التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ما نصيب المرأة الغربية من معنى الإنسانية؟



 

إن المرأة الأوربية ، فيما يثبت المؤرخون الغربيون، عانت صنوفا من الرق والعبودية طوال تاريخ الإمبراطورية الرومانية، ثم بعد ذلك على امتداد العصور الوسطى النصرانية. بل اعتبرت الكنيسة المسيحية، خلال قرون طويلة، المرأة  شيطانا وليس إنسانا. وهذا أمر متداول في الأدبيات الأوربية الوسطى. ولما بدأت هذه الشعوب تتحسس طريق النهضة في فجر القرن الخامس عشر، توالت الحركات الأدبية و الفلسفية في كل من إيطاليا، وفرنسا، وألمانيا ،ثم بزغت الثورة العلمية في انجلترا.

و مع تطور البروتستانية و مجيء الثورة الفرنسية بشعارات الإخاء، و الحرية، والمساواة،حينذاك  بدأت الأنثى تتنفس الصعداء،  وتتطلع إلى مستقبل خال من القيود و العبودية.و مع كل هذه الثورات الفكرية والسياسية  والاجتماعية التي استمرت على مسيرة أربعة قرون، لم ينظر الرجل الأوربي في موضوع المرأة نظرة تأمل و استبصار، إلا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر .

"و يذهب كولان سميت في كتابه عن ستيوارت ميل  الفيلسوف الإنجليزي، ورجل السياسة و القانون،إلى أن هذا الأخير كان أول أوربي استطاع أن يخرق الصمت المحيط بالمرأة، و يدافع عنها في البرلمان الإنجليزي، و ذلك سنة 1867 بعد أن ألف كتابه " استعباد النساء ". بل طلب من النواب إبدال لفظ الإنسان  homme بلفظ الشخص personne لأن كلمة الإنسان homme كما هو معلوم، يطلقها الغربيون على الإنسان و الرجل على حد سواء ، مما جعل الرجل ينفرد بمعنى الإنسانية إلى حد ما ".[1]

إن استعباد المرأة الغربية لا زال قائما إلى يوم الناس هذا؛ فقد خرب الرجل الغربي المادي المتكبر بيت المرأة، وزج بها في أتون الشركات والمعامل والإدارات، وأرهق بدنها وعقلها، وحرمها من أمومتها وتربية أبنائها، وفرض عليها الماكياج والتبرج والعري، كي يزني بها ويفسدها من شاء من الرجال، أو يلهو بها كما تلهو الأطفال بالدمى. وفي الوقت نفسه يسخر منها موهما إياها أنها متحررة، وأنها مثله ومساوية له في الحقوق والإنسانية.

لقد داس كرامتها ومسخ جوهرها وأنوثتها وعذبها أيما عذاب. وليطلع من يشاء على المعاناة النفسية والبدنية للمرأة الغربية العاملة، واستغلالها من طرف أرباب العمل والمدراء والمسؤولين والرأسماليين، رغم الأجور المغرية والتغطية الصحية، والحرية المزيفة.

إن الرجل الغربي كان ولا يزال يعتبر نفسه وحده إنسانا، ويخرج، شعوريا أو لا شعوريا، المرأة من دائرة الإنسانية، وبذلك تنطق لغته كما أشار الفيلسوف ستيوارت ميل الذي رفض طلبه في البرلمان الإنجليزي، وبقي لفظ الإنسان homme يطلق على الرجل وحده، ويسمى به جوهرا وماهية، فعلاقة الرجل الغربي بمفهوم الإنسانية علاقة خصوص وعموم، في حين تظل علاقة المرأة الغربية بالمفهوم ذاته علاقة عموم فقط.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين تطوان المغرب. محرم 1440- اكتوبر 2018.

[1] - Colin Smith ; Stuart Mille Ed .Seghers, paris 1973, p.71

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وتباشيره. ومما لا ش…

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954.
الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016).
المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازنـة بيـن شيخ العلـم وشيخ التربيـة : سنة 2007. 5- تجـربتـي الصوفيــة …

لماذا تركت التصوف ؟

إن السنوات السبع التي كنت أحياها متصوفا، أثناء دراستي الجامعية في باريس، كانت سنوات صعبة من حيث الوضع النفسي والاجتماعي. فقد كنت غريبا دينيا واجتماعيا وثقافيا؛ أي أن مجتمع الإقامة الفرنسي، يختلف عن مجتمعي المغربي المسلم اختلافا جذريا. فكنت إذن أمام خيارين: خيار الانصهار والذوبان في مجتمع الغربة، وخيار العزلة والانطواء على الذات أو الهروب. فاخترت الثاني. ومن هنا تجلى لي التصوف كأحسن طريق لممارسة هذا الخيار والمحافظة عليه. وهذا الكلام مبسوط في مطلع "تجربتي الصوفية"، انظر charefab.com

ولما أنهيت دراستي الجامعية، ورجعت إلى وطني العزيز، وانخرطت في سلك التدريس بكلية أصول الدين، التحم كياني النفسي والعقلي من جديد بالفضاء الديني والاجتماعي والثقافي المغربي. فصرت كأنني أكتشف نفسي أو أتعرف على كائن غاب عني وانقطعت صلتي به !!

وهكذا في خضم الحياة الأسرية والاجتماعية، والأنشطة الجامعية والثقافية، بدأت تتلاشى الخيوط العنكبوتية الصوفية التي نسجتها حول نفسي في ديار الغربة والمهجر.

وبعبارة أخرى، لما انعدمت أو ارتفعت الأسباب التي دعتني إلى التصوف، حلت محلها العوامل الموجبة لهجره والتحلل منه. وفي…