القلب، في القرآن، مركز التفكير والتعقل

7
 



 

إن العقل، بمعنى التعقل، يوجد في القلب: وهو قول جمهور العلماء المسلمين، ومالت إليه بعض الدراسات العلمية الحديثة والمتأخرة، وأما كون القلبِ يحمل الأحاسيس والمشاعر من حب ومودة وكره وبغض ونحو ذلك من الأحاسيس، فلا يمكن أن يُنكر ذلك أحد، وأما كونُ العقلِ في القلب، فهو أمر قد تظاهرت الأدلة الشرعية عليه وتنوّعت:
فمنها ما يدل على أن مركز القسوة أو اللين، أو الشعور والطمأنينة والثبات، والفهم والتدبر والوعي، والوجل والخوف هو القلب، ومنها ما يدل على أن محل العقل؛ أي التعقل هو القلب..

ولقد ثبت من الناحية العلمية والفسيولوجية،أن الشخص إذا فاجأه أمر مخيف أو مقلق، سرعان ما يضطرب قلبه ويرتعش، ثم يرسل بالأوامر إلى المخ فالأعضاءِ لتقفز وتتلوّن بسبب زيادة ضخ الدم من القلب، وهذا ما يسمى علميا بالفعل اللاإرادي، ويسميه علماء الشرع بالخوف الطبيعي.

"كما أكدت بعض الأبحاث العلمية الأخيرة أن القلب مكوّن من أكثر من أربعين ألف خلية عصبية، وأن كل خلية تخزن الكم الكبير من المعلومات، وأن لها دور كبير في التحكم بكل الجسد. وأكد البرفسور Gary Schwartz من جامعة أريزونا، والدكتورة Linda Russek أن للقلب طاقة خاصة به بواسطتها يتم تخزين المعلومات ومعالجتها أيضاً، كما وثّق البروفسور Gary Schwart عشرات الحالات التي تثبت أن للقلب دوراً كبيراً في التحكم بشخصية الإنسان وأفعاله وذكرياته، ومنهم الدكتور (أندريو أرمور armour) و"بول برسال" اللذان أكّدا وجود دماغٍ شديد التعقيد بداخل القلب، وأن له نظاماً خاصاً به في معالجة المعلومات القادمة إليه من مختلف أنحاء الجسم، وأن كل خلية من خلايا القلب الأربعين ألفا، لها ذاكرة خاصة، وتحتوي على كمّ كبير من المعلومات عن شخصيتنا وأذواقنا وما نحب وما نكره.
وقيل بل يوجد ذلك في كل خلايا الجسد كما زعمت عالمة الكيمياء الحيوية:" كانديس بيرت"، وكذلك يرى الدكتور Schwartz أن تاريخنا مكتوب في كل خلية من خلايا جسدنا."
إن القلب بمعنى الروح أو النفس هو المتحكم في الجسد تفكيرا وصلاحا أو فسادا، ، كما أن القلب بمعناه الروحي والبيولوجي له امتداد إلى الدماغ، وهو أشبه بمولد الطاقة.

و ذكر العلماءُ أن القلب متصل مع المخ أو الدماغ بعصب مزدوج، يسمونه بالعصب الشوكي .وأن القلب يرسل إلى المخ مع كل خفقةٍ، - عن طريق الدمِ، والهرمون، وموجات الضغط، -، كلاّ من الهواء والغذاء والأوامر والمعلومات ونحوها، وأنّ هذه الرسائل العصبية إذا كثرت فهي السر في ألم الدماغ والله أعلم، لما لها من تأثير بليغ على قشرة المخ المستقبل والمُنَفّذِ للمعلومات.

وإذا كان العقل لم يذكر في القرآن ولو مرة واحدة بصيغة إسم دال على مسمى معين وجوهر مستقل قائم بذاته، فإن القلب ورد في القرآن أربعا وثلاثين ومائة مرة (134) بصيغة الإسم كما يلي. قلب، قلبك، قلبه، قلبها، قلبي، قلبين، قلوب، قلوبكما، قلوبكم، قلوبنا، قلوبهم، قلوبهن.
وهذه بعض الآيات القرآنية الدالة على أن القلب بالمعنى الروحي هو الذي يقوم بالتفكير وبكل العمليات العقلية والوجدانية، ويسهر على إدارة الجسم بتعاون مع البنية العصبية والبيولوجية.

قال تعالى ( أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو أذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور )، ولم يقل فتكون لهم أدمغه أو عقول يعقلون بها ، ولم يقل ولكن تعمى العقول أو الأدمغه التي في الرؤوس ، فقد صرح في آية الحج هذه بأن القلوب هي التي يعقل بها، وما ذلك إلا لأنها محل التعقل .ثم أكد ذلك تأكيداً لا يترك شبهة ولا لبساً؛ فقال تعالى ( ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ). فتأمل قوله التي في الصدور تفهم مافيه من التأكيد والإيضاح، ومعناه أن القلوب التي في الصدور هي التي تعمى وليس العقول أو الأدمغة. وقال تعالى ( إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ) الآية ومفهوم مخالفة الآية، أنه لو لم يجعل الأكنة على قلوبهم لفقهوه بقلوبهم، وذلك لأن محل التعقل القلب كما ترى ، ولم يقل إنا جعلنا على عقولهم أو أدمغتهم أكنه أن يفقهوه . وقال تعالى ؛((إن في ذلك لذكري لمن كان له قلب ) الآية ، ولم يقل لمن كان له عقل أو دماغ وقال تعالى ( ثم قست قلوبكم من بعد ذلك ) الآية ، ولم يقل ثم قست عقولكم أو أدمغتكم.

وقال تعالى ( فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله ) الآية ، وقال تعالى ( فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم ) الآية ، ولم يقل فويل للقاسية عقولهم أدمغتهم، ولم يقل فطال عليهم الأمد فقست أدمغتهم. وقال تعالى ( أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه ) الآية ، ولم يقل وختم على سمعه وعقله أو دماغه. وقال تعالى ( واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه ) الآية ، ولم يقل وعقله ، وقال تعالى ( يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ) الآية، ولم يقل ما ليس في عقولهم أو أدمغتهم وقال تعالى ( فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة ) الآية ولم يقل عقولهم أو أدمغتهم منكرة وقال تعالى (حتى إذا فزع عن قلوبهم ) الآية، ولم يقل إذا فزع عن عقولهم أو دمغتهم. وقال تعالى ( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها ) الآية، ولم يقل أم على عقول أوأدمغة أقفالها ، معنى هذا أن التدبر وإدراك المعاني إنما هو بالقلب، ولو جعل على القلب قفل لم يحصل الإدراك فتبين أن الدماغ ليس هو محل الإدراك ، وقال تعالى ( فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم ) ولم يقل أزاغ الله عقولهم أو أدمغتهم.

وقال تعالى ( أولم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم ) ولم يقل ونطبع على عقولهم أو أدمغتهم ، وقال تعالى ( وربطنا على قلوبهم إذ قاموا ) الآية. وقال تعالى ( إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها ) والآيتان المذكورتان فيهما الدلالة على أن محل إدراك الخطر المسبب للخوف هو القلب لا العقل أو الدماغ. والآيا ت الواردة في الطبع على القلوب متعددة كقوله تعالى ( ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم ) الآية. ولم يقل فطبع على أدمغتهم ، وكقوله تعالى ( رضوا بأن يكونوا مع الخوالف فطبع على قلوبهم ) الآية، ولم يقل على عقولهم أو أدمغتهم. وقال تعالى ( إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ) الآية. والطمأنينة بالإيمان إنما تحصل بإدراك فضل الإيمان وحسن نتائجه وعواقبه.وقد صرح في هذه الآية بإسناد ذلك اطمئناناً إلى القلب الذي هو محل العقل أي التعقل .

وقال تعالى ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم )، ولم يقل في عقولكم أو أدمغتكم. وقال تعالى ( أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ). فقوله ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ، وقوله كتب في قلوبهم الإيمان ، صريح في أن المحل الذي يدخله الإيمان في المؤمن وينتفـــي عنه دخوله في الكافر؛ إنما هو القلب لا العقل أوالدماغ .
نستنتج من خلال التأمل في مضمون هذه الآيات، أن القلب بمعناه الروحي لا العضوي، هو مركز التعقل والتفكير والتدبر والإدراك وسائر العمليات العقلية والوجدانية. ولا توجد أدنى إشارة في القرآن إلى أن هذه العمليات يقوم بها الدماغ، وإن كان هذا العضو مسرحا لتجلياتها البيولوجية والفسيولوجية. كما لا يوجد دليل في القرآن يبين أن تلك العمليات هي من صنع وتدبير كائن متوهم إسمه: العقل.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان/المغرب. ربيع الثاني 1434/فبراير 2013.

المهاجرون المسلمون في أوربا وحلم تغيير الهوية

1


 

إن المعاناة التي يعانيها المسلمون المهاجرون، لا سيما الشباب، في دول الغرب أكثر من أن تحصى، كما أن وطأتها شديدة في نفوسهم. والسبب في ذلك يرجع أساسا إلى صعوبة اندماجهم الاجتماعي والثقافي في نسيج المجتمع الغربي، تلك الصعوبة الناتجة عن التعارض والاختلاف الديني والثقافي والقيمي بينهم وبين نسيج ذلك المجتمع. خصوصا إذا علمنا أن سياسة إدماج المهاجرين المسلمين التي يمارسها المسؤولون الغربيون، تهدف إلى طمس هويتهم، وصهرها في هوية الغرب.

يقول كاد ميراد بطل فيلم «الإيطالي» الذي عرض في الصالات الفرنسية؛ إنه حين بدأ العمل التلفزيوني لأول مرة في عام 1990 في فرنسا، لم يكن يفكر لحظة في تغيير اسمه الأصلي من قدور مراد إلى كاد ميراد، الفتى المسلم ذي الجذور الجزائرية. وأثناء وجوده في القناة الأولى الفرنسية، في بدايات عمله السينمائي سمع بعض كلمات الاشمئزاز والسخرية من عدد من العاملين والمخرجين في القناة حول اسمه وأصوله، رغم أنه ولد في فرنسا ووالدته تعيش فيها منذ عام 1950، أي منذ ما قبل استقلال الجزائر عن فرنسا في عام 1962، مثل الكثير من الجزائريين. وهكذا قرر قدور أن يغير اسمه، أو يحرفه، لكي لا يظل دائما يلعب أدوار الفتى العربي في الأفلام التي يدخل فيها. كان يكره ذلك ولا يزال. هذا الفيلم الذي لعبه مؤخرا استثناء، ربما لأنه قرر أخيرا إبراز بعض معاناته الشخصية مع العنصرية.

يروي الفيلم قصة شاب عربي يعمل في معرض للسيارات الإيطالية في مدينة نيس الجنوبية. إنه الفتى الذي يعيش وحيدا في نيس، يخفي اسمه وأصوله العربية ويدعي أن أصوله إيطالية واسمه دينو.ولكي تكتمل حبكته فإنه يلبس الصليب في رقبته ويتحدث الفرنسية بلكنة إيطالية، كما أنه يتحدث بضع كلمات إيطالية لكي يبعد أي شك يحوم حوله. وفي إجازته الأسبوعية يزور أهله بالقرب من مدينة مرسيليا التي تعج بمواطنين من أصول مغاربية وجزائرية . لكن مفارقة تحدث في القصة. يمرض والد دينو قبل أن يهل شهر رمضان بأيام. يدخل المستشفى، ويطلب من ابنه الكبير مراد أن يصوم عنه شهر رمضان، لأنه غير قادر على صيام الشهر، ولا يمكنه أن لا يصوم لأن هذا فرض واجب فرضه الإسلام على كل المسلمين، ولذلك فهو يطلب منه أن يصوم عنه الشهر. دينو لا يعرف شيئا عن رمضان، لم يصُمه في حياته، بل يكاد لا يعرف عن الإسلام شيئا، كغيره من معظم أبناء المهاجرين في فرنسا. وتبدأ المفارقات في عمله وحياته ومع صديقته الفرنسية، التي لم يحلُ لها دعوته إلى منزل أهلها ليتعرفوا عليه إلا في رمضان. وفي النهاية، انكشفت قصته وقصة إخفائه لأصوله، فيترك العمل وتتركه صديقته، ويخسر كل شيء.

يذهب إلى بيت العائلة لكنه لا يدخله، بل يذهب إلى مقهى، وبعد ذلك يجد نفسه في مقر للبوليس الفرنسي. الشرطة تعتقد أنه جاء من الجزائر حديثا كغيره من الذين يأتون خلسة. يعيدونه إلى الجزائر، وهناك أيضا يتعرض للسجن ولا يعرف أحد هويته إلا حين يحضر والده لأخذه لتتغير حياته بعدها. كل هذا السيناريو يحصل في قالب درامي جميل وخفيف، يظهر من ضمن ما يظهر معاناة المهاجرين مع أسمائهم في فرنسا، ليس بسبب الإرهاب وليس بسبب مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر (أيلول)، بل بسبب العنصرية المتغلغلة داخل المجتمع الفرنسي. قد تكون هذه القصة عادية في بلد آخر، شخص مدّعٍ ينتحل شخصية أخرى غير شخصيته الحقيقية للهرب من مرارة العنصرية القميئة والنظرة الدونية. لكن في فرنسا، هي قصة الكثير من الناس، الذين بسبب ما يواجهونه في حياتهم اليومية، يغيرون أصولهم وأسماءهم، من أجل تحقيق الذوبان الكامل في المجتمع الذي لا ينظر إليهم سوى على أنهم غرباء. وفيلم قصة كاد ميراد، هو فيلم عن هذه المعاناة التي قد يصل عدد أبطالها إلى بضعة ملايين من الشباب المسلمين المقيمين في فرنسا، وغيرها من دول أوربا والغرب.

ترى هل يستطيع هؤلاء الغرباء المهاجرون مواجهة الإدماج القسري اللإنساني، الذي يستهدف هويتهم وكينونتهم، أم سيكون مصير كثير منهم، مصير الموريسكيين الأندلسيين في إسبانيا قبل بضعة قرون ؟؟؟

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/ جامعة القرويين، تطوان المغرب. ربيع الثاني 1434/فبراير 2013.

القلب والعقل جوهران، أم جوهر واحد؟

5





إن القارئ المتأمل في الآيات القرآنية التي ورد فيها لفظ القلب، يجد أن هذا الجوهر، أو الكيان الإنساني الروحي، هو الجامع لكل الأوصاف والخصائص، والمميزات والصفات والقدرات المعنوية التي يشتمل عليها الإنسان كنفس أو روح. وبعبارة أدق؛ هناك مطابقة تامة بين القلب بالمعنى الروحي القرآني، وبين الإنسان كنفس أو روح؛ أي أن ألفاظ : القلب ، النفس، الروح، هي أسماء لمسمى واحد.


إن القرآن يخبرنا أن القلب يعقل ويفقه ويحب ويكره، ويؤمن ويكفر، ويلين ويقسو، إلى غير ذلك من الأوصاف التي يتصف بها الإنسان كروح أو نفس. ويغلب في القرآن والسنة إطلاق القلب وإرادة الروح أو النفس، وذلك أسلوب عربي معروف، لأن من أساليب اللغة العربية؛ إطلاق المحل وإرادة الحال فيه، والقائلون بالمجاز يسمون ذلك الأسلوب مجازا مرسلا. ومن علاقات المجاز المرسل عندهم؛ المحلية والحالية. كإطلاق القلب وإرادة النفس أو الروح، وكإطلاق النهر الذي هو الشق في الأرض، على الماء الجاري فيه.


ثم إن الآيات التي تدل على تعلق الروح أو النفس بالقلب، كثيرة منها قوله تعالى: "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور" (الحج 46). وقوله أيضا: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب" (الرعد 28). فالمطمئن حقيقة ليس هو عضو القلب، وإنما الحال فيه أو المتعلق به؛ الروح أو النفس. وقوله تعالى: "الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم" (الحج 35). وقوله تعالى: "وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر" (الأحزاب 10) أي النفوس أو الأرواح، من شدة هول المعركة في غزوة الأحزاب، بلغت الحناجر، يعني كادت تفارق البدن وتعانق الموت.


أما فيما يخص العقل، فإنه لم يذكر في القرآن إلا في صيغة الفعل، وفاعله هو الإنسان أو قلبه أو روحه أو نفسه. فلا يوجد ذكر للعقل في القرآن بمعنى الفاعل. مما يفيد أن الأفعال: يعقلون، تعقلون، عقلوه، نعقل،.. الواردة في القرآن تشير إلى عملية التعقل التي يقوم بها الفاعل العاقل، الذي هو الإنسان أو قلبه بمعنى الروح أو النفس.


ومصطلح العقل استعمل في التراث الإسلامي بمعنيين. المعنى الأول يتلخص في كون العقل مرادفا للقلب؛ أي أنهما يشتركان في مسمى واحد وجوهر واحد. وهو اختيار علماء المسلمين وأئمتهم وفقهاؤهم، ومن حدا حدوهم ممن حكم النقل مع استعمال العقل والاستئناس به.


وعندما يقول علماء المسلمين وفقهاؤهم: إن الله ميز الإنسان بالعقل، وشرفه به، أو يقولون من منظور الشريعة؛ إن حفظ العقل واجب، أو يقولون؛ إن العقل مناط التكليف بخطاب الشارع، طلبا أو كفا أو تخييرا أو وضعا. أقول: إن علماءنا وفقهاءنا عندما يستعملون مصطلح العقل فإنما يقصدون به القلب أو الإنسان ككيان روحي أو نفسي. أي ان المخاطب واحد والجوهر واحد. وقد يقصدون بالعقل الفهم والتدبر، وكل هذه الألفاظ الثلاثة مصادر لأفعال: عقل وفهم وتدبر. والقائم بالتعقل والفهم والتدبر، هو الإنسان روحا أو نفسا أو قلبا.


أما المعنى الثاني للعقل في التراث الإسلامي، فيقصد به كيان مستقل، وجوهر قائم بذاته. فهو الذي يعقل ويتدبر ويريد ويقدم ويؤخر... أو هو الآلة أو القوة الغريزية التي بواسطتها يدرك الإنسان الأشياء والحقائق، ويتعلم العلوم والمعارف. أما القلب بالنسبة لأصحاب هذا الاتجاه، فهو موطن أو محل الإيمان والكفر، والحب والكراهية، والأمن والخوف... وكل العواطف والانفعالات الوجدانية. بمعنى أننا إزاء جوهرين مستقلين مع وجود تأثير متبادل بينهما.


وقد مال إلى هذا المعنى من اشتغل أو تأثر بالفلسفة وعلم الكلام، من المسلمين قديما وحديثا. وكذا كثير من كتاب المسلمين المعاصرين، الذين تأثروا بالمناهج والفلسفات الغربية المستوردة. ولا بأس من الاستشهاد على هذا المعنى بنص لكاتب من أولئك الكتاب المعاصرين، وهو الدكتور محمد على الجوز الذي يقول في كتابه: "حول مفهوم العقل والقلب في القرآن والسنة":


"في القرآن يمثل القلب والعقل كينونتين. ففعل عقل يرد تسعاً أربعين مرة في القرآن بصيغ مختلفة. أما مفردة القلب (أو قلب) فيأتي ذكره مائة واثنين وعشرين مرة. ورغم ذلك فالقرآن لا يرى ضرورة القطعية بينهما. بل يؤكد واقع الالتقاء بين العقل والقلب. ولعل أكثر آيات القرآن تعبيراً عن ذلك الآية السادسة والأربعون من سورة الحج: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (الحج:46). يمثل القلب هنا تلك القوة التي تقف وراء العقل ولا نستطيع تحديدها تحديدا مادياً. إنها البصيرة. فالقلب هنا يرى الوجود بعين البصيرة لا بعين البصر ويدرك الحقيقة إدراكاً من الداخل لا من الخارج أو الظاهر. وبتعبير العلم الحديث فكسب رهان الحقيقة ويتطلب رؤية مركبة ومعقدة للأشياء. فالإمساك بإيمان مطمئن لا يكفي فيه التوكل على سلطان العقل وحده بل يحتاج فيه المتعطش إلى نور اليقين إلى هدي القلب. فبصيرة القلب وعقلانية العقل مستويان ضروريان للمجتمع باليقين. ومن ثم لا يمكن للرؤية القرآنية إلا أن تدعو إلى التواصل والتعاون بين العقل والقلب في مثل هذا النوع الرفيع المستوى في دنيا المعرفة الإنسانية. (....)


إن تكامل القلب والعقل والتقاءهما في رؤية القرآن والسنة يمكن إبرازهما في النقاط التالي: فالعقل يسمح للفرد بالتفكر في الطبيعة والحياة والإنسان، ومن ذلك يستنتج أدلته على وجود الخالق. فيسعى إلى كسب رهان العقيدة واليقين. أما القلب فيقوم أساسا بالشيء نفسه لكن بأسلوب تفكير مختلف، فهو يستند إلى الوجدان العميق والبصيرة النفاذة. إن هناك اختلافا في الأدوار بين الإثنين. فالعقل يجمع المعلومات وينظمها ويستنتج منها ما يمكن أن يساعده على تحسين رصيد معرفته. أما القلب فهو يدرك هذه المعلومات إدراكاً باطنياً ووجدانياً"[1].


إن قول د. محمد على الجوز: " في القرآن يمثل القلب والعقل كينونتين" و " القرآن لا يرى ضرورة القطعية بينهما. بل يؤكد واقع الالتقاء بين العقل والقلب". يفيد أن فهم الدكتور يفتقر إلى الاستيعاب الصحيح لمعاني الآيات المتعلقة بالقلب، مما جعله يتوهم وجود كينونتين، أو جوهرين قائمين بعملية الإدراك والتعقل. ولا وجود لآية قرآنية واحدة تدل من قريب أو بعيد، على صحة ما ذهب إليه. أي تثبت وجود العقل باعتباره كينونة قائمة موازية لكينونة القلب.


ثم إنه عمد إلى إقحام هاتين الكينونتين في شرحه وفهمه لقوله تعالى: " أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ" (الحج:46)، حيث قال: " يمثل القلب هنا تلك القوة التي تقف وراء العقل ولا نستطيع تحديدها تحديدا مادياً". ذلك أنه استنبط وجود كيان العقل وجوهره من قوله تعالى: "يعقلون". ثم ميز القلب بالبصيرة والعقل بالعقلانية. فنحن إذا إزاء كيانين أو جوهرين؛ مجال أحدهما البصيرة ومجال الآخر العقلانية.


وكذلك قوله: " فالعقل يسمح للفرد بالتفكر في الطبيعة والحياة والإنسان... فالعقل يجمع المعلومات وينظمها ويستنتج منها ما يمكن أن يساعده على تحسين رصيد معرفته. أما القلب فهو يدرك هذه المعلومات إدراكاً باطنياً ووجدانياً". لماذا هذا التقسيم وهذه الثنائية إن صح التعبير؟ بل كيف يعقل تصور مخاطبين في كيان واحد؛ كيان الإنسان باعتباره روحا أونفسا أو قلبا؟



[1] - د. محمد علي الجوز: "حول مفهوم العقل والقلب في القرآن والسنة"؛ دار العلم للملايين، بيروت 1980، ص 275.


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/جامعة القرويين، تطوان المغرب. ربيع الأول 1434/ فبراير 2013.













الدماغ لا يفكر

2




 إن القول بأن الدماغ يفكر، شبيه إلى حد ما بالقول بأن الطبيعة قد خلقت الكون . وهذا ما لا يقبله الإنسان العاقل المؤمن بالله ربا واحدا، مبدعا خالقا، لا خالق سواه.ولا شك أن انتشار بعض المفاهيم المتعلقة بالعقل مثل؛ العقل الأداتي، والعقل الآلي، والعقل الالكتروني، من المفاهيم التي تحوم حول تأكيد مادية العقل؛ أي أنه مجرد إفراز مادي؛مصدره بنية مادية تنحصر في الدماغ لا غير. بمعنى أن هيمنة هذه المفاهيم وهذا التصورالأخير عن العقل الإنساني، هو الذي جعل الإنسان الغربي ومن يدور في فلكه، يسند إلى الدماغ وظيفة التفكير. ولا شك أن الاقتناع بهذا التصور يجسد النتيجة النهائية، والثمرةالمباشرةللمجهودات الفكرية والفلسفية، التي قامت بها أجيال من الفلاسفة والعلماء والأطباءالأوربيين، بدءا من عصر التنوير، خلال ما يقرب من ثلاثة قرون.بيد أن هؤلاء الفلاسفة والمفكرين والعلماء، اندفعوا وهم يبحثون، في اتجاه إنكار كل الحقائق المتعلقة بعالم الروح والدين والإله الخالق،وذلك ردا على موقف الكنيسة المتشنج من العلم والعلماء، واضطهادها لكل من يشكك في مبادئها.


إن إنكار ونبذ الحقائق الروحية والدينية، لم يكن نتيجة دراسة متمحصة وعلمية نزيهة، وإنما نتج عن صراع حاد وانفعالي بين المفكرين والعلماء الأحرار، وبين القساوسة ودهاقنة الكنيسة؛ أي أن الإنكار حصل في غياب تام للروح العلمية.


إن الانعكاسات السلبية للصراع المشار إليه، بين رواد الفكر التحريري العقلاني والكنيسة الكاثوليكية، ما زالت آثارها قائمة ومهيمنة في باطن ولا شعور الإنسان الغربي ذي الميول المادية اللادينية. ولا عجب أن يتصلب ويجمد هذا الإنسان في موقفه، ويثبت على ذلك أجيالا وقرونا. فشأنه في ذلك شأن من دعي إلى الإيمان بالله وتوحيده، فقال: "إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون" (الزخرف 23). إنها السنن والقوانين الاجتماعية التي تتحكم، بمشيئة الله، في مصير المجتمع، عندما يختار أفراده، أو على الأصح؛ حكامه وأقوياؤه ومثقفوه، مسلكا أو طريقا في التفكير والحياة، فتتوارث الأجيال ذاك المسلك الذي يغدو مع الزمن من الثوابت الراسخة المقدسة.


وهكذا فإن التمسك بموقف الإنكار للحقائق الدينية والغيبية والروحية، ما زال يغذي إلى يوم الناس هذا مختلف الأبحاث العلمية المنجزة في الغرب، والمتعلقة بالكون والإنسان. ثم إنك لو جئتهم بكل آية ودليل، ما استمعوا لك، فقد علا الوقر آذانهم، وتمكن الإلحاد من قلوبهم، وإذا اهتدى أحدهم وأسلم، رموه بالحماقة والسخف.


إن إسناد التفكير إلى الدماغ يرجع بالدرجة الأولى إلى نتائج ذلك الصراع بين العلماء وأصحاب الكنيسة، وإلى الإطار الفكري الفلسفي المادي المشار إليه. كما يرجع من ناحية أخرى إلى أخطاء منهجية و علمية دقيقة. من بينها؛ عدم التمييز  بين القدرات  الذهنية والطا قة الدماغية. ذلك أن القدرات الذهنية، على الرغم من صلتها بالدماغ، تتميز بكونها قدرات بشرية متعلقة بكائن حي ذي كيان إنساني، وأوصاف وأبعاد معنوية يستحيل لمسها أو إخضاعها لتجارب مادية.


إن الذهن أو العقل موجود معنوي وروحي في جوهره وقدراته، في حين أن الدماغ عضو بيولوجي في جوهره وقدراته ووظائفه. ومن هنا فإن الدماغ لا يحتوي القيادة الذهنية والعقلية، وإنما هو كتلة بيولوجية تتجمع فيها المراكز العصبية لفاعليات وأنشطة الجسم البشري. نعم إن الدماغ يشكل مركز القيادة للبنية الجسمية، لكنه لا يشكل مركز القيادة للبنية الذهنية والعقلية، بل إن قيادة الدماغ للبنية الجسمية المتعلقة بالسلوك الإرادي لا تتحقق إلا تحت أوامر القيادة الذهنية. أما الحركات اللإرادية كدقات القلب وحركة المعدة، فعلاقتها المادية والعصبية بالدماغ واضحة، والكل تحت مشيئة الله وقدرته وعنايته، سبحانه ما أعظمه. وهكذا فإن الماهية الروحية للإنسان تهيمن بصفاتها وقدراتها، على صفات بنيتها الجسمية، لتوجيه العمل الوظيفي الدماغي لخدمة حياة الإنسان ونشاطه.


وفيما يخص التفكير يمكن القول؛ إن نقل الحس بالواقع بواسطة الحواس، إلى المراكز الحسية الدماغية، لا يحصل منه فكر مطلقا، والذي يحصل نتيجة هذه العملية هو الإحساس فقط، فلا بد من وجود وتوفر المعلومات السابقة في ذهن الإنسان أو قلبه، عندما تجري فيه عملية تفسير الواقع المحسوس، فيحصل تفكير وينتج فكر.


إن خصائص الطاقة القلبية أو العقلية توجد في الإنسان بوصفه كيانا لا بوصفه كتلة عضوية بيولوجية. فالإنسان هو الذي يحس، وهو الذي يشعر، وهو الذي يفكر ويعقل.


وفي هذا الصدد يقول د. هشام البدراني:


"إن إدراك مفهوم الحياة والإنسان واقعيا، يحتم بحث الإدراك والعقل والتفكير على غير طريقة النفسانيين، حيث يصب البحث على واقع العقل وواقع التفكير، وليس على الأعضاء والوظائف الجسمية... إن الدماغ ليس عضوا للتفكير وما ينبغي أن يكون للتفكير عضو غير الإنسان بوصفه كلا لا يتجزأ. وبهذا يتأكد لنا أن القائم بالتفكير هو الإنسان وليس عضو أو مجموعة أعضائه الجسمية."[1]



1-هشام البدراني: "مفاهيم علماء النفس؛ دراسة وتقويم"، دار البيارق، عمان الأردن 1998/ ص 101-102.



د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب/ ربيع الأول 1434/فبراير 2013.





















العقل والدماغ

2




إن دماغ الإنسان، حسب العلم الحديث، هو ذلك الجهاز المعجز ذي القدرة الهائلة على التحكم في أجهزة الجسم والسيطرة عليها مدى الحياة، والقيام بوظائف عديدة ما زلنا نجهل كثيرا منها. ولو فكر الإنسان في تقليد الدماغ البشري، اصطناعيا، فسيجد أنه سيحتاج لمعدات إلكترونية تملأ مدينة صناعية للقيام بالمعلوم من وظائف مخ واحد. وخلايا مخ الإنسان يمكن أن تستوعب ما يزيد على مليون بليون معلومة، والأشد إعجازا هو المرونة والتنظيم الخفي، والحساسية الفائقة في التعامل مع هذه المعلومات.


ولقد ذهب الفلاسفة المعاصرون والأطباء وعلماء النفس وجل المفكرين إلى أن العقل موجود في الدماغ، ويستندون في ذلك إلى دلائل كثيرة، من بينها:


-أن من أُجْريت لهم عمليات استئصالٍ للقلب ثم استبداله بقلب اصطناعي، فإنهم لم يصابوا بالجنون، مع فقدهم لكثير من الأحاسيس.


-أنك ترى جميع البشر يشيرون إلى الدماغ إما بالذكاء وسرعة الفهم، وإما بالجنون وبطء الفهم.
-قالوا: إنا وجدنا أن عامة ما يُؤثر في الدماغ يؤثر في العقل، وأن المرء إذا سكر أو ضُرِب على رأسه فإنه قد يُغمى عليه أو حتى يفقد عقله، فدلّ ذلك على أن الدماغ هو العقل ومركز الإحساس والتصورات.
-وقالوا: إنه إذا اختل الدماغ أو المخ في حادث، اختل العقل والتصور والإحساس، بينما نجد أن القلب قد يمرض ويبقى العقل سليماً.


إن الدراسات والأبحاث البيولوجية و الفسيولوجية، بنتائجها العلمية الباهرة، أوحت إلى كثير من الباحثين والفلاسفة وعلماء النفس، بأن العقل محله الدماغ، كما أن هذا الأخير هو آلة التفكير. وفي غمرة الفرح بما توصل إليه الفسيولوجيون في ميدان وظائف الدماغ، والجوانب المتعلقة بالإحساس والفضاء العصبي، وبما انتهوا إليه من استنتاجات ونظريات مادية، مال علماء النفس وأطباء الدماغ، إلى المزج بين الماهية العضوية للجسم البشري، وبين جوهر الكينونة البشرية، علما بأن الأعضاء المكونة لجسم الإنسان، لها خصائص ووظائف غير خصائص ووظائف الإنسان ككيان بشري متميز.


إن لكل عضو من جسد الإنسان خاصية تميزه عن الأعضاء الأخرى. وكذلك الإنسان يتصف بصفات خاصة به غير صفات جسمه أوأعضائه، لكونه كيانا خاصا لا مجرد جسم أو مجموعة أعضاء.


وإذا كانت خاصية الحواس تكمن في نقل الإحساس بالواقع، وخاصية الدماغ؛ تمركز الإحساس الواقعي المنقول إليه، فإن خاصية الإنسان أعلى من ذلك وأرقى؛ إنها الإحساس والشعور والإدراك.


يقول د. هشام البدراني:


"فالعين والأذن وغيرهما من الحواس، ترتبط في الكائن البشري بعلاقة كونه كيانا وليس مجموعة أعضاء، بأنها وسائل نقل الحس بالواقع إلى مراكز الإحساس في الإنسان. وهذا النقل ليس هو الإحساس المترتب من تكامل عناصره من الواقع المحسوس، وخاصة الحواس لنقله، وقدرة الكائن البشري على تمثله بالصورة الحسية المعينة. لأن العين هنا وساطة لتوصيل صور الواقع الحسية بصفتها البصرية، وليست هي محل الرؤية أو صفته. على هذا فإن العين لا تبصر، وإنما تنقل الحس بالواقع الذي تتأتى به مقومات الرؤية للكائن الحي البشري، فتحصل الرؤية. والأذن لا تسمع، وإنما تنقل الحس بصورة الواقع السمعي، والدماغ لا يحس، وإنما يتركز فيه الإحساس، وهكذا. فلو كان الإبصار خاصة العين لأمكن الرؤية بالعين وحدها وبمعزل عن الجسم؛ وما يقال في العين ينطبق على باقي الحواس أو الأعضاء."[1]


وكثيرا ما تجد الإنسان غائبا بعقله وكيانه، يفكر في موضوع معين، وتحدث وقتئذ أصوات فلا يسمعها، أو تمر أشياء أمام عينيه فلا يبصرها. لماذا بطل الإحساس بتلك الأصوات والصور، مع سلامة الأذن والعين والدماغ؟ أليس لأن الإنسان بعقله وقلبه وكيانه المستقل عن تلك الأدوات والآلات ومجموع البنية الفسيولوجية والعصبية، هو الذي يقرر ويحكم ويحس ويشعر ويدرك...؟ فلم لم يأمر الدماغ (الذي يعقل ؟؟ !) الحواس بنقل تلك المحسوسات المسموعة والمرئية، إلى مركزها، ثم يعمل على إدراكها بنفسه ؟. ألا يتبين من خلال هذا المثال أن خاصية الإحساس والشعور والإدراك هي خاصية متعلقة بماهية الإنسان وكينونته وحقيقته الروحية؟ أليس من السطحية وقصور في الفهم الظن بأن تلك الخاصية هي خاصية عضو جسدي مادي، أو خاصية مجموعة من الخلايا، أو أعصاب دماغية...؟


وقد يقول قائل: إن الأجهزة العلمية الدقيقة استطاعت رصد الحركات أو التفاعلات البيولوجية الدماغية، التي تحدث أثناء عملية التفكير، سواء كان الإنسان غائبا أو حاضرا بذهنه، نائما أو يقظان، مما يثبت الأصل البيولوجي المادي للتفكير؛ أي أن الدماغ هو الذي يفرز التفكير. أقول: إن هذا خطأ فادح، والصواب هو أن تلك الحركات أو التفاعلات البيولوجية الدماغية تمثل وتجسد الآثار المادية البيولوجية للعمليات العقلية القائمة في كيان الإنسان أو قلبه أو روحه، إذ كل ما يفكر فيه الإنسان أو تنقله حواسه، يطبع وينقش في دماغه. إن الإحساس بوجود العملية العقلية في الدماغ هو مجرد إحساس وليس معرفة، إحساس ناتج عن أثر المعرفة في الدماغ من خلال النقش أو الطبع الذي تدل عليه تلك الحركات أو التفاعلات البيولوجية الدماغية. ومن هنا فإن الظن بوجود القدرة العقلية، ذات الأساس الروحي، في الدماغ ظن خاطئ واستنتاج لا ينهض على دليل قاطع.


إن عقل الإنسان قائم على على عناصر أربعة: 1- الواقع المحسوس، 2- المعلومات السابقة، 3- الحواس الخمس، 4- الدماغ. ولا يمكن أن يحصل فكر إلا بوجود المعلومات السابقة التي بواسطتها يفسر الإحساس؛ إذ يستحيل أن يتولد تفكير أو فكر عن الإحساس البيولوجي وحده.


إن الاعتقاد بمادية الوجود كله، ونفي وجود الروح وعالم الغيب، من الأسباب الرئيسة التي جعلت الفسيولوجيين وعلماء النفس والفلاسفة الماديين، يخلطون بين الخواص والوظائف العضوية والجسمية، وبين الخواص البشرية وماهية الإنسان، مما أدى إلى تقديم فكرة غير صحيحة عن الإنسان ووظيفته وموقعه في الوجود. كما نتج عن هذا الموقف الفلسفي سوء فهم طبيعة الدماغ ووظيفته؛ حيث اعتبروا هذا العضو محل العقل أو هو العقل ذاته، في حين أنه فضاء عضوي وظيفي، تتمركز فيه الصور الحسية التي تنقلها الحواس.



 [1] - هشام البدراني: "مفاهيم علماء النفس؛ دراسة وتقويم"، دار البيارق، عمان الأردن 1998/ ص 101-102.



د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/ جامعة القرويين، تطوان المغرب، ربيع الأول 1434/ فبراير 2013.













الصوفية وأمريكا

1


إن التاريخ المعاصر يحدثنا عن علاقات سياسية خطيرة نسجها المستعمر الفرنسي والإنجليزي في القرنيين التاسع عشر والعشرين مع كثير من شيوخ الطرق الصوفية في شمال إفريقيا وباقي البلدان العربية، ففي الجزائر مثلا، كان أتباع الطريقة التيجانية وشيوخها أكثر الناس نفعا لفرنسا في الجزائر وبعض الأقطار الأفريقية. ولقد استطاعت أوريلي بيكار الفرنسية أن تتسلل إلى الزاوية التيجانية، وتتزوج شيخها ومؤسسها أحمد التيجاني، ولما توفي تزوجت أخاه، فأطلق عليها التيجانيون لقب؛ "زوجة السيدين"، وكانوا يتيممون بالتراب الذي تمشي عليه، مع أنها ظلت كاثوليكية، وقد أنعمت عليها فرنسا بوسام الشرف لأنها أدارت الزاوية التيجانية الكبرى إدارة حسنة تخدم مصالح المستعمر الفرنسي. وقد ساعد أتباع الطريقة التيجانية الجيوش الفرنسية بمختلف الوسائل.


قال الشيخ محمد الكبير صاحب السجادة التيجانية الكبرى في خطبة ألقاها أمام رئيس البعثة الفرنسية في مدينة عين ماض بالجزائر بتاريخ 28 ذي الحجة 1350: "إن من الواجب علينا إعانة حبيبة قلوبنا فرنسا ماديا ومعنويا وسياسيا. ولهذا فإني أقول على سبيل الاحتساب والشرف والقيام بالواجب: إن أجدادي قد أحسنوا صنعا في انضمامهم إلى فرنسا قبل أن تصل إلى بلادنا، وقبل أن تحتل جيوشها الكرام ديارنا"[1].


إن الأمثلة والدلائل على الروابط والعلاقات المتينة التي كانت قائمة بين الإدارة الاستعمارية  وكثير من شيوخ الطرق الصوفية، أكثر من أن تحصى. ويبدو أن هذه العلاقات لا زالت حية  ومستمرة وفعالة. وهذا نص  يتضمن  حدثا هاما يؤكد استمرارية العلاقات والروابط المذكورة:


"وجهت لبعض مشايخ الطرق الصوفية في مصر دعوات لحضور مؤتمر عن التصوف في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي دعوات أثارت ردود أفعال غاضبة في أوساط مشايخ الطرق الصوفية، ورئيس المجلس الأعلى للطرق الصوفية، إذ اعتبرها البعض دعوة مشبوهة تروج للفكر الشيعي..


واتهم محمد علاء أبوالعزايم عضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية، وشيخ الطريقة العزمية الشيخ محمد أبو هاشم شيخ الطريقة الهاشمية بأنه مصاب بعدم اتزان عاطفي؛ بسبب خسارته في المجلس الأعلى للطرق الصوفية، وذلك لرفضه المؤتمر وقوله: إنه مؤتمر بيزنس.


وحول علاقات أمريكا بالصوفية قال أبوالعزايم في تصريحات لـ«المصري اليوم» قبيل ساعات من سفره للمشاركة في مؤتمر «التصوف» بأمريكا: البعض يحاول تشويه الهدف السامي الذي نسافر من أجله.


وفي محاولة لاستعراض مكانته بالمؤتمر المشبوه قال: أنا همزة الوصل بين دعاة المؤتمر في أمريكا وهم من الصوفية السُنة ومشايخ الطرق الصوفية في مصر، وأوضح أن منظمي المؤتمر دعوا عشرة أفراد من قيادات هذه الطرق في حين طلبوا منه دعوة ثلاثين صوفياً من أهل السُنة.


وزعم أبو العزايم أن هذا المؤتمر صوفي، وليس شيعياً أو أمريكياً.. فأمريكا من مصلحتها أن تغير سياستها تجاه العرب والمسلمين، وتنظر للصوفيين باعتبارهم قوة كبيرة وعريضة من المسلمين لا تمت للإرهاب بأية صلة.. لافتاً إلي وجود اتصالات مع المسلمين الصوفيين في أمريكا.


وقال: إن الاتهامات التي وجهت للمشاركين في المؤتمر بأنهم مجموعات 'بزنس' لا أساس لها من الصحة! لأن المشاركين في المؤتمر من ذوي المراكز المرموقة في المجتمع، ولا يسعون لمصالح شخصية.. وأكد شيخ الطريقة العزمية إلي أنه سيذهب إلي المؤتمر حتى لو لم يوافق المجلس الأعلى للطرق الصوفية؛ لأنه ليس له سلطان علي سفري.


وأكد أبو العزايم أن علاقات قوية تربط بين مشايخ الطرق الصوفية السُنية في مصر ومثيلاتها في أمريكا، وقال: إن المجلس الأعلى للطرق الصوفية وضع شروطاً للتأكد من انتماءات المشاركين في المؤتمر.


وعن أسباب اهتمام أمريكا بالطرق الصوفية في العامين الأخيرين قال: من مصلحة أمريكا ومصلحتنا عقد تلك المؤتمرات؛ لتوصيل النموذج المثالي للإسلام لمناهضة الأفكار الهدامة التي تدعو إلى العنف والتطرف، والتي نشرها دعاة الوهابية سواء «القاعدة» أو «الإخوان المسلمين»، على حد زعمه.


وعن موقف المشيخة العامة للطرق الصوفية (رسمية) من مشاركة المشايخ في المؤتمر قال الشيخ حسن الشناوي شيخ مشايخ الطرق الصوفية: "إن المشيخة ليس لها علاقة بأي شكل من الأشكال بتنظيم هذا المؤتمر، وإن الطريقة العزمية هي التي قامت بتنسيق الأمر مع الرابطة الصوفية بالولايات المتحدة".


يذكر أن الطريقة العزمية طريقة شيعية تدَّعي التصوف لتكون جسرًا لنشر العقيدة الشيعية بين مسلمي السنة في مصر."


مجلة آخر ساعة، 23 أبريل 2008.


 [1] - روم لاندو: "تاريخ المغرب في القرن العشرين"، ص 143


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب ربيع الأول 1434/يفبراير 2013.


 






.