التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الملحمة المنتكسة

الملحمة المنتكسة


بلدي الغيور الشهم الأبي، أرى وجهك قد علته مسحة من الحزن والكآبة، واشتعل رأسك شيبا بسبب المعاناة المتراكمة والنكسات المتتالية، وانهد بدنك وأنت في ريعان شبابك.

في زمن الاستعمار وقبيل الاستقلال، كان آباؤنا وأجدادنا يرتقبون طلوع فجر الحرية والانعتاق، وفدوك، بلدي الغيور، بأرواحهم، بعد أن قاوموا سنوات بل عقودا كي يطردوا المستعمر الظالم الغاشم...ثم كانت الملحمة التاريخية؛ ملحمة العزة والنصر والاستقلال. وتنفس المغاربة الصعداء، وضمدوا جراحاتهم، وعانقوا تباشير عهد جديد.

وبعد مرور عقد أو عقدين على الاستقلال، تبين للمغاربة الغيورين على دينهم وهويتهم وتاريخهم، أن الملحمة انتكست وأن الآمال تحولت إلى سراب في بيداء يباب.

لن أدخل معك بلدي العزيز الشهم الأبي في تفاصيل انتكاسة الملحمة، وما أظنك تجهلها، لكنني مع ذلك سأشير باختصار، إلى مشهدين من مشاهدها.

إن النخبة السياسية التي تصدرت المشهد السياسي عقب الاستقلال والمتمثلة في حزب الاستقلال، قد رفعت شعار الإصلاح والبناء، والعمل على تحقيق تنمية شاملة للبلاد. وتشهد على ذلك خطابات الحزب ومؤتمراته، ونشر مبادئه وأهدافه على صفحات جريدة العلم. وكذلك الإنجازات الكثيرة في المجالات الاجتماعية والثقافية والتربوية وغيرها. إلا أنه، مع مرور الزمن، بدأت الفجوة تتسع بين النخبة السياسية وبين شرائح المجتمع، وذلك بسبب الميولات البورجوازية لدى النخبة من جهة، ومن جهة أخرى تبعيتها للغرب ودورانها في فلك التغريب، مما أدى إلى إجهاض آمال المغاربة.

وإلى جانب الكتلة الاستقلالية، كانت كتلة سياسية أخرى تترعرع، لكنها اختارت الاتجاه الاشتراكي متأثرة بكارل ماركس، ولينين، وشيغيفارا، وغيرهم من أصحاب الحلم الاشتراكي والشيوعي. بيد أن هذه الكتلة لم يكن لها أثر كبير في الشعب المغربي، لكونها اعتبرت انسلاخ المغاربة من دينهم وهويتهم، واقتدائهم بروسيا شرط أساسي في اليقظة والتقدم، فكان الفشل الذريع حليفها. ورغم وصول هذه الكتلة هي الأخرى إلى المسرح السياسي، فإنها ما زالت تتخبط خبط عشواء، كما بذرت فيها بذرة البورجوازية والانتهازية والمصالح الشخصية، وأصبحت هي وغريمتها الاستقلالية على قدم وساق.

أما الكتلة السياسية الجديدة؛ كتلة حزب العدالة والتنمية، فإنها بعد أن ظفرت بكرسي الحكومة، لم تقدم شيئا مما وعدت به من الإنجازات الاجتماعية والاقتصادية والتربوية، وبقيت دار لقمان على حالها. كما ظل برنامج الإصلاح والتغيير، الذي طالما نوهت به قبيل الانتخابات، حبرا على ورق. وهكذا ذهبت الوعود أدراج الرياح، وتبين للشعب المغربي أن سياسات الحكومات المتعاقبة متماثلة من حيث الأهداف والممارسة، وإن اختلفت من حيث الخطابات والتوجهات الأيديولوجية.

ومن ناحية التربية والتعليم، فقد اختار المسؤولون المستغربون في الحكومات المتعاقبة منهج التقليد والتبعية، وطفقوا يستوردون من الغرب المناهج والطرق والاساليب التربوية الجاهزة، التي نتج عنها بعد تطبيقها وتنزيلها، ما لا يعد ويحصى من الكوارث والمصائب المتعلقة بمجال التربية والتعليم. ولعل من الدواهي المدهية والنوائب المبكية التي ما فتئت تنخر في جسد هذا المجال الحيوي؛ داهيتا الازدواجية اللغوية والفرنكفونية، وذلك  من حيث  أثرهما السلبي في المنظومة التربوية، وفي شخصية المتعلم وهويته، وفي ثوابته وقيمه الدينية والحضارية.

إن مما هو بديهي عند العلماء واللغويين منهم خاصة، أن اللغة والثقافة في التحام دائم، ويشكلان وجهين لموضوع واحد، ذلك أن اللغة ليست وسيلة للتواصل فحسب وإنما هي أيضا ناقلة للثقافة التي تنتمي إليها. أو بعبارة أخرى؛ فإن اللغة ليست مجرد وسيلة لنقل الأفكار فحسب، وإنما هي ذات ارتباط وثيق بالأفكار التي تنقلها، وذات تأثير فيها وتأثر بها. كما أن اللغة تؤثر في الشخص الذي يتحدث بها ويمارسها تأثيرا لا حد له، يمتد إلى تفكيره وإرادته وعواطفه وتصوراته وإلى أعماقه النفسية، وإن جميع تصرفاته تصبح مشروطة بهذا التأثير ومتكيفة به.

وبما أن طابع الثقافة الفرنسية علماني ومادي، فإن الأخلاق والقيم الاجتماعية السائدة في فرنسا، هي من جنس تلك الثقافة. فالإباحية والانحلال الخلقي، وما أشبه ذلك، تبدو عند الفرنسي أمورا عادية، بل ربما عبرت عن الحرية في أسمى معانيها. ولما كانت اللغة الفرنسية وعاء لثقافة مليئة بالمظاهر اللأخلاقية، لم يكن غريبا أن تكثر فيها الكلمات والألفاظ والأمثال والمعاني الساقطة، وكفى بأدبها، شعرا ونثرا ، دليلا على ذلك. ومن هنا فإن مؤلفي الكتاب المدرسي لمادة الفرنسية، انساقوا مع تيار الثقافة الفرنسية، واستعذبوا كثيرا من النصوص رغم مضمونها اللأخلاقي.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين تطوان المغرب، ربيع الثاني 1439- يناير 2018.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وتباشيره. ومما لا ش…

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954.
الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016).
المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازنـة بيـن شيخ العلـم وشيخ التربيـة : سنة 2007. 5- تجـربتـي الصوفيــة …

لماذا تركت التصوف ؟

إن السنوات السبع التي كنت أحياها متصوفا، أثناء دراستي الجامعية في باريس، كانت سنوات صعبة من حيث الوضع النفسي والاجتماعي. فقد كنت غريبا دينيا واجتماعيا وثقافيا؛ أي أن مجتمع الإقامة الفرنسي، يختلف عن مجتمعي المغربي المسلم اختلافا جذريا. فكنت إذن أمام خيارين: خيار الانصهار والذوبان في مجتمع الغربة، وخيار العزلة والانطواء على الذات أو الهروب. فاخترت الثاني. ومن هنا تجلى لي التصوف كأحسن طريق لممارسة هذا الخيار والمحافظة عليه. وهذا الكلام مبسوط في مطلع "تجربتي الصوفية"، انظر charefab.com

ولما أنهيت دراستي الجامعية، ورجعت إلى وطني العزيز، وانخرطت في سلك التدريس بكلية أصول الدين، التحم كياني النفسي والعقلي من جديد بالفضاء الديني والاجتماعي والثقافي المغربي. فصرت كأنني أكتشف نفسي أو أتعرف على كائن غاب عني وانقطعت صلتي به !!

وهكذا في خضم الحياة الأسرية والاجتماعية، والأنشطة الجامعية والثقافية، بدأت تتلاشى الخيوط العنكبوتية الصوفية التي نسجتها حول نفسي في ديار الغربة والمهجر.

وبعبارة أخرى، لما انعدمت أو ارتفعت الأسباب التي دعتني إلى التصوف، حلت محلها العوامل الموجبة لهجره والتحلل منه. وفي…