الكافر لا عقل له

0

الكافر لا عقل له


بينما كنت أقرأ القرآن إذا استوقفني قول الله تعالى: "وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ" (الملك:10)  

فقلت سبحان الله: الكافر يعترف يوم القيامة بعدم امتلاكه للعقل. ثم بدأت أنظر في الآيات المتعلقة بهذا السياق، فوجدتها كثيرة منها قوله تعالى: "تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ " (الحشر:14). وقوله عز وجل: "أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا" (الفرقان:44). وقوله سبحانه: "وَإِذَا نَادَيْتُمُ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُؤا وَلَعِبًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ" (المائدة:60).
إن هذه الآيات ونظائرها، تشير إلى أن الله عرّى الكافر من العقل؛ أي جرّده منه، إذ لو كان عاقلا لآمن واتبع الهدى، وهذا مقياس وحقيقة، وجوهر العقل والتعقل، في القرآن. أما مقياسه وجوهره فيما سوى ذلك؛ فهو الضلال المبين. فهل يعتبر لينين، أوستالين، أو هتلر، أو بوش، أو ترامب وغيرهم من أهل الكفر والضلال والافساد، عُقلاء ؟ 
وروي عن النبي ﷺ أن رجلا قال: يا رسول الله، ما أعقل فلاناً النصراني فقال: «مَهْ إنّ الكافر لا عقل له أما سمعت قول الله تعالى: "وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِىۤ أَصْحَـٰبِ ٱلسَّعِيرِ"»، وفي حديث ابن عمر: فزجره النبي ﷺ، ثم قال: «مَهْ فإن العاقل من يعمل بطاعة الله» (ذكره الترمذي الحكيم أبو عبد الله بإسناده).
والغريب أن الفلسفات بدءا من فيتاغورس، ومرورا بأفلاطون وأرسطو... و هيجل وهيدجر وكل فلاسفة العقل، كانوا ولا يزالون يخبطون خبط عشواء، حتى أنكرو وجود الإله، بل أعلنوا موته ( فريدريك نيتشه)، ثم قالوا بموت الإنسان (ميشيل فوكو)... وقال إميل دوركايم بالعقل الجمعي، ثم قال ليفي ستراوس بالعقل البنيوي، وقال آخرون بالعقل الأداتي، والعقل الالكتروني،والعقل الافتراضي. وكل واحد منهم يدّعي وصلاً بليلى، وليلى لاتُقر لهم بوصل.
وبين الذكاء والعقل خصوص وعموم؛ فليس كل ذكي عاقلا بينما كل عاقل ذكي. كما أن الذكاء مشترك بين كثير من الحيوانات والإنسان الكافر، بينما العقل يختص به الإنسان المسلم الصالح.
ومن ناحية أخرى، لا ينبغي الخلط بين العقل والذكاء؛ إن الغربيين المعاصرين أذكياء، لأنهم اخترعوا وكتبوا في العلوم  والمعارف، وصنعوا الحضارة المادية، لكنهم ليسوا عقلاء لكونهم كفروا بالله، وظلموا وفسدوا في الأرض، و حاربوا المؤمنين، فليس لهم من العقل مثقال ذرة، بل لا إرادة لهم، لأنهم مَسُوقين من قبل الشياطين، قال الله تعالى: " أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا" (مريم:83) 
لقد سَوَّدَ الفلاسفة، والمناطقة، والملاحدة، والحداثيون آلاف الصفحات، متحدثين عن العقل، فلم يحيطوا به، بل لم يتفقوا على تعريف واحد له، فاللاحق منهم ينتقد السابق، ويسفه عقله ويجرده منه.
والمدرسة العقلية والعقلانية، كان لها صولات وجولات، ثم اضمحلت باغتراب العقل أو موته.
والخلاصة أن العاقل هو المؤمن الصالح الذي يأتمر بأوامر الله، ويجتنب نواهيه و يسعى في خير ومصلحة العباد.

 

د.عبد الله الشارف، كلية أصول الدين تطوان، رجب الخير1439/ مارس 2018.

مسلم يشكو قسوة قلبه

1

مسلم يشكو قسوة قلبه


ذات يوم من الأيام، لقيني أحد الأساتذة الأصدقاء، فكان الحديث بيننا ذو شجون. وبينما نحن نتنعم بحلاوة الكلام ولطافته، إذ باغتني بقوله: "إنني يا صديقي، أعاني قساوة القلب، حيث يستثقل قلبي العبادة والطاعة لله، وأشعر بافتقار شديد إلى الحد الأدنى من الرغبة الضرورية للإقبال على خالقي. فهل من نصيحة تنصحني بها؟ " فنصحته معتمدا على الكتاب والسنة وأخبار بعض الصالحين والعباد من السلف الصالح. وخطر ببالي وقتئذ أن أحرر مقالا في الموضوع أو النازلة. ومرت شهور بل سنوات، إلى أن من الله علي، بعدما تنفس صبح هذا اليوم المبارك، بتحرير الخاطر وإنجاز الوعد.

إن الانسان عندما يصاب بمرض ما فإنه يبادر باستعمال الدواء، وإذا كان قلقا نفسيا لسبب مادي أو معنوي، تجده يفكر ويبذل قصارى جهده للتخلص من ذلك القلق. وإذا كان عازما على اجتياز امتحان معين، أو المشاركة في مباراة التوظيف، فإنه يستعد لذلك ويقوي رغبته وهمته.
إن العامل المشترك من وراء هذه المواقف الثلاثة هو الخوف، أي خوف الإنسان على نفسه الهلاك أو الموت، في حالتي المرض ومعاناة القلق، وخوفه من الرسوب في حالة الامتحان أو التوظيف. فالشعور بالخوف هو الذي يحفز ذلك الإنسان، ويدفعه للتفكير والبحث في الوسائل والطرق المؤدية إلى التخلص من معاناة المرض، أو النجاح في الامتحان أو مباراة التوظيف. وإذا انعدم الخوف، أهمل الإنسان المرض إلى أن يهلك أو يموت، أو قصر في الاستعداد للامتحان والمباراة، فتضيع فرصة النجاح.
إن عنصر الخوف أمر ضروري وأساسي في مثل هذه الحالات أو ما يشبهها، وإلا لفسدت الحياة ولأصابها اختلال واضطراب، وهو ما يلاحظ كثيرا في المجتمعات التي يسود فيها الظلم والجهل والفساد.
وشاء الله الحكيم الرحيم، أن ينبعث منبه الخوف في كيان الإنسان، عندما تعتريه تلك الأحوال المذكورة وغيرها مما ينتظم في سلكها. بيد أن هناك حالا عظيما وخطيرا، يهيمن على الإنسان وقد يفتك به، ومع ذلك لايشعر صاحبه بالخوف منه. إنه حال أو مرض الغفلة والإعراض عن الله، إنها قسوة القلب (موضوع النازلة). هذا المرض الخطير الذي استفحل وانتشر بين المسلمين وأتى على الأخضر واليابس.
إن المسلم الغافل عن عبادة الله، وعن القيام بواجباته ومسؤولياته، أي المقصر في حقوق الله وحقوق عباده، قد تجده يحسن الظن بنفسه وبربه، في حين أنه بعيد عن خالقه بسبب غفلته وقساوة قلبه، وإن صلى، وصام، وحج واعتمر. وبما أنه لا يشعر بالخوف مما هو فيه من الرعونة والغفلة، وعصيان الخالق وقساوة القلب، فلا يرجى شفاؤه وتوبته إلا أن يشاء الله، فيتداركه برحمته.
إن الخوف ينبعث تلقائيا في باطن الإنسان، عندما يتعلق الأمر بالأحوال والأعراض التي أشرت إليها آنفا. أما فيما يخص مرض الغفلة والإعراض عن الله سبحانه، فإن منبه الخوف غالبا ما يكون غائبا عن قلب المسلم، ولذا تجد أكثر الناس غافلين معرضين كما أخبرنا القرآن الكريم.
فالخوف الأول تلقائي وطبيعي، يداهم الإنسان المصاب ويزعجه وينبهه، فتجده يبحث عن
الدواء في حال المرض الجسدي، أو يفكر في طرق التخلص من معاناة القلق وغيره، مما هو نفسي، والبحث عن السبل المؤدية إلى النجاح في أمر ما، أو التغلب على مشكلة من المشاكل.. إلخ.
أما الخوف من الله المؤدي إلى التوبة، واجتناب الغفلة، وسلوك الصراط المستقيم، فلا سبيل للظفر به واستحضاره، إلا بمجاهدة النفس من خلال اتباع أوامر الله، واجتناب نواهيه والتسنن بسنة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه، ولزوم الذكر والمراقبة والمحاسبة والمرابطة، وغيرها من الوسائل الإيمانية التي تجلب التقوى والإنابة إلى الله.
ولو قدر للإنسان أن يرى النار بأم عينيه، ويشاهد الغافلين والعصاة من الناس يعذبون فيها، لامتلأ قلبه خوفا من عذاب الله وبطشه، ولأناب إليه وعبده حق عبادته.
ولما كان هذا الأمر متعذرا بل مستحيلا، لأن النار غيب والجنة غيب، جعل الله عز وجل للمسلم وسيلة الذكر، والتفكر،والتدبر، لاستحضار الغيب في القلب، كي ينبعث منه الخوف. فعين الإنسان في الدنيا لا ترى الغيب، ابتلاء من الله، لكن عين قلبه تراه إذا كان هذا الإنسان مسلما، واجتهد في جلب الخوف إلى قلبه من خلال الذكر والتفكر؛ قال تعالى :"الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض" (آل عمران 191).
إن الخوف المطلوب إذن، ليس خوف إقرار واعتراف، أي أن يقول المسلم بلسانه؛ أنا أقر وأومن بعذاب جهنم، وأخشى الوقوع فيه. وإنما المطلوب هو الخوف المزعج المقلق، أو خوف الذوق والممارسة الذي يملأ قلب صاحبه، حتى يغدو كأنه ينظر بعينيه إلى الجنة والنار.
إن المسلم الغافل عن الله، يخاف خوف الإقرار والاعتراف، وهو خوف لا أثر له في قلبه وسلوكه، إنما مجرد إيمان واعتقاد بارد لا روح فيه، وهذا لا ينفع صاحبه.
إن الله من خلال آيات الوعيد التي تتحدث عن هول القيامة، والمحشر وعذاب النار، يخوفنا بالعقاب لنخوف أنفسنا. فالمقصد من الوعيد؛ هو إحداث الخوف في القلب لتحصل الإنابة، ولا وسيلة لإحداث هذا الخوف إلا التخويف. والتخويف آلية أو عملية نفسية إرادية، يمارسها المسلم بالذكر، والتفكر، والتدبر، ومجاهدة النفس ومحاسبتها، ومراقبتها، وهو ما يعبر عنه القرآن بتزكية النفس، "قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها" (الشمس 9-10).
إن الخوف المزعج والمقلق شرط لازم لحصول التوبة والإنابة، وهو الغاية من تكرار آيات الوعيد في القرآن الكريم، كما أن هذا الخوف هو الذي عبر عنه الصحابة والتابعون وغيرهم من الأتقياء، ببكائهم عند قراءة القرآن، وبخشيتهم وتعظيمهم لأوامر الله ونواهيه.
إن المسلم مأمور بتخويف نفسه كي ينقذها من النار، بل التخويف واجب عليه وفرض عين. وعندما يتكلف المسلم الصادق التخويف، ويستعمل أسبابه، ويمارسه بصدق وإخلاص، يمن الله عليه بالخوف المطلوب، فتقوى حرارته في قلبه، ويحصل خشوع القلب والجوارح، ثم ينشط للعبادة والذكر والمناجاة.
قد ينعم الله على عبده بالخوف المطلوب تفضلا، ويدنيه منه تكرما. أو قد يباغته هذا الخوف ويستولي على قلبه لسبب من الأسباب. لكن العبد إذا لم يكرمه الله بنعمة هذا الخوف تفضلا، ولا هجم على قلبه بغتة، لا عذر له إذا ترك التكلف للتخويف، وجلب الخوف المقصود إلى قلبه، من خلال الوسائل الإيمانية التي أمر بها الشارع، ونص عليها في كتابه، وبينتها السنة النبوية الصحيحة.

 

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب /رجب الخير 1439- مارس  2018.

"مؤسسة راند" الأمريكية والحداثيون العرب

0

مؤسسة راند الأمريكية والحداثيون العرب


"مؤسسة راند مؤسسة بحثية أمريكية‏،‏ قريبة جدا من صانع القرار الأمريكي‏، فيما يتعلق بقضايا الإسلام والعالم الإسلامي‏..‏ وفي التقرير الذي أعدته هذه المؤسسة سنة 2004 ـ أي في العام الذي بلغ ذروة الهجمة الأمريكية على العالم الإسلامي بعد غزو أفغانستان والعراق ـ والذي ترجم ونشر تحت عنوان (خطة أمريكية لإعادة بناء الدين الإسلامي). جاء فيه تقسيم تيارات الفكر في العالم الإسلامي إلى أربعة تيارات هي:
1 ـ تيار الأصوليين: الذين يرفضون قيم الثقافة الغربية.
2 ـ تيار التقليديين: الذين يريدون مجتمعا محافظا, وهم في ريبة من الحداثة والتغيير.
3 ـ تيار العلمانيين: الذين يريدون أن يقبل العالم الإسلامي الفصل بين الدين والدولة.
4 ـ تيار الحداثيين: الذين يريدون العالم الإسلامي جزءا من الحداثة الغربية، ويريدون تحديث الإسلام ليواكب العصر.
ثم تطلب هذه الخطة من صانع القرار الأمريكي: دعم الحداثيين العرب, لأنهم الأكثر إخلاصا في تبني قيم وروح المجتمع الغربي الحديث.. ولأنهم مع العلمانيين العرب الأقرب إلى الغرب في ضوء القيم والسياسات. ومن بين ميادين الدعم الأمريكي المقترح لهؤلاء الحداثيين العرب: تشجيع تأويلهم للنص القرآني الحرفي الذي نعتبره (أي يعتبره الأمريكان) ـ تاريخا وأسطورة!!. أما آليات الدعم الأمريكي لهؤلاء الحداثيين العرب, كما أشارت إليها هذه الخطة الأمريكية, فهي:
أ ـ نشر وتوزيع أعمالهم ـ في شرح وطرح الاسلام ـ بتكلفة مدعمة.
ب ـ تشجيعهم على الكتابة للجماهير والشباب.
ج ـ تقديم آرائهم في مناهج التربية الإسلامية المدرسية.
د ـ إعطاؤهم منصات شعبية للتواصل مع الجماهير.
هـ ـ جعل آرائهم وأحكامهم في القضايا الكبيرة للتأويل والفهم الديني متاحة للجمهور حتى يمكن أن تنافس آراء وأحكام الأصوليين والتقليديين.
و. تيسير وتشجيع الوعي بالتاريخ السابق على الإسلام، والثقافة اللا إسلامية.
ز ـ تشجيع تأويلهم للنص الديني الحرفي الذي نعتبره تاريخا وأسطورة.
ثم انتهى هذا التقرير الأمريكي الكاشف عن مواقع الحداثيين العرب من مخططات الامبريالية الأمريكية المعاصرة ـ إلى القول بضرورة إعادة بناء الدين الإسلامي.."

هكذا يخطط أعداء الاسلام لضرب المسلمين، وتدمير هويتهم، وثوابتهم الدينية والتاريخية والحضارية. ثم يتهمونهم بالإرهاب. ومتى كان الضعيف يرهب القوي ؟ وهل يخيف الأسد مواء القط أو ثغاء الشاة؟ إن الإرهاب الأمريكي والغربي المسلط على المسلمين باسم الديمقراطية وحقوق الإنسان، أعظم جريمة إنسانية يمارسها هؤلاء الغربيون الصليبيون. ومما يؤسف له أن كثيرا من المسلمين قد انساقوا مع هذا المخطط الأمريكي الإرهابي الرهيب، وتفاعلوا معه بطريقة أو أخرى. ومن أمثلة هذا التفاعل؛ تجرد بعض المسلمين من المظاهر والأوصاف والسلوكات التي تدل على الاسلام السني الملتزم، خوفا من أن يتهمو أو يقذفوا بالإرهاب !! ومن الدواهي المدهية والمصائب المبكية التي ابتليت بها بعض المجتمعات المسلمة؛ سكوت المسؤولين في هذه المجتمعات عن كلام وطعون الحداثيين والعلمانيين في الكتاب والسنة وثوابت الأمة من جهة، وتضييق الخناق على العلماء الغيورين والدعاة الصادقين، ومنعهم من القيام بواجبهم من جهة أخرى، مما يعمل على ترجيح كفة الفساد والانحراف الفكري والعقدي بين المسلمين.

 

د.عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب/ رجب الخير 1439-مارس 2018.

رؤية قرآنية مُحزنة

0

رؤية قرآنية مُحزنة


انتبهت من نومي هذه الليلة؛ ليلة الاثنين 23 جمادى الثانية 1439، حزينا وقلبي يعتصره الألم والأسى بسبب رؤيا أليمة وموجعة؛ حيث رأيت في منامي أني أسير في حي النيارين بالمدينة العتيقة في تطوان، وإذ بأذني تلتقط أصوات أطفال يقرأون القرآن، فطربت روحي وعزمت على زيارة هذا الكُتاب، وأدخلت يدي في جيبي وأخرجت ورقتين نقديتين من فئة 20 درهما كي أمنحها للفقيه.

وكان هذا الكتاب القرآني من بين الكتاتيب التي أقيمت في مدينة تطوان وغيرها من المدن المغربية قبل فترة الاستعمار وخلالها، لكن لما خرج المستعمر وأقبل الاستقلال يحمل تباشير الحرية والتنمية والبناء...، لم يلبث الحال أكثر من عقد من الزمان حتى بدأ عقد تلك الكتاتيب المتلألئة ينفرط، وصار عددها يقل تدريجيا، إلى أن لفظت أنفاسها وفنيت في نهاية السبعينيات أو مطلع الثمانينيات؛ حيث بدا أن هذا القطاع التعليمي الرباني لايتناغم مع ثقافة وعقلية المستغربين، من المسؤولين على التربية في بلادنا، الذين شربوا لبن المستعمر ونشأوا في أحضان ثقافته.

وهل كان بقاء هذه الكتاتيب واستمرارها يضر التعليم الابتدائي والثانوي الحالي؟ أم يشكل رافدا قويا ومتينا على مستوى اللغة العربية، والقيم الأخلاقية الرفيعة، وثوابت الهوية والحضارة المغربية؟

لكن أبى الفرانكوفونيون المتفرنسون من خلال الازدواجية اللغوية العقيمة، وإدراج نصوص القيم الغربية العلمانية في الكتاب المدرسي (مادتا اللغة الفرنسية والفلسفة) وتضييق الخناق على كل ماله علاقة بالقيم الدينية والتراثية...، إلا أن يقيموا القطيعة المعرفية والقيمية، بين التلميذ والطالب المغربي وبين أصالته وهويته.

أعوذ إلى الرؤيا وأقول: ولجت باب الكتاب وما أن أرسلت نظري إلى الأطفال الحفظة والفقيه حتى هالني عدم وجود حصير مفروش للجلوس عليه كما هو مألوف ومعتاد، ولون أرض الكتاب أخضر مفتوح. بل الأدهى والأمر أني رأيت هؤلاء الأطفال قد افترشوا الألواح وجلسوا عليها، وألواح أخرى يسندون ظهورهم إليها، وكل تلك الألواح مسطرة بالآيات القرآنية!!

وعندما دنوت من الفقيه، وكان شابا في الثلاثينيات من عمره، أخذ لوحا كبيرا قد كتب فيه ربع الحزب أو يزيد، ووضعه على الأرض، ثم  أومأ إلي بالجلوس عليه فقلت له مستنكرا: كيف أجلس على لوح كتب فيه القرآن، فابتسم ثم طأطأ رأسه وأطرق صامتا بعد ما قرأ في وجهي أمارات الغضب والاستنكار... فاستيقظت مذعورا وقلبي كله يرجف من هول ما أبصرت وأدركت. لقد ضعضعني وهدّ كياني مارأيت، وأقضت الرؤيا مضجعي، وأطارت الرقاد عن عيني.

لاعلم لي بتأويل الرؤى، بيد أنه وقع في خاطري عقب انتباهي من النوم أننا، معشر المسلمين، إلا من رحم الله، لم نهجر القرآن فحسب، وإنما أهناه وسخرنا منه والعياذ بالله. ومظاهر هذا السلوك والموقف المشين والمخزي من كلام الله سبحانه، أكثر من أن تحصى. فقول القائل اليوم مثلا؛ إن بعض أحكام القرآن لاتصلح لزماننا وحياتنا المعاصرة، مظهر من تلك المظاهر المخزية.

وتزيين جدران المساجد والبيوت بالآيات القرآنية، مع عدم تعظيمها والعمل بأحكامها، استهزاء بكلام الله أيضا. والتباهي بامتلاك نسخ للقرآن مخطوطة أو ناذرة نفيسة، وعرضها في المعارض والمتاحف، والإعجاب بخطها وجمال تجليدها، وألوان زخرفتها؛ أي الاهتمام بمظهر تلك النسخ وجمالها المادي وتجاهل جمال القرآن وبعده الروحي والرسالي، مظهر آخر من مظاهر السخرية والاستهزاء بكتاب الله سبحانه.

وكذلك الاستماع إلى القرآن في المآتم وبعض المناسبات، والمواسم البدعية، والإعراض عن قراءته والاستماع إليه، والعمل به في الحياة اليومية، ضرب آخر من ضروب السخرية والاعراض عن كلام الله عز وجل.

وكثير من المقرئين والمرتلين يقضون حياتهم في الاشتغال بمخارج الحروف، والتفنن في الترنيم والتغني بالقرآن، والتنافس فيما بينهم على المراتب الأولى من حيث عدد المستمعين والمعجبين بقراءاتهم، مما يفضي ببعضهم إلى الوقوع في العجب والرياء. وهذا لون آخر من ألوان الاعراض عن جوهر القرآن، وروح رسالته الخالدة.

وأختم هذه الأمثلة بالمثال المتعلق بأولئك الذين يكثرون من إقامة الندوات والمؤتمرات، والأيام الدراسية حول القرآن، أو الإشراف على طباعته وتوزيعه على المسلمين، بينما سلوك كثير منهم يتنافى مع دستور القرآن وأخلاقه وتعاليمه؛ قال الله تعالى :" أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ " (البقرة:44).

لايسعني، وأنا تحت وطأة هذا الحال النفسي المؤلم بسبب تلك الرؤيا المحزنة، إلا أن أذكر إخواني المسلمين بمحبة القرآن وإكرامه بقراءته وتدبره، والتخلق بأخلاقه وتعظيمه. وأن يكون لكل واحد منا ورد قرآني يومي يحافظ عليه، كي يظل متصلا بخالقه سبحانه، حتى يلقاه وينعم بالدخول في قول النبي صلى الله عليه وسلم: " أهل القرآن أهل الله وخاصته "(رواه ابن ماجة وأحمد).

 

د.عبد الله الشارف، كلية أصول الدين تطوان، جمادى الثانية 1439 – مارس 2018.