لماذا تركت التصوف ؟

1





إن السنوات السبع التي كنت أحياها متصوفا، أثناء دراستي الجامعية في باريس، كانت سنوات صعبة من حيث الوضع النفسي والاجتماعي. فقد كنت غريبا دينيا واجتماعيا وثقافيا؛ أي أن مجتمع الإقامة الفرنسي، يختلف عن مجتمعي المغربي المسلم اختلافا جذريا. فكنت إذن أمام خيارين: خيار الانصهار والذوبان في مجتمع الغربة، وخيار العزلة والانطواء على الذات أو الهروب. فاخترت الثاني. ومن هنا تجلى لي التصوف كأحسن طريق لممارسة هذا الخيار والمحافظة عليه. وهذا الكلام مبسوط في مطلع "تجربتي الصوفية"، انظر charefab.com

ولما أنهيت دراستي الجامعية، ورجعت إلى وطني العزيز، وانخرطت في سلك التدريس بكلية أصول الدين، التحم كياني النفسي والعقلي من جديد بالفضاء الديني والاجتماعي والثقافي المغربي. فصرت كأنني أكتشف نفسي أو أتعرف على كائن غاب عني وانقطعت صلتي به !!

وهكذا في خضم الحياة الأسرية والاجتماعية، والأنشطة الجامعية والثقافية، بدأت تتلاشى الخيوط العنكبوتية الصوفية التي نسجتها حول نفسي في ديار الغربة والمهجر.

وبعبارة أخرى، لما انعدمت أو ارتفعت الأسباب التي دعتني إلى التصوف، حلت محلها العوامل الموجبة لهجره والتحلل منه. وفي رأيي المتواضع أنه توجد وراء كل متصوف أزمة، وهو رأي مشهور وله وجاهته، ويمكن استقراؤه واستنباطه من خلال الاطلاع على تراجم الصوفية قديما وحديثا، وأوضح مثال على ذلك؛ أبو حامد الغزالي في كتابه: "المنقذ من الضلال".

وبالإضافة إلى ذلك، رجعت إلى كتب السنة والعقيدة الصحيحة، فتبين لي الحق في صورته الواضحة البهية؛ فالحق أبلج والباطل لجلج. كما جالست بعض الشيوخ وعلماء السنة، وأحسست بنشوة التوبة وبرد اليقين؛ ما أحلمك وأجملك يا الله !، وما أفرحك بتوبة عبدك !، وما ألذ طعم مقام العبودية !! وإن القلم ليعجز عن الوصف والتعبير، تعبيرا عن العجز والافتقار.

وبعد، أحمد الله سبحانه وتعالى أن رد السفينة إلى الساحل وشاطئ الأمان بعد أن أوجعتها ضربات الأمواج العاتية. لقد كانت رحلتي الصوفية – سواء أيام الخلوة التي دامت تسعة عشر يوما، أو خلال السنوات السبع التي قضيتها مع التجربة الصوفية في فرنسا- مليئة بالاكتشافات في عالمي النفس والثقافة الدينية، كما أن غرائب هذه الرحلة، وعجائبها ومظاهرها، ومعانيها أثرت في شخصيتي تأثيرا قويا حتى كأنني ولدت للمرة الثانية. والحقيقة أن طبيعة الرحلة الصوفية أهول من السيل بالليل، وطريقها وعر ملئ بالأشواك، وأكثر ما يتراءى لصاحبها من معاني وحقائق، هي أكذب من البرق الخلب، "ورب غيث عاد عيثا"، ووبل صار وبالا.
لم أكن أتصور وقوع هذه الأمور الفاسدة قبيل الخلوة الصوفية، بل كان أملي يتلخص في تربية النفس، ومجاهدتها وتزكيتها، والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى. لكن كيف يا ترى طرأ هذا الخور والهذيان، وحضرتني تلك الخيالات والرؤى الفاسدة المضلة؟! لقد كانت نيتي صادقة، غير أنني أخطأت الطريق عندما مارست الخلوة.

"قال الفضيل بن عياض: العمل الحسن هو أخلصه وأصوبه. قالوا: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل. وإذا كان صوابا، ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا. والخالص: ما كان لله. والصواب: ما كان على السنة. وهذا هو المذكور في قوله تعالى: "فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا، ولا يشرك بعبادة ربه أحدا" وفي قوله: "ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن".

فلا يقبل الله من العمل إلا ما كان خالصا لوجهه، على متابعة أمره. وما عدا ذلك فهو مردود على عامله، يرد عليه –أحوج ما هو إليه- هباء منثورا. وفي الصحيح من حديث عائشة عن النبي (ص): "كل عمل ليس عليه أمرنا فهو رد"، وكل عمل بلا اقتداء فإنه لا يزيد عامله من الله إلا بعدا. فإن الله تعالى إنما يعبد بأمره، لا بالآراء والأهواء.

وأحمد الله أني كنت قد ولجت هذا العالم الصوفي وأنا أحمل في نفسي هم التوبة وتزكية النفس، ثم تنسم عبير المعرفة الصوفية، فكانت المغامرة وكانت الرحلة. لكن لما هدأ بحر النفس، ولم تعد أمواج الذوق الصوفي متلاطمة، وانجلت سحائب الإشراقات، وغاب صدى الموسيقى والألحان الغريبة عن الصدر والقلب والدماغ، توقدت بإذن الله عين النقد من جديد، وصحوت بعد سكر، فتكسرت القيود وعادت الإرادة إلى مجراها الطبيعي، حيث العبودية ونهج المصطفى الكريم صلوات الله عليه وعلى آله.

د. عبد الله الشارف، كلية اصول الدين /تطوان المغرب. ذو القعدة 1433-اكتوبر 2012.

التعليقات

  1. الحمد لله الذي هداك إلى طريق الحق طريق اهل السنة والجماعة والسلف الصالح
    ونجاك من طريق اهل الضلال والبدع والقبوريين المتصوفة الذين كلما حاولنانصحهم
    اخذتهم العزة بالإثم

    ردحذف