التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من أكتوبر, 2012

الحارث المحاسبي وأسلوب التخويف النفسي

    يقول الحارث المحاسبي في كتابه "الرعاية لحقوق الله". " باب ما ينال به خوف وعيد الله عز وجل"؛قلت فبم ينال الخوف والرجاء؟ قال: تعظيم المعرفة بعظيم قدر الوعد والوعيد قلت: فبم ينال عظيم المعرفة بعظيم قدر الوعد والوعيد؟ قال: بالتخويف لشدة العذاب والترجي لعظيم الثواب قلت: وبم ينال التخويف؟ قال بالذكر والفكر في العاقبة، لأن الله عز وجل قد علم أن هذا العبد إذا غيب عنه ما قد خوفه ورجاه، لن يخاف ولن يرج إلا بالذكر والفكر،لأن الغيب لا يرى بالعين، وإنما يرى بالقلب في حقائق اليقين، فإذا احتجب العبد بالغفلة عن الآخرة... ولم يخف ولم يرج إلا رجاء الإقرار وخوفه. وأما خوف ينغص عليه تعجيل لذته... إنما يجتلب بالذكر والفكر والتنبيه والتذكر لشدة غضب الله وأليم عذابه وليوم المعاد" التجأ المحاسبي في هذا الكتاب إلى طريقة الحوار؛ حيث افترض مخاطبا ويجيب عن تساؤلاته، ولا ريب أن استعمال هذه الطريقة في معالجة بعض الموضوعات له دور إيجابي في تقريب المعاني إلى الذهن وبلوغ الهدف المنشود. وبعد أن حاور المحاسبي مخاطبه في موضوع التقوى ومحاسبة النفس، ثم في التوبة وشروطها وما يبعث عليها، انتقل به

الأدب مع الرسول صلى الله عليه وسلم

    وهذا باب عظيم من أبواب السنة من دخله نال الخير العميم وحظي بالنعيم المقيم، ومن أبى فهو إلى الشقاوة أميل وعن الخير أبعد. ولقد حث الشارع على هذا الأدب، وأمر به في مطلع سورة الحجرات، حيث يقول الحق سبحانه وتعالى:" يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله." والأمر يفيد الوجوب كما هو معلوم عند علماء الأصول، وبالتالي فمن الواجب على المسلم أن يعظم شأن نبيه صلى الله عليه وسلم، ويتأدب معه كأنه حي بين أظهرنا، ويجتهد في اتباعه والاقتداء به. قال صاحب المواهب اللدنية: "فمن الأدب ألا يتقدم بين يديه بأمر ولا نهي، ولا إذن ولا تصرف حتى يأمر هو وينهى، ويأذن كما أمر الله بذلك في هذه الآية، وهذا باق إلى يوم القيامة لم يفسخ. فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته، كالتقدم بين يديه في حياته، لا فرق بينهما عند ذي عقل سليم" . وهل ضل أكثر من ضل من المسلمين إلا بسبب التقدم بين يدي سنته صلى الله عليه وسلم، من خلال اتباع الأهواء والخيالات، وما تمليه النفوس من الأوهام والتصورات الخاطئة، وترجيح الآراء على نصوص السنة وأ قوال النبي صلى الله عليه وسلم؟‼ لقد تجرأ هؤلاء الناس على نبيهم صلى الله ع

الطاهر بن جلون والأدب الجنسي الفرنكوفوني

لا تكاد تخلو رواية واحدة للكاتب الطاهر بن جلون من الصور والمشاهد الجنسية، أو الكلام الفاحش، مما يوحي بأن هذا الكاتب مر في طفولته ومراهقته، بأحداث ووقائع اجتماعية ونفسية داخل الأسرة أو خارجها، كانت سببا في الثورة على القيم الخلقية والتقاليد والأعراف، أو أنه بعد اطلاعه على الأدب الجنسي الفرنسي الساقط، استهواه ووقع في أسره فنحا نحوه، أو للسببين معا. في رواية “حرودة” يتحدث الراوي وهو طفل صغير، عن وجوده في الحمام مع أمه بين النسوة العاريات: “أدفع ببدني العاري بين فروجهن…”1 وفي مقطع من رواية “الكاتب العمومي”  نقرأ “كنت مسحورا ببشرتها…. وطلبت منها من أن تحملني على ظهرها… وأدخل يدي تحت قميصها حتى ألامس صدرها، كانت ذات نهود … ” 2 “….وفي الرابعة من عمري، لم يكن عضو المرأة التناسلي يشكل لي سرا من الأسرار، وكنت أتصوره شيئا مرغوبا فيه وممنوعا في نفس الوقت… بيد أن كل شيء ينهاني عنه الإله أو عائلتي تجدني أنجذب نحوه”  3 أكتفي بهذه النصوص من بين عشرات النصوص التي تتحدث عن عالم الجنس في خيال الطفل الراوي، لأنتقل إلى نصوص أخرى تعبر عن العالم نفسه على لسان الراوي.. بعد حديث بين الراوي وفتاة أجنبية حول هجر

أشواق الكعبة وعرفات

  نظرت إلى الكعبة نظرة أشرقت لها روحي، واهتز كياني، وطرب قلبي، ورقصت خلاياي، فشق علي مغادرة المكان من شدة الأسر ووطأة الحال.فما أعذبها من لحظات، وألذها من إحساسات، وأسناها من إشراقات. فكاني باليقين قد بلغ مداه، حتى لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا، وبالشوق قد حقق مناه. فما كان مني والحالة هاته إلا أن عاهدت ربي على ما عاهدته عليه عسى أن أكون بذلك شكورا. اسكن أول بيت يا عبد الله؛ لا تسكن في مساكن الذين ظلموا، ولا تسكن إلى بيت بنيته ورفعت قواعده، فقد يتصدع أو يخر عليك سقفه، واسكن أول بيت وضع لك تظفر بالهدى والبركة، وتنعم بالأمن وتشملك الرحمة وتتجلى لك الآيات البينات، واسأل الله استضافتك. وإذا لم تطأ أقدامك فناءه ولم تستطع إليه سبيلا، فاملأ قلبك بحب رب البيت وعظمه، فكم من حاج لم يحج، وكم من قاعد حيل بينه وبين ذلك قد نال رضا الله وعفوه. تغشتك ليلة عرفات يا عبد الله؛ تغشتك ليلة عرفات فلا أثر، وأظلك يومها الندي فلا مطر ولا عبر, فأرض نفسك جذباء قاعا صفصفا ما الخبر ؟ ضيف طاف بك فأقليته، وتعرف إليك فأنكرته، فأنت لحقيقة نفسك أشد إنكارا. اجعل أيام عمرك عرفات، ترفع حجب نفسك، وترن بعين قلبك إلى الغرفات،

بين السفسطائي زينون وك. ليفي ستراوس البينيوي

يعتبر التراث الإغريقي القديم أحد المراجع الأساسية في بناء الفكر الغربي الحديث والمعاصر، فقد أحيت أوروبا في معركتها الثقافية تراثها القديم. وإذا تصفحنا أعمال كثير من الفلاسفة والمفكرين الأوربيين وجدناها زاخرة بأفكار وتأملات اليونانيين مع صياغة جديدة وملائمة لروح العصر الحديث. ولقد كانت النظرة العامة التي تولدت عن نمو البحث العلمي هي في أساسها نظرة اليونانيين، وقد بعثت من جديد. إن الفيلسوف الإنجليزي توامس مور مثلا، بنى نظريته الاجتماعية والسياسية والتي فصلها في كتابه "اليوتوبيا"، مستلهما جمهورية أفلاطون. ولم يكن تفكير الألماني "كانت" إلا تفكيرا أرسطيا لما اطلق اسم المقولات ، وهو مصطلح أرسطي ، على المبادئ العامة للعقل، تلك المبادئ التي يضفيها الذهن من عنده من أجل تشكيل التجربة في صورة معرفة. ثم إن أعمال نيتشه مستوحاة في المحل الأول، من المثل العليا اليونانية في عصر ما قبل سقراط وخاصة في اسبرطة، وقد استحدث في كتابه الرئيسي الأول؛ " ميلاد التراجيديا"، التمييز المشهور بين الحالتين الأبولونية والديونيزية للروح اليونانية. وكان هيجل مثل هيراقليط، يضفي قيمة كبيرة عل

التحليل النفسي والاتجاه نحو الأسفل

يتسم علم النفس الحديث، وخاصة التحليل النفسي، بتركيزه على الجانب الأسفل من النفس، فنجد أن المستوى الشعوري عند الفرد لا يفهم، ولا تتحدد بنيته، إلا انطلاقا من مستويات سفلى، تلك المستويات التي يوجد الإنسان مقسورا في إطارها الجبري، حيث يعجز أن تكون له إرادته الخاصة القادرة على الاختيار والتغيير. وتتكون هذه المستويات بطبيعة الحال من البنيات اللاشعورية كما يعرفها فرويد. وكان من نتائج هذه الفرضية أن الحالات النفسية تكون سفلى بقدر ما كانت عميقة. إن الهوحسب فرويد، هو الجانب اللاشعوري من النفس، الذي ينشأ منذ الولادة ويحتوي على الغرائز التي تمدنا بالطاقة النفسية اللازمة لعمل الشخصية بأكملها. فهو جانب غريزي غير خاضع لتأثير المجتمع والأخلاق، وهو دائم السعي للحصول على اللذة وتجنب الألم، ويخضع لمبدأ اللذة وليس لمبدأ الواقع. وهو الذي يمد الجانبين الآخرين: الأنا، والأنا الأعلى، بالطاقة اللازمة لعملياتهما. ويمثل اللاوعي مجموع الرغبات التي قام الأنا بكبتها ودفعها لعمق الحياة النفسية تحت تأثير الأنا الأعلى من جهة، وما ترسب من ذكريات الطفولة السيئة من جهة ثانية.وتكمن خطورة اللاوعي في كونه يضل فاعلا في حياتن

الشيطان وإرادة الإنسان

لا شك أن تأثير الشيطان في الإنسان كان وما يزال، على مر العصور، موضوع جدل بين المؤيدين والمعارضين. ويصعب على الباحث المتأمل أن يعثر على حضارة من الحضارات، أو ثقافة من الثقافات القديمة أو المعاصرة، خالية من ذكر الشيطان وعلاقته بالنسيج النفسي والاجتماعي للإنسان. ولم تخل الثقافة الغربية المعاصرة نفسها، وهي ذات التوجه المادي العلماني، من ذكر ووجود هذا الكائن الخفي واللامرئي. وكمثال حي على تواجده في الأوساط الاجتماعية الغربية؛ وجود كثير من العيادات والمراكز والجمعيات الخاصة، المنتشرة في المدن الكبرى وعواصم أوربا وأمريكا، حيث يستقبل المرضى المصابون بالمس الشيطاني أو بالسحر، أو الأشخاص الذين يرغبون في الاستفادة من قوة الشياطين، والاستعانة بهم في حياتهم الاجتماعية !!؟ وهناك مئات من الجمعيات التي تطلق على نفسها إسم "الجمعيات الروحية الحديثة"، منتشرة في ربوع الغرب الأوربي والأمريكي، تمارس أنشطة (فكرية ) و (نفسية) لها ارتباط وثيق بعالم الجن والشياطين. ولهذه الجمعيات والمراكز أنصار ومؤيدون يعدون بمئات الآلاف، كما تنتشر مجلات ونشرات كثيرة، تنطق بعقيدتهم وفلسفتهم. أما في الكتاب والسنة، فقد

التنصير و"مؤتمر كولورادو"

من أخطر المؤتمرات المتعلقة بتنصير المسلمين، مؤتمر " كولورادو" الذي عقد في 15 أكتوبر عام 1978 تحت عنوان: " مؤتمر أمريكا الشمالية لتنصير المسلمين". وقد حضره مائة وخمسون مشتركا يمثلون أنشط العناصر التنصيرية في العالم. استمر المؤتمر لمدة أسبوعين بشكل مغلق، وانتهى بوضع إستراتيجية بقيت سرية لخطورتها. ومما ورد في أبحاث هذا المؤتمر ما يلي: للتنصير ثلاثة أساليب: 1- الأسلوب المباشر: عن طريق المنصرين والدارسات الإنجيلية.. وهذا الأسلوب لم يجتذب سوى عددا قليل جدا من المسلمين!... 2- الأسلوب الشامل: مثل المدارس والكليات والجامعات الأمريكية – في القاهرة، وبيروت، واستنبول-!!.. التي فتحت بابا عظيما للتنصير... لكنه فقد تأثيره الإيجابي الذي خطط له مؤسسوه، لعيوب في الإدارة والتوجيه؟!.. 3- الأسلوب غير المباشر- أو أسلوب التسلل: بالكلمة المداعبة. والصورة المرئية. والصفحة المكتوبة. والرسوم المتحركة...الخ...الخ... وهذا هو المنصر الحاضر دائما! والقوة الصامتة وغير المرئية، التي لا تدخل في أي جدال، ولا تقبل أي اعتذار... وعلى الرغم من ذلك تنتقل من خلال العقل إلى القلب والضمير لتحدث معجزة التنص

لماذا تركت التصوف ؟

إن السنوات السبع التي كنت أحياها متصوفا، أثناء دراستي الجامعية في باريس، كانت سنوات صعبة من حيث الوضع النفسي والاجتماعي. فقد كنت غريبا دينيا واجتماعيا وثقافيا؛ أي أن مجتمع الإقامة الفرنسي، يختلف عن مجتمعي المغربي المسلم اختلافا جذريا. فكنت إذن أمام خيارين: خيار الانصهار والذوبان في مجتمع الغربة، وخيار العزلة والانطواء على الذات أو الهروب. فاخترت الثاني. ومن هنا تجلى لي التصوف كأحسن طريق لممارسة هذا الخيار والمحافظة عليه. وهذا الكلام مبسوط في مطلع "تجربتي الصوفية"، انظر charefab.com ولما أنهيت دراستي الجامعية، ورجعت إلى وطني العزيز، وانخرطت في سلك التدريس بكلية أصول الدين، التحم كياني النفسي والعقلي من جديد بالفضاء الديني والاجتماعي والثقافي المغربي. فصرت كأنني أكتشف نفسي أو أتعرف على كائن غاب عني وانقطعت صلتي به !! وهكذا في خضم الحياة الأسرية والاجتماعية، والأنشطة الجامعية والثقافية، بدأت تتلاشى الخيوط العنكبوتية الصوفية التي نسجتها حول نفسي في ديار الغربة والمهجر. وبعبارة أخرى، لما انعدمت أو ارتفعت الأسباب التي دعتني إلى التصوف، حلت محلها العوامل الموجبة لهجره والتحلل منه. و

أسطورة الثقافة الكونية

  إن المستغربين من "المثقفين" المغاربة انخدعوا ـ كغيرهم من المستغربين في الشرق الإسلامي ـ بأسطورة الحضارة العالمية أو الثقافة الكونية؛ تلك الاسطورة القائمة على أساس أن العالم وطن واحد ـ ثقافيا وفكريا وحضاريا ـ رغم وجود الحدود السياسية والحواجز الجغرافية، وأن الأمم والشعوب والقوميات مجرد درجات ومستويات في البناء الواحد للحضارة المعاصرة. ومن ثم لاحرج من أن نتبنى الثقافة العالمية ونسلك السبل المؤدية إلي تمثلها، بل من الواجب علينا المبادرة بذلك قبل فوات الأوان. كما أن هذا التطور العالمي للثقافة يروج له في الداخل والخارج بشتى الأساليب والإمكانيات، ويبذل القائمون عليه مجهودات كبيرة لإخفاء دوافع نشره والدعوة إليه، لدرجة أن المستغربين ـ من شدة انخداعهم ـ يرون أن عبور الفكر الغربي لحدوده وسريانه في جسد الأمة الإسلامية، لاينطوي على أدنى شبهة غزو أو أثر عدواني. وياليت مستغربينا دعوا إلى الاستفادة من الثقافة الكونية جمعاء، أي تلك التي تنضوي تحت لوائها الثقافات والحضارات المتعددة، غير أنهم اختزلوا كل ذلك في ثقافة وحيدة هي ثقافة الغرب. وتجدر الإشارة إلى أن ظاهرة الاستغراب من جهة، والدعوة إ