العبادة بين التكليف والتشريف

1
العبادة-بين-التشريف-والتكليف

جمعني لقاء بشابين طالبين باحثين فاضلين: عبد الله الغامدي، وعبادة الكيلاني. وبينما نحن نتحدث في موضوع الإيمانيات، إذ توجهت بالكلام إلى عبادة قائلا:

ما أجمل "عبادة" أهل الجنة !! فرد علي: لا عبادة في الجنة.

فقلت: يا عبادة؛ العبادة نوعان: عبادة تكليف، وعبادة تشريف. الأولى في الدنيا والثانية في الجنة. ومن الأدلة على وجود الثانية، قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه عن أهل الجنة: "ويلهمون التسبيح كما يلهمون النفس". أو ليست هذه عبادة يا عبادة ؟

إن الله قد أكرم أهل الجنة بكل أنواع النعم، ولولا أن التسبيح من أجل النعم بل أجلها، لما ألهمهم إياه كما ألهمهم النفس. وإذا كان الله عز وجل يقول في كتابه العزيز: "وإن من شيء إلا يسبح بحمده"، فكيف يستثني عباده المكرمين في الجنة ويحرمهم من هذه النعمة ؟ إن الآية تفيد أن كل شيء يسبح أي يعبد الله، فالتسبيح إذن عبادة، وما دام أن أهل الجنة يسبحون فإنهم يعبدون الله. بيد أن عبادتهم هذه ملهمة وخارجة عن إرادتهم إن صح التعبير.

وبما أن أهل الجنة انتقلوا من دار التكليف إلى دار النعيم، فإن الله قد أسقط عنهم عبادة التكليف، وأكرمهم بالعبادة الكونية؛ أي أنهم قد انتظموا في سلك قانون التسبيح الكوني الأبدي، وغدا كيانهم يلهج بالتسبيح، وهم في الوقت نفسه يتنعمون بنعم الجنة، ويتناولون ما يشتهون على سرر متقابلين، ولله في خلقه شؤون.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولهذا يكون اشتغال أهل الجنة بذلك أعظم من كل شيء كما في الحديث: " إن أهلَ الجنةِ يُلهمُون التسْبيحَ كَمَا يُلهَمُونَ النَّفَس " (رواه مسلم) وهو يبين غاية تنعمهم بذكر الله ومحبته"(الفتاوي ج 10).فهذا نعيم لا يشغلهم عنه ولا يلهيهم ما بين أيديهم من النعيم المخلوق لأن لذّته أعظم مما هم فيه. وبالمناسبة أزف إليك نصوصا أدبية رقيقة ولطيفة لها علاقة بالموضوع، أقتطفها من كتابي: "في أدب الرقائق" (ص 71-72-92-167).

لذة الذكر

لا تعبده على رسم التكليف، مجردا عن المحبة والتزليف. فغاية العبادة رؤيته، ولذة القلب ذكره, وما تلذذ أهل الجنة بأعظم من تلذذهم برؤيته وذكره إذ "يلهمون التسبيح كما تلهمون النفس". فأصل محبته في قلبك، واذكره على كل أحوالك، واعلم ألا طعم للجنة إلا بذكره ورؤيته، وأن حقيقة العبودية في تأمله جل جلاله وعكوف القلب عليه، وعند كشف الغطاء يفرح المؤمن باللقاء .

 

إذا استغرق الذكر كيانك

إذا سكت لسان فمك عن الدنيا ونطق لسان قلبك بالآخرة، وتجوهرت نفسك بالذكر حتى استغرق كيانك، واستمعت إلى لغته العذبة بسمعك الباطني، وحصل لك الهيام بالتهليل والتسبيح، وصرت كانك مجذوب وما بك جذب، فاعلم أن الله قد فتح في قلبك نافدة تطل منها على جنة الذكر، وأن أهل الجنة، جعلني الله وإياك منهم، "يلهمون التسبيح كما تلهمون النفس"، وأن ذكرك يوقد من شجرة الإيمان تكاد أغصانها تتلألأ نورا ولو سكت لسان قلبك ساعة.

لابد لك من ذكره

يا عبد الله لا بد لك من ذكر ربك، في يومك وغدك، ودنياك وآخرتك. يا عبد الله إذا ذكرته، ستذكره في جنتك، تحت ظلال أشجارك، وعلى ضفاف أنهارك، وبين حور عينك ونسائك. يا عبد الله شتان بين ذكرك له مع أنفاسك، وذكرك له مع زفراتك وآهاتك. وشتان بين ذكرك؛ يا حبيبي اشتقت لرؤيتك فإذا بمركب بجانبك يحملك إلى مولاك، وبين ذكرك؛ "يا مالك ليقض علينا ربك". فالبدار البدار، والتوبة التوبة، وما أراك تطيق رؤية مالك.

 

كن موصولا بالحق

إذا رمت التلذذ بشئ فلم تظفر بلذة، أو كان حظك ضعيفا، أو كطيف لم يلبث أن توارى، فاعلم أنك لم تكن موصولا بالحق وأن حبلك منقطع. واعلم أن لا تلذذ في الحقيقة إلا ما كان مع الذكر والقرب والحضور، وأن لذة الغفلة والبعد أماني وسراب وغرور. فاظفر بالأصل تنعم به وبالفرع، وإلا فلا أصل ولا فرع وإنما ضرب في حديد بارد.

 

أنشودة الذكر

 

ذكري نَفَسي نَفَسي ذكري؛ “سبق المُفَردون”

ذكري سكينتي، ذكري أمني، ويُتَخَطف الناس من حولي

ذكري سياحتي، ذكري تأملي؛ “ويتفكرون في خلق السموات والأرض”

ذكري حريتي، ذكري إرادتي وعزيمتي، ذكري استجابتي لما يحييني؛ “استجيبوا لله

وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم”

ذكري عمارة قلبي، ذكري غراس جنتي؛ “سبحان الله وبحمده”

**********

ذكري دوائي من أسقامي، ذكري سلاحي في نحر عدوي؛ الوسواس الخناس

ذكري جنتي؛ عدني وفردوسي؛ “أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر”

ذكري جلاء همي وحزني، وحياة روحي ونور قلبي؛ يسعى بين يدي، ويضيء ما حولي؛ “يهدي الله لنوره من يشاء”

ذكري يقظتي من غفلتي، وتوبتي من خطيئتي، وزوال غشاوتي عن مهجتي؛ “وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور”

ذكري نَفَسي، نَفَسي ذكري؛ “أهل الجنة يُلهمون التسبيح والتكبير كما تُلهمون النفس”

**********

ذكري غذائي، ذكري رحيقي، ذكري شرابي من سلسبيلي

ذكري لذتي، ونعيم قلبي؛ ما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله عز وجل

ذكري أنيسي في خلوتي، ورفيقي في جلوتي: “أنا جليس من ذكري”

ذكري قائما، ذكري قاعدا، ذكري على جنبي، وفي جميع أحوالي، وأتفكر في خلقه، و أجني العنب من الدوالي

ذكري يحجبني، ذكري يقيني غيبتي ونميمتي، ولغوي وغفلتي، ذكرى يذكرني إذا طاف بي

شيطاني؛ فإذا أنا مبصر

**********

ذكري قناعتي، ذكري رزقي وغناي، ذكري وقايتي من فقري وفاقتي؛ “من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين”

ذكري خادمي، ذكري معيني؛ ييسر عسيري ويذلل صعابي؛ “لا حول ولا قوة إلا بالله”

ذكري أفضل أعمالي، وتاج أقوالي، ونور أفعالي

ذكري أكبر من صدقتي، ومن بري وإحساني، ومن حجي وعمرتي؛ “ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون”

ذكري مداد قلمي، وروح كلماتي، ونور بصري في قراءتي، ومرشدي في مذاكرتي، وباب معرفتي. والذكر بالتذكر، والعلم بالتعلم، والله يحيي القلوب بالذكر والحكمة، كما يحيي الأرض بوابل السماء.

 

د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف، كلية أصول الدين تطوان المغرب، رجب 1437-أبريل 2016.

 

 

 

حوار إيماني

0
حوار-ايماني

حدث شاب صديقه:

لقد وعدك البارحة مدير بالعمل في شركته، بدءا من مطلع الشهر القادم. أليس كذلك ؟

أجل.

ووعدك الله الفردوس والملك الكبير والنعيم الخالد إن أنت عبدته مخلصا له الدين.

أجل.

هلا أخبرتني بنسبة اليقين في الوعدين كليهما ؟

وعد مدير الشركة يتراوح اليقين فيه ما بين صفر ومائة. ووعد الله يتجسد فيه اليقين مائة في المائة.

حدثني عن شعورك وأملك خلال مقابلتك لمدير الشركة.

لما استقبلني في مكتبه، أحسست بروح السعادة تسري في كياني، وهمت في عالم الآمال والأحلام، واستيقنت أن ما كنت أرجوه وآمل تحقيقه قد دنا مني وأقبل علي.

أخبرني عن شعورك ومناجاتك لربك وأنت تصلي.

آه، ما أتعسني. لو كان شعوري وأملي وأنا أناجي ربي في صلاتي شبيها بشعوري وأملي وأنا أقابل المدير، لفزت بالحسنيين ونعيم الدارين.

هل هذا يعني أن يقينك في الله أضعف من يقينك في مدير الشركة ؟

كلا، إن يقيني في الله الرزاق الرحيم أقوى من يقيني في المدير ووعوده.

لكن كيف تفسر الفرق الواضح، على المستوى النفسي، بين مقابلتك للمدير ومناجاتك لربك أثناء صلاتك ؟ وبعبارة أخرى؛ ما هو تعليلك لوجود التركيز العقلي وحرارة الوجدان، وسريان معاني الآمال والأحلام في كيانك وأنت تتحدث إلى المدير من جهة ؟ ومن جهة أخرى شعورك بالفتور العقلي وضعف التركيز واليقظة، وضعف أأأأو برودة في الوجدان، وانصراف عن جوهر الصلاة إلى السياحة في خواطر النفس وأهوائها وأنت تصلي ؟

إن ما أشرت إليه نفيس وصحيح، وأظن أن سبب ذلك يكمن في ضعف الإيمان.

لكنك قلت قبل قليل؛ إن يقينك في الله أقوى من يقينك في مدير الشركة ووعوده.

نعم وما زلت أعتقد ذلك.

وكيف يمكن الجمع يا صديقي، بين قوة اليقين في الله ووعده، وضعف الإيمان به ؟

أجل يمكن الجمع بينهما، بل إن المسلمين لديهم اليقين في أن الله لا يخلف وعده، وأن الجنة حق والنار حق. ومع ذلك فإن معظمهم مقصرون ومذنبون وغافلون، وما ذلك إلا لضعف إيمانهم.

اسمع يا صديقي وكن فطنا؛ إن اليقين الذي لا يثمر قوة في الإيمان، ولا يكره إليك الذنوب والمعاصي، ولا يجنبك الغفلة، هو يقين إقرار لا يقين ذوق ووجدان وإحسان. قال رسول الله صىلى الله عليه وسلم: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا" (رواه مسلم). وجاء في حديث آخر صحيح: "... والإحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك".

إن يقين الإقرار؛ أي أنك تقر أن الله لا يخلف وعده...، لا يكفي يا صديقي، بل لا يعول عليه، ويشترك فيه الصالح والطالح. إنه ينبغي أن يتواطأ في اليقين عقلك وقلبك، وما ثم غير قلبك. وإلا فأنت تضرب في حديد بارد، ولن تبلغ المراد.

يا صديقي؛ إن القطيعة إذا أقيمت بين العقل أي القلب واليقين الذوقي الإحساني، فإن ذلك يؤدي إلى ضعف في الإيمان، وتعلق شديد بالدنيا وعالم الشهادة، وعزوف عن الآخرة وعالم الغيب. وهذا هو الداء الذي عز دواؤه، وغاب بين الناس أطباؤه.

جزاك الله على هذه النصيحة والإشارة اللطيفة، وسأراجع نفسي وأتأمل حالي إن شاء الله قبل فوات الأوان.

 

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، رجب 1437- أبريل 2016.

 

 

معشر الصوفية الأفاضل

0
معشر-الصوفية-الأفاضل

إخواني، معشر الصوفية الأفاضل، لقد تبين لي من خلال هذا العمل أن المناظرة في القضايا المذهبية من أصعب أنواع المناظرات، لأن كلا المتناظرين يرى أن صاحبه أو مناظره غير متجرد من الأهواء والميولات . فالمعترض على التصوف البدعي الطرقي يعتبر لدى مناظره المتصوف، وهابيا أو جاهلا بالتصوف، ولو قدم هذا المعترض ألف حجة وبرهان. والأمر كذلك بالنسبة لمدعي التصوف إزاء مناظره المعترض.

فلو قال المعترض مثلا: إن النبي صلى الله عليه وسلم تستحيل رؤيته يقظة بعد موته، بدليل أن ليس أحد من الصحابة أو التابعين ومن تبعهم بإحسان خلال القرون الأولى ادعى ذلك، وإنما ادعى تلك الرؤية شيوخ  وأقطاب بعد ظهور وتطور بدعة التصوف، لأجابه مدعي التصوف: إنك جاهل بعلوم القوم وأذواقهم أو مصاب بآفة الوهابية. بيد أنني أتساءل: لماذا لم يقم أحد من هؤلاء الأدعياء بدعوة الناس لرؤية النبي صلى الله عليه وسلم عندما رآه أو حضر معه حتى يقيم الحجة على المعترض أو الوهابي؟ أليس لأنه يفتري أو خيل إليه أنه يراه؟

وكذلك إذا قال المعترض: إن المسلم لا يستطيع الطيران في السماء بدون آلة، ولا يستطيع إقامة صلاة الظهر في أقصى المشرق وصلاة العصر في أقصى المغرب دون الاستعانة بوسيلة نقل، ولا أن يستجيب، وهو ميت في قبره، لمستغيث يستغيث به، ولا أن يتصرف في أحوال الناس وأرزاقهم كما يفعل الأقطاب والأبدال والأوتاد، لأجاب مدعي التصوف أن كل هذا يستطيعه شيوخ التصوف وأقطابه وأوتاده، ولا دليل له على ذلك سوى أنه مسطر في كتبهم كما أنه يجري على ألسنتهم. وقس على هذا ما لا يتسع المجال لذكره من الترهات والطامات والمسوخات.

وكذلك إذا قال المعترض: هذا الذي تسمونه علوما لدنية لم يكن موجودا عند الصحابة والتابعين، ولا يشبه من قريب ولا من بعيد إلهاماتهم وفتوحاتهم في فهم الدين وإدراك حقائقه. فمن من الصحابة أو التابعين تفوه بكلام من جنس كلام ابن الفارض في تائيته، أو الجيلي في كتابه؛ "الإنسان الكامل" ، أو ابن عربي في "فتوحاته" أو "فصوصه"،أو الدباغ في كلامه الذي لم يحسن دبغه، أو الشعراني أو التيجاني أو ابن عجيبة أو الحراق.... لأجاب مدعي التصوف بالجواب نفسه، ولا دليل يستدل به سوى الهوى.

ولوقال المعترض: ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: ” لا تجعلوا قبري وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد”[21]. وفي الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي لم يقم منه: “لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد”[22] .

وقال صلى الله عليه وسلم: ألا وان من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أوليائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، اني أنهاكم عن ذلك.”[23]

وعندما خالفوا أمره صلى الله عليه وسلم، جرهم ذلك الى مفاسد عظيمة، حيث اعتقدوا في أصحاب الأضرحة الضر والنفع وقضاء الحوائج، وتقربوا اليهم بالذبائح والقرابين، وطلبوا منهم ما يطلبه العباد من ربهم، واستغاثوا بهم الى غير ذلك من ألوان الشرك التي تفسد العقيدة. أقول: لو قال المعترض كل هذا لأجابه المتصوف الطرقي: أنت تنكر بركة الأولياء ونفعهم للعباد، وتنفي كراماتهم وما خصهم الله به، وما يشبه هذا الكلام.

ولو قال المعترض: ان كل واحد من الشيوخ الطرقيين يزعم أنه تلقى ذكرا وأورادا خاصة بطريقته من الغيب، إما من الله مباشرة، أو من الرسول صلى الله عليه وسلم يقظة أو مناما، أو من الخضر عليه السلام، مثل ما هو موجود في الطريقة التيجانية، حيث يجلس المريد الذاكر جلسة التشهد، مغمضا عينيه، مستحضرا صورة الشيخ أحمد التيجاني، شيخ الطريقة، ويتخيل أن عمودا من النور يخرج من قلب الشيخ ويدخل في قلبه..

ولهم ذكر آخر يوم الجمعة عند الغروب، حيث يرددون لا اله الا الله ألف مرة مع السماع؛ وهو انشاد شئ من الشعر بالغناء والترنم جماعة ، ثم يقولون: الله حي، والمنشد ينشدهم وهم قيام حتى يخلص عندهم الى لفظ : آه، آه، آه. ويسموه هذه الحالة: العمارة. ثم يصلون صلاة الفاتح لما أغلق خمسين مرة، ثم لا اله الا الله مئة مرة، ثم صلاة جوهرة الكمال اثني عشرة مرة. وبما أن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الأربعة، يحضرون، في زعمهم، عند قراءة جوهرة الكمال، لذا يجب التطهر بالماءن وليس التيمم، قبل قراءتها. ومن شروطها أيضا تهييئ الفراش الطاهر الذي يسع خمسة أشخاص، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يحضر ومعه الخلفاء الأربعة !!!؟[24] .

ان العبادات التي شرعها الله توقيفية فلا مجال للرأي فيها، ومع كل هذا الانحراف لا يستحيي الصوفية الطرقيون ولا يردعهم عقل أو دين من الزعم الدائم أنهم يهتدون بالكتاب والسنة.

أقول: لو قدم المعترض هذا الكلام وأثبته بالحجج والبراهين، فان المتصوف الطرقي لن يعدم جوابا من جنس الأجوبة السابقة التي تنبت في أرض الأهواء والشركيات والضلالات.

اخواني الصوفية: قال عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه: “من كان منكم مستنا، فليستن بمن كان مات، أولئك أصحاب محمد، أبر هذه الأمة قلوبا، وأعمقها علما، وأقلها تكلفا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيهم واقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم، وتمسكوا بهديهم، فانهم كانوا على الهدى المستقيم”.[25]

فمن خالفهم زاعما أنه أتى بطاعة و قربة، فلا يخلو حاله من أمرين: اما أنه جاء ببدعة ظلما، واما أن يكون مدعيا فاقهم فضلا وعلما، بل كان مالك رحمه الله تعالى يقول: “من أحدث في هذه الأمة شئ لم يكن عليه سلفها، فقد زعم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الدين؛ لأن الله تعالى يقول: “اليوم أكملت لكم دينكم”، فما لم يكن يومئذ دينان لا يكون اليوم دينا”.[26]

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو رد”.[27] أي مردود على صاحبه غير مقبول. وقال حذيفة بن اليمان رضي الله عنه: “كل عبادة لم يتعبدها أصحاب رسول صلى الله عليه وسلم، فلا تعبدوها فان الأول لم يدع للآخر مقالا”.

اخواني الصوفية: ان التصوف الطرقي ملئ بالبدع والمخالفات والضلالات، بدءا من أخذ العهد وتقديس الشيوخ أحياء وأمواتا، والاستغاثة بهم، ومرورا بالقبورية والمواليد والمزارات، ثم طي الزمان والمكان والكشوفات والمعارج، وهم جرا ومسخا… كل هذه المظاهر البدعية المستحدثة وغيرها، يدين بها الصوفية الطرقيون، ويتقربون بها الى الله، وهم بذلك خالفوا أمر الله ورسوله، حيث أنهم أدخلوا في عبادتهم لله ما لم يأمر به. ومن هنا فاني أخشى أن يصدق عليهم أو يعمهم قوله تعالى: “فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم” (سورة النور: 63)

إخواني المتصوفة الأفاضل؛ كلانا متمسك برأيه ومدافع عنه، فلا معنى للاستمرار في هذه المناظرة، ولذا فإنني قررت التوقف عن الحوار معكم في هذا الموضوع، وسوف أقوم، إن شاء الله، بطبع هذه المناظرة ونشرها كي يستفيد منها القراء.

أسأل الله العلي القدير أن يرزقنا السداد في القول والعمل. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين.

تطوان، صفر الخير 1432 هجرية يناير 2011 ميلادية.

د. عبد الله الشارف؛ مقتطف من كتابي: "مناظرة صوفية معاصرة". منشورات الزمن-الرباط المغرب 2014.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

حوار بين مقيم ومهاجر

0
Syrian refugees go through passport control before boarding the passenger ship "Eleftherios Venizelos" at the port on the Greek island of Kos, August 16, 2015. The vessel will house more than 2500 refugees and migrants who entered the country from theTurkish coast and will be used as a registration center for migrants.The United Nations refugee agency (UNHCR) called on Greece to take control of the "total chaos" on Mediterranean islands, where thousands of migrants have landed. About 124,000 have arrived this year by sea, many via Turkey, according to Vincent Cochetel, UNHCR director for Europe. REUTERS/Alkis Konstantinidis

قال أحد المهاجرين العرب في أوربا:

لقد بدأ الإسلام في العقود الأخيرة ينتشر انتشارا واسعا في كثير من بلدان النصارى ولعل السبب في ذلك وجود مئات الآلاف من المسلمين العاملين والمقيمين مع أسرهم في هذه البلدان، حيث الاحتكاك والتأثر المتبادل بين الطرفين، مما نتج عنه إقبال عدد كبير من الأوربيين على الإسلام، وهذه الظاهرة لم تكن معروفة قبل هجرة العمال المسلمين إلى أوروبا والإقامة فيها.

وما دام الأمر كذلك، فإن إقامة المسلم في هذه البلاد تبدو ضرورية إن لم تكن واجبة؟! لأن المسلم العربي ينبغي أن يساند أخاه المسلم الأوربي. ويشد أزره كي تقوى بينهما الأخوة الدينية، مما يساعد على نشر الإسلام وإقامة الدولة المسلمة؟!!

فأجابه صديقه المقيم في بلاده :

قولك إن انتشار الإسلام في بلدان النصارى سببه وجود المسلمين العاملين في هذه البلدان، قول يفتقر إلى دليل، ورأي سقيم بعيد عن السداد والصواب.

والقول الراجح والمحكم في هذه المسألة، هو ما أثبته الدارسون المتخصصون في كتاباتهم وأبحاثهم حول هذه الظاهرة، بعد أن وقفوا على حقيقة الأمر وجليته، فاتضح كما يتبين الصبح لذي عينين. لقد أكد هؤلاء الدارسون أن سبب إقبال الغربيين على الإسلام يرجع بالدرجة الأولى، إلى عوامل داخلية متعلقة بطبيعة الحضارة الغربية المعاصرة، تلك الحضارة التي فقد فيها التوازن بين الجانبين المادي والروحي في الإنسان، حيث طغى الجانب الأول على الثاني بعد أن حيل بين هذا الإنسان وبين القيم الروحية والإيمانية، بسبب الفلسفة العلمانية. فانتشرت الأمراض والعقد النفسية وكثرت المشاكل الأسرية والاجتماعية، واستفحل الانتحار والعنف والإرهاب، وظهرت فلسفات التمرد والغثيان.

كل هذه الظواهر المرضية وغيرها نجمت عن ذلك الاختلال بين العنصرين الجوهريين: المادي والروحي وتغليب العنصر الأول على الثاني.

وهكذا اندفع الإنسان الغربي؛ بسبب وطأة الفراغ الروحي؛ يبحث في الثقافات، والفلسفات، والديانات العالمية، لعله يعثر عن دواء أو بلسم. فمنهم من أصبح بوذيا، ومنهم من عكف على ممارسة اليوكا، أو ما أشبهها من الرياضات والفنون الروحية الأسيوية، وانخرط آخرون في جمعيات ومنظمات روحية، أو صوفية، أو تلك التي لها علاقة بالجن والشياطين، والبعض الآخر، الذي هو بيت القصيد؛ بحث في الإسلام فوجد فيه ضالته وراحته، كما أكد أولئك الدارسون أن البحث العلمي والثقافي السائد اليوم عند الغربيين، بالإضافة إلى المؤسسات والمعاهد العلمية المتخصصة في التراث الإسلامي، كل هذا يعتبر من العوامل الممهدة لقبول الإسلام والدخول فيه. كما لم يغفل هؤلاء الباحثون عامل الصحوة الإسلامية وما صاحبها من وقائع وأحداث ومنعطفات تشير إلى مظاهر اليقظة في البلدان الإسلامية، الأمر الذي أثار انتباه الغربيين ودعاهم لمزيد من البحث والدراسة.

هذه باختصار أهم العوامل التي، في نظر الباحثين المتخصصين، تكمن وراء إسلام الغربيين. نعم قد يدخل شاب أوربي في الإسلام بسبب زواجه من بنت عربية أو أندونيسية تنتمي إلى عائلة مسلمة مهاجرة، أو بسبب علاقة إنسانية طيبة جمعته بشاب أو رجل مسلم مهاجر، لكن هذه الحالات تعتبر ناذرة ولا ترقى إلى مستوى عامل من العوامل الأساسية في نشوء ظاهرة الإسلام في الغرب.

وهب أن إقامة المهاجرين المسلمين في بلاد أوربا والغرب، تعتبر العامل الأساسي الذي دفع بكثير من الغربيين إلى الدخول في الإسلام، أليس من الخسارة والدمار، أن ينسلخ مآت الآلاف من أبناء وأحفاد المسلمين المهاجرين، عن دينهم وهويتهم، كي تدخل، جدلا، جماعات من الغربيين في الإسلام، والقاعدة الفقهية تقول: "الضرر لا يزال بالضرر"، كما تقول: "درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة".

إن ذلك المسلم المهاجر الذي يفرح عندما ينظر إلى شخص أوربي قد دخل في الإسلام، ينسى أن أبناءه أو أحفاده لا يعرفون عن الإسلام، شيئا ويخضعون لتربية علمانية صارمة، ويتنفسون في مناخ ثقافي واجتماعي لا ديني، وهم بذلك أميل وأقرب إلى التنصر والكفر، الذي فر منه ذلك الأوربي المسلم.

قال المهاجر:

إذا كان المهاجرون المسلمون المقيمون في الغرب ليس لهم، كما ذكرت، دور مهم في جلب الغربيين إلى الإسلام، أفلا ترى معي أن هؤلاء الغربيين المسلمين محتاجون إلى مؤازرتنا ومساندتنا خاصة أنهم أصبحوا غرباء في بلدانهم؟!

فأجاب المقيم:

إن المسلم المهاجر في أوربا أحوج إلى المؤازرة والمساندة، ذلك أن حياته الاجتماعية تستدعي الرحمة، والشفقة، والمواساة، وبيته الأسري المتصدع أوهن من بيت العنكبوت، ومعاناته النفسية والاجتماعية، بلغت حدا لا يطاق تنفطر لها القلوب رحمة، وتسيل لها العيون رأفة، ويبكي لها الحجر الأصم.

فكيف يؤازر ويساند من هو مهيض الجناح خائر القوى؟

ثم إن هذا الأوربي الذي أقبل على الإسلام ليس ضعيفا في بلده، أو مظلوما، ولا يحتاج إلى مؤازرة أحد، بل يشق طريقه في الحياة بقوة الإيمان والعلم، بعد أن أكرمه الله بنعمة الإسلام.

أما أنت يا عزيزي المهاجر المسلم، يا من كانت "هجرته لدنيا يصيبها" تأمل حالك وحال أبنائك وأحفادك، وأين أنت وأولادك من الصلوات الخمس في جماعة كما أمر الله؟ ومن إتيان الحلال واجتناب الحرام؟

أين أنت وأبناؤك من قراءة القرآن وصلة الأرحام؟

أين أنت من الولاء والبراء؟

أين أنت؟ أين أهلك وأبناؤك؟ ما هو مصير الأبناء؟ والأحفاد وأحفاد الأحفاد؛ إنه التلاشي، الذوبان، الله، الله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

قال المهاجر:

لو كان بلدي أحسن من بلد النصارى لما فارقته، ولو كانت أخلاق ومعاملة المسلمين بعضهم لبعض أحسن من معاملة الأوربيين بعضهم لبعض لما حصلت عندي الرغبة في الهجرة ولما فكرت فيها البتة، لكن جذبني عدل هؤلاء بعد أن قهرني ظلم أبناء جلدتي.

 

قال المقيم:

ذكرت أن الأوربيين يتصفون بالعدل، والأخلاق الفاضلة، والمعاملة الحسنة، فلماذا يمارسون العنصرية ضد المهاجرين العرب والأفارقة ويحتقرونهم، ويسندون إليهم الأعمال الصعبة والشاقة، التي يأبى العمال الأوربيون مزاولتها، ويمنعونهم من ممارسة الشعائر الدينية كما أمر الله، حيث لا يبيحون لهم الأذان عند الصلاة، ويحاربون حجاب المرأة، ويكرهون أبناءهم على التربية العلمانية الفاسدة الهدامة، ويتهمونهم بالعنف والإرهاب وكل الصفات الذميمة إلى غير ذلك مما لا أذكره الآن.

قال المهاجر:

إن العنصرية التي يمارسها بعض النصارى في بلاد الغربة، لا يذهب ضحيتها إلا من لا يحترم نفسه، ولا ينضبط بضوابط المدنية، من المهاجرين العرب والأفارقة السود. في حين أن المهاجرين الذين يحترمون قوانين البلاد، ويعرفون ما لهم وما عليهم، ولهم رغبة صادقة في الاندماج، فلا يتعرضون للأذى. أما الأعمال الصعبة أو الحقيرة، التي يشتغل بها كثير من المهاجرين  فإنها تناسب مستواهم الاجتماعي والثقافي، ومؤهلاتهم المهنية المتواضعة أو الضعيفة، فكيف تسند إليهم أعمال ليسوا أهلا لها، أو لا يمكنهم القيام بها؟

أما عن الممارسة الدينية، فإن المساجد وأماكن العبادة موجودة في معظم الأحياء التي يقطن فيها المهاجرون المسلمون، بيد أن الغربيين لا يتحملون سماع الأذان، أو النظر إلى المآذن والصوامع، كما تشمئز نفوس المسلمين عندما تقع أعينهم على كنيسة في بلادهم الإسلامية، أو تقرع آذانهم الأجراس والنواقيس. ثم إن الإيمان في القلب؛ فليس من الضروري أن يعبر المسلمون المقيمون في أوربا عن دينهم وشخصيتهم الإسلامية بكل المظاهر والسمات التي يظهرون بها في بلدانهم، خاصة وهم تحت سلطة حكومات وقوانين علمانية.

وأما التربية العلمانية في المدارس والمعاهد والمؤسسات، فإنها تعبر عن إرادة واختيار أصحابها، وما دام المسلمون المهاجرون يقيمون في بلاد الغرب، ويعتبرون هم وأبناؤهم مواطنين كغيرهم من الغربيين، فإن عليهم أن يحترموا شروط المواطنة ومبادئها؛ حيث أن الدولة هي المسؤولة عن تربية رعاياها ومواطنيها مهما كان أصلهم أو لونهم أو دينهم، تربية تنسجم مع ثقافتها وحضارتها. فليس من المنطقي أن تنادى أقلية مسلمة مستضعفة بإيجاد ومنح تربية إسلامية أو شرقية لأبنائها من المواطنين الأوربيين وإن كانوا من أصول عربية مسلمة؟!

إنما يمكن للمهاجر المسلم أن يلقن أبناءه مبادئ الإسلام وأركانه، وشعائره، فلا أحد يمنعه من ذلك. إلا أن الإيمان كما قلت مقره القلب، وليس من الضروري الإعلان والإشهار، وممارسة بعض السلوكات، أو الظهور بمظهر إسلامي، لا يرضي الأوربيين، بل يثير بواطنهم، فتحدث ردود الأفعال التي عادة ما توصف بالعنصرية والاعتداء؟!

فأجاب المقيم:

فهمت من كلامك أن على المسلم المهاجر في بلاد الغرب أن يحترم قوانين وآداب البلاد التي يقيم فيها، ويسعى إلى الاندماج  في المجتمع الغربي النصراني، وذلك من خلال تقبل ثقافته وتقاليده، واستيعاب مبادئ التربية العلمانية التي يدعو إليها ويربي عليها أبناءه، وأن ينبذ أو ينسلخ ولو ظاهريا، من كل السمات والمظاهر التي توحي بأنه مسلم، كي لا يصطدم بالآخرين، ولا يكون هدفا لسخريتهم، أو إيذائهم. وتبين لي أن تصريحك هذا يدل على أن الدين بالنسبة للمسلم المهاجر في بلاد الغرب، ليس ضروريا، وأن مكانه لا يتعدى دائرة قلبه وذلك في مقابل رضا النصارى.

كما استنجت من كلامك أيضا أن أبناء المسلمين وأحفادهم الذين نشأوا في بلاد الغرب وترعرعوا فيها، لا تصلح لهم إلا تربية الغرب وثقافته، وأن مسألة الذوبان والانسلاخ عن الهوية الدينية أمر حتمي وواقعي، لا يمكن دفعه، كما أنه لا يشكل خطرا على هؤلاء الأبناء والأحفاد مادام أنه اختيارهم. وهذا يذكرني بحديث النبي صلى الله عليه وسلم حينما قال: "يولد الإنسان على الفطرة فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه"[1].

لقد صدق الحبيب المصطفى الذي لا ينطق على الهوى؛ إذ ما ذا يفعل هؤلاء المهاجرون المسلمون في الغرب بأبنائهم وأحفادهم – إلا من رحم الله -؟! ألم يسلموهم للغربيين النصارى كي يفعلوا بهم ما يشاؤون؟.

كم من شباب الجيل الثاني أو الثالث ذكورا وإناثا، تزوجوا بالأوربيات والأوربيين، وكونوا أسرا على النمط الغربي العلماني، وأنجبوا أولادا أشباه  نصارى أو علمانيين أو ما شئت. أو ليس الآباء  المسلمون المهاجرون هم المسؤولون بالدرجة الأولى عن تنصير أو علمنة أبنائهم وأحفادهم؟

أو لسنا أمام موريسكيين جدد في طريقهم إلى الذوبان والانصهار ثم الاندثار؟!!

ثم بعد بضعة عقود قد ينطق حفيد من الجيل السادس أو السابع قائلا: قيل لي أن أصلي عربي، وأن جدي الأول الذي قدم من المغرب أو مصر أو....كان مسلما، تماما كما يعترف الآن عشرات الآلاف من الأندلسيين أو الإسبان المسيحيين حيث يقولون إن أصولهم عربية وأن أجدادهم كانوا مسلمين!!!!

قال المهاجر:

أظن أنك تنظر إلى مستقبل المهاجرين وأبنائهم بعيون سوداء، عندما تقارن أو تماثل بين أجيالنا اللاحقة وبين المورسكيين الذين تنصروا بعد خروج المسلمين من الأندلس. والحال أن الفرق بين طبيعة المجتمعين: مجتمع المهاجرين المسلمين الآن ومجتمع المورسكيين، كبير جدا، ذلك أن هؤلاء المورسكيين كانوا يخيرون بين التنصر أو الموت والنفي، في حين لا أحد من الأوربيين يجبر أحدا من المهاجرين المسلمين على الخروج من دينه، أو الدخول في النصرانية.  وبعبارة أخرى؛ إن المجتمع الأوربي في العصور الوسطى، حيث الجهل والظلمات وسيطرة الكنيسة على العقول والنفوس، مجتمع قد ولى إلى غير رجعة. فالعلم قد حل محل الجهل، كما حلت الحرية الفكرية والدينية محل الاستبداد الكنسي، فمن أراد من الأوربيين الدخول في الإسلام فالباب مفتوح، ومن مالت نفسه إلى البوذية فسيجد من يدله على السبيل، ومن اعتقد الإلحاد ونفى وجود الإله، فهو حر في اعتقاده، ولا يعدم من يسانده ويوجهه، فالفلسفات الإلحادية كثيرة. والمهاجر المسلم الذي يريد الحفاظ على دينه لا يجد من يمنعه من ذلك، فأماكن الصلاة متوفرة، والقرآن موجود. بل يمكنك أن تقتني ما شئت من النسخ، في حين أنه كان ممنوعا في زمن المورسكيين، بل تعاقب الكنيسة كل من وجد عنده نسخة منه، وكانت تضطهد من يصلي، أو يعلم أبناءه اللغة العربية، إلى غير ذلك من مظاهر الظلم والاستبداد، ومحاولات سلخ المورسكيين عن هويتهم الدينية والثقافية، تلك المظاهر التي لا وجود لها في أوربا اليوم، أليس كذلك يا صديقي المقيم؟

أجاب المقيم:

كلامك صحيح لكنه لا يخلو من السذاجة والسطحية فقولك مثلا: "إن الحرية الفكرية والدينية قد حلت محل الاستبداد الكنيسي"، قول فيه نظر، ذلك لأن الحكومات الأوربية لا تعامل الطوائف الدينية المتواجدة في أرضها على قدم المساواة، فاليهود، أو البوذيون أو عباد الشياطين، أو غيرهم من أصحاب الملل، لو أرادوا تأسيس مقر أو مكان لممارسة عبادتهم، فإن تلك الحكومات تستجيب على الفور. في حين إذا تعلق الأمر ببناء مسجد تقام فيه الصلاة فإنها تعارض معارضة قوية، كما أن وسائل الإعلام المحلية، تجعل من بناء هذا المسجد قضية خطيرة، تهدد أمن وهوية وثوابت البلاد، وهي بذلك تثير شعور الحقد، والكراهية، في نفوس الأوربيين، مما يغذي عامل العنصرية ضد المهاجرين المسلمين، وما يقال عن المسجد يمكن أن يقال عن حجاب الفتاة أو المرأة المسلمة فكلاهما مستهدف، في حين لا تستهدف اليهودية أو البوذية أو ديانة أخرى، في شأن من شؤونها. فأين الحرية الفكرية أو الدينية التي ذكرت؟

أليس هذا يدل على استبداد كنسي جديد تدعمه حكومات تدعي الديمقراطية والحرية.

لست أرى فرقا جوهريا بين الاستبداد القديم والاستبداد المعاصر. أما من حيث الشكل فالفرق بينهما يكمن في أن الاستبداد الأول كان وحشيا ومباشرا في حين أن الاستبداد المعاصر، يعمل غالبا في خفاء، كما يتستر في لباس الديمقراطية والحرية أو العلمانية. أما من حيث النتائج فتكاد تكون متماثلة؛ أي فيما يخص الابتعاد عن الدين، فأبناء وأحفاد المورسكيين ابتعدوا عن دينهم ودين آبائهم وأجدادهم شيئا فشيئا، وكذلك يفعل أبناء وأحفاد المهاجرين المسلمين اليوم إلا من رحمه الله تعالى.

إن عامل الإكراه على الانسلاخ من الدين والهوية، الذي كان مباشرا فيما مضى، أصبح اليوم غير مباشر حيث أن أبناء الأجيال الجديدة واللاحقة من المهاجرين المسلمين، يشعرون بانسلاخهم عن دينهم وهويتهم لكونهم انسجموا مع ثقافة ومدنية المجتمع الأوربي الذي نشأوا فيه. ثم إنهم عندما يحسون بكراهية هذا المجتمع لثقافة ودين آبائهم يزدادون نفورا من كل ما يتعلق بذلك، كي لا يشعروا ببعض الآلام النفسية المرتبطة بازدواجية الشخصية. إن هذا هو منطق العلاقة بين القوي والضعيف ومنطق مقولة "الإنسان ابن بيئته".

[1] - حديث صحيح.

د. عبد الله الشارف كلية أصول الدين تطوان. جمادى الثانية 1437 – مارس 2016.