مهرجان مدينة الصويرة الموسيقي: تخدير وتطبيع

0


 

لقد عرف بلدنا العزيز المغرب، خلال السنوات الأخيرة، سلسلة من المهرجانات الموسيقية الروحية، خاصة في مدينة فاس؛ معقل الثقافة والعلم. وتهدف هذه التظاهرات الفنية والثقافية إلى تقرير وتأسيس ما يسمى ب "الوحدة الروحية والدينية بين مختلف الأديان والعقائد والثقافات"، والتركيز على المشترك الديني وأواصر القرابة بين الأديان والملل، وذلك من خلال الغناء الروحي الصوفي والإنشاد الديني عبر معزوفات موسيقية روحية وصوفية؛ تذوب وتنصهر فيها وبها الاختلافات الدينية والعقائدية، لتفضي في نهاية المطاف إلى ما يعرف بوحدة الأديان أو دين الإنسانية.

 

إن مهرجان مدينة الصويرة الأخير، يندرج في هذا السياق مع إضافة عنصر التطبيع مع الكيان الصهيوني. وإذا كانت اللقاءات الروحية والصوفية الموسيقية، التي اتخذت من فاس فضاء ومركزا لها، تهدف إلى تخدير العقول و"تضبيعها"، فإن مهرجان مدينة الصويرة يدعو إلى فتح باب الصداقة والتواصل مع الكيان الصهيوني، الذي لا يتوقف عن قتل الفلسطينيين بعد أن اغتصب أرضهم، وذلك من خلال الغناء والإنشاد اليهودي، والموسيقى الكبالية والحاسدية (صوفية يهودية)، ليحصل التخدير ثم التطبيع و"التضبيع".

 

كما أن هذا المهرجان يعبر عن صورة من صور "التسامح والتعايش" التي يروج لها اليهود والنصارى، ويعملون على زرعها في بعض البلدان المسلمة بتعاون وتنسيق مع فئة من المستغربين والحداثيين والمتنورين واللادينيين.

 

يا له من ضعف وتخلف وجهل ووهن وخور !! ذلك هو حال بلدنا الذي كانت تهابه الشعوب الأوربية قبل الاستعمار؛ زمن القرون الذهبية؛ قرون العزة والقوة والشهامة والحضارة. نسينا الله، فنسينا وأنسانا أنفسنا، فسلط علينا أعداءنا الذين تحكموا في رقابنا بعد أن سخروا منا ومن ديننا، وحالوا بيننا وبين هويتنا.

 

 

"العقل الجمعي" عند إميل دوركايم

0


 

يعتبر إميل دوركايم أبرز علماء الاجتماع الفرنسيين الذين نهجوا نهج أوجست كونت في إقامة علم الاجتماع على أسس علمية مادية وعلمانية. وإذا كان أوجست كونت، مؤسس علم الاجتماع الغربي، قد خلص، في إطار تفكيره العلماني، إلى أن "الإنسانية" هي رمز الدين الجديد، فإن إميل دوركايم جعل من "العقل الجمعي"، إله ورمز هذا الدين.

و"العقل الجمعي" عند إميل دوركايم، يوجد خارج عقول أفراد المجتمع، وهم يخضعون دائما لتعاليمه وتوجيهاته، ولو على غير إرادة منهم. كما أنه المكون الأول لأفكار الناس، ومذاهبهم، وعاداتهم. وهو الملزم لهم باتباع أوامره وإملاءاته. و"العقل الجمعي" دائم التغير، ولذا ينفي دوركايم وجود قيم أو أخلاق ثابتة، أو دين موجه للإنسان مدى الحياة. بل كل الأديان في رأيه، تولدت عن أسباب اجتماعية معينة، وأنها تتغير وتفنى لأسباب اجتماعية أخرى. ويذهب إميل دوركايم إلى أن "العقل الجمعي" أقوى من حرية الفرد، بل يتنافى معها، وقد يتجاوزها أو يلغيها في بعض الحالات، مما يجعل سلوك الناس في الحياة سلوكا جبريا.

ويتضح من فلسفة إميل دوركايم أن "العقل الجمعي" بمثابة كائن لا مرئي يسير المجتمع ويتحكم فيه، بحيث لا يستطيع الناس مواجهته أو التمرد عليه. ولعل في الاقتصار على العوامل الاجتماعية في فهم وتحليل كل ما يتعلق بالمجتمع، أثر من آثار هذا "العقل الجمعي" أو الكائن اللامرئي.

إن الميل إلى تعظيم المجتمع وتقديسه، وجعله مصدرا للدين ومنتجا له، يشير إلى أن دوركايم كان من الرواد الأوائل الذين عملوا على شق طريق أنسنة الدين وعلمنته.

ما نصيب المرأة الغربية من معنى الإنسانية؟

0


 

إن المرأة الأوربية ، فيما يثبت المؤرخون الغربيون، عانت صنوفا من الرق والعبودية طوال تاريخ الإمبراطورية الرومانية، ثم بعد ذلك على امتداد العصور الوسطى النصرانية. بل اعتبرت الكنيسة المسيحية، خلال قرون طويلة، المرأة  شيطانا وليس إنسانا. وهذا أمر متداول في الأدبيات الأوربية الوسطى. ولما بدأت هذه الشعوب تتحسس طريق النهضة في فجر القرن الخامس عشر، توالت الحركات الأدبية و الفلسفية في كل من إيطاليا، وفرنسا، وألمانيا ،ثم بزغت الثورة العلمية في انجلترا.

و مع تطور البروتستانية و مجيء الثورة الفرنسية بشعارات الإخاء، و الحرية، والمساواة،حينذاك  بدأت الأنثى تتنفس الصعداء،  وتتطلع إلى مستقبل خال من القيود و العبودية.و مع كل هذه الثورات الفكرية والسياسية  والاجتماعية التي استمرت على مسيرة أربعة قرون، لم ينظر الرجل الأوربي في موضوع المرأة نظرة تأمل و استبصار، إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر .

"و يذهب كولان سميت في كتابه عن ستيوارت ميل  الفيلسوف الإنجليزي، ورجل السياسة و القانون،إلى أن هذا الأخير كان أول أوربي استطاع أن يخرق الصمت المحيط بالمرأة، و يدافع عنها في البرلمان الإنجليزي، و ذلك سنة 1867 بعد أن ألف كتابه " استعباد النساء ". بل طلب من النواب إبدال لفظ الإنسان  homme بلفظ الشخص personne لأن كلمة الإنسان homme كما هو معلوم، يطلقها الغربيون على الإنسان و الرجل على حد سواء ، مما جعل الرجل ينفرد بمعنى الإنسانية إلى حد ما ".[1]

إن استعباد المرأة الغربية لا زال قائما إلى يوم الناس هذا؛ فقد خرب الرجل الغربي المادي المتكبر بيت المرأة، وزج بها في أتون الشركات والمعامل والإدارات، وأرهق بدنها وعقلها، وحرمها من أمومتها وتربية أبنائها، وفرض عليها الماكياج والتبرج والعري، كي يزني بها ويفسدها من شاء من الرجال، أو يلهو بها كما تلهو الأطفال بالدمى. وفي الوقت نفسه يسخر منها موهما إياها أنها متحررة، وأنها مثله ومساوية له في الحقوق والإنسانية.

لقد داس كرامتها ومسخ جوهرها وأنوثتها وعذبها أيما عذاب. وليطلع من يشاء على المعاناة النفسية والبدنية للمرأة الغربية العاملة، واستغلالها من طرف أرباب العمل والمدراء والمسؤولين والرأسماليين، رغم الأجور المغرية والتغطية الصحية، والحرية المزيفة.

إن الرجل الغربي كان ولا يزال يعتبر نفسه وحده إنسانا، ويخرج، شعوريا أو لا شعوريا، المرأة من دائرة الإنسانية، وبذلك تنطق لغته كما أشار الفيلسوف ستيوارت ميل الذي رفض طلبه في البرلمان الإنجليزي، وبقي لفظ الإنسان homme يطلق على الرجل وحده، ويسمى به جوهرا وماهية، فعلاقة الرجل الغربي بمفهوم الإنسانية علاقة خصوص وعموم، في حين تظل علاقة المرأة الغربية بالمفهوم ذاته علاقة عموم فقط.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين تطوان المغرب. محرم 1440- اكتوبر 2018.

[1] - Colin Smith ; Stuart Mille Ed .Seghers, paris 1973, p.71