مرض الغفلة

0
 

88f135a483ef01fac8d7b920488085e4_L

بسـم الله الرحمن الرحيم

قال الله عز وجل في كتابه العزيز:

"وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إليه مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ *إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ * مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ *وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ *وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ *وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ *لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ " (سورة ق 16-22).

مشهد قرآني مؤثر ورهيب، رسالة ناطقة بالإنذار والوعيد، خطاب إلهي لا تشعر بوزنه ووطأته غير قلوب المؤمنين الذين تتجافى جنوبهم عن المضاجع فيهبوا، يحملهم الشوق، إلى الركوع والسجود والاستغفار، ومناجاة ربهم والناس نيام.

إن الله يعلم ما توسوس به نفسك، وما يخالج صدرك، وما تخفي وما تعلن؛ أي كل ما يجول في سرك وباطنك من خواطر وأفكار. وهو سبحانه الرقيب وأي رقيب. جعل عن يمينك ملكا وعن شمالك ملكا؛ يكتبان ما تفعله من خير أو شر. إنه كتابك؛ أنت الذي دونته وملأت صفحاته بأقوالك وأفعالك. غدا ستقرأه فتسر أو تحزن: "إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا" (سورة الإسراء 14).

ثم هجم الموت بسكراته. وما أدراك ما الموت، ويا ليت ميتا حدثك، يقظة، بهول الموت وشدته، وأخبرك ببعض ما رأى وسمع أو أحس، لعلك تنزجر أو تعتبر.

هيهات هيهات، فنحن أحياء وهم أموات. لا بل نحن أموات وهم أحياء: "يا ليتني

قدمت لحياتي" (سورة الفجر 24).

"لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد".

يا عبد الله: ما الفرق بين الغفلة والموت ؟ ما ثمة فرق: "أموات غير أحياء وما يشعرون أيان يبعثون" (سورة النحل 21)، "أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها" (الأنعام 122).

بعد خروج الروح، يكشف الغطاء، ويقوى البصر؛ بصر القلب وتتجلى كثير من الحقائق الغيبية، ويتبين للغافل أنه كان يلعب، فيندم ويتحسر، وتتمزق روحه ولات حين مناص.

"لقد كنت في غفلة من هذا"؛ من... ومن أن الله رقيب عليك، وأن ملائكته تكتب ما تقول وتفعل، ومن أن الموت آت، وأنك قادم على الله للحساب لأنك عبده شئت أم أبيت؛ "إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا" (مريم 93).

"لقد كنت في غفلة من هذا"...

غفل العبد فهو غافل؛ غفل فعل إرادي تام، مبني على الوعي والشعور، جامع لمعنى الإرادة. أراد العبد الغفلة، فحصل عليها وحققها، وفرح بها، وتنعم بها، واستظل بظلها، وركن إليها.

العبد فاعل مرفوع بالعبودية لله، لكنه اختار الغفلة بإرادته ، فانسلخ من شرف العبودية ، وأخلد إلى الأرض متبعا هواه.

إن هذا العبد الغافل مريد لأفعال غفلته، محب لها، تجري في كيانه مجرى الدم في جسده. يحميها ويدافع عنها إذا انتقدت. إنها كيانه وهويته وروحه.

ماذا تريد منه أيها الناصح الأمين؟ إنه لا يرغب في نصائحك ويكره أمثالك.

دائرة الغفلة، دائرة مغلقة. أحكم إغلاقها بإرادة تامة. وإسهام الشيطان في تثبيت هذه الغفلة، أمر صحيح. بيد أن الإرادة تبقى لصاحبها، واختيار الغفلة ومحتبها والتعلق بها يرجع إليه، إذ هو مكلف ومحاسب؛ "قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد" (ق 27).

ومن هنا يخطئ كثير من المسلمين الغافلين المذنبين، عندما يلعنون الشيطان ويجعلونه سببا مباشرا لما يصدر منهم من أفعال الشر.

يستفاد من قوله تعالى؛ "لقد كنت في غفلة من هذا"... فوائد وعبر منها:




  • أن الدنيا بزينتها ومتعها وملذاتها تؤثر سلبا في قلوب الغافلين الذين لا يستحضرون درس الابتلاء؛ "إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا" (الكهف 7)، "تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا" (الملك 1-2).




  • إن الانفصال القائم، في وعي وشعور العباد، بين عالم الشهادة وعالم الغيب، من أهم  الأسباب المؤدية والمفضية إلى الغفلة والبعد عن الله. ذلك أن الموت وأحواله وعالم القبر، والملائكة ويوم القيامة، والميزان والصراط  والجنة والنار...، كل هذه الحقائق لها وجود، كما أن لحقائق عالم الشهادة وجود. بيد أن عدم استحضار العبد لتلك الحقائق المتعلقة بعالم الغيب، وعدم التفكر فيها والانتفاع  بتدبرها وتذوقها، يجعله غافلا عنها، حتى تغدو بالنسبة إليه، كأنها غير موجودة، فيحرم نفسه من ثمرات الوعد والوعيد ومن السياحة الإيمانية الروحية في فضاء عالم الغيب، ويخلد إلى الدنيا والأرض.




  • "فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد"...




لقد غدت الغفلة بمثابة غطاء أو حجاب يمنع العبد الغافل من رؤية الحقيقة. إنه ظلام الشهوات الكثيف، ظلام الذنوب والمعاصي؛ ظلام الكبر والغرور والعجب والحسد والرياء... ظلام الباطل وعساكره... ظلام البعد عن الله. وبعد خروج الروح يكشف الغطاء، فتفنى الشهوات الدنيوية والنفسية ويتبدد ظلامها، ويتجلى نور حقائق ما بعد الموت. ولذا ينبغي إحداث ثقوب أو نوافذ في هذا الغطاء، كي يتسرب من خلالها نور المعاني المتعلقة بعالم الغيب، فتتنور صور عالم الشهادة في قلب العبد وتتفاعل مع معاني وحقائق عالم الغيب، فيمسي هذا العبد حيا في عالمي الدنيا والآخرة. بل ينظر إلى الدنيا بعيون الآخرة.


 

وأخيرا، ما هو سبيل علاج مرض الغفلة؟

 

أعظم وسيلة لعلاج داء الغفلة هي التوبة الصادقة النصوح وتقوى الله تعالى. ولا يتم ذلك إلا بممارسة المجاهدة والمراقبة  والمحاسبة مع المواظبة على برنامج إيماني يشتمل على القيام بما فرض الله على عباده من صلاة وصوم وزكاة... واجتناب المحرمات، وحفظ اللسان والعين  والأذن...مع الإكثار من قراءة القرآن والمبادرة إلى نوافل الطاعات وفعل الخيرات،  والاهتمام بأمر المسلمين والإحسان إلى ذوي القربى والضعفاء والمحتاجين.

 

د. عبد الله الشارف، مكة المكرمة، ربيع الأول 1436، دجنبر 2014.

.

الإسلامولوجيا الفرنسية؛ صورة من الاستشراق الجديد (1)

0
 

p15_20071210_pic1

 

 بسـم الله الرحمن الرحيم

الإسلامولوجيا تخصص علمي أكاديمي بدأ يظهر قبل بضعة عقود في الجامعات الغربية. ويبدو أن وراء انتشاره عوامل كثيرة؛ لعل من أبرزها أن الاسلام أصبح له وجود م ركزي في الثقافة الغربية، بل يشكل تحديا كبيرا لها. ومن هنا انجذب كثير من الباحثين الغربيين إلى الاسلام؛ دينا  وثقافة و، يبحثون فيه ، ويتساءلون عن أسباب يقظته وانتشاره.

ومن حيث الجانب السياسي، فإن بعض الأحداث مثل الثورة الإيرانية والجهاد الأفغاني، وكذا النتائج السياسية والاجتماعية والثقافي للصحوة الإسلامية، ثم أحداث 11 سبتمبر 2001... إلخ، كل ذلك دفع كثيرا من الغربيين إلى مزيد من البحث في الإسلام ومجتمعاته. كما قد يضاف إلى عوامل نشأة الإسلامولوجيا؛ عامل وجود ملايين من المسلمين في أوربا وأمريكا، وهو حضور ثقافي وديني له وزنه وتأثيره في الثقافة الغربية. ولا ننسى أيضا ظاهرة التحول من المسيحية إلى الإسلام والتي غدت من الظواهر الدينية والثقافية الجديدة.

إن دخول مآت الآلاف من الغربيين في الإسلام، الذين قد يصبح عددهم بضعة ملايين بعد سنوات أو عقود، ليوحي إلى الغرب بأن هذا الدين ينطوي على حيوية خاصة ومميزات تجعله يواكب العصر ويجيب عن الأسئلة الحرجة، ويستجيب لمطالب النفس خاصة فيما يتعلق بالفراغ الروحي.

وإذا كانت شعب أو تخصصات الإسلامولوجيا في الجامعات الغربية يدرس فيها الطلبة المواد المتعلقة بالإسلام دينا وثقافة وتاريخا وواقعا معاصرا، فإن الأساتذة الإسلامولوجيين المشرفين على هذا التخصص الجديد، تربطهم بالمستشرقين روابط وأواصر القرابة العلمية المتعلقة بموضوع الإسلام والمسلمين. بل كثير منهم تتلمذوا على أساتذة مستشرقين.

ورغم أن عمل الإسلامولوجيين، أساتذة وباحثين، لا يختلف من حيث الجوهر والروح عن عمل المستشرقين، إلا أنهم ينفرون من مصطلح الاستشراق، ويقلقون لمجرد نعتهم بالمستشرقين الجدد.

يقول أوليفيه روا، وهو أحد أبرز الباحثين الفرنسيين في مجال الإسلامولوجيا، ومن أقطاب “الإستشراق الفرنسي الجديد” :

“إنتقلت الدراسات الإسلامية عندنا من فترة المستشرقين الكلاسيكيين الذين كان إهتمامهم منصبّاً أساساً في التخصص في مجالات دراسة القرآن والتاريخ الإسلامي واللغات والآداب الشرقية، أمثال مكسيم رودنسون وجاك بيرك وكلود كاهين، إلى جيل جديد من الباحثين المتخصصين أساساً في السوسيولوجيا والعلوم السياسية. هذه الفئة الجديدة من الباحثين لا ترى أن الدراسات الفقهية القرآنية أو التاريخية هي أداتها الرئيسية في دراسة الظواهر الإسلامية المعاصرة وتحليلها، بل المحكّ بالنسبة لها هو البحوث الميدانية. ... ونحن بخلاف الكلاسيكيين لا نسعى لفهم الظواهر الإسلامية المعاصرة في ضوء دراسة التاريخ أو الفقه أو الآداب القديمة، بل تنعامل مع هذه الظواهر التي ندرسها من خلال أدوات البحث العلمي التي نعتمدها لتحليل أي ظواهر إجتماعية أو سياسية أخرى ندرسها شرقية كانت أم غربية. لكن هذا لا يعني أن هذا الجيل من الباحثين له نظرة واحدة وآراء متوافقة في مجال الإسلاميات والإستشراق، بل لكل واحد منهم خصوصيته وتوجهه وأفكاره، أما السمة المشتركة التي جعلتهم يؤلفون ظاهرة متميزة فتكمن في كونهم جميعاً متخصصين إما في السوسيولوجيا أو في العلوم السياسية، وهو ما  يجعلهم يغلبون دوماً الدراسة الميدانية على دراسة النصوص"[1]

"و يرى اوليفيه روا أن التحول الذي حققه الجيل الجديد من المستشرقين الإسلامولوجيين يعود لعدّة أسباب؛ أهمها خصوصية الإستشراق الفرنسي المغاير للتجربة الإنغلوساكسونية والتي يمثّلها اليوم برنارد لويس، والقطيعة التي تعمّقت أكثر، بفضل ما إكتسبناه نحن الأكاديميين من استقلالية فكرية وتحويلية، ومن هامش نقدي تجاه المؤسسات الرسمية ومراكز القرار السياسي والعسكري. ينتقد أوليفيه روا أعمال برنارد لويس بشدّة لأنه لا يزال يعتمد الأدوات الكلاسيكية، الأمر الذي أدّى به إلى الإرتماء في المحافظين الجدد وإتخاذه مواقف عدائية من الإسلام والمسلمين."[2]

أوليفييه روا من مواليد سنة 1949 بمدينة «لاروشيل»، غرب فرنسا. ينحدر من أصول دينية بروتستانتية. يحمل إجازة في الفلسفة ودكتوراه في العلوم السياسية. يشغل حالياً منصبي مدير الدراسات بالمدرسة العليا الفرنسية للعلوم الاجتماعية، ومدير الأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي.

بدأ دراساته التخصصية في مجال إلاسلامولوجيا مطلع الثمانينيات، وكان ذلك على إثر رحلات بحث ميدانية عدة أجراها في إيران وأفغانستان. أصدر أول كتاب له في مجال الإسلاميات، سنة 1985، بعنوان «أفغانستان: الإسلام والحداثة السياسية». ومن أبرز مؤلفاته :«فشل الإسلام السياسي» ( 1992)، «جينيالوجيا الإسلامية» (1995)،«آسيا الوسطى الجديدة أو مصنع الأمم» (1997)،«إيران: كيف يمكن الخروج من ثورة دينية؟» (1999)،«نحو إسلام أوروبي»  ( 1999)،«الشبكات الإسلامية : الرابطة الأفغان ـ باكستانية» (2002)،«عولمة الإسلام» ( 2002)،«تركيا اليوم : هل هي بلد أوروبي؟» (2004).

ان كتابات أوليفييه روا عن الاسلام والمسلمين تسير في خط موازي للاستشراق الجديد، مع التركيز على الحركات السياسية الاسلامية أو الاسلام السياسي. كما أن المطلع على مؤلفاته المتعلقة بالاسلام السياسي، يلمس بأن هذا الاسلامولوجي يحكم على هذا المجال بالفشل الذريع؛ أي أن جميع الانتفاضات والحركات والتوجهات السياسية الاسلامية المعاصرة، آيلة إلى الذبول ثم الفناء لانها لا تقوم على مشروع علمي وعقلاني، بل مجرد مواقف وسلوكات انفعالية واندفاعية وردود فعل إزاء الضغوط الدكتاتورية وعوامل الفقر والاستبداد. بل إنه ذهب في كتابه؛ "الاسلام المعولم" إلى أن ثقافة المجتمعات الاسلامية ما زالت تتأثر بالثقافة الغربية وتواصل طريقها نحو تبني تصوراتها وتمثلاتها. وبعبارة أخرى فإن هذه الثقافة ستذوب مع الاجيال القادمة في الثقافة الغربية الكونية. ومن هنا فان الاسلام، في رأيه، ثقافة ومجتمعا سينخرط لا محالة في تيارالعولمة المعاصرة.

وفي هذا الصدد وتحت عنوان ؛ هل انتهى «الإسلام السياسي» كما تبشر الكتابات الغربية؟ كتبت صحيفة الوسط البحرينية:

كان الباحث الفرنسي «أوليفييه روا» أول من بشر بـ "ما بعد الإسلام السياسي»، وذلك في كتابه «فشل الإسلام السياسي» الصادر في العام 1992، ثم جاء بعده زميله الفرنسي أيضا «جيل كيبيل» فطور المفهوم في كتابه «جهاد... انتشار وانحسار الإسلام السياسي»، وقارن فيه تجربة الإسلام السياسي أو «الإسلاموية» بالتجربة الشيوعية، فالإسلاميون فيهم ثوريون  مثل الشيوعيين، ثم عاد «أوليفييه روا» وتلميذه السويسري «باتريك هاني» لتطوير الأطروحة بالحديث عن تحول الاسلام السياسي الاجتماعي، في هذا أصدر «روا» كتابه  «الإسلام المعولم»، بينما أصدر هاني كتابه الذي لا يقل أهمية «إسلام السوق». على جانب آخر، كان «فرانسوا بورجا» أحد أبرز المختصين الفرنسيين أيضا في الإسلام السياسي يصر على رفض الأطروحة والمفهوم، ويعتبر الإسلام السياسي حركة هوية، ويراها مرحلة جديدة في مواجهة الاستعمار مثلما طرح في كتابه ذائع الصيت «الإسلام السياسي صوت الجنوب".[3]

إن فرانسوا بورجا  (1958_) يذهب مذهبا آخر ويرى أن هذه الانتفاضات والحركات السياسية الاسلامية تعبر عن توجه تغييري عميق، وعن حركة قوية نحو الرجوع إلى الذات والهوية الاسلامية. وقد يكون فرانسوا هذا الاسلامولوجي الفرنسي الوحيد الذي يبدي الميل والتعاطف مع القضايا العربية.

"أكد الأكاديمي الفرنسي والباحث في معهد الأبحاث والدراسات حول العالم العربي والإسلامي، فرانسوا بورجا، ضمن الندوة التي نظمها أخيرا منتدى الكرامة لحقوق الإنسان في بمناسبة المنتدى العالمي لحقوق الإنسان المنعقد بمراكش، أن هناك علاقة وطيدة بين تراجع الديمقراطية في دول الربيع العربي، وبين تنامي قوة التطرف والإرهاب.

وأفاد بورجا، في لقاء مناقشة مع كل من بنسالم حميش، وعبد العلي حامي الدين، حول التحولات السياسية في العالم العربي وقضايا حقوق الإنسان، أن "الغرب يتحمل مسؤولية تدهور الأوضاع في سوريا ومصر وغيرها، وإن صمته على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان هو امتداد لمواقفه الداعمة للأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط".

وشدد المتحدث على أن الاحتجاجات التي انطلقت في سوريا كانت سلمية، وترفع شعار الشعب السوري واحد، لكن النظام حول معركته ضد الحرية والديمقراطية إلى معركة ضد السنة، ونجح في تحويلها إلى معركة طائفية بين الشيعة والسنة، وبقي العالم الغربي يتفرج في الوقت الذي كانت فيه روسيا وإيران تدعمان نظام الأسد....

وتفاعل فرنسوا بورجا، عضو المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، مع هذه الإشارة بالقول: "إن الغرب كان دائما يدعم الأنظمة الاستبدادية في العالم العربي، فلا داعي للاستغراب مادام أن الغرب أعطى جائزة لكل من بنعلي وبوتفيلقة وحسني مبارك على احترامهم لحقوق إنسان".[4]

يتضح من كلمات هذا النص أن فرانسوا بورجا يقرأ السياق الاجتماعي والسياسي للاحداث الاخيرة في المنطقة العربية، قراءة لا تحمل في طياتها المواقف والاحكام التي تزخر بها كتابات وتآليف الاسلامولوجيين الفرنسيين المعاصرين من أمثال أوليفييه روا  وجيل كيبل وبرونو إتيان وغيرهم. بل ينتقد الحكومات الغربية التي تساند الحكام العرب المستبدين، وتخذل الثورات والانتفاضات العربية بموقفها السلبي إزاء ما يحدث من مآسي وكوارث مع كونها تدعي الديمقراطية والدفاع عن حقوق الانسان.

ولعل السنوات الطويلة التي قضاها هذا الاسلامولوجي الفرنسي في بعض البلدان العربية تكون سببا من الاسباب جعلته أقرب إلى الموضوعية والتجرد في أبحاثه وكتاباته المتعلقة بالعالم العربي والاسلامي. ذلك أنه؛ "درس القانون في مدينة قسنطينة الجزائرية (1973_ 1980)، واشتغل بالابحاث والدراسات في القاهرة (1989_ 1993)، وعمل مديرا بالمعهد الفرنسي للشرق الاوسط بدمشق (2008_ 2012) ثم في بيروت (2012_ 2013)".

وله مؤلفات كثيرة حول الوضع السياسي والاجتماعي في العالم العربي؛ منها: "الاسلام السياسي؛ صوت الجنوب"، و"الاسلام السياسي في المغرب العربي" (1995)، و"الاسلام السياسي زمن القاعدة" (2005)، و"اليمن نحو الجمهورية" (2005)، و"ليبيا" (2003)، و""الاسلام السياسي في المواجهة" (1996) وغيرها من  المؤلفات.

 

[1] - مقابلة مع أوليفيه روا: إستشراقنا لا علاقة له بإستشراق الإستخبارات الإنغلوساكسونية، (جريدة الأخبار،30 حزيران، 2008).

2- المرجع السابق.

[3]-.صحيفة الوسط البحرينية - العدد 2450 - الجمعة 22 مايو 2009م الموافق 27 جمادى الأولى 1430هـ

[4] -  صحيفة "هسبريس" الالكترونية (المغرب)، نور الدين لشهب، 2_12_2014.

 

د. عبد الله الشارف؛ مكة المكرمة، صفر الخير 1436_ دحنبر 2014.

من ثمرات تدبر القرآن

0


إن مما لا يخفى على المؤمن اللبيب أن تدبر القرآن والتفكر فيه وإعمال العقل في آياته، واستنباط الحقائق واستخراج الفوائد منها، كل ذلك مما أشارت إليه كثير من الآيات الحكيمة. ولولا  الإكثار من التدبر والتأمل في كلام الله سبحانه وتعالى، ما كتب العلماء والفقهاء قديما وحديثا أصنافا من العلوم والمعارف، ولما اهتدوا إلى مجموعة من الحقائق الصحيحة والنافعة.

قال تعالى: "كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب " (ص 29).

وقال أيضا : "أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا ". (النساء 82). وقال تعالى : " أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها " (محمد 24).

إلى غير ذلك من الآيات الدالة على التدبر والتأمل وإعمال العقل والفهم. وقراءة القرآن بلا تدبر كممارسة العبادة بلا فقه ولا خشوع. وعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال : قام رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا ليلة فقام بآية يرددها، وهي: "إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم " (المائدة 120)، [1].

وترديد الآيات أثناء القراءة أو في صلاة الليل، له أثر عميق في النفس لكونه يفضي بصاحبه إلى التدبر والتأمل فتتحرر نفسه من قفصها، وتنجذب إلى عوالم الآخرة والسكينة.

كما أن تدبر القرآن يبعث على تأمل وفهم دلالة الآيات على المقاصد التي يسترشد المسلمون بها، واستنباط المعاني واستخلاص العبر، وفي ذلك خير عظيم يجلبه لنفسه القارئ المتدبر والمتفهم لآيات الله. ولقد كان ذلك دأب السلف الصالح ومنهجهم في التعامل مع القرآن الذي انفعلت به نفوسهم، وتأثرت به قلوبهم، فظهر أثر ذلك على جوانحهم وفي أعمالهم الجليلة.

 

ويطلق التدبر في اللغة العربية على النظر في عاقبة الأمر والتفكر فيه. وتدبر الكلام يعني النظر في أوله وآخره مع إعادة النظر بهدف التيقن. وإن مما يدعو للعجب أن تجد كثيرا من المسلمين يقرأون القرآن ولا يجنون ثمرة قراءتهم، لخلوها من الخشوع والتدبر والتفكر. فلا سبيل لنور القرآن إلى قلوبهم لكونها مقفلة ومغلقة بسبب الانشغال بالدنيا وحظوظ النفس.

نعم، إن قارئ القرآن بتدبر وخشوع وإخلاص، لهو أهل لأن يظفر بمحبة الله والشوق إلى لقائه، والخوف من عذابه، والتوكل عليه، والشكر على نعمه، والصبر على بلائه. وبما أن تدبر المؤمن للقرآن والخشوع في تلاوته دليل محبته لله وتعظيمه  لكلامه، فإن تلك المحبة الصادقة هي التي أورثته أحوال الشوق والخوف والشكر والرضا والتوكل... وهذا من ثمرات التدبر الناتج عن المحبة. ولا يسعني، في هذا الصدد، إلا أن أسوق كلاما  لابن القيم رحمه الله، جمع فيه من ثمرات تدبر القرآن ما يثلج الصدر ويحيي القلب:
"فليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده ، وأقرب إلى نجاته من تدبر القرآن ، وإطالة التأمل فيه ، وجمع الفكر على معاني آياته ، فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرهما ، وعلى طرقاتهما وأسبابهما وغاياتهما وثمراتهما ، ومآل أهلهما ، وتتل في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة ، وتثبت قواعد الإيمان في قلبه ، وتشيد بنيانه وتوطد أركانه ، وتريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه ، وتحضره بين الأمم ، وتريه أيام الله فيهم ، وتبصره مواقع العبر ، وتشهده عدل الله وفضله ، وتعرفه ذاته ، وأسماءه وصفاته وأفعاله ، وما يحبه وما يبغضه ، وصراطه الموصل إليه ، وما لسالكيه بعد الوصول والقدوم عليه ، وقواطع الطريق وآفاتها ، وتعرفه النفس وصفاتها ، ومفسدات الأعمال ومصححاتها وتعرفه طريق أهل الجنة وأهل النار وأعمالهم ، وأحوالهم وسيماهم ، ومراتب أهل السعادة وأهل الشقاوة ، وأقسام الخلق واجتماعهم فيما يجتمعون فيه ، وافتراقهم فيما يفترقون فيه .
وبالجملة تعرفه الرب المدعو إليه ، وطريق الوصول إليه ، وما له من الكرامة إذا قدم عليه .
وتعرفه في مقابل ذلك ثلاثة أخرى : ما يدعو إليه الشيطان ، والطريق الموصلة إليه ، وما للمستجيب لدعوته من الإهانة والعذاب بعد الوصول إليه .

فهذه ستة أمور ضروري للعبد معرفتها ، ومشاهدتها ومطالعتها ، فتشهده الآخرة حتى كأنه فيها ، وتغيبه عن الدنيا حتى كأنه ليس فيها ، وتميز له بين الحق والباطل في كل ما اختلف فيه العالم . فتريه الحق حقا ، والباطل باطلا ، وتعطيه فرقانا ونورا يفرق به بين الهدى والضلال ، والغي والرشاد ، وتعطيه قوة في قلبه ، وحياة ، وسعة وانشراحا وبهجة وسرورا ، فيصير في شأن والناس في شأن آخر ." [2]

إن هذه الثمرات العظيمة التي أشار إليها فقيهنا الجليل، لهي من جوامع كلمه ولآلئ فوائده المبثوثة على صفحات كتبه القيمة. وإني أنصح طلبة العلم بالإكثار من قراءة مؤلفات ورسائل هذا العالم المتبحر الفذ، فقد كان في حياته صادقا مع الله متبعا سنة نبيه صلوات الله وسلامه عليه، وأفنى عمره في نشر العلوم المفيدة.

وقال أيضا: " وبعد، فلما كان كمال الإنسان إنما هو بالعلم النافع، والعمل الصالح. وهما الهدى ودين الحق، وبتكميله لغيره في هذين الأمرين، كما قال تعالى: "والعصر إن الإنسان لفي خسرإلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر"، أقسم سبحانه أن كل واحد خاسر إلا من كمل قوته العلمية بالإيمان، وقوته العملية بالعمل الصالح، وكمل غيره بالتوصية بالحق والصبر عليه، فالحق هو الإيمان والعمل، ولايتمان إلا بالصبر عليهما، والتواصي بهما، كان حقيقا بالإنسان أن ينفق ساعات عمره بل أنفاسه فيما ينال به المطالب العالية، ويخلص به من الخسران المبين، وليس ذلك إلا بالإقبال على القرآن وتفهمه وتدبره واستخراج كنوزه وإثارة دفائنه، وصرف العنايــــة إليه، والعكوف بالهمة عليه. فإنه الكفيل بمصالح العباد، في المعاش والمعاد. والموصل لهم إلى سبيل الرشاد. فالحقيقة والطريقة، والأذواق والمواجيد الصحيحة،كلها لاتقتبس إلا من مشكاته، ولا تستثمر إلا من شجراته".[3]

ما أنفس كلام العلامة الفقيه محمد بن قيم  الجوزية، وما أحوجنا إلى الاستفادة منه وممارسته في حياتنا. ومن ناحية أخرى فإن إدراك الطبيعة العلوية للخطاب القرآني واستشعار الحق الكامن فيه، يتطلب تجريد النفس من أهوائها والإنصات إلى معانيه بقلوب منفتحة صادقة. والأسباب المساعدة على ذلك كثيرة، سأذكر منها سببين:

أولا: حضور القلب أثناء التلاوة، وهو أس هذا البناء وشرطه اللازم، إذ كيف يتصور جني ثمار التلاوة والقلب ساه أو غافل. قال تعالى: "إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد" (سورة ق 37).

ولكي يتم للعبد حضور القلب أثناء التلاوة، ينبغي لقارئ القرآن أن يجمع همته ويركزها في القصد المطلوب. وهذا أمر منطقي ومجرب؛ فإن الذي عقد العزم على إتيان أمر ما، أو القيام بمهمة معينة واستفرغ لذلك وسعه وبذل فيه جهده، لا بد أن يحصل له من التركيز فيما هو مشغول به والانصراف عن كل ما يشوش عليه عمله. وعلى قدر محبته وتعظيمه لذلك الأمر ماديا كان أو معنويا، يتحرر باطنه من الوساوس والأفكار المثبطة وصنوف من أحاديث النفس الجالبة للكسل والوهن، والمسببة في الإعراض عن القيام بجلائل الأعمال. وإذا كان التركيز وجمع الهمة في أمر دنيوي ابتغاء تحقيقه ونيله، يفضي في غالب الأحيان إلى الغرض المقصود، فمن باب أولى أن يؤدي هذا الشرط إلى الغرض المرجو إذا تعلق الأمر بقراءة القرآن.

وغني عن البيان أن الذي يقبل على قراءة الذكر الحكيم بشغف وهمة ووقار، مع تعظيم الله وإخلاص الدين له، وصدق لهجة المناجاة من خلال الترتيل، يجد من اللذة الروحية ما يعجز عن وصفه الواصفون.

ثانيا : الخشوع، حيث أن حضور القلب ينتج عنه الخشوع، وذلك بطريقة تلقائية، فمن حضر قلبه خشع. قال تعالى: "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق"[4] . وقال أيضا: "الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله "[5]

والخشوع يجعل قلب المسلم يذل ويخضع لخالقه، كما تلين جوارحه لطاعته، وبالتالي فإن باطنه يغدو محلا لتنزل الرحمات، وورود الإشراقات والنفحات الإلهية. ثم إن اللحظات التي يكون فيها الكيان الإنساني متفتحا لتلقي شيء من حقيقة القرآن يهتز فيها اهتزازا ويرتجف ارتجافا، ويقع فيه من التغيرات والتحولات ما يمثله في علم المادة فعل المغناطيس والكهرباء بالأجسام أو أشد. والذين أحسوا شيئا من مس القرآن في كيانهم، يتذوقون هذه الحقيقة تذوقا لا يخطر على بال غافل ولا يرقى إليه عقل جاهل.

وإذا تعود المؤمن استحضار قلبه والتحلي بحلية الخشوع أثناء تلاوة القرآن، فقد أذن لنفسه بولوج عالم التدبر، ذلك الفضاء المعنوي الفسيح الذي لا يتوقف عن الاتساع بفضل إمدادات حالتي الحضور والخشوع، وترى العبد يسبح في أرجائه ممتطيا معاني الآيات، منتهلا من حروف "إقرأ"؛ "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون". تارة تعتريه الدهشة والحيرة من شدة الأنوار الساطعة من أصل تلك الحروف وما تحمله من إيحاءات ربانية متلألئة، وتارة أخرى ينجذب إلى صلصاله الطيني حتى لايزيغ عن دورته الفلكية، أويحمله هيمانه إلى عالم قد يكون فيه حتفه كما حصل لأصحاب الحلول ووحدة الوجود من الصوفية، وحتى يعرف أن التحقق بالعبودية الحقة يستلزم القيام بواجبات الاستخلاف وتطبيق شريعة الله.

[1] أخرجه النسائي وابن ماجة بسند صحيح.

[2] - مدارج السالكين ج1ص 363

[3] - مدارج السالكين ج1 ص28-29

[4] - سورة الحديد آية 15

[5]-  سورة الزمر " 23

 

د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف، مكة المكرمة، صفر الخير 1436_ دجنبر 2014.