التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الصوفية وأمريكا


إن التاريخ المعاصر يحدثنا عن علاقات سياسية خطيرة نسجها المستعمر الفرنسي والإنجليزي في القرنيين التاسع عشر والعشرين مع كثير من شيوخ الطرق الصوفية في شمال إفريقيا وباقي البلدان العربية، ففي الجزائر مثلا، كان أتباع الطريقة التيجانية وشيوخها أكثر الناس نفعا لفرنسا في الجزائر وبعض الأقطار الأفريقية. ولقد استطاعت أوريلي بيكار الفرنسية أن تتسلل إلى الزاوية التيجانية، وتتزوج شيخها ومؤسسها أحمد التيجاني، ولما توفي تزوجت أخاه، فأطلق عليها التيجانيون لقب؛ "زوجة السيدين"، وكانوا يتيممون بالتراب الذي تمشي عليه، مع أنها ظلت كاثوليكية، وقد أنعمت عليها فرنسا بوسام الشرف لأنها أدارت الزاوية التيجانية الكبرى إدارة حسنة تخدم مصالح المستعمر الفرنسي. وقد ساعد أتباع الطريقة التيجانية الجيوش الفرنسية بمختلف الوسائل.


قال الشيخ محمد الكبير صاحب السجادة التيجانية الكبرى في خطبة ألقاها أمام رئيس البعثة الفرنسية في مدينة عين ماض بالجزائر بتاريخ 28 ذي الحجة 1350: "إن من الواجب علينا إعانة حبيبة قلوبنا فرنسا ماديا ومعنويا وسياسيا. ولهذا فإني أقول على سبيل الاحتساب والشرف والقيام بالواجب: إن أجدادي قد أحسنوا صنعا في انضمامهم إلى فرنسا قبل أن تصل إلى بلادنا، وقبل أن تحتل جيوشها الكرام ديارنا"[1].


إن الأمثلة والدلائل على الروابط والعلاقات المتينة التي كانت قائمة بين الإدارة الاستعمارية  وكثير من شيوخ الطرق الصوفية، أكثر من أن تحصى. ويبدو أن هذه العلاقات لا زالت حية  ومستمرة وفعالة. وهذا نص  يتضمن  حدثا هاما يؤكد استمرارية العلاقات والروابط المذكورة:


"وجهت لبعض مشايخ الطرق الصوفية في مصر دعوات لحضور مؤتمر عن التصوف في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي دعوات أثارت ردود أفعال غاضبة في أوساط مشايخ الطرق الصوفية، ورئيس المجلس الأعلى للطرق الصوفية، إذ اعتبرها البعض دعوة مشبوهة تروج للفكر الشيعي..


واتهم محمد علاء أبوالعزايم عضو المجلس الأعلى للطرق الصوفية، وشيخ الطريقة العزمية الشيخ محمد أبو هاشم شيخ الطريقة الهاشمية بأنه مصاب بعدم اتزان عاطفي؛ بسبب خسارته في المجلس الأعلى للطرق الصوفية، وذلك لرفضه المؤتمر وقوله: إنه مؤتمر بيزنس.


وحول علاقات أمريكا بالصوفية قال أبوالعزايم في تصريحات لـ«المصري اليوم» قبيل ساعات من سفره للمشاركة في مؤتمر «التصوف» بأمريكا: البعض يحاول تشويه الهدف السامي الذي نسافر من أجله.


وفي محاولة لاستعراض مكانته بالمؤتمر المشبوه قال: أنا همزة الوصل بين دعاة المؤتمر في أمريكا وهم من الصوفية السُنة ومشايخ الطرق الصوفية في مصر، وأوضح أن منظمي المؤتمر دعوا عشرة أفراد من قيادات هذه الطرق في حين طلبوا منه دعوة ثلاثين صوفياً من أهل السُنة.


وزعم أبو العزايم أن هذا المؤتمر صوفي، وليس شيعياً أو أمريكياً.. فأمريكا من مصلحتها أن تغير سياستها تجاه العرب والمسلمين، وتنظر للصوفيين باعتبارهم قوة كبيرة وعريضة من المسلمين لا تمت للإرهاب بأية صلة.. لافتاً إلي وجود اتصالات مع المسلمين الصوفيين في أمريكا.


وقال: إن الاتهامات التي وجهت للمشاركين في المؤتمر بأنهم مجموعات 'بزنس' لا أساس لها من الصحة! لأن المشاركين في المؤتمر من ذوي المراكز المرموقة في المجتمع، ولا يسعون لمصالح شخصية.. وأكد شيخ الطريقة العزمية إلي أنه سيذهب إلي المؤتمر حتى لو لم يوافق المجلس الأعلى للطرق الصوفية؛ لأنه ليس له سلطان علي سفري.


وأكد أبو العزايم أن علاقات قوية تربط بين مشايخ الطرق الصوفية السُنية في مصر ومثيلاتها في أمريكا، وقال: إن المجلس الأعلى للطرق الصوفية وضع شروطاً للتأكد من انتماءات المشاركين في المؤتمر.


وعن أسباب اهتمام أمريكا بالطرق الصوفية في العامين الأخيرين قال: من مصلحة أمريكا ومصلحتنا عقد تلك المؤتمرات؛ لتوصيل النموذج المثالي للإسلام لمناهضة الأفكار الهدامة التي تدعو إلى العنف والتطرف، والتي نشرها دعاة الوهابية سواء «القاعدة» أو «الإخوان المسلمين»، على حد زعمه.


وعن موقف المشيخة العامة للطرق الصوفية (رسمية) من مشاركة المشايخ في المؤتمر قال الشيخ حسن الشناوي شيخ مشايخ الطرق الصوفية: "إن المشيخة ليس لها علاقة بأي شكل من الأشكال بتنظيم هذا المؤتمر، وإن الطريقة العزمية هي التي قامت بتنسيق الأمر مع الرابطة الصوفية بالولايات المتحدة".


يذكر أن الطريقة العزمية طريقة شيعية تدَّعي التصوف لتكون جسرًا لنشر العقيدة الشيعية بين مسلمي السنة في مصر."


مجلة آخر ساعة، 23 أبريل 2008.


 [1] - روم لاندو: "تاريخ المغرب في القرن العشرين"، ص 143


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب ربيع الأول 1434/يفبراير 2013.


 






.




تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وتباشيره. ومما لا ش…

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954.
الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016).
المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازنـة بيـن شيخ العلـم وشيخ التربيـة : سنة 2007. 5- تجـربتـي الصوفيــة …

لماذا تركت التصوف ؟

إن السنوات السبع التي كنت أحياها متصوفا، أثناء دراستي الجامعية في باريس، كانت سنوات صعبة من حيث الوضع النفسي والاجتماعي. فقد كنت غريبا دينيا واجتماعيا وثقافيا؛ أي أن مجتمع الإقامة الفرنسي، يختلف عن مجتمعي المغربي المسلم اختلافا جذريا. فكنت إذن أمام خيارين: خيار الانصهار والذوبان في مجتمع الغربة، وخيار العزلة والانطواء على الذات أو الهروب. فاخترت الثاني. ومن هنا تجلى لي التصوف كأحسن طريق لممارسة هذا الخيار والمحافظة عليه. وهذا الكلام مبسوط في مطلع "تجربتي الصوفية"، انظر charefab.com

ولما أنهيت دراستي الجامعية، ورجعت إلى وطني العزيز، وانخرطت في سلك التدريس بكلية أصول الدين، التحم كياني النفسي والعقلي من جديد بالفضاء الديني والاجتماعي والثقافي المغربي. فصرت كأنني أكتشف نفسي أو أتعرف على كائن غاب عني وانقطعت صلتي به !!

وهكذا في خضم الحياة الأسرية والاجتماعية، والأنشطة الجامعية والثقافية، بدأت تتلاشى الخيوط العنكبوتية الصوفية التي نسجتها حول نفسي في ديار الغربة والمهجر.

وبعبارة أخرى، لما انعدمت أو ارتفعت الأسباب التي دعتني إلى التصوف، حلت محلها العوامل الموجبة لهجره والتحلل منه. وفي…