السوسيولوجيا العربية وإشكالية التراث

0

السوسيولوجيا العربية وإشكالية التراث


يعتبر موضوع التراث العربي، من الموضوعات الفكرية التي شغلت بال السوسيولوجيين العرب ما يقرب من قرن من الزمان. ولعل هناك شبه إجماع بينهم حول الصورة الجامدة الميتة التي يتصف بها التراث العربي الإسلامي، والذي ينبغي التخلص منه لكونه يعرقل في رأيهم مشروع التحديث والحداثة.

يقول الدكتور عبد القادر عرابي: "علم الاجتماع العربي الراهن ما زال يعاني من الإشكالات عينها التي عانى منها الرواد، أما الإشكالية الأولى فتتمثل في العلاقة بين علم الاجتماع والتراث. وقد وضحنا أن الفكر العربي يخضع لوصاية التراث والمجتمع، ولم يتجرأ حتى الآن على خوض الصراع مع المرجعية التراثية، التي تأخذ طابع المقدس في المخيلة العربية"[1].

ويقول أيضا: "المعروف أن نظرية الدين تحتل مساحة واسعة من أعمال دوركايم و فيبر الكالفيني المستقيم و غيرهما، وأن كليهما يرى أن علاقة الفرد بالمجتمع متأثرة بالدين. إن الواقع الرمزي للدين عند دوركايم هو جوهر الوعي الجمعي،وهو شرط التماسك الاجتماعي واستمرار النظام الاجتماعي. إن التدين عند دوركايم هو التسامي الاجتماعي، فالدين هو جوهر الاجتماعي. العقل الجمعي هو في جوهره عقل ديني. التعبيرات الدينية و المعرفة الدينية هما معرفة يومية. الوظائف الدينية تقوم بها بنى غير دينية، بمعنى أن القيم الدينية منصهرة في الحياة الاجتماعية. ولعل هذا سر نجاح أوربا، وهوأنها صهرت قيمها الأخلاقية في الحياة الاجتماعية. القيم الدينية عند دوركايم، الذي درس دور المقدس في تكوين المجتمع، تشكل الضمير الجمعي، وعند فيبر مصدر  التحديث والعقلانية. وعندما أقول القيم الدينية فأقصد بذلك دور هذه القيم في الحياة اليومية. أوروبا النهضة عرفت بثورتها الفكرية وغناها المعرفي، وما تزال هذه المرحلة حتى اليوم تشكل المرجعية الفكرية والمجتمعية، إنها مرجعية إنسانية وثقافية متحركة وغير جامدة. من هنا نرى أن أوربا لم تقطع روابطها مع الماضي قدر ما عقلنته، واتخذت من العقل والانسان مرجعية أساسية. مثل هذه المرجعية تمثلها العلوم الانسانية التي تجدد الفكر في ضوء القراءة المجتمعية."[2]

إن منطوق النص الأول ينقل الى القارئ معاناة السوسيولوجي العربي وهو يواجه عائق التراث الذي يشكل في نظره العامل الرئيس في إجهاض مشروع علم الاجتماع العربي، والحيلولة دون قيام مجتمع عربي متطور وحداثي. إن وطأة  التراث المقدس على نفسية وعقلية الانسان العربي لا يذيبها و لا يمحوها، إلا قوة التفكيك والنسف من الداخل، من خلال نشر ثقافة التحرر والنقد، ونزع القداسة عن التراث الديني.

وفي النص الثاني، يحاول الدكتور عبد القادر عرابي تقديم الصورة الحقيقية التي ينبغي أن يكون عليها الدين، مستلهما في ذلك نظرة إيميل دوركايم حول الدين. إن باحثنا السوسيولوجي يتبنى أسس النظرة الدوركيمية ،ويعتبرها النموذج الأمثل فيما يتعلق بالتفاعل بين القيم الدينية و البنية الاجتماعية بحيث تنصهر الأولى في الثانية،  وتذوب في العقل الجمعي. ومن هنا قوله: " نرى أن أوربا لم تقطع روابطها مع الماضي قدرما عقلنته، واتخذت من العقل والانسان مرجعية أساسية".

إن باحثنا السوسيولوجي يماثل أو يطابق بين الدين المسيحي والدين الاسلامي، أي يتصور الإسلام مثلما تصور الأوربيون العلمانيون المسيحية، والحالة أن الدين الاسلامي يختلف جوهريا عن الدين المسيحي دين. ذلك أن الإسلام دين عالمي، يحمل مشروعا إنسانيا متكاملا صالحا لكل زمان ومكان، و لا يتعارض مع العلم، بل يدعو إليه وينصره. واذا كانت فرضيات دوركايم وغيره قد وجدت آذانا صاغية، وأرضية ثقافية تتقبل مثل هذه الأفكار الشاذة، فإن ثقافة المسلمين المتجذرة في أرض الدين، والوحي الصحيح، والحضارة العريقة، تلفظها لامحالة.

إن التراث الاسلامي الممتزج بالدين، يشكل محور أساس هوية المسلمين، وأصالتهم وتميزهم، ولذا فإنهم يحترمونه ويقدسونه كل حسب وعيه،  ومستواه الثقافي والاجتماعي. وقد غاب عن عقول السوسيولوجيين العرب الحداثيين، أن الدين الاسلامي آخر رسالة الى الانسان من ربه وخالقه. فلا رسالة بعدها ولا نبي بعد رسولنا محمد صلوات الله وسلامه عليه. ولو تأمل الحداثيون بعقل متجرد من الهوى، مسألة الإقبال العالمي على الاسلام والدخول فيه، والإعجاب بقيمه، وقوانينه الاجتماعية، والاقتصادية، والتربوية، وشمولية رؤيته وتصوره للحياة، لتصدعت وانهارت تلك الافكار والرؤى الحداثية لديهم، والتي وقعوا ضحيتها بسبب الاستغراب الناتج عن الانبهار بالحضاره الغربية.

ويقول السوسيولوجي محمد جسوس:

"إن من أهم أسباب بروز العقلانية تضاؤل المقدس داخل المجتمع، هذا هو الشرط الأول. والشرط الثاني هو بروز قوى جديدة لها قدرة على الاكتساح، لها مشروع طبقي أو مشروع حضاري بعيد المدى، تستعمل العقلانية كأداة للمزيد من تحطيم ما تبقى من النظم السابقة، ومن رواسب المقدس … كي تبني التاريخ كما تريده هي، لا التاريخ كما كان يؤدى إليه نوع من الطروحات التقليدية أو نوع من الطروحات التراثية. (…)
… هذه الاستمرارية للماضي ولرموز الماضي معناه أن المقدس كأرضية عليا، كمنطلق لازال له تواجد في العالم العربي يفوق بكثير ما حدث في المجتمعات الأوربية الغربية عامة، وهذا بالفعل، يشكل إحدى أهم العوائق البنيوية نحو تحول العقلانية من مجرد فكرة إلى حركة اجتماعية وإلى صيرورة تاريخية فعلية"[3].
يتضح من كلام محمد جسوس أن العقلانية لا تتزامن ولا تتعايش مع التراث والمقدس والدين، لأن شرط إقامتها وسيادتها يكمن في طرح ونبذ هذه المكونات الدينية والثقافية، وإحلال ثقافة الحداثة الغربية محلها. ومن هنا نستنتج عقلية الاستنساخ وضعف المرونة الفكرية لدى هؤلاء السوسيولوجيين، الذين أصروا على إقامة القطيعة النهائية مع الماضي والتراث الديني والثقافي، معتقدين أن بناء ثقافة جديدة ينبغي أن ينطلق من الصفر فيما يتعلق بالهوية الذاتية والحضارية الضاربة في جذور التاريخ، ويعتمد على استيراد نماذج ثقافية جاهزة من الغرب.

هكذا تشكل عملية “استمرارية الماضي” في واقع الحياة الاجتماعية والثقافية للمجتمعات الإسلامية، العامل الرئيس الذي يشد عربة التاريخ إلى الوراء في رأي العقلانيين المستغربين،  مما يجعلهم يستبعدون ـ رغم ما يبدونه من ترقب وانتظار تعلوه سمة من التفاؤل ـ “تضاؤل المقدس” وتراجعه داخل المجتمعات المعنية.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، جمادى الأولى 1439-يناير2018.

 

 

[1]- آفاق علم اجتماع عربي معاصر،د.أبو بكر أحمد باقادر ود.عبد القادر عرابي، دار الفكر،سوريا،2006، ص 155.


[2]- المرجع نفسه، ص: 143-144


[3]- ثورة العقلانية العربية واقع وآفاق، محمد جسوس، مجلة الوحدة عدد 51، دجنبر 1988، ص: 36-37

جواب عن أسئلة تُركية في التصوف

0

جواب عن أسئلة تركية في التصوف


بسم الله الرحمن الرحيم      تطوان 10 جمادى الأولى 1439/ 28 يناير 2018


أرسَل إلي في الأسبوع الماضي شاب مسلم تركي من أسرة التربية والتعليم أسئلة لها علاقة بالتصوف، فحررت، العبد المفتقر إلى الله، جوابا عنها مستعينا بالله العليم سبحانه.

 1- هل الأحوال والمقامات الروحية والإيمانية خاصة بأهل التصوف وحدهم؟

يخطئ كثير من المتصوفة المسلمين عندما يعتقدون أن الأحوال الروحية والمقامات السامية هي من نصيب الصوفية وحدهم، وأن من أراد الارتقاء في هذه الأحوال والمقامات، يلزمه الدخول في طريق القوم أي الصوفية. وهذا خطأ كبير ودعوى باطلة، تفتقر إلى الدليل القاطع والمقنع. ذلك أن التصوف منهج سلوكي وتربوي، لم يكن معروفا في القرنين الأولين، وإنما ظهر وانتشر في بداية القرن الثالث للهجرة. معنى هذا أن المسلمين من الصحابة والتابعين والذين أتوا من بعدهم، تحققوا بالمقامات الإيمانية والأحوال العظيمة من غير سلوك منهج التصوف.

ثم لما انتشر التصوف واستمر عبر القرون، لم يعم المسلمين جميعا، بل التاريخ الاسلامي يؤكد أن أغلبية المسلمين بدءا من القرن الثالث وإلى الآن لم يكونوا صوفية؛ رغم تكاثر وانتشار الطرق الصوفية في القرون المتأخرة. ومع ذلك فإن كثيرا منهم قد أكرمهم الله بالأحوال والمقامات الإيمانية الصحيحة،  والعلوم والمعارف. فالتصوف إذن، لا يعتبر شرطا لازما وضروريا لإصلاح النفس وتزكيتها، والترقي في الأحوال الروحية والإيمانية.

وقد كتب الإمام الفقيه الأصولي المحدث النظار، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى الشاطبي الغرناطي، صاحب كتاب “الموافقات” و”الاعتصام” ، المتوفى سنة 790، من غرناطة قاعدة الأندلس، إلى شيخ الصوفية في عصره أبي عبد الله محمد بن عباد النفزي، خطيب جامع القرويين في مدينة فاس، المتوفى سنة 792 رحمهما الله تعالى.
كتب إليه يسأله: هل على السالك إلى الله تعالى أن يتخذ لزاما شيخ طريقة وتربية يسلك على يديه؟ أم يسوغ له أن يكون سلوكه إلى الله تعالى من طريق التعلم والتلقي من أهل العلم دون أن يكون له شيخ طريقة؟. فكتب إليه الشيخ ابن عباد، كما في كتابه “الرسائل الصغرى” ص 106 وما بعدها وص 125 وما بعدها: "الشيخ المرجوع إليه في السلوك ينقسم إلى قسمين: شيخ تعليم وتربية، وشيخ تعليم بلا تربية.
فشيخ التربية ليس ضروريا لكل سالك، وإنما يحتاج إليه من فيه بلادة ذهن واستعصاء نفس. وأما من كان وافر العقل منقاد النفس، فليس بلازم في حقه، وتقيده به من باب الأولى. وأما شيخ التعليم فهو لازم لكل سالك.
أما كون شيخ التربية لازما لمن ذكرناه من السالكين فظاهر، لأن حجب أنفسهم كثيفة جدا، ولا يستقل برفعها وإماطتها إلا الشيخ المربي، وهم بمنزلة من به علل مزمنة، وأدواء معضلة من مرض الأبدان، فإنهم لا محالة يحتاجون إلى طبيب ماهر يعالج عللهم بالأدوية القاهرة.
وأما عدم لزوم الشيخ المربي لمن كان وافر العقل منقاد النفس، فلأن وفور عقله وانقياد نفسه يغنيانه عنه، فيستقيم له من العمل بما يلقيه إليه شيخ التعليم ما لا يستقيم لغيره. وهو واصل بإذن الله تعالى، ولا يخاف عليه ضرر يقع له في طريق السلوك إذا قصده من وجهه، وأتاه من بابه.
واعتماد شيخ التربية هو طريق الأئمة المتأخرين من الصوفية، واعتماد شيخ التعليم هو طريق الأوائل منهم. ويظهر هذا من كتب كثير من مصنفيهم، كالحارث المحاسبي، وأبي طالب المكي، وغيرهما، من قبل أنهم لم ينصوا على شيخ التربية في كتبهم على الوجه الذي ذكره أئمة المتأخرين، مع أنهم ذكروا أصول علوم القوم وفروعها، وسوابقها ولواحقها، لا سيما الشيخ أبو طالب، فعدم ذكرهم له دليل على عدم شرطيته ولزومه في طريق السلوك. وهذه هي الطريقة السابلة أي؛ المسلوكة، التي انتهجتها أكثر السالكين، أشبه بحال السلف الأقدمين، إذ لم ينقل عنهم أنهم اتخذوا شيوخ التربية، وتقيدوا بهم والتزموا معهم ما يلتزمه التلامذة مع الشيوخ المربين، وإنما كان حالهم اقتباس العلوم، واستصلاح الأحوال بطريق الصحبة والمؤاخاة بعضهم لبعض".

لا يسع الباحث الموضوعي إلا أن ينوه بالنزاهة العلمية، والموضوعية التامة لهذا العالم الجليل محمد بن عباد النفزي رحمه الله، حيث لم تمنعه مشيخته الصوفية من ترجيح كفة شيخ التعليم، والانتصار للعلم والفقه، ومنح الأولوية والأسبقية لهما، في حين جعل دائرة شيخ التربية أو شيخ الطريقة ضعيفة جدا، لا تضم إلا "من فيه بلادة ذهن واستعصاء نفس".
فتأمل معي أيها القارئ الفطن، واستعمل ذهنك الثاقب، وانظر كيف كان علماء القرون الماضية من أصحاب الذوق الصوفي النقي يفهمون التصوف، ويقيدونه بالشريعة، ويضبطون قواعده بضوابط الكتاب والسنة، حتى تذوب ماهية التصوف في ماهية الإسلام، وتتلاشى علامات التمييز، ويبقى الحق هو ما جاء به القرآن وكلام الحبيب المصطفى صلوات الله وسلامه عليه. لكن خلف من بعدهم خلف انحرفوا عن هذا النهج القويم، وجعلوا شيخ التربية أو شيخ الطريقة أولى من شيخ التعليم.

2- إذا كان التصوف يعتبر باطلا، فكيف يرتقي أصحابه في المقامات والأحوال الإيمانية، وتحصل لهم الكرامات والإلهامات والإشراقات...؟

إذا كان المتصوف الذي يمارس التصوف على طريقة الأوائل من الزهاد والصوفية المجتهدين، الذين اجتهدوا في عبادتهم وسلوكهم معتمدين على الكتاب والسنة، من أمثال الفضيل بن عياض، والحارث المحاسبي وغيرهما، ولم يبتدعوا المنهج الصوفي القائم على تقديس الشيوخ أحياء وأمواتا، وقراءة الأوراد والأذكار المليئة بالانحرافات العقدية، والإيمان بالخرافات والأكاذيب التي تصدر عن الشيوخ الطرقيين..الخ. أقول: إذا كان المتصوف مجتنبا لكل هذه الضلالات والانحرافات التي انتشرت بين المسلمين، عبر القرون وإلى يوم الناس هذا، فإنه قد يتسنى له الفوز والظفر بالأحوال الايمانية الرفيعة، علما بأنه يلام عليه كونه يعلن عن تصوفه و يفتخر به، فيعرف بين الناس بأنه صوفي، لأن شهرته بين المسلمين قد تفضي به إلى الرياء والعجب، أو تجعله يميل إلى معاشرة الصوفية دون غيرهم من المسلمين، أو ينتقص من قدر وشأن إخوانه المسلمين الذين ليسوا على مذهب التصوف. بل كثير منهم يذهب إلى القول بأن "من لا شيخ له فالشيطان شيخه"، إلى غير ذلك من الأخطاء التي وقع فيها الصوفية المبتدعة.

أما المتصوف المبتدع، الذي يتبع ويمارس تلك الأكاذيب والخرافات، والانحرافات السلوكية والعقدية، المنتشرة في كل الطرق الصوفية القديمة والمعاصرة، ثم هو يدعي الترقي في الأحوال والمقامات الروحية والإيمانية، و يشعر بالطمأنينة والمتعة الباطنية، فهذا شيء طبيعي يجده الإنسان في نفسه، يعني أن الأحوال الروحية اوالباطنية الممتعة، ليست من نصيب المسلمين وحدهم، وإنما هي من نصيب أتباع كل الملل من اليهود، والنصارى، والبوذيين، وغيرهم من أصحاب العقائد الوثنية، حيث أنهم يشعرون، كلما تمسكوا بعقيدتهم الباطلة، بحالات روحية راقية وممتعة. وهذا أمر يعتبر من الحقائق والمعطيات العلمية التي أثبتتها وأكدتها الدراسات والأبحاث النفسية قديما وحديثا.

وكما أن لممارسة الحق ثمرة إيمانية وروحية، كذلك توجد لممارسة الباطل والهوى ثمرة روحية ونفسية، يشعر بها أهل الباطل، ومن خلالها يحسبون أنهم يحسنون صنعا، أو أنهم أهل النجاة والنعيم في الدنيا والآخرة. قال تعالى:" أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ "(الجاثية 23)؛ فالهوى إله عند أهل الباطل يعبد، وكل عبادة صادقة ولو كانت باطلة ومنحرفة وضالة، تعقبها لذة روحية مناسبة لها، ويعرف أصحابها أحوالا روحية ممتعة، ولله في خلقه شؤون.

والخلاصة أن الصوفي  الطرقي، القبوري، المبتدع والمنحرف المسلم، قد يشعر بالحالات الروحية والوجدانية الممتعة، لكن هناك فرق جوهري بين هذه الحالات، وتلك التي هي ثمرة اتباع هدي الرسول صلى الله عليه وسلم، والتي يحياها ويشعر بها المسلمون المتقون المتبعون للسنة النبوية الصحيحة. فالأحوال الروحية الإيمانية التي نجدها عند هؤلاء المسلمين المتقين، يشهد لها ولصحتها و سلامتها، العقل والنقل. بينما الأحوال الروحية الإيمانية التي تعرف عند الصوفية المسلمين من المبتدعة المنحرفين، لا يشهد على صحتها وسلامتها عقل ولا نقل، وإنما هي حالات أو أحوال روحية وجدانية، استغرقت كيان صاحبها، حتى حالت بينه وبين نور العقل والنقل.

 

3- كيف يمكن للمؤمن أن يرتقي في الأحوال والمقامات الإيمانية؟

إننا معشر المسلمين كثيرا ما نعاني ضعفا كبيرا في ما يتعلق بحلاوة الايمان وحرارة الوجدان والروح. ولهذا السبب، حثنا الشرع الحكيم، بل أوجب علينا تزكية النفس ومجاهدتها، من خلال مراقبتها ومحاسبتها، والإكثار من الذكر والطاعات، وأعمال الخير والقربات، وقراءة القرآن والتدبر في آيات الكون والوعد والوعيد... إلخ. وبعد القيام بهذه الأعمال والقربات، يرتفع منسوب ومستوى الإيمان  في باطن المسلم وقلبه، فتغمره السكينة والطمأنينة، ثم يرتقي في الأحوال والمقامات الروحية والايمانية. وليس هناك أجمل وأعظم وأسمى وأصح، من الحالات الروحية والإيمانية التي عرفها وحظي بها الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم، وخلق  عظيم من العلماء والعباد والزهاد والدعاة وغيرهم من المسلمين المتقين، على مر العصور والأزمان. قال رسولنا صلى الله عليه وسلم:"ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا" (رواه مسلم). إن الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، لم يظفروا بذلك الكنز الروحي والايماني، إلا بعد اتباع أوامر ووصايا وحِكمِ الكتاب والسنة، والالتزام بالمنهج النبوي الصحيح. إن تلك الحالات الروحية السامية التي صحبتهم طوال حياتهم، هي ثمرة الإيمان العميق المتجدد، وثمرة العمل الصالح المسدد، والخالص لوجه الله، والمنضبط بالكتاب والسنة. وقد أكرم الله كثيرا منهم بالكرامات، وألهمهم الحكمة والسداد في القول والعمل، ويسر لهم طريق العلم والتقوى، فكانوا هداة مهتدين ربانيين، يقصدهم طلاب العلم والتربية، وكل المسلمين الراغبين في التعلم وتزكية النفس.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، جامعة عبد المالك السعدي، تطوان، المملكة المغربية.

الملحمة المنتكسة

0

الملحمة المنتكسة


بلدي الغيور الشهم الأبي، أرى وجهك قد علته مسحة من الحزن والكآبة، واشتعل رأسك شيبا بسبب المعاناة المتراكمة والنكسات المتتالية، وانهد بدنك وأنت في ريعان شبابك.

في زمن الاستعمار وقبيل الاستقلال، كان آباؤنا وأجدادنا يرتقبون طلوع فجر الحرية والانعتاق، وفدوك، بلدي الغيور، بأرواحهم، بعد أن قاوموا سنوات بل عقودا كي يطردوا المستعمر الظالم الغاشم...ثم كانت الملحمة التاريخية؛ ملحمة العزة والنصر والاستقلال. وتنفس المغاربة الصعداء، وضمدوا جراحاتهم، وعانقوا تباشير عهد جديد.

وبعد مرور عقد أو عقدين على الاستقلال، تبين للمغاربة الغيورين على دينهم وهويتهم وتاريخهم، أن الملحمة انتكست وأن الآمال تحولت إلى سراب في بيداء يباب.

لن أدخل معك بلدي العزيز الشهم الأبي في تفاصيل انتكاسة الملحمة، وما أظنك تجهلها، لكنني مع ذلك سأشير باختصار، إلى مشهدين من مشاهدها.

إن النخبة السياسية التي تصدرت المشهد السياسي عقب الاستقلال والمتمثلة في حزب الاستقلال، قد رفعت شعار الإصلاح والبناء، والعمل على تحقيق تنمية شاملة للبلاد. وتشهد على ذلك خطابات الحزب ومؤتمراته، ونشر مبادئه وأهدافه على صفحات جريدة العلم. وكذلك الإنجازات الكثيرة في المجالات الاجتماعية والثقافية والتربوية وغيرها. إلا أنه، مع مرور الزمن، بدأت الفجوة تتسع بين النخبة السياسية وبين شرائح المجتمع، وذلك بسبب الميولات البورجوازية لدى النخبة من جهة، ومن جهة أخرى تبعيتها للغرب ودورانها في فلك التغريب، مما أدى إلى إجهاض آمال المغاربة.

وإلى جانب الكتلة الاستقلالية، كانت كتلة سياسية أخرى تترعرع، لكنها اختارت الاتجاه الاشتراكي متأثرة بكارل ماركس، ولينين، وشيغيفارا، وغيرهم من أصحاب الحلم الاشتراكي والشيوعي. بيد أن هذه الكتلة لم يكن لها أثر كبير في الشعب المغربي، لكونها اعتبرت انسلاخ المغاربة من دينهم وهويتهم، واقتدائهم بروسيا شرط أساسي في اليقظة والتقدم، فكان الفشل الذريع حليفها. ورغم وصول هذه الكتلة هي الأخرى إلى المسرح السياسي، فإنها ما زالت تتخبط خبط عشواء، كما بذرت فيها بذرة البورجوازية والانتهازية والمصالح الشخصية، وأصبحت هي وغريمتها الاستقلالية على قدم وساق.

أما الكتلة السياسية الجديدة؛ كتلة حزب العدالة والتنمية، فإنها بعد أن ظفرت بكرسي الحكومة، لم تقدم شيئا مما وعدت به من الإنجازات الاجتماعية والاقتصادية والتربوية، وبقيت دار لقمان على حالها. كما ظل برنامج الإصلاح والتغيير، الذي طالما نوهت به قبيل الانتخابات، حبرا على ورق. وهكذا ذهبت الوعود أدراج الرياح، وتبين للشعب المغربي أن سياسات الحكومات المتعاقبة متماثلة من حيث الأهداف والممارسة، وإن اختلفت من حيث الخطابات والتوجهات الأيديولوجية.

ومن ناحية التربية والتعليم، فقد اختار المسؤولون المستغربون في الحكومات المتعاقبة منهج التقليد والتبعية، وطفقوا يستوردون من الغرب المناهج والطرق والاساليب التربوية الجاهزة، التي نتج عنها بعد تطبيقها وتنزيلها، ما لا يعد ويحصى من الكوارث والمصائب المتعلقة بمجال التربية والتعليم. ولعل من الدواهي المدهية والنوائب المبكية التي ما فتئت تنخر في جسد هذا المجال الحيوي؛ داهيتا الازدواجية اللغوية والفرنكفونية، وذلك  من حيث  أثرهما السلبي في المنظومة التربوية، وفي شخصية المتعلم وهويته، وفي ثوابته وقيمه الدينية والحضارية.

إن مما هو بديهي عند العلماء واللغويين منهم خاصة، أن اللغة والثقافة في التحام دائم، ويشكلان وجهين لموضوع واحد، ذلك أن اللغة ليست وسيلة للتواصل فحسب وإنما هي أيضا ناقلة للثقافة التي تنتمي إليها. أو بعبارة أخرى؛ فإن اللغة ليست مجرد وسيلة لنقل الأفكار فحسب، وإنما هي ذات ارتباط وثيق بالأفكار التي تنقلها، وذات تأثير فيها وتأثر بها. كما أن اللغة تؤثر في الشخص الذي يتحدث بها ويمارسها تأثيرا لا حد له، يمتد إلى تفكيره وإرادته وعواطفه وتصوراته وإلى أعماقه النفسية، وإن جميع تصرفاته تصبح مشروطة بهذا التأثير ومتكيفة به.

وبما أن طابع الثقافة الفرنسية علماني ومادي، فإن الأخلاق والقيم الاجتماعية السائدة في فرنسا، هي من جنس تلك الثقافة. فالإباحية والانحلال الخلقي، وما أشبه ذلك، تبدو عند الفرنسي أمورا عادية، بل ربما عبرت عن الحرية في أسمى معانيها. ولما كانت اللغة الفرنسية وعاء لثقافة مليئة بالمظاهر اللأخلاقية، لم يكن غريبا أن تكثر فيها الكلمات والألفاظ والأمثال والمعاني الساقطة، وكفى بأدبها، شعرا ونثرا ، دليلا على ذلك. ومن هنا فإن مؤلفي الكتاب المدرسي لمادة الفرنسية، انساقوا مع تيار الثقافة الفرنسية، واستعذبوا كثيرا من النصوص رغم مضمونها اللأخلاقي.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين تطوان المغرب، ربيع الثاني 1439- يناير 2018.

ضيعنـا الربـاط

0

ضيعنـا الربـاط



ضيعنا الرباط



تأملت أحوال المسلمين من زاوية الرباط والمرابطة، فوجدت أغلبهم مرابطين على على أمور دنيوية مختلفة؛ فمنهم المرابطون على التجارة، ومنهم المرابطون على السياسة، ومنهم المرابطون على الدراسة للحصول على دنيا، ومنهم المرابطون على صناعة أو فن من الفنون، ومنهم المرابطون على الكتابة والتأليف والتحرير وهدف معظمهم الكسب أو حظوظ النفس، ومنهم المرابطون على وظائفهم وأعمالهم في مختلف القطاعات، وقلَّ فيهم من يقوم بواجبه ويخلص في عمله، ومنهم المرابطون في المقاهي وأندية اللهو...، ومنهم المرابطون على الجهل والغفلة واتباع الهوى والشهوات، ومنهم المرابطون على الفساد والإفساد وهم فئتان:


فئة متخصصة في الفساد والإفساد؛ أي الرباط على ذلك كأصحاب الحانات والنوادي الليلية الماجنة، والجواسيس ومن على شاكلتهم من الظلمَة، ومن نذر نفسه من أدعياء الثقافة الحداثية والعلمانية، على الطعن في الدين وثوابت الأمة الإسلامية، فهم أيضا مرابطون ومقيمون على هذا الشر والإثم العظيم.

وفئة غير متخصصة في الفساد والإفساد، لكنها قد تمارسة من خلال أعمالها ووظائفها عن وعي وإرادة، أو عن غير وعي. ويندرج تحت  هذه الفئة كل المرابطين المذكورين آنفا. لكن، ماهو الرباط المُضيَّع؛ أي الذي ضيعناه؟

إنه رباط الصلاة، قال رسول الله ﷺ : " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات؟" قالوا: بلى. يا رسول الله! قال: "إسباغ الوضوء على المَكَارِه، وكثرة الخُطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعدَ الصلاة، فذلكم الرباط" (رواه مسلم).

فما أكثر المسلمين الذين ضيعوا صلاتهم، ولم يرابطوا عليها، ورابطوا على سواهما من أنواع الرُّبُط، ثم لابد للإنسان أن يكون مرابطا؛ فإما أن يرابط على الحق، أو يرابط على الباطل. وعند كشف الغطاء تبدو له حقيقة رباطه، فيسعد أو يشقى.

د.عبد الله الشارف كلية أصول الدين، تطـوان- المغرب/ ربيع الثاني 1439- يناير 2018