التصوف أنزل من السماء !!

2






قال الشيخ الصوفي أحمد بن عجيبة المغربي التطواني في مقدمة كتابه؛ "إيقاظ الهمم في شرح الحكم" متحدثا عن أصول علم التصوف:


 "وأما واضع هذا العلم، فهو النبي صلى الله عليه وسلم علمه الله له بالوحي والإلهام. فنزل جبريل عليه السلام أولاً بالشريعة. فلما تقررت نزل ثانياً بالحقيقة. فخص بها بعضاً دون بعض. وأول من تكلم فيه وأظهره سيدنا على كرم الله وجهه، وأخذه عنه الحسن البصري ....وأخذه عن الحسن حبيب العجمي، وأخذه عن حبيب أبو سليمان داوود الطائي ..وأخذه عن داوود أبو محفوظ معروف بن فيروز الكرخي رضي الله عنه، وأخذه عن معروف الكرخي أبو الحسن سري بن مغلس السقطي، توفي سنة إحدى وخمسين ومائة وأخذه عن السري إمام هذه الطريقة ومظهر أعلام الحقيقة، أبو القاسم محمد بن الجنيد الخزار.....ثم انتشر التصوف في أصحابه وهلم جرا ولا ينقطع حتى ينقطع الدين.


ومن رواية أخرى، أخذه عن سيدنا علي رضي الله عنه أول الاقطاب سيدنا الحسن ولده، ثم عنه أبو محمد جابر، ثم القطب سعيد الغزواني ثم القطب فتح السعود ثم ....ثم القطب الكبير مولاى عبد السلام بن مشيش، ثم القطب الشهير أبو الحسن الشاذلي، ثم خليفته أبو العباس المرسى، ثم العارف الكبير سيدي أحمد بن عطاء الله ثم .....ثم العارف سيدي العربي بن عبد الله، ثم العارف الكبير سيدي على بن عبد الرحمن العمراني الحسني، ثم العارف الشهير شيخ المشايخ سيدي ومولاي العربي الدرقاوي الحسني، ثم العارف الكامل المحقق الواصل شيخنا سيدي محمد بن أحمد البوزيدي الحسني ثم عبد ربه وأقل عبيده أحمد ابن محمد بن عجيبة الحسني، ثم عنه خلق كثير والمنة لله العلي الكبير وأما اسمه فهو علم التصوف واختلف في اشتقاقه على أقوال كثيرة."


أي افتراء هذا؟ وأي كذب وبهتان؟ متى كان النبي صلى الله عليه وسلم متصوفا؟ وما هي الأحاديث التي تشير إلى هذا الباطل؟ ومن هم الصحابة الدين مارسوا التصوف؟ وما هي الطريقة الصوفية التي اشتهرت عندهم؟ أين الأدلة على هذه الدعوى؟ أين الحجج العقلية والنقلية؟


إن قوله: " فنزل جبريل عليه السلام أولاً بالشريعة، فلما تقررت نزل ثانياً بالحقيقة، فخص بها بعضاً دون بعض"، يعني أن الدين ينقسم إلى شريعة وحقيقة، أي؛ كما يقولون، ظاهر وباطن. وبعبارة أخرى؛ فإن الشريعة تمثل الهيكل، والحقيقة تمثل الروح. إن جبريل نزل في البداية بالهيكل، فلما تقرر، نزل بالحقيقة. فخص بها بعضا دون بعض !! أي أن الصحابة فريقان؛ فريق يعلم الشريعة ولا علم له بالحقيقة، وفريق يعلمهما كليهما !!


وقوله: " وأول من تكلم فيه وأظهره سيدنا على كرم الله وجهه"، يوحي برائحة التشيع، لأن أبا بكر الصديق أولى بأن يكون السباق الأول إلى هذا "الخير" !


رحم الله الفقيه العلامة ابن الجوزي في كتابه "تلبيس إبليس"، حيث بين كيف يلبس الشيطان على الصوفية ويريهم الباطل حقا، ويقذف بهم في أودية الضلال.



د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، جامعة القرويين/ تطوان المغرب. صفر 1434/يناير 2013.



"أنا أعبد الله مسلما، إذن أنا موجود"

0





يعتبر مبحث الوجود من المباحث الفلسفية الأساسية التي شغلت بال الفلاسفة على مر العصور. وقد اختلفت نظرياتهم حول طبيعة الوجود وحقيقته، باختلاف مدارسهم ومذاهبهم أو إيديولوجياتهم. فقد اختلف أرسطو مع أفلاطون في هذا الشأن، كما اختلف ابن رشد مع الفارابي وابن سينا، وهكذا.


وعندما انسحب التفكير المتافيزيقي من الساحة الفلسفية الأوربية الحديثة والمعاصرة، تحت هيمنة المذاهب المادية والإلحادية، اختفى موضوع الوجود بمعناه الميتافيزيقي، وبقي الوجود بالمعنى المادي والمحسوس.


إن كوجيطو ديكارت؛ "أنا أفكر، إذن أنا موجود"، لا يمكن فصله عن الإشكالية الفلسفية لمبحث الوجود ، رغم أن هذا الفيلسوف كان بصدد التقعيد لمنهج عقلاني في البحث، ينطلق من شك مطلق للوصول إلى الإيمان اليقيني بالفكر ثم بالوجود الإنساني.


لكن هناك تساؤل:


أي وجود إنساني يقصده ديكارت بقوله: "أنا أفكر إذن أنا موجود" ؟


هل يقصد به الوجود الإنساني بالمعنى العام أو الساذج، كما يتصوره عموم الناس، أم الوجود بالمعنى الفلسفي العقلاني؟


وإذا كان الإنسان مستلبا عقليا، هل يفكر أم لا؟  وهل يحقق وجوده تحت وطأة استلابه؟


وإذا كان الإنسان ميتا، هل ينقطع تفكيره أم لا؟ ومن ثم هل هو موجود أم معدوم؟


إلى غير ذلك من التساؤلات التي يمكن للباحث أن يطرحها. وينبغي ألا يخفى عن الباحث الموضوعي أن القيود التي فرضتها الكنيسة على الإنسان الأوربي خلال القرون الوسطى، حيث حرمت عليه الاشتغال بالعلم والتحصيل، واستعمال العقل في فهم الدين والحياة... وبعبارة أخرى؛  أنها منعت رعاياها من ممارسة التفكير. كل هذا جعل ذلك الإنسان المقيد أقرب إلى العدم منه إلى الوجود.


ثم ما قول ديكارت فيمن يمارس التفكير الفلسفي ثم ينتحر؟ وما أكثر الفلاسفة والعباقرة والمبدعين الذين انتحروا. فأي تفكير فلسفي وإبداعي هذا الذي يؤدي بصاحبه إلى الانتحار؛ أي العدم.


وإذا كانت ظاهرة الانتحار تتجلى بالقوة والفعل، في المجتمعات الغربية المادية، أكثر مما تتجلى في غيرها من المجتمعات، فهل معنى هذا أن الكوجيطو الديكارتي يعاني خللا بنيويا، أم أن الفيلسوف والعبقري لا يمارسان التفكير على الأقل لحظة العزم على الانتحار؟


إن الوجود الإنساني الحقيقي، هو الذي ينبثق من تفكير متين، قائم على تصور يربط الإنسان بخالقه، والأرض بالسماء؛ أي التفكير العمودي المجسد للعبودية الصحيحة الحقة، التي ينطق بها الوحي القرآني. وما سواه من أنواع التفكير الأفقي القائم على القطيعة بين السماء والأرض، لا يثمر إلا الوجود الإنساني المضطرب القلق. قال تعالى:


"وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ" (سورة الحج آية 31).


والخلاصة  أن الإنسان إذا أراد أن يكون موجودا حقا وإن مات، فعليه أن يكون عبدا لله كما أمر في كتابه العزيز، وعلى لسان نبيه محمد عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام. وإلا فلا يزال يخر من السماء. ولذا عنونت هذه التدوينة: "أنا أعبد الله مسلما، إذن أنا موجود".


 

د.عبد الله الشارف، الرباط، صفر الخير 1434/ دجنبر 2012

في ظلال الجلسة العلمية للفقيه محمد بوخبزة حفظه الله

0


لقد كانت سنة 1389هج؛ 1970م سنة حاسمة في حياتي وبداية عهد جديد يتسم بحب العلم والمعرفة، لم تلبث أن ظهرت آثاره في دراستي بثانوية القاضي عياض بتطوان....


كان عدد الحاضرين في الجلسة العلمية يقارب العشرة، وقد جلسوا على الحصير يستمعون إلى دروس السيرة والتفسير والنحو والبلاغة. وبفضل شخصية الفقيه محمد بوخبزة المرحة والانبساطية، لم تكن هذه الدروس مملة، بل كان إقبالنا عليها شديدا ورغبتنا في التحصيل قوية. وكان أستاذنا جزاه الله عنا خيرا ومد في عمره، كثيرا ما يدعونا إلى بيته ويقدم إلينا الشاي والحلويات، كما يتحفنا بالنوادر الأدبية والتاريخية، وأحيانا يدخلنا مكتبته القيمة ويعيرنا الكتب التي كنا نرغب في مطالعتها. لقد غرس فينا حب القراءة والبحث وعلمنا آداب المناقشة والحوار، كما رغبنا في الدعوة الإسلامية، وحثنا على قراءة كتب الدعاة من القدامى والمحدثين، من أمثال تقي الدين بن تيمية، وحسن البنا، وأبي الأعلى المودودي رحمهم الله.


وبما أنه كان يميل إلى المذهب الظاهري في كثير من المواقف والأحكام الفقهية، لم يكن يخفي إعجابه بشخصية ابن حزم، مما دفعني إلى الاهتمام بهذا العالم الموسوعي الفذ، فقرأت بعض مؤلفاته التي أسرني فيها كلامه المنطقي والفلسفي، ومنها صرت أبحث في الكتابات الفلسفية عند المسلمين فقرأت لأبي علي بن سينا ولأبي نصر الفارابي، ولأبي حامد الغزالي، ولأبي الوليد بن رشد، ولم أبلغ بعد سن العشرين.


وسرعان ما بدأت بذور جلسات أستاذنا الدينية تثمر، حيث تجلى أول الغيث في تأسيس مجلة "لسان الطالب" بثانوية القاضي عياض، والتي أسهمت فيها بمقال حول "مشكلة الملحدين"، كماشارك صديقي الأمين بوخبزة بمقال تحت عنوان "الماركسية تحارب الدين". وقمنا بتوزيع بعض أعداد المجلة على ثانويات المدينة. غير أننا فوجئنا بعد بضعة أيام، عندما ذكرت جريدة "البيان" أسماءنا قائلة؛ بأن الإخوان المسلمين بدأوا يفرخون… في ثانوية بمدينة تطوان !! ولم يكن هذا التهديد ليثنينا عن عزمنا، بل كنا نستغل كل الفرص لنوضح مبادئ الإسلام لتلاميذ المؤسسة، ونحذرهم من الوقوع في حبائل "المتمركسين" المعجبين بتعاليم ماركس ولينين، والذين كانوا يحلمون بثورة شي غيفارا في الوطن العربي.


ثم إني شغفت في هذه السنوات بموضوع الجمال، فكنت أكثر من التأمل في الأشياء الجميلة، سواء تعلق الأمر بالانسان، أو الحيوان، أو النبات أو الجماد؛ مثل الجبال والوديان، مما دفعني إلى دراسة موضوع الجمال من خلال الشعر والفلسفة. ثم نظمت أبياتا في الغزل، لكن سرعان ما تركت الشعر والتجأت إلى الرسم، غير أني أعرضت عن كل ذلك لولوعي القوي بالفكر والفلسفة والثقافة الإسلامية. ولما حصلت على شهادة الباكلوريا في الآداب العصرية، وانتقلت إلى مدينة فاس لمتابعة الدراسة الجامعية سنة 1975م، كان من البديهي أن أختار شعبة الفلسفة، فكنت أحضر الدروس والمحاضرات بشغف واهتمام، بالرغم من أن بعض الأساتذة المتمركسين كانوا يمارسون نوعا من الإرهاب الفكري، من خلال دروسهم وكتاباتهم. وأذكر أن أحدهم ، ولا داعي لذكر إسمه، فاجأ يوما طلبته قائلا : إني نبئت بأن مجموعة من الطلبة المسلمين بدأت تفرخ في الوسط الجامعي، وإني لها بالمرصاد!!. وقد كان لكلامه هذا وقع سيئ في نفوس الطلبة الغيورين على دينهم. بل كان بعضهم يخفي تدينه عن زملائه المتمركسين اتقاء شرهم. وقد كنت لهذه الأسباب، أكثر من الاطلاع على كتابات الفكر اليساري والفلسفات المادية. وذات يوم، اشتريت كتاب "مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط"، للدكتور طيب تيزيني المتمركس، ولما فرغت من قراءته واطلعت على ضحالة أفكاره، والتي تجلت في محاولة إسقاط المنهج المادي الجدلي، على كتابات الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد الفلسفية، فكرت في إنجاز مقال نقدي حول الكتاب المذكور، فحررته ونشرته في جريدة النور، التي تصدر بمدينة تطوان تحت عنوان:"قراءة نقدية في كتاب مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط".


أتاحت لي الدراسة الجامعية بفا،س فرصة الاطلاع على التيارات الثقافية والسياسية، والاستفادة من المناقشات مع الطلبة من مختلف الاتجاهات والتخصصات الأدبية والفكرية. وعندما انتقلت إلى السنة الدراسية الثالثة اخترت تخصص علم الاجتماع، وبدأت أهتم بالدراسات الاجتماعية، الأمر الذي شجعني لكي أقوم ببحث اجتماعي ميداني متعلق بالعمال المغاربة المهاجرين بمدينة برشلونة في إسبانيا، وذلك في إطار مادة البحث المقررة في سنة الإجازة. أقمت في هذه المدينة سبعة عشر يوما كنت خلالها أجري مقابلات مع عينة من أولئك العمال الذين كانوا يعانون الغربة والأزمات النفسية والاجتماعية والمادية. وبالرغم من أن فرص العمل كانت متوفرة لكل الخريجين الموجزين، فإنني آثرت المضي قدما في الدراسة والبحث، خاصة بعد أن يسر الله لي منحة من وزارة التربية الوطنية لمتابعة الدراسة العليا بفرنسا.


د. عبد الله الشارف، كلية اصول الدين، تطوان المغرب، صفر الخير 1434/ دجنبر 2012.

سفر في سفر

2





كثيرا ما ينتاب المسلم، أثناء سفره من مدينة إلى أخرى، أو من بلد إلى آخر، شعور بأنه مسافر إلى الله، لا سيما إذا كان متصلا بالله من خلال ذكره، أو التفكر في مخلوقاته، أو استحضار مشاهد الوعد والوعيد. ثم إن البعد، بسبب السفر، عن الأهل والأولاد وكل ما يتعلق بالحياة الاجتماعية، من اشغال والتزامات وعادات وتقاليد ورموز... كل ذلك يجعل روح المسلم المسافر الذاكر، تتحرر من تلك القيود، وتحلق بكل سعادة وشوق في اتجاه الموطن الأصلي، قال الشاعر:


نقل فؤادك حيث شئت من الهوى


                        ما الحب إلا للحبيب  الأول


كم منزل في الأرض يألفه الفتى


                        وحنينه  أبدا  لأول   منزل


في صبيحة يوم الأربعاء 5 صفر الخير 1434/ موافق 19 دجنبر 2012، ركبت سيارتي قاصدا مدينة فاس، للمشاركة والعمل في لجنة اختيار الأساتذة المرشحين لمنصب عميد كلية أصول الدين بتطوان.


وكم يحلو لي أن أسافر وحدي لما أجد في وحدة السفر من متعة نفسية عظيمة. ولم أمل في سفري هذا، من الاستماع إلى القرآن الكريم بترتيل القارئ سعد الغامدي. ولقد غمرني، وأنا منجذب إلى كلام الله على لسان القارئ العذب، شعور لذيذ بالسفر إلى الله، ورغبة عارمة في لقائه... ؛ إلهي، اشتقت إلى لقائك، وحيرني حنين الرجوع إليك، فاجعل سفري إليك سفر نوح في الجارية، ولجوئي إليك لجوء الفتية إلى الكهف، واجعل لي عندك زلفى وحسن مآب.


وقتئد حصل عندي اليقين أنني فعلا مسافر إلى الله، وأن سفري إلى مدينة فاس جزء من سفري إليه، أو مرحلة من مراحل السفر الوحيد. فهمست إلى نفسي: لماذا لا أشعر بأثر السفر إلى الله عندما أكون مقيما في بلدتي بين أهلي وعشيرتي؟ فكان الجواب: إن الروح، أثناء الإقامة بين الأهل، غالبا ما تكون مقيدة بقيود مادية واجتماعية، وأخرى نفسية شهوانية، فأنى لها أن تتمتع بمتعة السفر إلى الله؟


ولقد عبر النبي صلى الله عليه وسلم، عن الشعور بالسفر إلى الله، تعبيرا عميقا عندما قال: "مالي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها" (حديث صحيح). كما قال في دعاء له: "أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك"


  ومما لا ريب فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان دائم الشوق إلى لقاء الله، وكذلك من اقتدى به واهتدى بهديه ناله نصيبه من الشوق ذاته. وما ظفر المحبون بنعيم المحبة ولذة الشوق إلى الله إلا بدوام ذكره، والذكر هو العبادة التي يتزود منها السائر إلى الله سبحانه. ومثله كمثل الزاد للمسافر تماما، فإذا نقص زاده وقل طعامه قد يتعرض للهلاك. فالذكر هو مكان التزود للسير في الطريق، وهو المنزلة التي يتردد عليها باستمرار أهل الإيمان والجهاد والتقوى، ومن أكرمه الله سبحانه بدوام بذكره، فقد أكرمه بفتح الباب إليه والسماح له بالقرب منه.



د. عبد الله الشارف، الرباط؛ صفر الخير 1434/ دجنبر 2012.


 


 


 

الإتنولوجيون الرحالة في مغرب القرن 19 الميلادي

0


مع حلول القرن الثامن عشر الميلادي الذي سجل تطورا هاما في علاقة المغرب التجارية والدبلوماسية مع دول أوربا، بدأت أقدام التجار والسفراء والقناصل وبعض الرحل، وكذا بعض أسرى القرصنة، تطأ أرض المغرب. وعند رجوع هؤلاء إلى إلى بلدانهم، كان كثير منهم يدونون ما عاينوه في المغرب وما خبروه عن مجتمعه. بيد أن كتابات هذه الفترة لا تدخل في إطار النشاط الاتنولوجي البحت ومع ذلك فإنها من ممهداته الأساسية.


ومن بين ما كتب عن المغرب في هذا القرن، أذكر كتاب"رحلة في امبراطورية المغرب ومملكة فاس[1] ومؤلفه طبيب انجليزي استدعي من قبل سلطان المغرب سيدي محمد بن عبد الله لعلاج بعض أفراد الأسرة الحاكمة. وبما أن إقامةهذا الطبيب بالمغرب دامت ما يقرب من سنتين من (1790م إلى 1791م) ، فإنه استطاع أن يطلع على وضعية البـلاد، فضمن كتابه فصولا عن التجارة والجند والدين والقوانين. وبالرغم من أن ملاحظاته كانت صائبة فيما يتعلق بتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وتفشي الجهل «… وعندهم جهل مطبق بالتاريخ السياسي للدول الأجنبية …»[2]. إلا أن بعض أحكامه لها قرابة بجنس الأحكام التي سيصدرها عن المغرب الرحالة والاتنولوجيون في القرن التاسع عشرالميلادي. ومن ذلك قوله مثلا وهو يتحدث عن الشعب المغربي «هذا الشعب الذي كان بالامس محترما، يشبه اليوم جماعة أو عشيرة من الوحوش »[3]. وقوله :«هـنا في المغرب يقطن جنس مكون من الأنذال يرجعون في أصولهم إلى أولئك الأعراب المتوحشين الذين يقدمون إلى المدن الكبرى قصد السرقة وقطع الطرق»[4].


وفي النصف الأول من القرن التاسع عشرالميلادي ـ خصوصا بعد غزو فرنسا للجزائر سنة 1830م ـ أصبح المغرب مركز اهتمام الدول الأوربية أمثـال فرنسا و إنجلترا وألمانيا وإسبانيا، التي اشتـد التنافس بينها حول السيطرة على ترابه واستغلال خيراته. ومن هنا شجع المسؤولون في تلك الدول، الباحثين الإتنولوجيين على القيام برحلات استكشافية وتحرير دراسات اجتماعية تدور حول نظم المغرب وعاداته ودينه وأساليب حياته في المدن والقرى. ولم يكد القرن التاسع عشرالميلادي يشرف على النهاية حتى كانت المكاتب والجهات المسؤولة في أوربا تضم مآت الكتب والنشرات عن المغرب. ويذكر (أوجست مولييرا (أن بيبليوغرافيا (بلايفير)  تشتمل على ألفين وثلاثمائة كتاب متعلق بالمغرب[5].


ولابأس من الحديث عن بعض هؤلاء الرحالة الاتنولوجيين حتى تتضح الصورة عن أهمية أعمالهم ومجهوداتهم بالنسبة لحكوماتهم. فمن بين الألمانيين الأوائل مثلا، يبرز إسم (هينريخ بارت)   الذي قام «بجولات بالمغرب فوصل طنجة في غشت 1845م، وزار كلا من تطوان وأصيلة والعرائش وغيرها...»[6]. ومن بينهم أيضا (ماكس كويدنفيلت)  الذي قام هو الآخر بجولات كثيرة في المغرب.


ولم يكن الإنجليز أقل اهتماما من الألمان بهذا الجانب، فقد توافد عدد كبير منهم إلى المغرب طوال القرن التاسع عشر الميلادي سواء في إطار مهمة دبلوماسية أو استكشافية أو اتنولوجية محضة. ومن بين هؤلاء (جميس كراي جاكسون)  الذي ساح في المغرب وكتب حوله كتابه: "عرض عن إيالة المغرب" سنة 1814م. ومنهم (وولتر براد هاريس)  الذي استوطن طنجة سنة 1887م، وظل فيها مراسلا للتايمز قرابة أربعين سنة. وأثناء مقامه بالمغرب، قام بجولات داخل أهم مدنه وقراه. وضمن ملاحظاته وتقاريره في مقالات وكتب عدة أهمها "المغرب البائد ".


ولعل حصة الأسد في مجال البحث الإتنولوجي والأنتربولوجي بالمغرب، كانت من نصيب فرنسا، حيث أن عدد الرحالة والدارسين الفرنسيين ظل في اطراد مستمر مع نهاية القرن التاسع عشرالميلادي وقبيل الاستعمار. ويعلل تقلص نسبة الانجليز والألمان بكون الحكومتين الإنجليزية والألمانية إلى حدود تلك الفترة -كانتا قد يئستا من محاولة وضع حماية على المغرب، وأن فرنسا ـ بالاتفاق مع إسبانيا ـ  ستكون المرشحة لتلك الحماية. غير أن هذه الامور كما هو معلوم تم تهييئها والمصادقة عليها من طرف أهم الحكومات الأوربية والتي اجتمع ممثلوها في مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906 لهذا الغرض.


ويعتبر (رايموند توماسي)  من الباحثيين الاتنولوجيين الذين أسدوا خدمات جليلة لدولتهم ابتداء من النصف الأول للقرن التاسع عشرالميلادي.        له كتاب تحت عنوان "العلاقات السياسية والتجارية لفرنسا مع المغرب" طبع سنة 1840م. يقـول (جرمان عياش) متحدثا عن تـومـاسي هـذا: « فبينما لم تكن الحرب قد وضعت أوزارها في الجزائر، كان الغزاة يتطلعون إلى المغرب بأعين جاحظة. ومنذ النصف الأول من القرن الماضي، وجدنا الفرنسي توماسي ، رائد العقلية الاستعمارية، يبين كيف ستتحول الأمور في هذه الجهة {....} ويقول المؤلف (أي توماسي) " إنه لمن قبيل الخيال فعلا الاعتقاد بأن الإسلام لن يحرك ساكنا إلى أن يلفظ أنفاسه كما يطيب لنا دون أن يخوض معركته الأخيرة، وحيث إن المغرب يعد ذرعه الخلفي في افريقيا، وأحد جيوشه الاحتياطية، فعلينا أيضا أن نستعد للحروب الحاسمة التي ربما يكون هذا البلد مسرحا لها ذات يوم، وستكون فرنسا مدعوة لا محالة لتمثل فيه المسيحية ولتحارب كبطل للحضارة {...}. إن العلم هو أحد هذه الأسلحة وأول سلاح ينبغي توظيفه، لأنه هو الذي سيعمل على تعبيد الأرضية التي يتعين الزحف إليها " ».[7]


يتبين للقارئ من خلال هذا النص أن توماسي كان فعلا رائدا للعقلية الاستعمارية، كما عبر بكلام جلي عن الوظيفة الأساسية للاتنولوجيا والتي تتخلص في « تعبيد الأرضية وتمهيد الطريق لسيطرة الرجل الغربي » على الشعوب الضعيفة، وكلامه غاية في تحميس وتشجيع الإدارة الفرنسية للاستيلاء على المغرب. ويعتبر (شارل دوفوكو) أغرب شخصية إتنولوجية وتنصيرية في نفس الوقت، عرفها المغرب في مرحلة ماقبل الاستعمار، حيث ظل أربعين سنة يمارس الطواف والترحال بين مدن وقرى الجزائر والمغرب متنكرا مرة بزي الرهبان، وأخرى بزي الأحبار. كان دوفوكو هذا رجلا من أهم رجالات الاستخبار، وقد سمحت له علاقاته المتينة مع بعض شيوخ القبائل ورؤساء الطرق الصوفية، وغيرهم من الأشخاص أن يكتسب معلومات هامة عن وضعية المغرب السياسية والاجتماعية. وبعد تنقيح هذه الأخبار وتنظيمها، يبعث بها إلى ساسـة فرنسا وقوادها العسكريين. ولا يذكر التاريخ أن أحدا من الرحالة الإتنولوجيين كان متفانيا في عمله تفاني هذا الرجل. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أنه كان، إلى جانب مهامه السياسية، مخلصا في عمله التنصيري، ويأمل أن تصبح شمال إفريقيا بلدا مسيحيا، كما أنه كتب كتابا بعنوان: "معرفة أو استكشاف المغرب".


وقد يكون (هنري دو كاسطري)  أهم دارس فرنسي اهتم بالبحث الإتنولوجي والتاريخي للمغرب خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القـرن العشرين. وكـان أهم وأضخم عمل قام به أنه نشر ـ بمساعدة (دو سينفال) ـ  دراسة وثائقية عن تاريخ المغرب في ثلاثين مجلـدا بعنـوان : " المـصـادر الغمـيسـة لتـاريـخ المـغـرب "


sources inedites de l'histoire du maroc، في مجموعتين؛ المجموعة الأولى متعلقة بالعهد السعدي، والثانية بالعهد العلوي إلى حدود النصف الأول من القرن التاسع عشرالميلادي.



د. عبد الله الشارف، "الاستغراب في الفكر المغربي المعاصر"، طوب بريس الرباط 2003، ص 59-60-61.






[1] ـ G.Lempriere; *Voyage dans l’empire de Maroc et l’Empire de Fes*


                                        traduit de l’anglais par Sainte Suzane; Paris 1801.





[2] ـ *Voyage dans l’empire de Maroc et l’Empire de Fes*  ص 243.





[3]  ـ نفس المرجع .ص 82.





[4] ـ نفس المرجع . ص 235.





[5] ـ                         Auguste Moulieras *Le Maroc Inconnu* Oran 1895 p. 769.





[6] ـ مصطفى بو شعراء: "الاستيطان والحماية بالمغرب"  مرجع سابق، ج 4 ، ص 1498.





[7] ـ جرمان عياش " دراسات في تاريخ المغرب" مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء، 1986 ص 12 ـ 13.


د. عبد الله الشارف، "الاستغراب في الفكر المغربي المعاصر"، طوب بريس الرباط 2003، ص 59-60-61



التنصير والاستعمار

2





قرب مجيء الاستعمار، وقبل أن يشرع المستعمرون في التمهيد للسيطرة على شعوب أفريقيا وآسيا، كان معظم المنصرين يقومون بنشاطهم التنصيري خارج أوربا وأمريكا ، وكان عملهم في البلدان الإسلامية يتميز بالخفاء والحذر. ثم إن المنصرين كانوا متسترين بأسماء مختلفة. وإذا ما افتضح أمرهم تلاحقهم الحكومات الإسلامية وتطردهم، بل منهم من كان يقتل. لكن لما ذب الضعف في كيان الدولة العثمانية وباقي الدول الإسلامية، وبدأ التدخل الأجنبي في شؤون الحكومات الإسلامية، وظهرت مسألة الحماية الأجنبية وتعددت القنصليات فوق أراضي المسلمين، تنفس المنصرون الصعداء وانطلقوا يمارسون عملهم في اطمئنان، وإذا مسهم أحد بسوء لجؤوا إلى قناصلهم فدافعوا عنهم. ومع مرور الأعوام ازداد دعم الحكومات الأجنبية للمنصرين، وركز  المسؤولون الغربيون مسالة الإرساليات والبعثات المسيحية، وعملوا على إنشاء المدارس ذات الطابع التنصيري في البلدان الإسلامية، واتضح لهم الدور السياسي الذي يمكن أن يضطلع به المنصرون في مجال التمهيد للتدخل والسيطرة على الشعوب الضعيفة، فكانت هذه الإرساليات والبعثات تجسد طلائع الغزو المسلح، وتعبر عن مرحلة من مراحل عملية إخضاع تلك الشعوب للاستعمار. لقد كان للمنصرين أدوار كثيرة في التمهيد للاستعمار، كما كان للدول الاستعمارية ادوار كبيرة في مساعدة المنصرين ومؤازرتهم وحمايتهم، وخطط العمل من الفريقين يكمل بعضها بعضا. " قال الرحالة المنصر الفرنسي شارل دو فوكو في سنة 1924 : " إن مملكة فرنسا في غرب وشمال أفريقيا: الجزائر وتونس والمغرب الأقصى وأفريقيا الغربية.. الخ سكانها ثلاثون مليونا وسيضاعف عددهم في ظرف خمسين سنة بفضل السلم، وحينئذ سيكون التقدم المادي بلغ فيها غاية كبيرة فتصير غنية تمتد فيها السكك الحديدية، وتتعلم نخبة من أبنائها في مدارسنا ويتقن أهلها استعمال أسلحتنا. وإذا لم نعرف كيف نجعل هؤلاء الشعوب فرنسيين فسيخرجوننا من أرضهم، والوسيلة الوحيدة لجعلهم فرنسيين هي جعلهم مسيحيين"[1].


ومن ناحية أخرى لم يكن للمستعمر وسيلة للإطلاع عن كثب على ثقافة الشعوب الإفريقية والآسيوية، وعاداتها ومعتقداتها ولهجاتها ونظمها الاجتماعية وقوانينها، إلا البعثات التنصرية، فكان المنصرون وغيرهم من الرحالة الأوربيين، يدونون ما جمعوا من أخبار وأفكار ومعلومات، أثناء إقامتهم بين ظهراني هؤلاء الشعوب، تلك الإقامة التي تتراوح ما بين السنة وبضعة عقود. ولم يكن الحصول على هذه المعلومات بالأمر الهين، لذا كان على المنصرين والرحالة، أن يواجهوا صنوفا من العقبات والصعوبات، وأن يتحملوا مشقة تعلم اللهجات المحلية، ومشقة التكيف مع أنماط مختلفة من الحياة الاجتماعية.


" لكن الاستعمار غالبا ما كان مدينا للمبشرين فيما بتعلق بالقانون العرفي للسكان المستعمرين، ذلك القانون الكاشف والمبين لحضارة هؤلاء الأهالي. والاستعمار بانتشاره في البلدان ووسط الشعوب التي لم يكن يعرف عنها أي شيء، كان يعرض نفسه للأخطاء التي يصعب جبرها فيما بعد، هذا التفاوت والاختلاف بين الغزو والاستعمار والمعرفة المتعلقة بالسكان المستعمرين هو الذي يوضح لنا قيمة المنصر ودوره"[2].


ولعل أقوى دليل على صلة التنصير بالاستعمار يكمن من الفرق بين موقف الحكومات الأوربية الاستعمارية من الدين والكنيسة داخل بلدانها، وموقفها منهما داخل الدول المستعمرة، ففي الوقت الذي كانت فيه ألوية العلمانية تخفق عالية في سماء أوروبا، كانت الحكومات الأوروبية تنشئ المدارس التبشيرية والكنائس في البلدان التي استعمرتها وتقيم فيها المحاضرات والندوات عن الديانة النصرانية وهذا من المفارقات العجيبة.


إن إيطاليا التي ناصبت الكنيسة العداء وحجزت البابا في الفاتيكان، كانت تبنى سياستها الاستعمارية على جهود الرهبان والمنصرين. بل إن روسيا التي لم تأل جهدا في محاربة الأديان قد تظاهرت بالعطف على رجال الدين ودعت إلى جمع مسكوني في موسكو، وذلك حينما أرادت – بعد الحرب العالمية الثانية- أن تحقق لنفوذها توسعا إقليميا وسياسيا، وقس على ذلك فرنسا وانجلترا والبرتغال وإسبانيا وهولاندا وبلجيكا... وقال " وزير خارجية فرنسا أمام البرلمان عندما وقعت المناقشة بشأن فصول من الميزانية الفرنسية تتضمن العناية بجمعيات التنصير ومحاولة الاعتراف بها، ما مفاده: " إن فرنسا غير متدينة داخل حدودها، ولكنها متدينة في الخارج" فلقد أوجدت هذه التصريحات روحا جديدا في دعاة الكنيسة الكاثوليكية، أصبحوا بها وكأنما نشطوا من عقال لمحاولة تنصير مسلمي شمال إفريقيا"[3].


نستنتج مما سبق، أن المستعمرين قد ألفوا في الحركات التنصيرية خير عون لهم على تحقيق أهدافهم المتمثلة في استبعاد الشعوب، وإخضاعها لمخططاتهم التوسعية والاستعمارية.










[1] - مصطفى نصر المسلاتي " الاستشراق السياسي في النصف الأول من القرن العشرين" دار اقرأ طرابلس سنة 1986 ص: 179.






[2] - Robert De lavignette " christianisme et colonialisme" Fayard Paris. S.D. P: 66.



[3] - " الاستشراق السياسي " المرجع السابق ص: 178.



د. عبد الله الشارف، جامعة القرويين، كلية أصول الدين، تطوان المغرب/ صفر الخير 1434/دجنبر 2012.


 




"إسلامية المعرفة": ملاحظات منهجية

2







 إن العمل على استنباط وصياغة المفاهيم والأفكار المتعلقة بالنفس والاجتماع والتاريخ إلى غير ذلك انطلاقا من الكتاب والسنة، وآراء المجتهدين من فقهاء الأمة وعلمائها، عمل مشروع وضروري، حتى يتسنى للمسلم فهم ومعالجة أوضاع المسلمين الاجتماعية والثقافية بمنطق إسلامي  محض، هذا مع الاستعانة، إذا اقتضى الحال،  ببعض الأدوات والتقنيات، والمناهج الحديثة المجردة من البعد الإيديولوجي، والتي يمكنها أن تنسجم مع الروح الإسلامية، ولا تتعارض مع قيم الإسلام ومعاييره.


أما أن نعمد إلى تبني مفاهيم ونظريات ومناهج العلوم الإنسانية الغربية، وصياغتها صياغة إسلامية، أو وضعها في قالب إسلامي، فهذا عمل قد لا يخلو من انزلا قات خطيرة. هب أننا، مثلا، تبنينا مفهوم اللاشعور وجردناه من كل محتواه واحتفظنا بالشكل؛ أي بلفظ اللاشعور، وأفرغنا فيه المحتوى الإسلامي، ألن يذوب أو، على الأقل، يتكيف هذا المحتوى الجديد مع الشكل القديم؟ ألن يتأثر هذا المحتوى بتقسيم فرويد لمستويات النفس والوعي؟


ومما يؤسف له في هذا الصدد، أن بعض الكتاب المسلمين يندفعون دون أدنى تريث، وراء استعمال مثل هذه المصطلحات وإقحامها في كتاباتهم. يقول الدكتور نبيل السمالوطي: "وهناك من دوافع السلوك ما لا يكون الإنسان منتبها إليها واعيا بها، ومع هذا تحرك سلوكه دون علم منه، وهي ما يطلق عليها الدوافع اللاشعورية أو غير المشعور بها"[1] .


إننا إذا اعترفنا باللاشعور أو بدوافع " لا يكون الإنسان منتبها إليها واعيا بها... تحرك سلوكه دون علم منه، " كما يقول السمالوطي، فإننا سوف نسقط جانبا من المسؤولية في الأفعال الإرادية الصادرة عن الشخص المسلم، وبالتالي سنعذر الأشخاص في كثير من تصرفاتهم لكونها لا شعورية،  وهذا لا يتفق مع روح الشريعة، ومنطق التكليف.


وفي موضوع بمجلة "كلية الدعوة الإسلامية" تحت عنوان "علم النفس في القرآن الكريم" عمد الأستاذ ناصر العزيز إلى إثبات تشابه بين النفس المطمئنة التي ورد ذكرها في القرآن: " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية..." [2] والذات الشعورية بتعريف علم النفس الحديث.


ولنستعرض جزءا من كلامه في هذا الشأن، كي  نتبين سذاجة التحليل والجهل بمعاني ألفاظ القرآن:


" هذا كما يوجد مفهوم للنفس ورد في القرآن الكريم "النفس اللوامة"، يقول الله تعالى: "لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة"، ومفهوم آخر نقيض له "النفس المطمئنة"؛ يقول الله تعالى: " يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية". إن مفهوم النفس اللوامة يعتبر محورا لكثير من الدراسات النفسية في مجال التحليل النفسي والأخلاق، حيث إن الذات التي تتصف بالصفات الدالة عليها كلمة لوامة إشارة إلى أنها ذات مريضة، ذات غير سوية،  بمفهوم المحللين والمعالجين النفسانيين يستوجب معالجتها لتشفى من سوء التوافق الذي تعاني منه. (!!!؟؟).


في حين أن علم النفس استفاد أيضا، بل بنيت كثير من دراساته على ما ورد في القرآن الكريم حول "النفس المطمئنة" في وصف وإيضاح ما اتفق على تسميته "بالذات الشعورية"، وهي الجانب النفسي من الشخصية الذي يواجه العالم الخارجي،  ويتأثر به ويكاد يكون صورة للواقع الذي تقره البيئة، وهو ما يطلق عليه صاحب مدرسة التحليل النفسي فرويد مصطلح الأنا. (!!!؟؟).


إن الذات الشعورية "المطمئنة" اكتسبت صفة الهدوء والاطمئنان، وهي تمثل كذلك جانب الخير في الشخصية، في حين تمثل النفس اللوامة التكبر والتعالي والأنانية والغرور، وهي صفات جانب الشر في الشخصية. ونتيجة تناقض الجانبين ينشأ ما يعرف بالصراع الداخلي والذي تظهر نتائجه في صورة سوء التوافق النفسي والعقلي"3 (!!!؟؟).


في البداية لم يفهم الأستاذ ناصر العزيز مدلول النفس اللوامة، فقد وصفها بالتكبر والأنانية!، وكان عليه من باب الموضوعية والنزاهة العلمية أن يرجع إلى بعض التفاسير القرآنية ليتأكد من فهمه. جاء في "صفوة التفاسير" مثلا أن المقصود بقوله تعالى " ولا أقسم بالنفس اللوامة" أي أقسم بالنفس المطمئنة المؤمنة التقية التي تلوم صاحبها على ترك الطاعات وفعل الموبقات". أما فيما يتعلق بالمماثلة بين "النفس المطمئنة" وبين "الذات الشعورية" أو "الأنا" فإنها مماثلة خاطئة. فالنفس المطمئنة يقصد بها في سياق الآية، النفس الطاهرة الزكية المطمئنة بوعد الله. قال المفسرون بأن الخطاب الموجه إليها بقوله تعالى: "يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي" يكون عند الموت، وهو ما يقال للمؤمن عند احتضاره. أما الذات الشعورية أو الأنا، في تصور علم النفس الحديث أو مدرسة التحليل النفسي، فهو عالم آخر لا يمت بأدنى صلة إلى عالم النفس المطمئنة.


         وإذا كان مفهوم النفس المطمئنة ينطوي على أبعاد روحية عميقة من خلال ربط كيان المسلم بعالم الغيب والسماء، فإن مفهوم الذات الشعورية في التحليل النفسي، ينطلق من إطار القطيعة الروحية بين السماء والأرض، تلك القطيعة التي أرست قواعدها فلسفة النهضة الأوربية، ومن هنا فإن هذين المفهومين متعارضان لتعارض إطاريهما.


وفي اللقاء العالمي الرابع للفكر الإسلامي الذي تمحور حول "قضايا المنهجية في العلوم السلوكية قال أحد المشاركين. "إن مجتمع المؤمنين متجانس ومترابط حيث تقل فيه القلاقل العاطفية ويتميز الأفراد فيه بإيجابية في علاقاتهم مع الآخرين بفضل الرياضة الروحية. فالتأمل الارتقائي مثلا الذي يستخدم الآن في العلاج الاسترخائي، أمر ثابت في صميم العبادات الإسلامية"[3] .


إن هذا الخلط بين التأمل الارتقائي المستخدم في العلاج الاسترخائي الحديث، وبين السمو الروحي والسكينة الباطنية اللذين يشعر بهما المسلم أثناء ممارسته للعبادة، خلط ردئ ولا أساس له، وليس ثمة تشابه بينهما لاختلاف الأرضية والرؤية.










[1] - " الإسلام وقضايا علم النفس الحديث" نبيل السمالوطي ص 86





2- مجلة كلية الدعوة الإسلامية/ طرابلس ليبيا العدد 5- 1988 ص 88-8





3] - "قضايا المنهجية في العلوم السلوكية" الدكتور الزبير بشير طه والأستاذ احمد محمد الحسين/ المعهد العالمي للفكر الإسلامي (واشنطن) جامعة الخرطوم قسم علم النفس/ الخرطوم 15-22 يناير 1987


د. عبد الله الشارف، جامعة القرويين/كلية أصول الدين تطوان المغرب 1996.






المرأة ذلك الكائن المظلوم

3






هل من  المساواة في شيء أن تشتغل المرأة في المعمل أو الإدارة، ثم تضيف إلى ذلك أتعاب العمل في البيت ؟


يقول العلامة أبو الأعلى المودودي رحمه الله:


«إن الرجل والمرأة، وإن فرض أنهما متكافئان في القوة الجسدية والاستعداد الذهني، لم تحمل الفطرة عليهما مع ذلك، واجبات متساوية. وذلك أن الرجل لم يجعل عليه من خدمة بقاء النوع غير أن يلقى بذرة في الحرث، ثم يروح لسبيله حتى يعمل فيما يشاء من شعب الحياة. والمرأة بخلاف ذلك قد حملت معظم أعباء تلك الخدمة. وللنهوض بهذه الأعباء فهي تعد منذ تكون مضغة لحم في بطن أمها، ولهذا الغرض يقوم هيكلها الجسدي، ولهذا ـ لا غيرـ تنتابها مدة شبابها وكهولتها نوبات الحيض، التي لا تدعها أهلا للقيام بتبعة جسيمة، أو بجهد عقلي أو بدني لثلاثة أيام أو سبعة عشر من كل شهر. ولهذا الغرض نفسه تعاني المسكينة متاعب الحمل وما بعد الحمل، طول سنة كاملة تظل خلالها معلقة بين الصحة والمرض. ثم لهذا كله تمر عليها سنتان من الرضاعة، تسقي فيها الزرع الإنساني بدمها وترويه من ينابيع ثدييها. وبعد ذلك أعواما ذوات عدد، في التربية الابتدائية لولدها، تحرم نفسها أثناءها نوم الليل وراحـة النهار، وتؤثر الجيل الآتي على راحتها ومتعتها وبهجتها ورغباتها، وعلى كل ما يعز عليها.


فإذا كان الواقع ما وصفنا، فانظر ماذا يقتضيه الإنصاف في أمر المرأة؟ هل من الإنصاف إليها أن تطالب بالقيام بتلك الواجبات الفطرية التي لا يشاركها فيها الرجل بطبعه، ثم يحمل عليها فوق ذلك مثل ما يحمل على الرجل من واجبات التمدن، التي قد أعفي هذا لأجل القيام بها من جميع واجبات الفطرة؟ فيفرض عليها أن تتحمل كل ذلك  المصائب التي تتجشمها الفطرة، ثم تخرج من البيت كالرجال لتعاني الكسب، وتكون معهم على قدم المساواة في القيام بأعمال السياسة والقضاء والصناعات، والمهن والتجارة والزراعة، وإقامة الأمن والدفاع عن حوزة الوطن. وليس هذا فحسب ، بل يكون عليها بعد ذلك أن تغشى المحافل والنوادي، فيتمتع الرجال ببراعة جمالها وأنوثتها، وتهيء لهم أسباب الخلاعة والمجون واللذات والمتعة(؟ !!!) ، أما والله إنه ليس من الإنصاف، بل هو عين الظلم والعدوان وليس بمساواة بين الصنفين، بل هو عبث صريـح بالمساواة. وإنما الذي يقتضيه الإنصاف، هو أن الصنف الذي قد كلفته الفطرة أعباء جساما لا يكلف من أعمال التمدن إلا ما هو خفيف المحمل، وأن الذي لم تكلفه الفطرة بشيء عظيم، يحمل عليه من واجبات التمدن ما هو أهم وأثقل وأدعى للجهد والتعب، ويكون أيضا قواما على الأسرة يرعاها ويربيها»[1].


 ومن ناحية أخرى أكدت كثير من البحوث الاجتماعية استحالة وجود جهاز يحل محل الأسرة ويقوم بوظيفتها، وأن نظام المحاضن برهن على أنه لا يخلو في أضرار مفسده لتكوين الطفل وتربيته. فليس من الإنسانية أن يحرم أولئك الاطفال من حنان أمهاتهم ورعايتهم في ظل الأسرة، ويزج بهم في تلك السجون. ولا غرابة في أن يصاب عدد كبير منهم باضطرابات نفسية، وذلك من جراء اصطدام نظام المحاضن بفطرة الطفل وتكوينه النفسي. وقد ذهب غير واحد من علماء الاجتماع إلى القول بأن الأسرة عبارة عن مؤسسة دائمة غير قابلة للتغيير، منعزلة عن الشروط الاجتماعية المتغيرة. وبينوا حب الأم على أنه غريزة ينحدر من الأعمال الفزيولوجية المشتركة بين كل الحيوانات، وكذلك حمايـة الأب فإنه واجب محتوم عليه بسبب ضعف الزوجة والأولاد.


إن نظام عمل المرأة الذي يضحى بالصحة ‎النفسية للطفل، أغلى خبرة على وجه الأرض، لجدير بالمقت والمعارضة. أليس في وسع الحكومات والأنظمة الجاهلية في العالم أن تعفى المرأة من جحيم العمل خارج عشها بتقديم معونات مادية لكل امرأة محتاجة؟ بلى في وسعها ذلك. ولكن إفساد الأسرة أمر قد خطط له من قبل، وسهر على ذلك مجموعة من أولي الفكر والسياسة، ممن عرفوا بالثورات ضد الكنيسة وكل ما يتعلق بمخلفات القرون الوسطى الغربية، من نظم اجتماعية وعادات وتقاليد.


تقول الكاتبة الأمريكية مريم جميلة التي دخلت في الإسلام ونبذت اليهودية دين آبائها:


« لم يكن الرواد الأوائل لحركة تحرير وإفساد المرأة، سوى "ماركس" و"إنجلز" مؤسسا الشيوعية، اللذان أفتيا في " الوثيقة الرسمية للبيان الشيوعي (1848) بأن الزواج والبيت والأسرة، لم يكن في الماضي سوى لعنة أدت إلى وضع النساء في رق دائم. لذلك أصرا على وجوب تحرير المرأة من العبودية المنزلية، كي تشارك عن طريق استقلالها الاقتصادي التام، في عملية التطور من خلال وظيفتها مع الرجال واشتغالها في المصانع في عمل يوم كامل»[2].


لقد أضحى من البديهي أن يؤثر منطق النظام الرأسمالي الناشئ في البنية الاجتماعية للمجتمعات الغربية، حيث أغرى بأجوره الزهيدة،  مئات الآلاف من النساء اللواتي هرعن إلى مصانع النسيج وغيرها يلتمسن العمل.










[1] ـ أبو الأعلى المودودي: "الحجاب" ، دار المعرفة ، د.ت.  ص 192-193.





[2] ـ مريم جميلة : "تحذير المرأة المسلمة" (ترجمة طارق السيد خاطر)، القاهرة   د.ت. ص 87



د. عبد الله الشارف، جامعة القرويين/كلية أصول الدين؛ تطوان المغرب، محرم 1434/دجنبر2012.




السكينة السكينة؛ تفيأ في ظلالها

2







حيرة وسكينة


كثرت آمالك وتنوعت، وتجددت حاجاتك وتعددت، فضاق عليك الفضاء بما رحب وهمست إلى نفسك: يا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني كنت معدوما ولم أكن شيئا مذكورا . ثم تداركتك رياح الرحمة لما علمت ألا ملجأ منه إلا إليه، وأن الفاقات لا تسد إلا بالافتقار إليه، وأن ذكرك له يغنيك عن ذكرك لما سواه، فتلاشت آمال النفس الأمارة، وخمدت نار الحاجات والشهوات، وحلت السكينة محل الحيرة، ورجعت إلى أصلك حيث أنت الذاكر وهو المذكور، وأنت العابد وهو المعبود.



تفيأ في ظلال السكينة


استمطر سكينته وألح في طلبها فقد يكرمك بها ؛ (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم) (سورة الفتح، آية 4). وإذا غشيتك، كنت في حرم آمن، أو كأنك في البلد الأمين، فاشتدت الفراسة، وقوي اليقين، وفتح لك باب الحكمة، فنهلت من عين المعاني والسبع المثاني، واستعذبت الرقائق ونطقت بالحقائق.


 


لا طمأنينة إلا مع الله


إذا داعبت رياح الطمأنينة قلبك وذقت حلاوتها، فأكثر من الشكر والحمد، ثم احذر الله والزم المراقبة، لأن مكر الله شديد، والسلب بعد المنح ليس ببعيد. ولا تعتبر الطمأنينة غاية في ذاتها، ولا تقف معها، لأن وقوفك معها وقوف مع نفسك. ولا تكن أسير حلاوتها فتتعلق بها فتحجب عن الله لأن إلى ربك المنتهى.



د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان/المغرب،"واردات وخواطر إيمانية"، أوائل الثلاثينيات من القرن الخامس عشر الهجري.


 

مفهوم الاستشراق

0





يذهب عدد من الدارسين في ميدان الاستشراق، إلى أن كلمة "استشراق" ومشتقاتها مولدة، استعملها المحدثون من ترجمة كلمة ORIENTALISM الإنجليزية. ويرجع ظهور الاستشراق في المعجم الإنجليزي إلى سنة 1799، ثم بعد ذلك صادقت الأكاديمية اللغوية في فرنسا على تداول هذه الكلمة واستعمالها في اللغة الفرنسية.


والاستشراق علم غربي موضوعه الشرق الواسع، أقضاه ووسطه وأدناه. والمستشرق هو الذي يهتم بدراسة لغات الإنسان الشرقي وآدابه وحضارته وأديانه. غير أن الأذهان في العالم الإسلامي تنصرف غالبا، إلى المعنى الخاص لمفهوم الاستشراق والذي يعني الدراسات الغربية المتعلقة بالشرق الإسلامي.


" ويعرف م.أ جويدي علم الاستشراق وصاحبه قائلا : " والوسيلة لدرس كيفية النفوذ المتبادل بين الشرق والغرب إنما هو "علم الاستشراق"، بل نستطيع أن نقول إن غرض هذا العلم الأساسي ليس مقصورا على مجرد درس اللغات أو اللهجات أو تقلبات تاريخ بعض الشعوب كلا، بل من الممكن أيضا أن نقول إنه بناء على الارتباط المتين بين التمدن الغربي والتمدن الشرقي، ليس علم الشرق إلا بابا من أبواب تاريخ الروح الإنساني...وليس صاحب علم الشرق الجدير بهذا اللقب بالذي يقتصر على معرفة بعض اللغات المجهولة، أو يستطيع أن يصف عادات بعض الشعوب، بل إنما من جمع بين الانقطاع إلى درس بعض أنحاء الشرق، وبين الوقوف على القوى الروحية الأدبية الكبيرة التي أثرت على تكوين الثقافة الإنسانية."[1].


وجدير بالذكر أن مفهوم الاستشراق تطور تبعا لتطور العلاقة بين الشرق والغرب، حيث بدأ هذا المفهوم يكتسي طابعا سياسيا شيئا فشيئا، بقدر ما تقهقرت الدولة الإسلامية. فما أن أصبحت الدولة العثمانية يطلق عليها "الرجل المريض"، حتى كانت الصورة السياسية قد تمكنت من حقيقة الاستشراق، وحلت المؤسسات الاستشراقية التي تشرف عليها الدولة الإمبريالية محل الاستشراق الفردي. ومع أن هذا الأخير لم تكن أحكامه وفرضياته تخلو من أهواء ونزعات ذاتية، فإنه لم يكن يخضع لعملية التسييس التي فرضها منطق الاستعمار الإمبريالي. وسيسجل النصف الأول من القرن التاسع عشر دخول البحث الاستشراقي تحت هذه الهيمنة الإمبريالية. ومازال الاسشتراق يعاني إلى الآن وطأة سياسية، وتسخر أبحاثه في أغراض تخدم مصالح الإنسان الغربي المتغطرس. ولعل إدوارد سعيد الذي عمل أستاذا للأدب المقارن في جامعة بوسطن بأمريكا، من بين أحسن النقاد الذين اشتغلوا بدراسة ونقد العمل الاستشراقي، والذين أكدوا على العلاقة الوطيدة والحميمة بين الاستشراق والسياسة، يقول هذا الكاتب : " ...وباختصار فإن الاستشراق يمثل أسلوبا غربيا في السيطرة، كما يعني "إعادة تشكيل" الشرق والهيمنة عليه. إن مفهوم الخطاب كما هو محدد عند مشيل فوكو في كتابيه "أركيولوجية المعرفة" و "راقب وعاقب"، هذا المفهوم قد أفادني في تمييز ووصف الاستشراق"[2].


ويقول أيضا في الكتاب نفسه: " الاستشراق هو علم الشرق الذي يضع أمور الشرق وأشياءه وفي قسم أو محكمة أو سجن أو كراسة، بهدف تحليلها أو دراستها، أو تقيميها أو مراقبتها وسياستها "[3].


ويضيف قائلا : " إن الاستشراق في نهاية المطاف رؤية سياسية لحقيقة الشرق، وبنيته تكرس الاختلاف والتباين بين الغرب والشرق، وتجعل من الغربي الإنسان القوي، لأن ثقافته هي الأقوى ولأنه يستطيع أن يلج ويكتشف سر الشرق ولغزه، ثم يمنحه الصورة المناسبة والحقيقة "[4].


من ناحية أخرى فإن الشرق الذي يمثل موضوع الاستشراق، لا يمثل الصورة الحقيقية للشرق، وإنما يترجم ما هو عالق بذهن المستشرق حول موضوع الشرق. إن هذا المستشرق رهين الثقافة التي ترعرع فيها ونهل من معينها، وخاضع لتأثيرات المواقف الدينية والسياسية الغربية إزاء الشرق وحضارته، وبالتالي فليس في مقدروه أن يتناول موضوعاته دون أن يستسلم لقوة القوالب والحدود الفكرية المفروضة عليه مسبقا. وفي هذا الصدد يرى إدوارد سعيد أن الاستشراق  لا يقوم على دراسة الشرق ووصفه، وإنما يقوم على استنطاقه. ومن ثم فإن المستشرق لا يهمه الشرق، إلا بقدر ما يوحي هذا الشرق من أفكار تتناسب مع ما يتصوره المستشرق عنه.









[1] - د. أحمد سيمالوفتش "فلسفة الاستشراق وأشرها في الأدب العربي المعاصر " دار المعارف مصر 1980 ص 24.






[2] - Eduard said "L'orient créé par l'occident " Ed seuil France 1980 p. 15.



[3] - نفسه، ص 56.


د. عبد الله الشارف؛ جامعة القرويين، كلية أصول الدين/تطوان المغرب. محرم 1434/دجنبر 2012.


 


 





[4] - نفسه، ص 59.