نداء ومحبة

0


 

ذات صباح بينما أنا جالس في غرفتي وقد أطلقت العنان لمخيلتي، إذا بي أطل من نافذة على عالمي الجنة والنار؛ ينشرح صدري تارة وينقبض أخرى، ويهيم قلبي لحظات ويطرب لانعكاس ألوان النعيم في مرآته. ثم يضيق ويتألم، لورود ما يخيفه ويزعجه من صور العذاب وهول الجحيم . حتى غدا باطني مسرحا لصراع عنيف بين النعيم والجحيم،والشقاوة والسعادة والطمأنينة والحيرة. وما هي إلا دقائق معدودة، حتى فوجئت بنداء ينبعث من صميم قلبي، وهاتف يهتف بي: إلى متى هذا النوم؟ إلى متى هذه الغفلة؟ ألا من يقظة توقظ عزمك، وتضيئ ما ادلهم من ليل حالك، وتذيب حجارة القسوة الجاثمة فوق قلبك . أما آن لهذا القلب أن يلين ويخشع؟ ( ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق)؟ ولهذه العين أن تبصر وتتبصر وتدمع؟ ما لهذا خلقت يا عبد الله؟ وما خلق الله شيئا عبثا أو سدى بل كل في فلك يسبحون وبكل لسان يسبحون، فأين لسانك؟ وأين قلبك؟ وأين قصدك؟ وما وجهتك؟.

هيهات هيهات، أتظن الأمر سهلا والوجود عدما كلا، فالأمر أعظم مما تتصور، والخطب أجل مما قد يخطر على بالك، والفضاء ضاق بما رحب، وعجلة الزمان أوشكت على التوقف، بعد أن أباد الأمم والقرون تعاقب الحركة والسكون ، وليل نهارك قد جن عليك ولما تعاين نجومه. أقم قيامتك قبل قيامها فهول القيامة أشد ما ينتظر والساعة أدهى وأمر. وليوقفنك رب العزة بين يديه وليسألنك سؤال عزيز مقتدر، وقتئذ تبلغ القلوب الحناجر، وتفترس الندامة الصدور ويعض الظالم على يديه ولات حين مناص.

ياعبد الله أنت أكرم على الله من أن تسحرك الدنيا بظلها الزائل، أو تعبث بك الشياطين وتزج بك في حمأة الشهوات والضلالات، وإلهك ينتظر رجوعك وتوبتك ويفرح بذلك، أكثر من فرح أم برجوع ولدها المفقود.

ومرت الأيام، وشعاع ذلك الهاتف يزداد توقدا، وصوت النداء الباطني يزداد قوة وحدة، فعزمت على الخروج عن العادات والمألوفات، والاقتـداء بالتوابين الصالحين، ووطنت نفسي على ذلك كيف لا "والعمر قصير، والساعات طائرة، والحركات دائمة، والفرص بروق تأتلق، والأوطار في غرضها تجتمع وتفترق، والنفوس على فواتها تذوب وتحترق".

فلما استقرت في باطني بوارق اليقظة، وانزعج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين، أخذت في أهبة السفر إلى الله لا ألوي على شيء، وعقدت عقدا جازما على المسير ومفارقة كل قاطع ومعوق، ومرافقة كل معين وموصل.
" قال الشاعر:
فحــي على جنات عدن فإنهــــا
منازلك الأولى وفيها المخيم
ولكننا سبي العدو فهل ترى
نعـود إلى أوطاننا ونسلـــم

ثم أعقب حال اليقظة والانتباه، شعور عميق بالذل والانكسار والخضوع، والافتقار للرب سبحانه وتعالى، يقول رب العزة: " يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد"
"فأدركت تمام الإدراك أن صلاحي وخلاصي وهداي وسعادتي، بيده جل وعلا، وأن هذا الخير وهذه اليقظة منه وحده، وأن رحمته بي اقتضت تذكري له وسياقتي إليه. فالتجأت إليه لجوء المضطر الذليل المستعطف، ووضعت خذي على عتبة العبودية، ناظرا بقلبي إلى ربي ووليي نظر الذليل إلى العزيز الرحيم".

د. عبد الله الشارف، باريس 1981.

الإيحاء الذاتي والذكر

0



لقد أثبتت الدراسات والأبحاث النفسية قديما وحديثا، أن الإنسان الذي يشكو ضعف الإرادة، يستطيع تقويتها والرفع من مستواها عن طريق الإيحاء الذاتي. والإيحاء في هذا المجال عبارة عن عملية نفسية وعقلية تهدف إلى إيصال فكرة إلى قلب الإنسان، وتثبيتها في عقله وشعوره. وأفضل الإيحاءات النفسية هي تلك التي ننشئها بأنفسنا، فنتخيل أننا نملك القوة العقلية والفكرية التي نحتاج إليها ونستخدمها مثلا، في قهر الاضطراب والخمول، أو في النهوض بالعزيمة. وهكذا من خلال الإيحاءات المتكررة ذهنيا عبر ترديد بعض العبارات الدقيقة والهادفة، مثل: "أستطيع التخلص من هذه العادة... بإمكاني أن أفعل غير ذلك... لقد أصبحت حرا"، أو مثل : "أنا هادئ تماما... أنا لا أشعر بالمؤثرات الحسية.."، يغدو المرء وكأنه يحيا معاني تلك العبارات الأمر الذي يدفعه فعلا إلى تطبيقها وممارستها.


وقد ثبت مؤخرا، في البحث العلمي التجريبي، أن الفكرة تولد إشعاعا بالغ القوة، وأنها تبث في الأثير حركات اهتزازية، من شأنها أن توقظ في بعض الأشخاص حالات روحية ونفسية منسجمة مع الطبيعة الفكرية والنفسية لمرسلها أو صاحبها. وهذا الأمر نلمسه مثلا في العلاقة بين العالم والمتعلم، أو بين الشيخ الصوفي والمريد، أو بين محب ومحبوبه.


وإذا كانت الفكرة الصادرة عن المرسل تؤثر في المرسل إليه، فإن تأثر الإنسان بأفكاره من باب أولى، حيث يكون في آن واحد مرسلا ومتلقيا. والإنسان يتأثر ويخضع تلقائيا لأفكاره مدى حياته، إلا أنه يعجز أحيانا عن تمثل واستلهام بعض الأفكار التي يرغب فيها، وهنا يأتي دور الإيحاء الذاتي كوسيلة ناجعة لتحقيق هذه الرغبة.


والإنسان المسلم الذي يكثر من ذكر الله سبحانه وتعالى بخشوع وطمأنينة وتأمل واستحضار لعظمة الخالق، يكون ممارسا بطريقة تلقائية ومتصلة، لعملية الإيحاء الذاتي بكل ما تحمله هذه العملية من معاني إيجابية وعميقة. فالذاكر المردد لصيغة من صيغ الذكر المشروعة، يظل مستلهما كل المعاني الروحية التي تنطوي عليها تلك الصيغة، فتنساب في باطنه وكيانه، محدثة ما شاء الله من الخير والأسرار، كما تعمل على تفجير الطاقات الروحية والإيمانية الدفينة، مما يكون له أثر مباشر في تفعيل الإرادة ومدها بالقوة والحيوية والنشاط.


إن عكوف الذاكر مثلا على قول :"أستغفر الله" أو "لا إله إلا الله" أو "سبحان الله" ، يجعله يستوحي من هذه الكلمات معاني الاستغفار والتهليل والتسبيح، وهي بلا شك معاني قوية مرتبطة بالتوحيد والفطرة، تزود الذاكر بشحنات إيمانية عالية، تمكنه من تزكية نفسه والسهر على بناء شخصيته بناء متميزا، مما يعينه على القيام بوظيفة الرسالة والاستخلاف. وكلما حافظ المسلم على الذكر والتذكر على المنهج النبوي، ترقى في سلم السيطرة على نفسه، واكتسب القدرة على مراقبتها بطريقة تلقائية، وبالتالي ازدادت ثقته بها وبكفاءاته وقدراته.


وهكذا فإن الإيحاء الذاتي بواسطة الذكر أفضل وأسمى أنواع الإيحاءات الذاتية، لما يثمره من فوائد في ميدان الإرادة والشخصية وإعادة الثقة بالنفس، وتجديد الثقة بالخالق عز وجل، والارتباط بأسس الفطرة والتوحيد. كما يسهم، من خلال الذكر دائما، في تربية الذوق والوجدان وتنمية قوى الإرادة التي تتجسد عمليا في محبة الله وخشيته ورجائه. لأن محبة الله تدفع المسلم إلى طاعته وحده، وخشية الله تزجره عن المضي فيما يغضب مولاه، والرجاء من الله يمنحه القدرة على الاستمرار وتحمل المصاعب والأزمات. والنجاح في هذه الإرادات الثلاث، يؤدي إلى تحرير القلب من الخضوع للأهواء النفسية والطواغيت والأصنام المادية والمعنوية.


د. أبو خولة عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين، جامعة القرويين/صفر الخير 1435-دجنبر 2013/تطوان المغرب.