الحارث المحاسبي وأسلوب التخويف النفسي

1


 

 

يقول الحارث المحاسبي في كتابه "الرعاية لحقوق الله". " باب ما ينال به خوف وعيد الله عز وجل"؛قلت فبم ينال الخوف والرجاء؟
قال: تعظيم المعرفة بعظيم قدر الوعد والوعيد
قلت: فبم ينال عظيم المعرفة بعظيم قدر الوعد والوعيد؟
قال: بالتخويف لشدة العذاب والترجي لعظيم الثواب
قلت: وبم ينال التخويف؟ قال بالذكر والفكر في العاقبة، لأن الله عز وجل قد علم أن هذا العبد إذا غيب عنه ما قد خوفه ورجاه، لن يخاف ولن يرج إلا بالذكر والفكر،لأن الغيب لا يرى بالعين، وإنما يرى بالقلب في حقائق اليقين، فإذا احتجب العبد بالغفلة عن الآخرة... ولم يخف ولم يرج إلا رجاء الإقرار وخوفه. وأما خوف ينغص عليه تعجيل لذته... إنما يجتلب بالذكر والفكر والتنبيه والتذكر لشدة غضب الله وأليم عذابه وليوم المعاد"

التجأ المحاسبي في هذا الكتاب إلى طريقة الحوار؛ حيث افترض مخاطبا ويجيب عن تساؤلاته، ولا ريب أن استعمال هذه الطريقة في معالجة بعض الموضوعات له دور إيجابي في تقريب المعاني إلى الذهن وبلوغ الهدف المنشود. وبعد أن حاور المحاسبي مخاطبه في موضوع التقوى ومحاسبة النفس، ثم في التوبة وشروطها وما يبعث عليها، انتقل به إلى مجال الخوف والرجاء. فالنص الذي بين أيدينا، وصف دقيق وتحليل مركز للطريقة التي بواسطتها يستشعر العبد الخوف والرجاء وتظل نفسه خاضعة لتجاذب قوتيهما.

إن المسلم في زمان كزماننا يصعب عليه أن يتحقق بحالتي الخوف والرجاء، ويقتفي في ذلك أثر السلف الصالح، لكن الصعوبات مهما عظمت تتلاشى أمام الإرادة الصلبة والعزم الصادق. فممارسة التخويف النفسي عملية إرادية محضة، وهي من أنجع الوسائل في استحضار حالتي الخوف والرجاء، وتكون بواسطة الذكر والتفكر. ولقد علم الله سبحانه وتعالى أن المسلم في سعيه الدنيوي وجريه وراء الرزق، يكون عرضة للغفلة ولقساوة القلب، لذا نبهه إلى الذكر وقراءة القرآن، وحثه على التأمل والتدبر ليستيقظ ويزيل عن قلبه آثار تلك الغفلة، ويحيل القساوة ليونة وخشوعا.

ويرى المحاسبي أن المسلم يملك التخويف، أي باستطاعته أن يلجأ إليه ويمارسه تكلفا، غير أنه لا يملك الخوف، وإنما يقذفه الحق سبحانه وتعالى في قلبه إن كان صادقا في تخويفه لنفسه. "إن الله عز وجل إنما خوفنا بالعقاب لنخوف أنفسنا، ورجانا لنرجيها، والتخويف تكلف من العبد بمنة الله عز وجل وبفضله عليه، والخوف هائج منه لا يملكه... وقد يخطر الله عز وجل الخوف بقلب العبد المؤمن من غير تكلف، إذا أراد أن يتفضل عليه بذلك، وإن لم يخطره بباله لم يكن العبد عنده معذورا بترك تكلفة للتخويف، كما أمره أن يخوف نفسه، لأن أمره بالفكرة في المعاد، وذلك هو التخويف والترجي، وتهدده وأوعده ليتفكر في ذلك فيخافه ويرجوه"

ثم إن أهم ما يعين على تخويف النفس ويعجل بقطف ثمار الخوف ولوج باب معرفة الله وصفاته لأن من عرف الله سبحانه وتأمل بعض أسمائه الحسنى كالجبار والمتكبر والقهار والمنتقم والمذل خافه بالضرورة، قال تعالى : "إنما يخشى الله من عباده العلماء".(فاطر 28). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية" (رواه البخاري)
ومما يحسن الإشارة إليه؛ أن الإفراط في التخويف قد يأتي بنتيجة غير مرضية، ومن ثم ينبغي للمسلم أن يراعي التوازن بين حالتي الخوف والرجاء لأن الإفراط في الخوف يؤدي إلى اليأس والقنوط، كما أن الإفراط في الرجاء يوقع في التهاون والكسل. وكان فيما قاله أبو بكر الصديق – وهو يودع الدنيا- لعمر بن الخطاب. "... ألم تر يا عمر أنها نزلت آية الرخاء مع آية الشدة، وآية الشدة مع آية الرخاء، ليكون المؤمن راغبا راهبا لا يرغب رغبة يتمنى فيها على الله ما ليس له، ولا يرهب رهبة يلقي فيها بيديه"

ثم إن الخوف والرجاء متقابلان، أي أن الإنسان إذا تصور أحدهما تصور الآخر فلا يتجرد أحدهما عن مقابله، فالذي يخاف من شيء يرجو في نفس الوقت النجاة منه،الذي يرجو شيئا يخاف أيضا فواته، فالرجاء إذن متصل بخوف خفي كما أن الخوف متصل برجاء خفي.

د. عبد الله الشارف؛ جامعة القرويين، كلية أصول الدين/ تطوان المغرب.

الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم

0


 

 

وهذا باب عظيم من أبواب السنة من دخله نال الخير العميم وحظي بالنعيم المقيم، ومن أبى فهو إلى الشقاوة أميل وعن الخير أبعد. ولقد حث الشارع على هذا الأدب، وأمر به في مطلع سورة الحجرات، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى:" يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله."
والأمر يفيد الوجوب كما هو معلوم عند علماء الأصول، وبالتالي فمن الواجب على المسلم أن يعظم شأن نبيه صلى الله عليه وسلم، ويتأدب معه كأنه حي بين أظهرنا، ويجتهد في اتباعه والاقتداء به. قال صاحب المواهب اللدنية: "فمن الأدب ألا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي، ولا إذن ولا تصرف حتى يأمر هو وينهى، ويأذن كما أمر الله بذلك في هذه الآية، وهذا باق إلى يوم القيامة لم يفسخ. فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته، كالتقدم بين يديه في حياته، لا فرق بينهما عند ذي عقل سليم" .
وهل ضل أكثر من ضل من المسلمين إلا بسبب التقدم بين يدي سنته صلى الله عليه وسلم، من خلال اتباع الأهواء والخيالات، وما تمليه النفوس من الأوهام والتصورات الخاطئة، وترجيح الآراء على نصوص السنة وأ قوال النبي صلى الله عليه وسلم؟‼
لقد تجرأ هؤلاء الناس على نبيهم صلى الله عليه وسلم وسنته، فزلت أقدامهم وحبطت أعمالهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا، فكيف يرجو الهدى من أعرض عن علم الهدى؟ بل كيف يستقيم حاله وهو يتخبط في متاهات الأهواء والآراء.
قال الإمام محمد بن قيم الجوزية رحمه الله: "فرأس الأدب معه: كمال التسليم له، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق، دون أن يحمله معارضة خيال باطل يسميه معقولا. أو يحمله شبهة وشكا، أو يقدم عليه آراء الرجال، وزبالات أذهانهم، فيوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان. كما وحد المرسِل سبحانه وتعالى بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل. فهما توحيدان، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسِل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا يحاكم إلى غيره، ولا يرضى بحكم غيره، ولا يقف تنفيذ أمره وتصديق خبره على عرضه على قول شيخه وإمامه، وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظمه."
ويدخل أيضا في باب الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم، تعظيمه وتوقيره، بل لا يتحقق المسلم بصفات الأدب معه صلى الله عليه وسلم، إلا إذا كان معظما وموقرا له. قال تعالى "إنّا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا" .
والتوقير اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف والتكريم والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار.
وذكر القاضي أبو الفضل عياض كلاما جميلا متعلقا بتعظيم الإمام مالك رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم ، أسوقه كاملا بنصه: " قال مطرف: كان إذا أتى الناس مالكا خرجت إليهم الجارية فتقول لهم يقول لكم الشيخ تريدون الحديث أو المسائل؟ فإن قالوا المسائل خرج إليهم وإن قالوا الحديث، دخل مغتسله واغتسل وتطيب ولبس ثيابا جددا ولبس ساجه وتعمم ووضع على رأسه رداءه وتلقى له منصة، فيخرج فيجلس عليها وعليه الخشوع، ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال غيره: ولم يكن يجلس على تلك المنصة إلا إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن أبي أويس؛ فقيل لمالك في ذلك، فقال أحب أن أعظم حديث رسول الله صلى الله عليه وس،لم ولا أحدث به إلا على طهارة.
قال وكان يكره أن يحدث في الطريق أو وهو قائم أو مستعجل. وقال أحب أن أفهم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ضرار بن مرة: كانوا يكرهون أن يحدثوا على غير وضوء، ونحوُه عن قتادة.
وكان الأعمش إذا حدث وهو على غير وضوء تيمم.
قال عبد الله بن المبارك: كنت عند مالك وهو يحدثنا؛ فلدغته عقرب ست عشرة مرة، وهو يتغير لونه ويصفر ولا يقطع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما فرغ من المجلس وتفرق عنه الناس، قلت له يا أبا عبد الله لقد رأيت منك اليوم عجبا. قال نعم إنما صبرت إجلالا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم".
رضي الله عنك يا شيخنا الإمام مالك وطيب الله ثراك، فقد أحببت النبي صلى الله عليه وسلم وعظمت كلامه وتأدبت بأدبه ونشرت سنته الغراء.
ويدخل في باب الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم، الثناء عليه بما هو أهله. وأفضل ذلك الصلاة والسلام عليه، قال تعالى: "إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " . والإكثار من ذكره والتشوق إليه. وتعداد فضائله وخصائصه ومعجزاته ودلائل نبوته، وتعريف الناس بسنته وتعليمهم إياها، وتذكيرهم بمكانته ومنزلته وحقوقه، وذكر أخلاقه وصفاته وخلاله، وما كان من أمور دعوته وسيرته وغزواته، والتمدح بذلك شعرا ونثرا.

1- شرح العلامة الزرقاني على "المواهب اللدنية بالمنح المحمدية" للعلامة القسطلاني الجزء الثامن ص 521 / دار الكتب العلمية بيروت 1417-1996
2 - محمد بن قيم الجوزية؛ "مدارج السالكين"، ج 2، ص 436. دار الجيل، بيروت، د. ت.
3 - سورة الفتح، آية 9.
4 - الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي أبو الفضل عياض السبتي، دار الكتب العلمية، بيروت، ج 2، ص 29.
5 - سورة الأحزاب، آية 58.

د. عبد الله الشارف؛ "القدوة بين الاتباع والابتداع"، م. الخليج العربي، تطوان/المغرب، 2007، ص 21...

الطاهر بن جلون والأدب الجنسي الفرنكوفوني

0





لا تكاد تخلو رواية واحدة للكاتب الطاهر بن جلون من الصور والمشاهد الجنسية، أو الكلام الفاحش، مما يوحي بأن هذا الكاتب مر في طفولته ومراهقته، بأحداث ووقائع اجتماعية ونفسية داخل الأسرة أو خارجها، كانت سببا في الثورة على القيم الخلقية والتقاليد والأعراف، أو أنه بعد اطلاعه على الأدب الجنسي الفرنسي الساقط، استهواه ووقع في أسره فنحا نحوه، أو للسببين معا.


في رواية “حرودة” يتحدث الراوي وهو طفل صغير، عن وجوده في الحمام مع أمه بين النسوة العاريات: “أدفع ببدني العاري بين فروجهن…”1


وفي مقطع من رواية “الكاتب العمومي”  نقرأ “كنت مسحورا ببشرتها…. وطلبت منها من أن تحملني على ظهرها… وأدخل يدي تحت قميصها حتى ألامس صدرها، كانت ذات نهود … ”2


“….وفي الرابعة من عمري، لم يكن عضو المرأة التناسلي يشكل لي سرا من الأسرار، وكنت أتصوره شيئا مرغوبا فيه وممنوعا في نفس الوقت… بيد أن كل شيء ينهاني عنه الإله أو عائلتي تجدني أنجذب نحوه” 3


أكتفي بهذه النصوص من بين عشرات النصوص التي تتحدث عن عالم الجنس في خيال الطفل الراوي، لأنتقل إلى نصوص أخرى تعبر عن العالم نفسه على لسان الراوي..


بعد حديث بين الراوي وفتاة أجنبية حول هجرة أسرته من فاس إلى طنجة، شرع في الكلام عن خطيبته الأولى وغرامياته معها. “خطيبتي وزوجتي الأولى، أول جسد محتضن، … محبوب… ”4


"خلال رمضان تلتحق بي آخر المساء، في مكان خال فوق شاطئ صخري… حيث ننظر إلى أضواء مدينة طريفة… وكانت تزورني في الرباط، وتقضي معي في الحي الجامعي، الليلة أو الليلتين….”5


وفي رواية ” أشجار اللوز ماتت بجراحاتها” يصف بنات طنجة بأسلوب غزلي مستهتر وسخيف6. بعد ذلك يستعمل الأسلوب نفسه في حديثه عن بنات تطوان ونسائها7، كما يسخر من عقلية أهلها “الذين يحرصون على شرف بناتهم عندما ينصحونهن بصيانة بكارتهن ويحذرونهن من مخالطة الذكور”. ثم ينتقل إلى الحديث عن طلبة الثانوية في المركز الثقافي الفرنسي حيث يتبادل الإناث مع الذكور نظرات وكلمات الغزل… ويختم حديثه بمحاولة غرامية بين طالب وطالبة في منزل هذه الأخيرة.


وليس هناك شك في أن جل وقائع الروايات المذكورة لها علاقة بحياة بن جلون ، وخصوصا تلك التي دارت أحداثها في فاس، مسقط رأسه، أو طنجة التي هاجرت إليها أسرته، أو تطوان التي درس فيها. ويبدو أن هذا الروائي ، كما أشرت آنفا، كان ساخطا منذ طفولته على التقاليد والأعراف الاجتماعية المغربية، مما جعله يثور عليها ويسخر منها على لسان الراوي، بيد أنه اختار الكلام الجنسي النتن، كتعبير عن هذه الثورة “في مدينة تطوان، حيث كنت أشعر بالسأم والفراغ، عينت مدرسا في ثانوية صغيرة…8


قررت أن أتفرغ لتلاميذي…. الذين كانوا لا يخفون إعجابهم بسقراط وماركس وفرويد… هذا الأخير يفتح لهم نافذة على عالم الجنس  الذي… أثناء شرحي للتحليل النفسي عند فرويد، تحمر وجوه الفتيات… بعض الآباء يعتبرونني عنصرا مشاغبا وفتانا… أحيانا كنت أمارس الحب (الجنس) مع فتاة جميلة تدعي أنها طالبة حرة تحضر مباراة ولوج مدرسة بإسبانيا… علمت في النهاية أنها تحترف الزنا مع بعض أعيان المدينة9 .


يا لها من حياة عاشها الطاهر بن جلون في مدينة تطوان، وهو يمارس رسالة التعليم؟


1- -        Harrouda Ed. danoel 1973 Paris


3 – T.Ben Jelloun, Harrouda 2


3 –’ T.Ben Jelloun ,Lecrivain public Ed suite Paris 1983 p 23-24


 


د. عبد الله الشارف، جامعة القرويين، كلية أصول الدين تطوان/المغرب. 2012.

أشواق الكعبة وعرفات

0


 

نظرت إلى الكعبة نظرة أشرقت لها روحي، واهتز كياني، وطرب قلبي، ورقصت خلاياي، فشق علي مغادرة المكان من شدة الأسر ووطأة الحال.فما أعذبها من لحظات، وألذها من إحساسات، وأسناها من إشراقات. فكاني باليقين قد بلغ مداه، حتى لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا، وبالشوق قد حقق مناه. فما كان مني والحالة هاته إلا أن عاهدت ربي على ما عاهدته عليه عسى أن أكون بذلك شكورا.

اسكن أول بيت

يا عبد الله؛
لا تسكن في مساكن الذين ظلموا، ولا تسكن إلى بيت بنيته ورفعت قواعده، فقد يتصدع أو يخر عليك سقفه، واسكن أول بيت وضع لك تظفر بالهدى والبركة، وتنعم بالأمن وتشملك الرحمة وتتجلى لك الآيات البينات، واسأل الله استضافتك. وإذا لم تطأ أقدامك فناءه ولم تستطع إليه سبيلا، فاملأ قلبك بحب رب البيت وعظمه، فكم من حاج لم يحج، وكم من قاعد حيل بينه وبين ذلك قد نال رضا الله وعفوه.

تغشتك ليلة عرفات

يا عبد الله؛
تغشتك ليلة عرفات فلا أثر، وأظلك يومها الندي فلا مطر ولا عبر, فأرض نفسك جذباء قاعا صفصفا ما الخبر ؟ ضيف طاف بك فأقليته، وتعرف إليك فأنكرته، فأنت لحقيقة نفسك أشد إنكارا. اجعل أيام عمرك عرفات، ترفع حجب نفسك، وترن بعين قلبك إلى الغرفات، وإلا فقد علا الران ووقع الختم، وحيل بينك وبين خالقك لأن "الله يحول بين المرء وقلبه".

د. عبد الله الشارف؛ "واردات وخواطر إيمانية" 2002/تطوان/المغرب.

بين السفسطائي زينون وك. ليفي ستراوس البينيوي

1




يعتبر التراث الإغريقي القديم أحد المراجع الأساسية في بناء الفكر الغربي الحديث والمعاصر، فقد أحيت أوروبا في معركتها الثقافية تراثها القديم. وإذا تصفحنا أعمال كثير من الفلاسفة والمفكرين الأوربيين وجدناها زاخرة بأفكار وتأملات اليونانيين مع صياغة جديدة وملائمة لروح العصر الحديث. ولقد كانت النظرة العامة التي تولدت عن نمو البحث العلمي هي في أساسها نظرة اليونانيين، وقد بعثت من جديد.
إن الفيلسوف الإنجليزي توامس مور مثلا، بنى نظريته الاجتماعية والسياسية والتي فصلها في كتابه "اليوتوبيا"، مستلهما جمهورية أفلاطون. ولم يكن تفكير الألماني "كانت" إلا تفكيرا أرسطيا لما اطلق اسم المقولات ، وهو مصطلح أرسطي ، على المبادئ العامة للعقل، تلك المبادئ التي يضفيها الذهن من عنده من أجل تشكيل التجربة في صورة معرفة.
ثم إن أعمال نيتشه مستوحاة في المحل الأول، من المثل العليا اليونانية في عصر ما قبل سقراط وخاصة في اسبرطة، وقد استحدث في كتابه الرئيسي الأول؛ " ميلاد التراجيديا"، التمييز المشهور بين الحالتين الأبولونية والديونيزية للروح اليونانية. وكان هيجل مثل هيراقليط، يضفي قيمة كبيرة على الصراع والنزاع، ويذهب إلى حد القول؛ بأن الحرب أرفع أخلاقيا من السلم. إن المشكلات الفكرية والاجتماعية التي تزامنت وظهور الثقافة العصرية، عملت على إثارة مناقشات فلسفية قديمة. وهكذا نجد أن هيجل يكتشف هيراقليط، ثم جاء كارل ماركس من بعده واهتم بالفيلسوف نفسه وبأفكاره حول الصراع.

وإذا تعرضنا للأوجه الشبه الكائنة بين البنيوية الحديثة والنسق الفلسفي لزينون اليوناني، ازددنا يقينا بأن الفكر الغربي مازال يستلهم الفكر الإغريقي.
لم يكن زينون السفسطائي أكثر من فيلسوف استعمل فكره للدفاع عن بنية وطنه الاجتماعية والثقافية، التي باتت مهددة من الداخل ومن الخارج، لذا نجده قد كرس حياته لبلورة ونشر أفكار فلسفية تساعد على قبول الواقع كما هو، وترفض كل ما من شأنه أن يغير المسار الاجتماعي الذي رسمته الحضارة اليونانية في الشطر الأخير من حياتها، ومن هنا اتخذ زينون موقفا معاديا من فلسفة هيراقليط التي تدعو إلى الحركة والتغير، واستعمل كثيرا من الأساليب الجدلية والكلامية لدحض أفكار هذا الخصم حتى قيل عنه: " إن زينون له لسان ذو حدين؛ فهو يستطيع أن يفند لك كل ما تستطيع أن تقول".

ولكي يبرهن على عدم صحة مفهومي الكثرة والحركة، عمد زينون الأيلي، إلى عرض حجج لا تخلو من تناقضات، ومن أمثلته المشهورة في هذا المجال؛ مثال السهم، فهو يقول: إن السهم الذي انطلق من قوس وذهب في الهواء، لا يتحرك أبدا وإن كنا نراه متحركا، لأنه في كل لحظة من لحظات طيرانه، يكون غير متحرك بل موجودا وثابتا في نقطة معينة من الفضاء، وهكذا يرى زينون أن الحركة والتغير مجرد أشباح لا أساس لها، ومدلولهما ينطوي على التناقض، وأن وراء هذه الحركة والتغير الزائفين توجد الوحدة الثابتة التي لا تتجزأ ولا تتغير ولا تذوب.

لقد كان زبنون الإيلي ذا قدرة فائقة على الجدل على طريقة السوفسطائيين، كما كان القدوة الأساسية للمدرسة الأيلية التي صدرت بالنقد والتفنيد لآراء اتباع هيراقليط، وبذل هؤلاء الأيليون مجهودات ومجادلات فكرية كبيرة، لإعلاء قيمة المكان على حساب مفهوم الزمن المتضمن لمعنى الحركة والسيرورة، ذلك لأن الوصول إلى فرض مفهوم المكان وإعطائه الأولوية، ينتج عنه سيطرة فكره الثبات الملاصقة لمفهوم المكان، وبالتالي نفي التغير في الوجود، وفي الوجود الاجتماعي على الخصوص.

وكما كرس زينون جزءا من حياته لتفنيد نظرية التغير الهيراقليطية عن فكرة الثبات، نجد أن ليفي ستراوس منذ بداية حياته العلمية، وجه انتقادات عديدة للنظريات الماركسية وللفكر الجدلي، كما اعتبر البنيات التي توصل عليها من خلال دراسته للمجتمعات البدائية، بمثابة قوانين ثابتة في الزمان.
لقد باتت أثينا مهددة من الداخل بفعل تفاقم المشاكل السياسية والاجتماعية، ومن الخارج بوجود العدو الرابض في إسبرطة، والذي يتهيأ للانقضاض على الوطن الأثيني. وفي ظل هذه الظروف لم تكن فلسفة زينون الأيلي لتناصر فكرة التغير والحركة، لأن المجتمع الأثيني كان قد ولج مرحلة الشيخوخة وفقد فتوته، وهكذا انتقص الأيليون من قيمة مفهوم الزمن، وأرادوا أن يوقفوا عجلته لما شعروا بخطره. أما فيما يخص الواقع الحالي للحضارة الغربية فإن ليفي ستراوس قام، من خلال فكره البنيوي بدور مشابه لما قامت به الفلسفة الأيلية، فقد تصدى هو الآخر لمفهوم الزمن المتضمن لمعنى التغير والثورية، ووضع أفكارا ونظريات حاول من خلالها التخفيف من وطأة المستقبل المظلم. لقد حقق المجتمع الغربي في رأيه نوعا من التماسك في بنيانه الاجتماعية، دون أن ينجو من بعض عوامل التفكك التي نشبت في تلك البنيات وباتت تهدده، يجب إذن العمل على إيقاف الانزلاق نحو الكارثة.

إن الخوف من التطور ومن الزمن، كما يرى هنري لوفيفر في كتابه: "الأيديولوجيا البنيوية"، هو الذي جعل ليفي ستراوس وغيره من الأنتروبولوجيين، يهتمون بدراسة الشعوب البدائية والموضوعات الأثرية. فالفكر البنيوي الاجتماعي يكون قد سجل إذن تراجعا في مسيرة الفكر الغربي، لكونه يعارض الزمن والتغير، ويدافع عن واقع المجتمعات الغربية ويعلى من شأن القبائل والمجتمعات البدائية.

د. عبد الله الشارف، جامعة القرويين/كلية أصول الدين، تطوان المغرب.

التحليل النفسي والاتجاه نحو الأسفل

1


يتسم علم النفس الحديث، وخاصة التحليل النفسي، بتركيزه على الجانب الأسفل من النفس، فنجد أن المستوى الشعوري عند الفرد لا يفهم، ولا تتحدد بنيته، إلا انطلاقا من مستويات سفلى، تلك المستويات التي يوجد الإنسان مقسورا في إطارها الجبري، حيث يعجز أن تكون له إرادته الخاصة القادرة على الاختيار والتغيير. وتتكون هذه المستويات بطبيعة الحال من البنيات اللاشعورية كما يعرفها فرويد. وكان من نتائج هذه الفرضية أن الحالات النفسية تكون سفلى بقدر ما كانت عميقة.

إن الهوحسب فرويد، هو الجانب اللاشعوري من النفس، الذي ينشأ منذ الولادة ويحتوي على الغرائز التي تمدنا بالطاقة النفسية اللازمة لعمل الشخصية بأكملها. فهو جانب غريزي غير خاضع لتأثير المجتمع والأخلاق، وهو دائم السعي للحصول على اللذة وتجنب الألم، ويخضع لمبدأ اللذة وليس لمبدأ الواقع. وهو الذي يمد الجانبين الآخرين: الأنا، والأنا الأعلى، بالطاقة اللازمة لعملياتهما.

ويمثل اللاوعي مجموع الرغبات التي قام الأنا بكبتها ودفعها لعمق الحياة النفسية تحت تأثير الأنا الأعلى من جهة، وما ترسب من ذكريات الطفولة السيئة من جهة ثانية.وتكمن خطورة اللاوعي في كونه يضل فاعلا في حياتنا النفسية دون أن تكون لنا القدرة على إدراك حقيقة حضور هذه الدوافع اللاواعية، وهو ما يكون سببا في حدوث المشاكل النفسية بالنسبة للفرد.

ومن هنا يذهب فرويد إلى أن التحليل النفسي يقوم على أساس التسليم بنطرية العقل الباطني، التي تفرض تقسيم الحياة العقلية إلى الشعور واللاشعور، وأن تفكيرنا وتصرفاتنا الشعورية ما هي إلا نتيجة للعمليات اللاشعورية التي تحدث في العقل الباطني، وتكون مستقلة عن إرادتنا.
إن سيادة وانتشار هذا التفسير النفسي المنطلق من المناطق السفلى في النفس، أدى إلى إبعاد الروح كعامل أساسي في فهم وتكوين باطن الإنسان.ومن هنا فإن علم النفس الحديث في الغرب المعاصر، لا يعير الروح اهتماما، بل لا يعترف بوجودها. وعلى هذا الأساس فإن الاعتماد على معطيات هذا العلم، والرجوع إليها قد يكون، في كثير من الأحيان، عملا غير سليم.
إن علم النفس الحديث يهتم بالدرجة الأولى بدراسة إنسان الحضارة الغربية، وإذا ما حاول أن يدرس ويحلل إنسانا لا ينتمي إلى هذه الحضارة، فإنه كثيرا ما يفشل في مهمته، لأن المقاييس التي يعتمدها ذاتية، وضعها وصاغها الإنسان الغربي ليستعين بها على تحليل ذاته، وذاته لها خصوصيات معينة، كما أنها بلغت حدا بعيدا من التعقيد، مما استلزم إيجاد وسائل، ومقاييس، ومناهج خاصة. بالإضافة إلى أن القطيعة الروحية التي أصابت أوربا عقب الثورة على الكنيسة، والثورة الفرنسية، والثورة الصناعية، أفرزت إنسانا يكاد يكون شاذا، لم تعرف الحضارات السابقة شبيها له. في حين أن الإنسان المسلم لم يعرف حالة القطيعة الروحية، ولا الحياة المادية المستلزمة لعلم النفس بالمقياس الغربي، فالمسلم كما نعلم له اختيار حضاري من طراز رفيع يربط الأرض بالسماء، وله سلوك فريد من نوعه يتحدد من خلال ذلك الاختيار.

إن الإسلام يعالج قضايا النفس الإنسانية من الأسفل إلى الأعلى، في حين أن علم النفس الغربي يعالج تلك القضايا في اتجاه المنطقة السفلى، فالوحي حين يخاطب النفس البشرية ويتوجه إليها بالتربية والعلاج، يأخذ بيدها فينتشلها من منطقة الظلام، ومن أوساخ طينة الجسد، ويعرج بها إلى صفاء العالم الروحي. في حين أن علم النفس الغربي الحديث، والتحليل النفسي بصفة خاصة، كثيرا ما يأخذ بيد النفس فينتزعها من منطقة العقل، ويهوي بها إلى أعماق المناطق المظلمة والحيوانية في الذات البشرية، ومن هنا كان مفهوم اللاشعورأو الهو مثلا، أكثر المفاهيم النفسية تعبيرا عن هذا الاتجاه من الأعلى إلى الأسفل.

وإذا كان العروج بالنفس الإنسانية إلى العالم العلوي يجعلها تداعب النفحات الملائكية، فإن الانحدار بها في أودية المناطق المظلمة، يسقطها في عالم الشياطين والتأثيرات الشريرة، مصداقا لقوله تعالى: "الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات"( سورة البقرة، آية 257).

د. عبد الله الشارف، كلية اصول الدين/ تطوان المغرب، ذو الحجة 1422/أكتوبر2012.

الشيطان وإرادة الإنسان

3



لا شك أن تأثير الشيطان في الإنسان كان وما يزال، على مر العصور، موضوع جدل بين المؤيدين والمعارضين. ويصعب على الباحث المتأمل أن يعثر على حضارة من الحضارات، أو ثقافة من الثقافات القديمة أو المعاصرة، خالية من ذكر الشيطان وعلاقته بالنسيج النفسي والاجتماعي للإنسان. ولم تخل الثقافة الغربية المعاصرة نفسها، وهي ذات التوجه المادي العلماني، من ذكر ووجود هذا الكائن الخفي واللامرئي. وكمثال حي على تواجده في الأوساط الاجتماعية الغربية؛ وجود كثير من العيادات والمراكز والجمعيات الخاصة، المنتشرة في المدن الكبرى وعواصم أوربا وأمريكا، حيث يستقبل المرضى المصابون بالمس الشيطاني أو بالسحر، أو الأشخاص الذين يرغبون في الاستفادة من قوة الشياطين، والاستعانة بهم في حياتهم الاجتماعية !!؟


وهناك مئات من الجمعيات التي تطلق على نفسها إسم "الجمعيات الروحية الحديثة"، منتشرة في ربوع الغرب الأوربي والأمريكي، تمارس أنشطة (فكرية ) و (نفسية) لها ارتباط وثيق بعالم الجن والشياطين. ولهذه الجمعيات والمراكز أنصار ومؤيدون يعدون بمئات الآلاف، كما تنتشر مجلات ونشرات كثيرة، تنطق بعقيدتهم وفلسفتهم.


أما في الكتاب والسنة، فقد جاء ذكر الشيطان في آيات وأحاديث كثيرة. كما حذرنا الله سبحانه وتعالى من اتباع الشيطان واتخاذه وليا من دونه. وأمرنا رسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله باجتناب طريقه، وتوقي مجالسه، وسد الطرق والمسالك التي يسلكها للوصول إلى القلوب.


وفي معرض الحديث عن طبيعة الشيطان وأعماله وأهدافه، أشار القرآن الكريم إلى أن هذا اللعين له القدرة على التأثير على الإنسان وإغوائه وإفساده وإضلاله؛ قال تعالى :"وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل" (سورة النمل، 24). وقال أيضا: "استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله" (سورة المجادلة، 19). وقال في سورة مريم، آية 83: "ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا"، إلى غير ذلك من الآيات القرآنية الدالة على كيد الشيطان للإنسان، وإيراده المهالك، وإبعاده عن الصراط المستقيم.


إن الله سبحانه وتعالى قد خول إبليس وجنوده من الشياطين قوة كبيرة، وأمدهم بأسباب يستطيعون من خلالها إفساد البشر وإضلالهم. قال رب العزة: "قال فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين" (سورة الأعراف، 16-17). لكن ليس معنى هذا أن الشيطان يضل ويفسد ويغوي من يشاء ومتى شاء، وإنما يفعل ذلك بمن هو مهيأ نفسيا وعقديا وسلوكيا، لتلقي إيحاءات الشيطان وإغراءاته ووساوسه؛ قال تعالى: "إن عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين" (سورة الإسراء، 65). وقال أيضا: "إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون" (سورة الأعراف؛ 207)، وكذلك قوله تعالى: "ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين" ( الزخرف؛ 36)، والآيات في هذا الصدد كثيرة.


وعندما يجد الشيطان أسوار الحصن متينة وأبوابه موصدة، لا يستطيع فعل شيْ، بينما إذا كانت الأسوار مليئة بالثلم والثقوب، أو الأبواب مفتوحة على مصراعيها، فإنه يندفع إلى الداخل، ويشرع في الإفساد والهدم والتخريب. والإنسان الذي ينحرف عن سنن الفطرة ويعرض عن تعاليم ربه المبينة في الكتاب والسنة، ويلقي بنفسه في عالم الشهوات والرذائل والأهواء، يضعف إرادته الشخصية، ويدعو الشيطان لكي يبسط سلطانه عليه، ويأخذ بناصيته ويقوده ويوجهه أنى شاء.


ويخيل لهذا الإنسان الذي اختار بمحض إرادته طريق الغواية والضلال، أنه يعيش في دنياه وفق مخطط وضعه لنفسه بنفسه، وأنه يحيا حياة شخصية مستقلة، لا تتدخل فيها إرادة أحد؛ وبعبارة أوضح، فإنه يستبعد أن يكون، أثناء ممارسته للحياة، خاضعا لتأثيرات أو إيحاءات معينة، صادرة عن إنس أو جن أو سواهما. في حين أن دائرة إرادته أصبحت شبه مشلولة إزاء المريد الحقيقي الذي يوجد خلف الستار؛ حيث يحرك الدمى وينطقها !! وبالتالي فإن هذا الإنسان المنهمك في شهواته وملذاته، الغافل عن حقيقته وعن وعما ستؤول إليه حاله، يعيش ويتحرك ويتنفس داخل ولاية الشيطان ومملكته. فالشيطان وليه وملهمه وسلطانه؛ قال تعالى: "ومن يتخذ الشيطان وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا" ( سورة النساء؛ 119).


"وتأمل حكمة القرآن وجلالته كيف أوقع الاستعاذة من شر الشيطان الموصوف بأنه الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس... وهي الوسوسة التي هي مبادئ الإرادة، فإن القلب يكون فارغا من الشر والمعصية، فيوسوس إليه ويخطر الذنب بباله، فيصوره لنفسه ويمنيه ويشهيه, فيصير شهوة ويزينها له ويحسنها ويخيلها له في خيال تميل نفسه إليه، فيصير إرادة، ثم لا يزال يمثل ويخيل ويمني ويشهي وينسي علمه بضررها، ويطوي عنه سوء عاقبتها، فيحول بينه وبين مطالعته، فلا يرى إلا صورة المعصية والتذاذه بها فقط، وينسى ما وراء ذلك، فتصير الإرادة عزيمة جازمة فيشتد الحرص عليها من القلب، فيبعث الجنود في الطلب فيبعث الشيطان معهم مددا لهم وعونا... قال تعالى: " ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا"" ( محمد بن قيم الجوزية؛ "بدائع الفوائد" ج 1، ص 389، دار الكتب العلمية، بيروت، د.ت.


د. عبد الله الشارف، كلية اصول الدين/ تطوان-المغرب، ذو القعدة 1433/ أكتوبر 2012.


التنصير و"مؤتمر كولورادو"

0



من أخطر المؤتمرات المتعلقة بتنصير المسلمين، مؤتمر " كولورادو" الذي عقد في 15 أكتوبر عام 1978 تحت عنوان: " مؤتمر أمريكا الشمالية لتنصير المسلمين". وقد حضره مائة وخمسون مشتركا يمثلون أنشط العناصر التنصيرية في العالم. استمر المؤتمر لمدة أسبوعين بشكل مغلق، وانتهى بوضع إستراتيجية بقيت سرية لخطورتها. ومما ورد في أبحاث هذا المؤتمر ما يلي:

للتنصير ثلاثة أساليب:
1- الأسلوب المباشر: عن طريق المنصرين والدارسات الإنجيلية.. وهذا الأسلوب لم يجتذب سوى عددا قليل جدا من المسلمين!...
2- الأسلوب الشامل: مثل المدارس والكليات والجامعات الأمريكية – في القاهرة، وبيروت، واستنبول-!!.. التي فتحت بابا عظيما للتنصير... لكنه فقد تأثيره الإيجابي الذي خطط له مؤسسوه، لعيوب في الإدارة والتوجيه؟!..
3- الأسلوب غير المباشر- أو أسلوب التسلل: بالكلمة المداعبة. والصورة المرئية. والصفحة المكتوبة. والرسوم المتحركة...الخ...الخ... وهذا هو المنصر الحاضر دائما!
والقوة الصامتة وغير المرئية، التي لا تدخل في أي جدال، ولا تقبل أي اعتذار... وعلى الرغم من ذلك تنتقل من خلال العقل إلى القلب والضمير لتحدث معجزة التنصير؟!..." .

وهكذا تم استبدال الأساليب العتيقة بأساليب عصرية ذات مرونة فائقة واستعيض عن الكلمة المكتوبة بالكلمة المسموعة، تم التخطيط المحكم للدور الذي يمكن أن تقوم به الإذاعات التنصيرية في الوصول إلى آذان وعقول وقلوب المسلمين، لأن الإذاعة تخترق حدود وحواجز البلاد المغلقة أمام المنصرين.
" وإذا كانت محطات الإذاعات التنصيرية ومحطات الإرسال التلفزيوني قد بلغت 2340 محطة؟!... وذلك غير الإرسال النصراني من إذاعات وتليفزيونات لا تديرها إرساليات التنصير.. وإنما تديرها دول نصرانية!!... فإنهم قد ذهبوا على درب " التسلل" وتحقيق الحد الأقصى من " الفعالية" إلى حيث اقترحوا مخططا، اتفقت عليه إذاعات التنصير، التي نسقت جهودها وأقامت " رابطة الشرق الأوسط للاتصالات"!.. فكان من معالم هذا التخطيط:

1- استكتاب كتاب مسلمين ، خبراء بالإسلام وبعقلية وذوق المستمع المسلم للنصوص الإذاعية.. على أن يحموا هؤلاء الكتاب من الافتضاح أمام جماهير المسلمين، بترجمة نصوصهم إلى لغات أخرى.. وبإذاعتها في مناطق غير المناطق التي يعيشون فيها؟!..
2- تكوين الأطر المدربة للمستمع المسلم.
3- استخدام الموسيقى الشرقية في الإذاعات التنصيرية.. وكذا الأغاني الشرقية مثل أغنيات فيروز مثلا.. ! والاستعانة بأساليب الإنشاد الديني الإسلامي في إنشاد النصوص النصرانية!.. والشعر العربي، كمسلم للمزامير!.. وبرامج تعليم اللغة الانجليزية، بالتنسيق مع هيئة الإذاعة البريطانية.. ! وصولا إلى توزيع الإنجيل لتدريب دارسي اللغة الانجليزية على قراءته كنص انجليزي؟!" .

وختاما لهذا الجزء من الفصل الأول، أقدم إلى القارئ صورة إحصائية عن الجهاز التنصيري القائم حاليا في العالم:
" وإذا كان المفصل عن مؤسسات التنصير يحتاج إلى دراسة مختصة، قد تصل صفحاتها إلى مجلد ضخم ، فإننا هنا نكتفي بإشارات إلى بعض الأرقام، المستقاة في أغلبها عن " النشرة الدولية للبحوث الإرسالية النصرانية عن التنصير وأنشطته في العالم" لسنة 1991م، ففي هذه الإشارات وأرقامها، مؤشرات على حجم الأجهزة التنصيرية، التي يقودها " معهد زويمر" كجيش جرار يشن حربا ضروسا ضد الإسلام وأمته وعالمه..

* إن عدد مؤسسات وإرساليات ووكالات الخدمات النصرانية تبلغ 120880 مؤسسة.
* والمعاهد التي تؤهل المنصرين وتدربهم يبلغ عددها 99200 معهد.
* والمنصرون المحترفون العاملون على رأس العمل التنصيري يبلغ تعدادهم 4208250 منصرا..
* وفي مؤسسات التنصير هذه 82000000 من أجهزة الكمبيوتر.
* وعدد المجلات التي تصدرها المؤسسات التنصيرية يبلغ 24900 مجلة.
* وعدد الكتب التي أصدرتها هذه المؤسسات في عام واحد 88610 كتب.
* ومحطات الإذاعة والتلفاز التي تبث التنصير يبلغ عددها 2340 محطة.
* ونسخ الأناجيل التي وزعتها، مجانا، في عام واحد هي 53000000 نسخة.
* والمدارس ورياض الأطفال التي تشرف عليه كنائس التنصير تبلغ في العدد 10677 مدرسة..
* والطلاب الذين يدرسون في هذه المدارس الكنسية يبلغ عددهم 9000000 طالبا.
* والمستشفيات التي تملكها هذه الكنائس يبلغ عددها 10600 مستشفى.
* ودور إيواء العجزة والأرامل والأيتام التابعة لها هي 680 دارا..
* وعدد الصيدليات المملوكة لها هو 10050 صيدلية.
* وميزانية خدمة المشاريع النصرانية تبلغ 163 مليار من الدولارات..
* ودخل الكنائس العاملة في التنصير هو 9320 مليار من الدولارات..
* ودخل الإرساليات الأجنبية هو 8900 مليار من الدولارات..
* ولقد بلغت التبرعات التي قدمت للكنيسة في سنة واحة هي سنة 1990م 157 مليون من الدولارات..
* ولقد خص إفريقيا وحدها من هذه المؤسسات التنصيرية:
14000 منصرا و 16000 معهد و 500 مدرسة لاهوتية و 600 مستشفى!..

تلك إشارات لبعض الأرقام التي تجسد الحجم المهول لمؤسسات جيش التنصير، الذي يقوم بتنفيذ بروتوكولات قساوسة التنصير، تلك التي اتفقوا عليها في مؤتمر " كولورادو" في مايو سنة 1978م.." .1

-1- د. محمد عمارة " إستراتيجية التنصير في العالم الإسلامي" ( دراسة في أعمال مؤتمر كولورادو لتنصير المسلمين) مركز دراسات العالم الإسلامي مالطا 1992 ص: 215.

د. عبد الله الشارف/ جامعة القرويين، كلية أصول الدين/ تطوان- المغرب. ذو القعدة 1433- اكتوبر 2012.

لماذا تركت التصوف ؟

1





إن السنوات السبع التي كنت أحياها متصوفا، أثناء دراستي الجامعية في باريس، كانت سنوات صعبة من حيث الوضع النفسي والاجتماعي. فقد كنت غريبا دينيا واجتماعيا وثقافيا؛ أي أن مجتمع الإقامة الفرنسي، يختلف عن مجتمعي المغربي المسلم اختلافا جذريا. فكنت إذن أمام خيارين: خيار الانصهار والذوبان في مجتمع الغربة، وخيار العزلة والانطواء على الذات أو الهروب. فاخترت الثاني. ومن هنا تجلى لي التصوف كأحسن طريق لممارسة هذا الخيار والمحافظة عليه. وهذا الكلام مبسوط في مطلع "تجربتي الصوفية"، انظر charefab.com

ولما أنهيت دراستي الجامعية، ورجعت إلى وطني العزيز، وانخرطت في سلك التدريس بكلية أصول الدين، التحم كياني النفسي والعقلي من جديد بالفضاء الديني والاجتماعي والثقافي المغربي. فصرت كأنني أكتشف نفسي أو أتعرف على كائن غاب عني وانقطعت صلتي به !!

وهكذا في خضم الحياة الأسرية والاجتماعية، والأنشطة الجامعية والثقافية، بدأت تتلاشى الخيوط العنكبوتية الصوفية التي نسجتها حول نفسي في ديار الغربة والمهجر.

وبعبارة أخرى، لما انعدمت أو ارتفعت الأسباب التي دعتني إلى التصوف، حلت محلها العوامل الموجبة لهجره والتحلل منه. وفي رأيي المتواضع أنه توجد وراء كل متصوف أزمة، وهو رأي مشهور وله وجاهته، ويمكن استقراؤه واستنباطه من خلال الاطلاع على تراجم الصوفية قديما وحديثا، وأوضح مثال على ذلك؛ أبو حامد الغزالي في كتابه: "المنقذ من الضلال".

وبالإضافة إلى ذلك، رجعت إلى كتب السنة والعقيدة الصحيحة، فتبين لي الحق في صورته الواضحة البهية؛ فالحق أبلج والباطل لجلج. كما جالست بعض الشيوخ وعلماء السنة، وأحسست بنشوة التوبة وبرد اليقين؛ ما أحلمك وأجملك يا الله !، وما أفرحك بتوبة عبدك !، وما ألذ طعم مقام العبودية !! وإن القلم ليعجز عن الوصف والتعبير، تعبيرا عن العجز والافتقار.

وبعد، أحمد الله سبحانه وتعالى أن رد السفينة إلى الساحل وشاطئ الأمان بعد أن أوجعتها ضربات الأمواج العاتية. لقد كانت رحلتي الصوفية – سواء أيام الخلوة التي دامت تسعة عشر يوما، أو خلال السنوات السبع التي قضيتها مع التجربة الصوفية في فرنسا- مليئة بالاكتشافات في عالمي النفس والثقافة الدينية، كما أن غرائب هذه الرحلة، وعجائبها ومظاهرها، ومعانيها أثرت في شخصيتي تأثيرا قويا حتى كأنني ولدت للمرة الثانية. والحقيقة أن طبيعة الرحلة الصوفية أهول من السيل بالليل، وطريقها وعر ملئ بالأشواك، وأكثر ما يتراءى لصاحبها من معاني وحقائق، هي أكذب من البرق الخلب، "ورب غيث عاد عيثا"، ووبل صار وبالا.
لم أكن أتصور وقوع هذه الأمور الفاسدة قبيل الخلوة الصوفية، بل كان أملي يتلخص في تربية النفس، ومجاهدتها وتزكيتها، والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى. لكن كيف يا ترى طرأ هذا الخور والهذيان، وحضرتني تلك الخيالات والرؤى الفاسدة المضلة؟! لقد كانت نيتي صادقة، غير أنني أخطأت الطريق عندما مارست الخلوة.

"قال الفضيل بن عياض: العمل الحسن هو أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل. وإذا كان صوابا، ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا. والخالص: ما كان لله. والصواب: ما كان على السنة. وهذا هو المذكور في قوله تعالى: "فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا" وفي قوله: "ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن".

فلا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه، على متابعة أمره. وما عدا ذلك فهو مردود على عامله، يرد عليه –أحوج ما هو إليه- هباء منثورا. وفي الصحيح من حديث عائشة عن النبي (ص): "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد"، وكل عمل بلا اقتداء فإنه لا يزيد عامله من الله إلا بعدا. فإن الله تعالى إنما يعبد بأمره، لا بالآراء والأهواء.

وأحمد الله أني كنت قد ولجت هذا العالم الصوفي وأنا أحمل في نفسي هم التوبة وتزكية النفس، ثم تنسم عبير المعرفة الصوفية، فكانت المغامرة وكانت الرحلة. لكن لما هدأ بحر النفس، ولم تعد أمواج الذوق الصوفي متلاطمة، وانجلت سحائب الإشراقات، وغاب صدى الموسيقى والألحان الغريبة عن الصدر والقلب والدماغ، توقدت بإذن الله عين النقد من جديد، وصحوت بعد سكر، فتكسرت القيود وعادت الإرادة إلى مجراها الطبيعي، حيث العبودية ونهج المصطفى الكريم صلوات الله عليه وعلى آله.

د. عبد الله الشارف، كلية اصول الدين /تطوان المغرب. ذو القعدة 1433-اكتوبر 2012.

أسطورة الثقافة الكونية

0


 








إن المستغربين من "المثقفين" المغاربة انخدعوا ـ كغيرهم من المستغربين في الشرق الإسلامي ـ بأسطورة الحضارة العالمية أو الثقافة الكونية؛ تلك الاسطورة القائمة على أساس أن العالم وطن واحد ـ ثقافيا وفكريا وحضاريا ـ رغم وجود الحدود السياسية والحواجز الجغرافية، وأن الأمم والشعوب والقوميات مجرد درجات ومستويات في البناء الواحد للحضارة المعاصرة. ومن ثم لاحرج من أن نتبنى الثقافة العالمية ونسلك السبل المؤدية إلي تمثلها، بل من الواجب علينا المبادرة بذلك قبل فوات الأوان. كما أن هذا التطور العالمي للثقافة يروج له في الداخل والخارج بشتى الأساليب والإمكانيات، ويبذل القائمون عليه مجهودات كبيرة لإخفاء دوافع نشره والدعوة إليه، لدرجة أن المستغربين ـ من شدة انخداعهم ـ يرون أن عبور الفكر الغربي لحدوده وسريانه في جسد الأمة الإسلامية، لاينطوي على أدنى شبهة غزو أو أثر عدواني. وياليت مستغربينا دعوا إلى الاستفادة من الثقافة الكونية جمعاء، أي تلك التي تنضوي تحت لوائها الثقافات والحضارات المتعددة، غير أنهم اختزلوا كل ذلك في ثقافة وحيدة هي ثقافة الغرب.


وتجدر الإشارة إلى أن ظاهرة الاستغراب من جهة، والدعوة إلى الثقافة الكونية من جهة أخرى، لايمكن فهمهما بعمق إلا في اطار عملية التغريب التي يضطلع بها الغربيون منذ أزيد من قرنيين. والتغريب من بين الموضوعات الأساسية التي نالت  اهتمامات المعنيين بالمجال الثقافي في العقود الأخيرة. ذلك أن بلدان ما يسمى بالعالم الثالث أضحت منذ زمن الاستعمار هدفا للأطماع الغربية والغزو الفكري الخبيث.


 ولعل من نافلة القول التأكيد بأن ثقافات "العالم الثالث" لم تتعرض طوال تاريخها لما تتعرض له الآن من محاولات الهيمنة والاحتواء والإذابة. ويذهب بعض الدارسين إلى أن التهديد الذي يستهدف الهوية الثقافية في الدول النامية أخـذ يخيف البلدان الأوربية نفسها، مما حـذا بالمسؤولين الأوربيين إلى عقد لقاءات ومؤتمرات، أشهرها المؤتمر العالمي للسياسات الثقافية الذي انعقد في المكسيك سنة 1982م، من أجل الدفاع عن الثقافات المحلية، والحيلولة دون ذوبانها في الثقافة الأمريكية، ذلك أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى من خـلال سياستـها الثقافيـة الخارجيـة إلى ماسمي ب "أمركة العالم ثقافيا".


ومن الناحية التاريخية تمتد جذور التغريب إلى القرن السادس عشرالميلادي الذي تزامن مع الحملة الاستعمارية الكبرى بقيادة "الغزاة". ثم تدرج مع زمن الاكتشافات العلميـة الكبرى، إلى أن بلغ ذروته في القرنين التاسع عشر والعشرين الميلاديين. وبعد أفول مرحلة الاستعمار، انتقل التغريب من مظهر العنف والقوة إلى مظهر الهيمنة الخفية والتوجيه العقلي المخطط والمدروس، ومايصاحب ذلك من الاغراء والفتنة وخلق الآمال الكإذبة بالخلاص، عبر وسائل التأثير الأكثر تغلغلا، وبطرق غير مباشرة ، لايتفطن إليها معظم المثقفين بله العوام.



د.عبد الله الشارف؛ "الاستغراب في الفكر المغربي المعاصر"، طوب بريس، الرباط 2003، ص 18-19.