الطبقات البورجوازية ـ الحالة النفسية للمرأة المغربية عشية الاستقلال حيث داعبتها رياح الحرية وحملتها بعيدة في أفق لامحدود، انها كانت تعيش لحظات كلها عاطفة وانفعالات نفسية سعيدة. وهكذا سرعان ما استجابت لنداء السفور بعدما أوهمت بأن لبس الحجاب والقعود في البيت سجن وذلة وخمول، وأن السفور تحرر. ومع غياب الوعي بالشريعة، تم الربط بين التحرر من المستعمر والتحرر من التقاليد التي تجسد تعاليم الإسلام ومبادئه، فكانت الثورة عليها وعلى بعض القيم التي هي من صميم الدين.
والخلاصة أن الفتيات والنسوة اللواتي استجبن لنداء السفور وقعن فريسة الاستغراب عند التلبية، وإن كنت لا أنفي ميلهن المسبق إلى نبذ الحجاب، في حين أن اللائي تولين كبره أي حملن لواء السفور، كن قد استغربن قبل الاستقلال بسنوات أو عقود، إذ لايخفى على أحد أن كثيرا من الأسر البورجوازية في المغرب أثناء الاستعمار، كانت معجبة بحياة الأوربيين وأسلوب عيشهم، فكانت تقلده ما استطاعت على خوف من الجمهور وعامة الناس، لكن بعد الاستقلال غدا التقليد قاعدة، وأصبح الاستغراب جليا بعدما كان كامنا.

1 ـ جريدة العلم , 24 غشت 1956 .

د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف
تطوان ربيع الثاني 1433/ مارس 2012.

الفناء في ذات الشيخ

0


 

 

يقول محمد الرفاعي الصيادي في كتابه "قلادة الجواهر": " ومن آداب المريد اللازمة أولا: حفظ قلب شيخه، ومراعاته في الغيبة والحضور... والتواضع له ولذريته وأقاربه، وثبوت القدم على خدمته، وأوامره كليها وجزئيها، وربط القلب به، واستحضار شخصه في قلبه في جميع المهمات، واستمداد همته، والفناء فيه، وأن يكون ملازما له لا يفتر عنه طرفة عين، ولا ينكر عليه ما ظهر منه من صفة عيب، فلربما يظهر من الشيخ ما لا يعلمه المريد".
ثم إن المريد لا يتعلق قلبه بشيخ سوى شيخه، ويفرده بالتعظيم والتبجيل ويتخذه وحده قبلة وقدوة. قال عبد الوهاب الشعراني: "ومن شأنه أن لا يكون له إلا شيخ واحد، فلا يجعل له قط شيخين؛ لأن مبنى طريق القوم على التوحيد الخالص، وقد ذكر الشيخ محيي الدين في الباب الأحد والثمانين ومائة من "الفتوحات المكية" ما نصه: "اعلم أنه لا يجوز لمريد أن يتخذ إلا شيخا واحدا لأن ذلك أعون له في الطريق، وما رأينا مريدا قد أفلح على يد شيخين، فكما أنه لم يكن وجود العالم بين إلهين ولا المكلف بين رسولين ولا امرأة بين زوجين، فكذلك المريد لا يكون بين شيخين".
وقال عبد المجيد بن محمد الخاني النقشبندي في كتابه " السعادة الأبدية": "اعلم أيها الأخ المؤمن أن الرابطة عبارة عند ربط القلب بالشيخ الكامل،... وحفظ صورته بالخيال ولو عند غيبته أو بعد وفاته، ولها صور؛ أهونها أن يتصور المريد صورة شيخه الكامل بين عينيه، ثم يتوجه إلى روحانيته في تلك الصورة، ولا يزال متوجها إليها بكليته حتى يحصل له الغيبة أو أثر الجذب... وهكذا يداوم على الرابطة حتى يفنى عن ذاته وصفاته في صورة الشيخ... فتربيه روحانية الشيخ بعد ذلك إلى أن توصله إلى الله تعالى، ولو كان أحدهما في المشرق والآخر في المغرب، فبالرابطة يستفيض الأحياء من الأموات المتصرفين".
لا شك أن القارئ الكريم قد فهم من خلال هذه النصوص جانبا مهما من جوانب العلاقة التي تربط المريد بشيخه الطرقي، والتي تبدأ بأصناف التأدب والاحترام وتنتهي بالغيبة والفناء في صورة شيخه التي لا تفارق خياله طرفة عين، ومن هنا لا يعجب المرء إذا سمع بمريد يستغيث بشيخه ويستنجده وهو غائب عنه أو قد ارتحل إلى الآخرة.>

د. عبد الله الشارف؛ "مناظرة صوفية" كتاب تحت الطبع.

– 1- محمد أبو الهدى الصيادي؛ “قلادة الجواهر في ذكر الغوث الرفاعي وأتباعه الأكابر”، ص 278، ط. الأولى، 1400-1980، بيروت.– 2- عبد الوهاب الشعراني؛ “الأنوار القدسية في معرفة قواعد الصوفية”، ج1، ص40، المكتبة العلمية، بيروت، 1412-1992.– 3- عبد المجيد الخاني الخالدي النقشبندي؛ “السعادة الأبدية فيما جاء به النقشبندية”، ص. 22-23، إسطانبول 1401-1981.

الجلد مكان الإحساس

1


 
قال تعالى: "إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما" (النساء 56).
فماذا قال العلم عن وظيفة الجلد التي قال عنها القرآن إنها مكان الشعور بالألم والعذاب ؟
إن أهم ما أوكل إلى الجلد هو وظيفة الحس بجميع أنماطه من لمس وحرارة وألم.
ففي سطحه الفسيح يوجد ما يدعى بنقاط الحس؛ وهي التي يبدأ منها صدور الشعور وتوافق نهاية اللييفات العصبية. وعدد هذه النقاط في السنتيمتر المربع يختلف حسب شأن البقعة في استقبال الحس وأكثرها في الأنامل. وينتقل الحس من تلك النقاط إلى اللييفات، فالألياف حتى مراكز الجملة العصبية المركزية حيث يكون إدراكها واستبيان دلائلها..
وقد جاء هذا صريحا في أن الجلد دون غيره من أجزاء البدن هو وحده مصدر الألم.
فهل كان لمحمد صلى الله عليه وسلم أجهزة تشريحية خاصة به دون غيره من البشر ؟ أم إن هذه آية من آيات الله تشهد أن القرآن كلام الله قد نزل بعلمه.
وقال الشيخ الزنداني : الناس من قبل كانوا يتصورون أن جسم الإنسان حساس كله، أينما ضربته يتألم،
حتى تقدم علم التشريح فجاء بحقيقة قال: لا ليس الجسم كله بل الجلد فقط هو مصدر الألم، بدليل أنك لو جئت بإبرة ووضعتها في جسم الإنسان فإنها بعد أن تدخل من جلد الإنسان إلى اللحم لا يتألم. ثم شرحوا هذا تحت المجهر فوجدوا أن الأعصاب تتركز في الجلد، ووجدوا أن أعصاب الإحساس متعددة، وأنها أنواع مختلفة منها ما يحس باللمس، ومنها ما يحس بالضغط وبالحرارة والبرودة. ووجدوا أن أعصاب الإحساس بالحرارة والبرودة لا توجد إلا في الجلد فقط. وعليه إذا دخل الكافر النار يوم القيامة وأكلت النار جلده، كيف تكون المسألة؟
فالكفار ليس لديهم آية تبين لهم المسألة، فتصبح مشكلة عند أهل الإيمان في مواجهة أهل الإلحاد، يقولون:تخوفونا من النار.
فالنار تأكل الجلد ثم ترتاح. لكن الجواب يأتي من المولى جل وعلا كاشفا للسر ونذيرا للكافرين . فيقول الله : "إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان عزيزا حكيما" (النساء 56).

يوسف الحاج أحمد "موسوعة الإعجاز العلمي شفي القرآن الكريم والسنة المطهرة"

ابتهالات ومناجاة

0


 


هذه ابتهالات ومناجاة سطرتها عقب قراءتي وتأملي في آيات الذكر الحكيم ، وذلك في غرفتي بالحي الجامعي بباريس في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي الميلادي.


إلهي أسألك أن تلقي علي محبة منك، وتفتح لي من رحمة لاممسك لها، أصبح وأغدو وأمسي متفيئا ظلالها حتى ألقاك.


إلهي أنت الذي هديتني، وأنت الذي أرشدتني، لكن من عساه يؤمنني مكرك، أو ينقذني منك يوم تبطش البطشة الكبرى. ألم يكن إبليس من الطائعين، أعوذ بك منك، لا ملجأ منك إلا إليك. لعلي أعمل في غير معمل، أو أحسب أني أحسن صنعا، إن لم تأخذ بناصيتي ضللت، وإن أوكلتني إلى نفسي هلكت. من علي بالطمأنينة، واربط على قلبي كما ربطت على قلب أم موسى، أو قلوب الفتية؛ “إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلهها لقد قلنا إذا شططا”، حسبي أنت حسبي أنت حسبي أنت.


إلهي أسألك أن تعصمني في حركاتي وسكناتي وخطراتي، وأن تسبل علي كثيف سترك، حتى تغيب عيوبي عن عيون خلقك، كي أذكرك في نفسي فتذكرني في نفسك.


إلهي أسالك أن تعينني على اقتفاء أثر الرسول محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، وأن تضئ جوانب قلبي بشعلة من نور سراجه الوهاج. وأسالك أن تقذف في قلبي نورا من عندك، يزيح شبح الظلمات، ويبدد أستار الأوهام؛ كما تقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق.


إلهي أسألك أن تجعلني أعبدك كأني أراك، وإذا هممت بفعل سوء أو مسني طائف من الشيطان، تذكرتك فخفت مقامك. واملأ قلبي بخشيتك حتى لا يبقى فيه خاطر سوء قد يغضبك، وحتى لا تتحرك جوارحي إلا بما يرضيك، واجعل الوقار نابتا في أصل فؤادي، واجعل الصمت إلا عن ذكرك وفيما تحب أفضل شيمي.


 


د. عبد الله الشارف؛ باريس 1981.

في رحاب الـزواج

1


 

حيرة أصلية لا تسكن بغير حواء:

مما لا شك فيه أن الانعكاسات السلبية للحضارة الغربية على العالم الإسلامي والبعد عن الينبوع الروحي والإيماني الذي يعيشه المسلمون يعتبران عاملين أساسيين في خلق جو من التوتر والاضطراب النفسي في نفوس كثير من الغافلين من أبناء المسلمين. فالإقبال على الإنتاج المادي والثقافي لتلك الحضارة بدون تمحيص، وإتلاف رسم الإطار الفطري السليم، نتج عنهما نوع من القطيعة المعنوية بين المسلم وحقيقته الفطرية والدينية،و أصبحت ترى كثيرا من المسلمين يعيشون ألوانا من القلق النفسي دون أن يجدوا لذلك تفسيرا، وكثير منهم شباب حيارى لا يفهمون دواعي حيرتهم وقد يتجاهلون ذلك أحيانا.
والحقيقة أن هناك حيرة أصلية لا تسكن بغير حواء؛ ذلك الكائن الذي يتم به كمال دينك وتستعين به على عبادة الله، ورب نظرة رحيمة منك إليه تقربك من الله وتستمطر بها رحمته.ويستحسن للمسلم عند اختياره للزوجة، أن يطلع- عن طريق بعض أقاربها أو أصدقاء أفراد عائلتها- على بعض أوصافها الخلقية والسلوكية، وكذلك فيما يتعلق بالطبع والمزاج، حتى ينظر هل هناك من تقارب وانسجام. يقول ابن قيم الجوزية: "قد استقرت حكمة الله عز وجل في خلقه وأمره على وقوع التناسب والتآلف بين الأشباه وانجذاب الشيء إلى موافقه ومجانسه بالطبع وهروبه من مخالفه وتفرقه عنه بالطبع. فسر التناسب والتشاكل والتوافق والتمازج والاتصال في العالم العلوي والسفلي إنما هو التناسب والتشاكل والتوافق. وسر التباين والانفصال إنما هو بعدم التشاكل والتناسب، وعلى ذلك قام الخلق والأمر، فالمثل إلى مثله مائل، و إليه صائر، والضد عن ضده هارب وعنه نافر. وقد قال تعالى: " هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها" (الأعراف:189) فجعل سبحانه علة سكون الرجل إلى امرأته كونها من جنسه وجوهره. فعلة السكون المذكور – وهو الحب- كونها منه.
إذا تزوج العبد فقد استكمل دينه:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مشيرا إلى أهمية الزواج وعلاقته بالدين والعبادة: "إذا تزوج العبد فقد استكمل نصف دينه فليتق الله في النصف الباقي" لقد نبه الرسول الكريم في هذا الحديث وفي كثير من تعاليمه السامية إلى الوسيلة الطاهرة التي تعين المسلم على التقوى وتهذيب النفس. إن المسلم القادر على الزواج مهما اجتهد في العبادة وعمل على التحلي بالشيم الفاضلة، فإنه لن يشعر بالطمأنينة ما دام غير متزوج، ولعل الفراغ الداخلي الذي يشعر به الأعزب من أشد أنواع الفراغ وطأة على النفس، ولو كان لهذا الأعزب أذن باطنية لتقطعت أوصاله عندما يسمع أنين الفطرة ونداءها الحزين يطالبانه بالزواج، ثم إن طينته البشرية التي يعمل على سترها بنور الأخلاق والفضائل، تظل عارية باستمرار ما لم يحلها بلباس الأنثى, قال تعالى:"هن لباس لكم وأنتم لباس لهن"(البقرة 186)؛ إن اللباس هو الستر الذي يستتر به الإنسان، وهو في الوقت ذاته مفصل على قده لا ينقص ولا يزيد ، والرجل والمرأة ألصق شيء بعضهما لبعض، يلتقيان فإذا هما جسد واحد وروح واحدة، وفي لحظة يذوب كل واحد منهما في الآخر، فلا تعرف لهما حدود، وهما أبدا يهفوان إلى هذا الاتصال الوثيق الذي يشبه اتحاد اللباس بلابسه، ثم هما ستر، كل واحد للآخر، فهما من الناحية الجسدية ستر وصيانة، وهما على الدوام ستر روحي ونفسي، فليس أحد أستر لأحد من الزوجين المتآلفين؛ يحرص كل منهما على عرض الآخر وماله ونفسه وأسراره أن ينكشف منها شيء فتنهبه الأفواه والعيون، وهما كذلك وقاية تغني كلا منهما عن الفاحشة وأعمال السوء، كما يقي الثوب لابسه من أذى الهاجرة والزمهرير .

الأنوثة الطاهرة مدرسة نفسية:
في إطار الوظيفة التكاملية التي يقوم بها كل من الزوج والزوجة المسلمين في حياتهما الزوجية، قد لا نبالغ إذا قلنا بأن سلوك الزوجة الصالحة يكون بالنسبة للزوج أحيانا، مصدرا يستمد منه شحنات روحية يستعين بها على تحسين بعض صفاته الخلقية، أو على تفجير جانب من طاقته الفطرية فيكتسب أخلاقا تزيده بهاء ومروءة. وقد تكون المرأة خير مثبت لزوجها في طريق الدعوة، ونشر الفضيلة، والصبر على البلاء، وأفضل مثال على ذلك ما يمكن لمسه في سلوك خديجة أم المؤمنين مع الرسول زوجها محمد صلى الله عليه وسلم، حيث كانت رضي الله عنها ملاذه الوحيد، وركنه الشديد الذي يأوي إليه بعد التحنث في غار حراء، وكانت تطمئنه وتزيل عنه الروع عندما باغته الوحي لأول مرة، كما آزرته رضي الله عنها في دعوته.
نعم إن الزوجة الصالحة مدرسة نفسية تتبلور في أحضانها كثير من الأفكار والمعاني السامية، فقد يكون المسلم قبل زواجه مصابا بنوع من الأنانية، لكنه لا يلبث بعد الزواج أن يفيض كرما وتسامحا وعطفا، لأنه أصبح يعيش في حضن كائن يستلزم الحنان والعطف المتواصلين، كما أن جوانب البراءة والرقة والأنوثة المتمثلة في المرأة تحرض ذلك الجانب العاطفي والإنساني، وتنادي بلغة روحية وعذبة، كل صفات الخير والإحسان المتأصلة في فطرة الزوج المسلم، فتنقلب الغلظة شهامة ومروءة، والوحشة أنسا وفرحة، واللامبالاة تعلقا وتمسكا بأذيال الفضيلة، وتحل اليقظة محل الغفلة، ويشعر الزوج بأنه راع ومسؤول. وهكذا – بفضل الزواج والاقتران بالمرأة الصالحة، يخرج المسلم من دائرة العزوبة الضيقة إلى دائرة الرعاية والمسؤولية والتناسل و الأمانة والاستخلاف في الأرض.
" أنت ظاهر وباطن، وصورتك منقوش فيها ما شاء من آيات الظهور، وسرك ينطوي على ما شاء من آيات البطون. وإليك في كل لحظة نداء، ومنك الإعراض أو الإصغاء. ولك من آدميتك نداء مصحوب بحيرة أصلية لا تسكن بغير حواء؛ (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها ). فبها كمال دينك، وبها تستعين على عبادته، ونظرة إليها قد تسكن الروع وتقرب من المحبوب، فعليك بالمرأة الصالحة، فهي مرآتك، وهي الركيزة، وردها إلى ضلعك ولا تكسره"

د. عبد الله الشارف، صحيفة "النور" تطوان المغرب، ربيع الأول 1411.

قراءة في خواف الإسلام أو الإسلام فوبيا

0


بسم الله الرحمن الرحيم

قراءة في خواف الإسلام أو الإسلام فوبيا

يعتبر مفهوم خواف الإسلام أو الإسلام فوبيا، من المفاهيم التي تولدت في الغرب وانتشرت في قواميسه، وتناقلتها الألسنة ووسائل الإعلام الغربية في الثمانينيات من القرن العشرين الميلادي، بعد اندلاع الثورة الإسلامية في إيران، مرور بجهاد طالبان في أفغانستان، ثم بالأحداث المتعلقة بما يسمى ب:"التفجيرات الإرهابية" في بعض مدن أوروبا، إلى غير ذلك من الأحداث والوقائع التي توحي بأن الشرق الإسلامي بدأ يتحرك في اتجاه إثبات الذات والهوية والرجوع إلى الأصل .كما أن الصحوة الإسلامية أثرت سلبا في نفوس الغربيين، مما جعلهم ينظرون إليها بعين الريبة والفزع.
ولفظ فوبيا؛ الخواف، أصله يوناني: "فوبوس" الذي يعني الخوف الشديد اللامبرر. وفي قاموس علم النفس الغربي، فان كلمة فوبيا تشير إلى حالة من الخوف القوي تجاه أمر ما أو ظاهرة معينة، أو الخوف من أشياء معينة، أو وضعيات و مواقف محددة، أو الخوف من الإتيان بأعمال و نشاطات معينة.
ومن أنواع الخواف؛ خواف الأجانب، خواف الأعماق؛ أي الخوف من الأماكن العميقة أو المنحدرة، خواف الأموات والجثث، خواف البرق والرعد، خواف البحار والمحيطات، خواف الجراثيم، خواف الحشرات، خواف السرطان...إلخ.
ويمكن القول إن ظاهرة خواف الإسلام ( الإسلام فوبيا )، اشتدت حدتها ووطأتها بعد حادثة انهيار برجي التجارة العالمية في نيويورك يوم 11 شتمبر 2001 . وكان من نتائج الحادثة المفتعلة، اعتداء سافرعلى الشعوب الإسلامية من خلال التدخل في دينها وثقافتها وسياستها، والضغط على حكامها بهدف التنسيق مع الإدارة الأمريكية من أجل محاربة ما يسمى بالإرهاب أو التطرف الإسلامي، مما ألحق الأذى وأنزل الظلم بأشخاص وأسر وجمعيات و مؤسسات خيرية ودينية لا علاقة لها بمسمى الإرهاب.
وفي الدول الغربية و أوربا وأمريكا الشمالية حيث تتواجد الأقليات الإسلامية المهاجرة، اشتدت العنصرية وكراهية الأجنبي المسلم، واعتدي على كثير من المسلمين هناك، و استهدفت مساجدهم و جمعياتهم، وضيق الخناق على أنشطتهم الدينية و الثقافية، كما اعتدي على كثير من النساء المحجبات، وأثير موضوع الحجاب من جديد بخطاب متوعد و شرس. وأساءت وسائل الإعلام إلى المقدسات الإسلامية و إلى النبي صلى الله عليه و سلم، حيث قامت صحف دانماركية ونرويجية و غيرها بنشر صور و رسوم تسيء إلى تلك المقدسات والى شخص نبينا عليه أفضل السلام و أزكى التحيات.و انطلقت الصحف والمجلات والقنوات الفضائية تنشر و تذيع أفكارا و رؤى حول الاسلام مليئة بالكذب و المغالطات وتزييف الحقائق و إطهار الاسلام بمظهر الإرهاب.
والأدهى والأمر أن كثيرا من المصطلحات و المفاهيم التي صاغها الغربيون عن الاسلام، تم قبولها وتبنيها من قبل المستغربين والمقلدين الببغاوات من أبناء جلدتنا. ومن بين هذه المصطلحات: الاسلام الراديكالي، الاسلام المتطرف، الاسلام المقاتل، الإسلام الأصولي....
إن هذه المصطلحات الدخيلة ومايشبهها، أصبحت تلوكها ألسنة المستغربين والمنحرفين عقديا،وكذا ضعاف الإيمان من المسلمين، وكثير من أفراد الطبقة الغنية المستغربة، وغيرهم ممن يقلد الغرب ويدور في فلكه. كما انتشرت كثير من مقالات ومؤلفات المستغربين في بلادنا الإسلامية، تطفح بالغمز واللمز والنقد الساقط و السخيف لمقدسات وثوابت الأمة الإسلامية مثل التجرؤ على كتاب الله تعالى وسنة رسوله عليه السلام.
ذكر الاستاذ سعيد حوى رحمه الله في كتابه: "جند الله ثقافة وأخلاقا"، كلاما جاء في كلمة أحد المسؤولين في وزارة الخارجية الفرنسية سنة 1953 . وهذا نصه:
"ليست الشيوعية خطرا على أوربا فيما يبدو لي. إن الخطر الحقيقي الذي يهددنا هو الخطر الاسلامي. فالمسلمون عالم مستقل كل الاستقلال عن عالمنا الغربي، فهم يملكون تراثهم الروحي الخاص ، ويتمتعون بحضارة تاريخية ذات أصالة، فهم جديرون بأن يقيموا قواعد عالم جديد دون الحاجة الى الاستغراب؛ أي دون حاجة الى إذابة شخصيتهم الحضارية و الروحية بصورة خاصة في الشخصية الحضارية الغربية.وفرصتهم في تحقيق أحلامهم هي في اكتساب التقدم الصناعي .وإذا تهيأ لهم ذلك انطلقوا في العالم يحملون تراثهم الحضاري، وانتشروا في الأرض يزيلون منها قواعد الروح الغربية ويقذفون رسالتها إلى متاحف التاريخ.وقد حاولنا خلال حكمنا الطويل في الجزائر أن نتغلب على الشخصية التاريخية لشعب هذا البلد، فلم نأل جهدا في صوغ شخصية غربية له، فكان الإخفاق الكامل نتاج مجهودنا الضخم الكبير.
إن العالم الإسلامي يقعد اليوم فوق ثروة خيالية من الذهب الأسود والمواد الأولية الضرورية للصناعة الحديثة، ولكنه في حاجة إلى الاستقلال في استغلال هذه الإمكانيات الضخمة في بطون سهوله وجباله وصحاريه. إنه في عين التاريخ عملاق مقيد، عملاق لم يكتشف نفسه بعد اكتشافا تاما. فهو حائر وهو قلق وكاره لماضيه في عصر الانحطاط، راغب رغبة يخالطها شئ من الكسل أو بعبارة أخرى من الفوضى في مستقبل أحسن وحرية أوفر. فلنعط هذا العالم ما يشاء، ونقو في نفسه عدم الرغبة في الإنتاج الصناعي والفني، فإذا عجزنا عن تحقيق هذه الخطة، وتحرر العملاق من قيود جهله، وعقدة الشعور بعجزه عن مجاراة الغرب في الإنتاج، فقد بؤنا بالإخفاق الذريع وأصبح العالم العربي وما وراءه من الطاقات الإسلامية الضخمة، خطرا داهما يتعرض به التراث الغربي لكارثة تاريخية ، ينتهي بها الغر ب، وتنتهي معه وظيفته القيادية".
إن هذا المسؤول السياسي الفرنسي قد أشار ضمنيا إلى العامل الأساسي في ظهور مفهوم خواف الإسلام أو الإسلام فوبيا، وهو عامل "خطر الإسلام القادم". والحقيقة أن خوف الغربيين من الإسلام يرجع الى ماض سخيف؛ أي الى زمن الفتوحات الاسلامية في الشرق والغرب والاندلس .مرورا بانتصارات الدولةالعثمانية وتوسعها.
وعندما انحسر نفود المسلمين وتقهقرت حضارتهم ومدنيتهم، تنفس المسيحيون الصعداء ولم يعد الخوف من الإسلام جاثما على صدورهم، بل استضعفوا المسلمين، وغزوا ديارهم واستعمروا مدنهم وقراهم وأراضهم، واعتدوا عليهم وأذاقوهم الذل والهوان.
لكن ما ان استقلت الشعوب الإسلامية وطردت المستعمرالغاشم، حتى شرعت في بناء واقع جديد واسترجعت قوتها وأيقظت عقيدتها وهويتها، ثم تمخض عن ذلك ظهور الصحوة الإسلامية التي خيمت على ربوع العالم الإسلامي، وأنارت عقول الشباب المسلم وألهبت قلوبهم فانطلقوا ينافحون عن الإسلام ويدعون إليه ويتحدون الصعاب. ثم كان الجهاد الإسلامي في فلسطين وأفغانستان إلى غير ذلك من الأحداث والوقائع التي كان لها وقع سيء في نفوس الغربيين، فانتشر بينهم من جديد الخوف من الإسلام، وطفقوا يكيدون للمسلمين، ويسخرون كل طاقاتهم المادية والمعنوية معلنين الحرب السافرة على ما يسمونه الإرهاب الإسلامي أو الأصولية الإسلامية. كما التجؤوا إلى أساليب وخطط ملتوية أو غير مباشرة؛ مثل خطة حوار الأديان والثقافات، أو ما يسمونه بالتسامح الديني.
والخلاصة أن خواف الإسلام أو الإسلام فوبيا، هو مرض نفسي قديم متجذر في نفوس النصارى واليهود، له علاقة بوجود الإسلام وقوته وعظمته وغايته التي هي التوحيد وإقامة الحق وإزهاق الباطل. والإسلام من طبيعته أنه يخيف الكفار والمشركين؛ قال تعالى: "لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله" (سورة الحشر13)، وقال أيضا؛ "ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم" (سورة الأنفال 60).
ان الإسلام يقف في وجه الباطل وكل أنواع الاستغلال والاستعباد، كما يتصدى للشرك والأهواء والسلوكات اللإنسانية. وإن الإسلام دين السلم والأمن لمن آمن به واستسلم له. أما من يعاديه أو يعلن الحرب عليه،أو يمارس الإرهاب الحقيقي على أهله، فانه يخسر، أو يهلك لا محالة، ويصاب بأمراض نفسية من بينها؛ مرض خواف الإسلام أو الإسلام فوبيا.
د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف،
تطوان جمادى الأولى 1433/أبريل 2012.

أبراهام السرفاتي وكارل ماركس في كلية الآداب بتطوان

2


 

بسم الله الرحمن الرحيم


"أبراهام السرفاتي وكارل ماركس في كلية الآداب بتطوان"


بعد مغادربتي لقاعة الدرس (شعبة الجغرافيا/ مادة علم الاجتماع)، صباح يوم الإثنين الماضي 2-4-2012، وأنا في طريقي إلى قاعة الأساتذة، استوقفني النشاط الثقافي والإعلامي الذي نظمه الطلبة على اختلاف تياراتهم وأطيافهم؛ كتب معروضة وصور تعبر عن قضايا الطلبة ومعاناتهم، وبعض قضايا العالم العربي، وأحاديث ومناقشات هنا وهناك في أرجاء البهو الرئيس للكلية.
ويتراوح شعور الطلبة بين التلذذ بالآمال العريضة التي تغذيها جرعات التفاؤل، وبين التألم للمعاناة والآلام النفسية التي تسببها بعض الأحداث والنوائب المصاحبة لحياة الجامعة المغربية؛ "وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم" (سورة فصلت: آية 35).
بيد أن الذي أثار انتباهي، هو بعض معروضات جناح فصيل الطلبة اليساريين التقدميين؛ حيث عرض هؤلاء الطلبة كتاب "رأس المال" لكارل ماركس، وكتابات لينين و غرامسكي وشيغيفارا، وما شابه ذلك. كما عرضوا إطارا زجاجيا يحمل صورة أبراهام السرفاتي... فتذكرت حياتي الجامعية بفاس في سبعينيات القرن الماضي الميلادي، حيث كانت الإيديولوجيا الماركسية ناشرة أعلامها، ومؤثرة في عقول آلاف الطلبة، وكثير من (المثقفين) في المغرب، وكذا في العالم أجمع.
نعم لقد كان للإيديولوجيا الاشتراكية الماركسية صولة ووطأة قوية؛ حيث كانت روسيا الستينيات والسبعينيات، زمن بريجنيف، دولة لاتقهر، ولها نفود وامتدادات سياسية وثقافية عالمية، إلى أن بدأت تعرف التراجع والتقهقر والانحسار السياسي والإيديولوجي، بعد اعتدائها على أفغانستان ودخولها في مستنقع الحرب الغاشمة.
أيها الطلبة الأعزاء: إن نجم الماركسية والشيوعية قد أفل منذ عقود، وإن النظام الاشتراكي قد انتكس وارتكس في عقر داره، لأسباب عدة من بينها؛ هشاشة الفكر الماركسي وطوباويته، وعدم ملاءمته لطبيعة الإنسان وطموحاته. وهناك أسباب أخرى كثيرة لا يتسع المجال لذكرها.
إن العالم العربي يعيش الآن أحداث ربيعه النضير الحيوي المفعم بالمشاريع والآمال، وإن تاريخه المشرق ليكتب الآن بدماء شهدائه الأبرياء، كما لا يخفى على أحد مدى ثقل عامل الهوية الإسلامية والدين والتراث العربي الإسلامي فيما يتعلق بانطلاقة هذا الربيع النضير وبلورته.
لقد خسفت وكسفت تلك الأضواء الباهتة للحداثة والعلمانية والاشتراكية والقومية والإلحادية
في العالم العربي، عندما توهج أمامها نور الربيع العربي القاهر.
أيها الطلبة الأعزاء، طلبة الفصيل اليساري؛ إن تلك الكتب المعروضة هي سلعة كاسدة زهد فيها أبناؤها، فكيف يقبل عليها الطلبة المغاربة الغيورون على تراثهم وهويتهم ودينهم، والحالة أن حركة التاريخ العربي الآن متجهة نحو المستقبل في ارتباط وثيق مع الهوية والدين والتراث الحضاري العتيد. وقديما قال الشاعر:



وليس يصح في الأذهان شئ    إذا احتاج النهار إلى دليل.


د. عبد الله الشارف، جامعة القرويين، كلية أصول الدين تطوان المغرب
/ جمادى الأولى 1433/ أبريل 2012.