أي اندماج للأسرة المسلمة في المجتمعات الأوربية

1

mohajirine


تمهيد:

في مطلع الستينيات من القرن العشرين الميلادي عرفت الهجرة العمالية العربية تدفقا كبيرا وإقبالا واسعا على أسواق العمل في مختلف المدن الأوربية الرئيسة، خاصة بعد عقد المعاهدات المتعلقة بهذا الشأن بين الحكومات الأوربية وكثير من الحكومات العربية. لقد كانت تلك البلدان الصناعية المتقدمة تعيش وقتئذ مرحلة مزدهرة على المستوى الاقتصادي والصناعي والتكنولوجي، وارتفاع في وتيرة الإنتاج. ولم يكد عقد السبعينيات ينصرم حتى كان عدد هائل من هؤلاء العمال المهاجرين قد تزوجوا أو استقدموا أسرهم.

وهكذا انتقل وجودهم من حال الإقامة المؤقتة إلى حال المواطنة والإقامة الدائمة، مما نتج عنه مشاكل وتحديات لم تكن متوقعة، دفعت بالسلطات الاوربية للتفكير في موضوع الاندماج؛ أي العكوف على تهيئ برنامج سياسي واجتماعي وتربوي يهدف إلى فسح المجال لاندماج أو انخراط هذه المجموعات البشرية في نسيج مجتمع الإقامة.

أضحت إذن قضية الاندماج الشغل الشاغل لصناع القرار في الغرب. ويعترف كثير من الاستراتيجيين الغربيين الذين يعملون في مجال الهجرة وإعادة تأهيل المهاجرين لغويا وثقافيا وحضاريا، أن الصعوبات والمشاكل التي تعترض سبيلهم تتعلق بالمهاجرين الذين هم من أصول عربية أو إسلامية، الذين يرفضون الذوبان في المجتمع الغربي، ويبدلون جهدا كبيرا للحفاظ على عاداتهم وتقاليدهم وعقائدهم. أما غيرهم من الذين يدينون بالمسيحية كالرومانيين واليونان، فإنهم سريعو الذوبان والانصهار في مجتمعات الإقامة.

و من المعروف أن لكل فرد هويته الخاصة به، و أفكاره و ذكرياته و طباعه، و مستواه الثقافي و الاجتماعي و الاقتصادي. و الفرد المغترب يحمل معه كل هذه الخصوصيات إلى مكان غربته، إلى الدولة التي اختار أن يسكن فيها. و هنا تطرح المشكلة في كيفية الحفاظ على تلك الخصوصيات، و في الوقت نفسه محاولة التأقلم و الاندماج، و البدء من جديد في بناء مستواه الاجتماعي و الثقافي، و في إقامة علاقات اجتماعية، و التعود على نمط عيش قد يكون مختلفا تماما عما كان فيه بلده الأصلي.
وبعدما تم تقنين وضعية أعداد كبيرة من المسلمين المقيمين بأوروبا، وصار وجودهم بالمهجر يتحسن شيئا فشيئا، بدأت تنشأ بجانب ذلك التحسن مشاكل جديدة من عيار آخر، مشاكل ذات أبعاد أخلاقية وحضارية، تمس بشكل أو بآخر ما يعتبر مصيريا في تفكير واعتقاد أولئك المهاجرين، كالدين والهوية والأخلاق والذرية وغير ذلك، حيث بين عشية وضحاها تغير التفكير لدى غالبية مسلمي الغرب، من تفكير بسيط ومحدود في لقمة العيش والعمل والسكن، إلى تفكير معقد ومتشعب في تربية الأبناء، ومستقبل العقيدة التي يؤمنون بها، والثقافة التي يمثلونها، والتعامل مع الآخر وغير ذلك.

 

الاندماج التوافقي السليم:

 إن الدلالة اللغوية لكلمة الاندماج (Integration) تنبني على مفهومين، لا يستقيم معناها إلا بتوفرهما، أو لا يكتمل أحدهما إلا بوجود الآخر. وهذان المفهومان هما؛ الأول: الدخول، والثاني: الاستحكام أو التجانس مع الكل، كما جاء في القواميس الغربية. وهذا معناه أن الشيء لا يصبح مندمجا اندماجا صحيحا وكليا في بنية ما، إلا إذا دخل في تلك البنية وتجانس مع باقي مكوناتها، واستحكم فيها عن طريق توثق الصلة  مع البنية كلها.

إن الاندماج التوافقي السليم لا يتجلى فقط من خلال الدخول والانخراط في منظومة ثقافية أو اجتماعية أيا كان نوع هذا الانخراط، وإنما يشترط في ذلك التجانس والتواصل المتبادل والبناء الواعي. ذلك أن فقدان هذا الشرط يجعل من الاندماج عملية سلبية تؤدي إلى الذوبان في ثقافة الآخر، وإقامة قطيعة تدريجية مع الهوية الذاتية. فكما أن العضو المندمج؛ أي المسلم المهاجر في الغرب ينبغي أن يجتنب الذوبان، ويحافظ على ما يشكل أساس هويته، فكذلك على أعضاء مجتمع الإقامة أن ينفتحوا على خصوصيات ذلك المهاجر، ويعملوا على إرساء قواعد الانسجام المتبادل.

وهكذا فإن الاندماج السليم يحصل عندما يتحقق الاحتفاظ بالهوية الثقافية للبلد الأصلي، وفي الوقت نفسه يتبنى المهاجر المعايير الثقافية لبلد الإقامة بطريقة مرنة وإيجابية؛ فيعطي ويأخذ ويتواصل دون ذوبان وانصهار.

إن عملية الاندماج السليم للمهاجر المسلم في بلاد الغرب، تنبع بطريقة عفوية من تفكيره وسلوكه، وذلك عندما تتوفر له الشروط الملائمة؛ وعلى رأسها التواصل الإيجابي المبني على الإيمان بثقافة الآخر.

التوظيف السياسي للإندماج:

إن المطلع على حياة المسلمين العاملين في بلدان أوربا، وما يعانونه من مشاكل اجتماعية ونفسية وسياسية ...، ليدرك للوهلة الأولى أن عملية الاندماج التي دعت إليها  الأوربية وقامت بتنفيذها الجهات المسؤولة، عملية تتصف بالاختزال والارتجال، كما تفتقر إلى الرؤية الإنسانية والموضوعية، تلك الرؤية التي بغيابها يتعذر أو يستحيل التعامل مع المهاجرين من أصول ثقافية ودينية مختلفة إلى درجة التعارض والتقابل مع ثقافة وعقيدة الأوربيين.

إن المسؤولين في بلد الإقامة يجعلون من قبول واستيعاب المهاجر المسلم للمنظومة الثقافية والتربوية والعقدية العلمانية، شرطا أساسيا للاندماج، في حين يرفضون كل ما يرتبط بهوية ذلك المهاجر وخصوصياته.

إن الناظر في الخطاب السياسي المهيمن في الغرب، يُدرك أن بقاء المسلمين في الدول الغربية، غير مرهون فحسب بتوفرهم على وضعية قانونية صحيحة، أو نيلهم لجنسية البلد الذي يوجدون فيه، أو حتى انتمائهم إليه بالولادة والتربية والتمدرس ونحو ذلك، ولكن مرهون بما هو أهم من ذلك كله، وهو وجوب انخراطهم في الحياة العامة الغربية، ثقافيا ولغويا واجتماعيا واقتصاديا وأخلاقيا وغير ذلك، على أن يكون هذا الانخراط مسايرا، بل ومندرجا في بوتقة المجتمع الغربي، قلبا وقالبا، تفكيرا وسلوكا، وبعيدا عن أي تصارع مع أخلاق وتقاليد الغربيين، ولو أنها تهدد المسلمين المغتربين في هويتهم الدينية والثقافية، وفي تربية أبنائهم وتوجيههم، مما يضعهم أمام نارين؛ نار الولاء للآخر، ونار التمسك بالهوية الأصلية. وسعيا إلى تنفيذ هذا المبتغى، الذي يطلق عليه في الأدبيات الغربية سياسة الاندماج، تم حشد شتى الإمكانيات القانونية والمادية والدعائية، التي وظفتها العديد من الدول الغربية في شكل مشاريع عدة، تأتلف حول أهداف موحدة، وتكلفت مختلف الأجهزة بتطبيق ذلك وتعميمه على كل الأجانب الموجودين بين ظهرانيها، من وزارات وأحزاب ومؤسسات تعليمية وجمعيات وشركات وغير ذلك، وعندما تمعن النظر في هذا الاهتمام اللافت لهذه القضية، تشعر وكأنك لست أمام سياسة الاندماج، وإنما أمام ثورة الاندماج، مادام أن أولئك المشرفين على ملفات هذه القضية، تفهم من خطابهم وكأن لا خيار للأجانب والمسلمين إلا الاندماج في المجتمعات الغربية، وأن رضى الغرب عليهم لا يأتي إلا من بوابة اندماجهم وفق رؤيته الفكرية والتنظيرية، وإلا فإنهم سوف يحشرون لا محالة في خانة الخوارج الجدد!

يقول الكاتب المغربي التيجاني بولعواني:

"إن سياسة الاندماج، التي حاولت أغلب البلدان الأوروبية المستقطبة للمهاجرين، بواسطتها أن تدمج المسلمين والأجانب داخل مجتمعاتها، وتجعلهم ينخرطون في الحياة العامة بشكل منفتح وتلقائي وإيجابي، حتى أضحت تعادل ذلك الحلم الذي يراودها، ما دامت ترى في تنفيذ تلك السياسة و تحقيق أهدافها المبرمجة، حلا سحريا لجملة من الإشكالات الناتجة عن الوجود الإسلامي والأجنبي بالغرب، لكن هذه السياسة التي تبدو وكأنها سوف تجلب النفع والخير العميم للجميع؛ سلطة وشعبا، أصليين وأجانب، أوروبيين ومسلمين... قوبلت بالرفض أو التحفظ من قبل العديد من المسلمين، سواء كانوا مثقفين أم عاديين، لأنها تخفي غير ما تعلنه، وتبطن غير ما تعد به من أهداف ومشاريع، فهي تنبني على أسلوب الاحتواء الذي يسعى إلى تذويب المسلمين في أتون الثقافة الغربية، لأن ذلك الإدماج الذي يتراءى نافعا وإيجابيا، سرعان ما يتبدد نفعه وإيجابيته، لما لا ينفك يبلع هوية الآخر وخصوصياته الحضارية والدينية."[1]

إن سياسة الاندماج تظل مجرد خطاب سياسي وايديولوجي بعيد عن الممارسة اليومية، والتي تكشف الصراع بين مخططات الإذابة من جهة، والمقاومة التي تظهر في سلوك المهاجر المسلم بأشكال مختلفة من جهة أخرى، مما يحول العلاقة بين هذا المهاجر والبلد المحتضن إلى صدام يفرز مشاكل وأزمات كثيرة.

والحقيقة أن اللفظ المناسب للمعنى السياسي المطبق لعملية الاندماج هو الإدماج. ذلك أن الخطاب السياسي الموجه إلى المهاجرين المسلمين، لا يدعوهم إلى الاندماج، وإنما يسعى إلى دمجهم دمجا قسريا. وهذا هو الأمر الواقع والحقيقة الجلية، كما أن له علاقة وطيدة وبنيوية بما يسمى : "مركزية الثقافة الغربية"، تلك الثقافة التي لا تعترف بما سواها من الثقافات، بل ترغمها على الذوبان والانصهار في بوتقتها.

 

[1] - التيجاني بولعواني: "المسلمون في الغرب بين تناقضات الواقع وتحديات المستقبل"، افريقيا الشرق، الدار البيضاء المغرب،

2010، ص 69.

 

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب. جمادى الثانية 1436. مارس 2015.

 

عبادة النفس عند غلاة الصوفية

0

sofiya


مما لا شك فيه أن التصوف يعتبر جزءا لا يتجزأ من الفكر الإسلامي قديما وحديثا، كما أنه مر تاريخيا بمراحل ثلاث؛ مرحلة الزهد والتعبد والصفاء، فمرحلة التفلسف، ثم أخيرا مرحلة الطرقية. ولم تخل هاتان المرحلتان الأخيرتان من ظهور بعض الشيوخ الصوفية الذين مزجوا كلامهم وشطحاتهم بأفكار فلسفية.

وقد يطغي الشعور الذاتي عند المتصوف، ويتضخم عنده الإحساس بالأنا الصوفي، فيعكف على نفسه مناجيا ومتأملا إياها.ومن الصوفية من يبلغ برياضته الروحية ومجاهداته مرتبة الفناء عن العالم والاستغراق في الألوهية ؟ مما جعلهم يقعون فيما يسمونه بالعشق الإلهي، حيث يظنون أنهم قد التصقوا بالذات الإلهية أو حلوا فيها أو اتحدوا بها. بل منهم من أفضى به حاله إلى أن يرى نفسه فقط ولا يرى شيئا غيرها. وفيما يلي، سأعرض بعض النصوص الصوفية الدالة على أن كثيرا من أرباب التصوف كانوا يعبدون أنفسهم وذواتهم وهم يحسبون أنهم يعبدون ربهم.

قال الحسين بن منصور الحلاج الصوفي الحلولي مخاطبا ربه عز وجل:

مزجت روحك بروحي كما    تمزج الخمرة بالماء الزلال

وقال: أنا من أهوى ومن أهوى أنا   نحن روحان حللنا بدنا

وقال محي الدين بن عربي في كتابه "الإسرا إلى مقام الأسرى"، مدعيا أن الله عز وجل يخاطبه:

"أنت كيميائي، وأنت سيميائي، أنت إكسير القلوب، وحياض رياض الغيوب، بك تنقلب الأعيان أيها الإنسان، أنت الذي أردت، وأنت الذي اعتقدت : ربك فيك إليك ومبعودك بين عينيك، ومعارفك مردودة عليك، ما عرفت سواك، ولا ناجيت إلا إياك"[1].(!!!)

وقال في أشعاره الصوفية:

فلولاه ولـولانــا               لما كان الذي كانــا

فإنـا أعبـد حقـا               وإن الله مولانــــا

وإنــا عينه فاعلم             إذا قلـت إنسانـــا

......

فأعطيناه ما يبــدو            بـه فينا وأعطانـــا

فصار الأمر مقسوما                 بإيـاه وإيــــانـا[2]

 

ويقول عمر بن الفارض متحدثا عن الذات الإلهية:

ففي الصحو بعد المحو لم أك غيرها          وذاتي بذاتي إذ تحلت تجلـت

.........

ولولاي لم يجد وجود ولم يكــن              شهود، ولم تعهد عهود بذمـة

فلا حي إلا من حياتي حياتـــه               وطوع مرادي كل نفس مريدة !!

..........

وكل الجهات الست نحوي توجهت                  بما تم من نسك وحج وعمرة

لها صلـواتي بالمقام، أقيمـــها                وأشهــد فيها أنها لي صلت[3] !!

 

وقال عبد الكريم الجيلي في الموضوع نفسه:

فمهما ترى من معـدن ونباتـه               وحيوانه مع انسه وسجـــاياه

ومهما ترى من أبحر وقفــاره               ومن شجر أو شاهق طال أعلاه

ومهما تـرى من هيئة ملكيـة         ومن منظر إبليس قد كان معناه

ومهما ترى من عرشه ومحيطه             وكرسيه أو رفرف عز مجـلاه

فإني ذاك الكل والكل مشهـدي               أنا المتجـلي في حقيقته لا هـو !!!

وإني رب للأنــام وســيد             جميع الورى اسم وذاتي مسماه[4] !!!

وقال الشيخ الصوفي محمد الحراق المغربي التطواني في "تائيته":

أتطلب ليلى وهي فيك تجلت

وتحسبها غيرا وغيرك ليست !!

فذا بله في علة الحب ظاهر

فكن فطنا فالغير عين القطيعة

............

كلفت بها حتى فنيت بحبها

فلو أقسمت أني إياها لبرت

فحملت بها عني فلم أر غيرها

وهمت بها وجدا بأول نظرة

ولم أزل مستطلعا شمس وجهها

إلى أن تراءت من مطالع صورتي !!

.........

وأصبحت معشوقا وقد كنت عاشقا

لأن ظهوري صار أعظم زلتي

.........

ولي مقعد التنزيه عن كل حادث

ولي حضرة التجريد عن كل شركة

جلست بكرسي التفرد فاستوى

من الله عرش لي على ماء قدرتي

وقال في قصيدة أخرى:

كنت ما بيني وبيني

غائبا عني بأينــي

والذي أهواه حقا

لم يزل ذاتي وعيني

فانظروني تبصروه

إنه والله إنــــي.

إن قول ابن الفارض:

ففي الصحو بعد المحو لم أك غيرها          وذاتي بذاتي إذ تحلت تجلـت

يفيد الإمعان والإغراق في الحلول ووحدة الوجود، إذ هو لم يكتف بإثبات هذا الشعور في حال أو مستوى "المحو"؛ الذي هو امحاء الكثرة والغيرية، وفناء السوية، وتجلي الوحدة المطلقة، حيث الخلق عين الحق والمربوب عين الرب، وإنما أكده، بكل استعلاء، حتى في حال "الصحو"؛ فذاته هي ذات خالقه سواء كان حاله محوا أو صحوا. كما يأبى هذا الضال، وهو في نشوة الاستعلاء والتيه والتكبر، أن يثبت لربه ذاتا إذ يقول:

وذاتي بذاتي إذ تحلت تجلـت

فلم يقل: وذاتي بذاته أو ذاته بذاتي، وإنما قال، ليحكم بالعدم الصوفي على رب الوجود،: وذاتي بذاتي؛ فليس ثمة إلا ذاته.

لا يخفى على الناقد المتأمل في هذه الأبيات الشعرية الصوفية أن أصحابها قد حصل لديهم ما يمكن أن نعبر عنه بتضخم الأنا الصوفي؛ ذلك الإحساس الذي قذف ببعضهم في الحلول أو في وحدة الوجود أو الاتحاد، أو في إنكار الذات الإلهية وإثبات الذات الصوفية؛ كما هو واضح وصريح في أشعار عبد الكريم الجيلي. قال محمد بن قيم الجوزية في كتابه "مدارج السالكين":

سمعت بعض الشيوخ يقول: "لو أن شخصين ادعيا محبة محبوب فحضرا بين يديه فأقبل أحدهما على مشاهدته والنظر إليه فقط وأقبل الآخر على استقراء مراداته ومراضيه وأوامره ليمتثلها فقال لهما : ما تريدان فقال أحدهما : أريد دوام مشاهدتك والاستغراق في جمالك وقال الآخر : أريد تنفيذ أوامرك وتحصيل مراضيك فمرادي منك ما تريده أنت مني لا ما أريده أنا منك. والآخر قال : مرادي منك تمتعي بمشاهدتك. أكانا عنده سواء؟
فمن هو الآن صاحب المحبة المعلولة المدخولة الناقصة النفسانية وصاحب المحبة الصحيحة الصادقة الكاملة أهذا أم هذا ؟  وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يحكى عن بعض العارفين أنه قال : الناس يعبدون الله والصوفية يعبدون أنفسهم
أراد هذا المعنى المتقدم وأنهم واقفون مع مرادهم من الله لا مع مراد الله منهم. وهذا عين عبادة النفس فليتأمل اللبيب هذا الموضع حق التأمل فإنه محك وميزان والله المستعان"[5]

نعم لقد صدق هذا الشيخ في قوله: "والصوفية يعبدون أنفسهم"، وما أظنه يقصد الصوفية جميعا، وإنما يشير إلى تلك الفئة التي عبرت من خلال كلامها وأشعارها عن المشاهد الانفعالية والوجدانية الناتجة عما يسمونه بالعشق  الإلهي الذي قاد أصحاب هذه الفئة  إلى الوقوع في الاتحاد أو الحلول أو وحدة الوجود؛ حيث يظن الصوفي العاشق، بعد تضخم الأنا الصوفي لديه، أنه ملتصق بالذات الإلهية أو أنه أصبح وإياها ذاتا واحدة. وهذا التصور المنحرف لا يجافي الفكر والفطرة الإنسانية فحسب، بل يتناقض مع العقيدة الإسلامية الصحيحة القائمة على التوحيد وألوهية الخالق وعبودية العبد.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب. جمادى الثانية 1436 مارس 2014.

 

 

[1] - ابن عربي : "الإسرا إلى مقام الأسرى، أو كتاب المعراج"، بيروت 1988، ص 168.

[2] - المرجع نفسه، ص 143.

[3] - انظر "تائية" ابن الفارض.

[4] - انظر "الإنسان الكامل" عبد الكريم الجيلي.

[5] -  محمد بن قيم الجوزية: "مدارج السالكين"  ج 2  ص 289  دار الجيل بيروت  د.ت