الإتنولوجيون الرحالة في مغرب القرن 19 الميلادي

0


مع حلول القرن الثامن عشر الميلادي الذي سجل تطورا هاما في علاقة المغرب التجارية والدبلوماسية مع دول أوربا، بدأت أقدام التجار والسفراء والقناصل وبعض الرحل، وكذا بعض أسرى القرصنة، تطأ أرض المغرب. وعند رجوع هؤلاء إلى إلى بلدانهم، كان كثير منهم يدونون ما عاينوه في المغرب وما خبروه عن مجتمعه. بيد أن كتابات هذه الفترة لا تدخل في إطار النشاط الاتنولوجي البحت ومع ذلك فإنها من ممهداته الأساسية.


ومن بين ما كتب عن المغرب في هذا القرن، أذكر كتاب"رحلة في امبراطورية المغرب ومملكة فاس[1] ومؤلفه طبيب انجليزي استدعي من قبل سلطان المغرب سيدي محمد بن عبد الله لعلاج بعض أفراد الأسرة الحاكمة. وبما أن إقامةهذا الطبيب بالمغرب دامت ما يقرب من سنتين من (1790م إلى 1791م) ، فإنه استطاع أن يطلع على وضعية البـلاد، فضمن كتابه فصولا عن التجارة والجند والدين والقوانين. وبالرغم من أن ملاحظاته كانت صائبة فيما يتعلق بتردي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وتفشي الجهل «… وعندهم جهل مطبق بالتاريخ السياسي للدول الأجنبية …»[2]. إلا أن بعض أحكامه لها قرابة بجنس الأحكام التي سيصدرها عن المغرب الرحالة والاتنولوجيون في القرن التاسع عشرالميلادي. ومن ذلك قوله مثلا وهو يتحدث عن الشعب المغربي «هذا الشعب الذي كان بالامس محترما، يشبه اليوم جماعة أو عشيرة من الوحوش »[3]. وقوله :«هـنا في المغرب يقطن جنس مكون من الأنذال يرجعون في أصولهم إلى أولئك الأعراب المتوحشين الذين يقدمون إلى المدن الكبرى قصد السرقة وقطع الطرق»[4].


وفي النصف الأول من القرن التاسع عشرالميلادي ـ خصوصا بعد غزو فرنسا للجزائر سنة 1830م ـ أصبح المغرب مركز اهتمام الدول الأوربية أمثـال فرنسا و إنجلترا وألمانيا وإسبانيا، التي اشتـد التنافس بينها حول السيطرة على ترابه واستغلال خيراته. ومن هنا شجع المسؤولون في تلك الدول، الباحثين الإتنولوجيين على القيام برحلات استكشافية وتحرير دراسات اجتماعية تدور حول نظم المغرب وعاداته ودينه وأساليب حياته في المدن والقرى. ولم يكد القرن التاسع عشرالميلادي يشرف على النهاية حتى كانت المكاتب والجهات المسؤولة في أوربا تضم مآت الكتب والنشرات عن المغرب. ويذكر (أوجست مولييرا (أن بيبليوغرافيا (بلايفير)  تشتمل على ألفين وثلاثمائة كتاب متعلق بالمغرب[5].


ولابأس من الحديث عن بعض هؤلاء الرحالة الاتنولوجيين حتى تتضح الصورة عن أهمية أعمالهم ومجهوداتهم بالنسبة لحكوماتهم. فمن بين الألمانيين الأوائل مثلا، يبرز إسم (هينريخ بارت)   الذي قام «بجولات بالمغرب فوصل طنجة في غشت 1845م، وزار كلا من تطوان وأصيلة والعرائش وغيرها...»[6]. ومن بينهم أيضا (ماكس كويدنفيلت)  الذي قام هو الآخر بجولات كثيرة في المغرب.


ولم يكن الإنجليز أقل اهتماما من الألمان بهذا الجانب، فقد توافد عدد كبير منهم إلى المغرب طوال القرن التاسع عشر الميلادي سواء في إطار مهمة دبلوماسية أو استكشافية أو اتنولوجية محضة. ومن بين هؤلاء (جميس كراي جاكسون)  الذي ساح في المغرب وكتب حوله كتابه: "عرض عن إيالة المغرب" سنة 1814م. ومنهم (وولتر براد هاريس)  الذي استوطن طنجة سنة 1887م، وظل فيها مراسلا للتايمز قرابة أربعين سنة. وأثناء مقامه بالمغرب، قام بجولات داخل أهم مدنه وقراه. وضمن ملاحظاته وتقاريره في مقالات وكتب عدة أهمها "المغرب البائد ".


ولعل حصة الأسد في مجال البحث الإتنولوجي والأنتربولوجي بالمغرب، كانت من نصيب فرنسا، حيث أن عدد الرحالة والدارسين الفرنسيين ظل في اطراد مستمر مع نهاية القرن التاسع عشرالميلادي وقبيل الاستعمار. ويعلل تقلص نسبة الانجليز والألمان بكون الحكومتين الإنجليزية والألمانية إلى حدود تلك الفترة -كانتا قد يئستا من محاولة وضع حماية على المغرب، وأن فرنسا ـ بالاتفاق مع إسبانيا ـ  ستكون المرشحة لتلك الحماية. غير أن هذه الامور كما هو معلوم تم تهييئها والمصادقة عليها من طرف أهم الحكومات الأوربية والتي اجتمع ممثلوها في مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة 1906 لهذا الغرض.


ويعتبر (رايموند توماسي)  من الباحثيين الاتنولوجيين الذين أسدوا خدمات جليلة لدولتهم ابتداء من النصف الأول للقرن التاسع عشرالميلادي.        له كتاب تحت عنوان "العلاقات السياسية والتجارية لفرنسا مع المغرب" طبع سنة 1840م. يقـول (جرمان عياش) متحدثا عن تـومـاسي هـذا: « فبينما لم تكن الحرب قد وضعت أوزارها في الجزائر، كان الغزاة يتطلعون إلى المغرب بأعين جاحظة. ومنذ النصف الأول من القرن الماضي، وجدنا الفرنسي توماسي ، رائد العقلية الاستعمارية، يبين كيف ستتحول الأمور في هذه الجهة {....} ويقول المؤلف (أي توماسي) " إنه لمن قبيل الخيال فعلا الاعتقاد بأن الإسلام لن يحرك ساكنا إلى أن يلفظ أنفاسه كما يطيب لنا دون أن يخوض معركته الأخيرة، وحيث إن المغرب يعد ذرعه الخلفي في افريقيا، وأحد جيوشه الاحتياطية، فعلينا أيضا أن نستعد للحروب الحاسمة التي ربما يكون هذا البلد مسرحا لها ذات يوم، وستكون فرنسا مدعوة لا محالة لتمثل فيه المسيحية ولتحارب كبطل للحضارة {...}. إن العلم هو أحد هذه الأسلحة وأول سلاح ينبغي توظيفه، لأنه هو الذي سيعمل على تعبيد الأرضية التي يتعين الزحف إليها " ».[7]


يتبين للقارئ من خلال هذا النص أن توماسي كان فعلا رائدا للعقلية الاستعمارية، كما عبر بكلام جلي عن الوظيفة الأساسية للاتنولوجيا والتي تتخلص في « تعبيد الأرضية وتمهيد الطريق لسيطرة الرجل الغربي » على الشعوب الضعيفة، وكلامه غاية في تحميس وتشجيع الإدارة الفرنسية للاستيلاء على المغرب. ويعتبر (شارل دوفوكو) أغرب شخصية إتنولوجية وتنصيرية في نفس الوقت، عرفها المغرب في مرحلة ماقبل الاستعمار، حيث ظل أربعين سنة يمارس الطواف والترحال بين مدن وقرى الجزائر والمغرب متنكرا مرة بزي الرهبان، وأخرى بزي الأحبار. كان دوفوكو هذا رجلا من أهم رجالات الاستخبار، وقد سمحت له علاقاته المتينة مع بعض شيوخ القبائل ورؤساء الطرق الصوفية، وغيرهم من الأشخاص أن يكتسب معلومات هامة عن وضعية المغرب السياسية والاجتماعية. وبعد تنقيح هذه الأخبار وتنظيمها، يبعث بها إلى ساسـة فرنسا وقوادها العسكريين. ولا يذكر التاريخ أن أحدا من الرحالة الإتنولوجيين كان متفانيا في عمله تفاني هذا الرجل. ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أنه كان، إلى جانب مهامه السياسية، مخلصا في عمله التنصيري، ويأمل أن تصبح شمال إفريقيا بلدا مسيحيا، كما أنه كتب كتابا بعنوان: "معرفة أو استكشاف المغرب".


وقد يكون (هنري دو كاسطري)  أهم دارس فرنسي اهتم بالبحث الإتنولوجي والتاريخي للمغرب خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبداية القـرن العشرين. وكـان أهم وأضخم عمل قام به أنه نشر ـ بمساعدة (دو سينفال) ـ  دراسة وثائقية عن تاريخ المغرب في ثلاثين مجلـدا بعنـوان : " المـصـادر الغمـيسـة لتـاريـخ المـغـرب "


sources inedites de l'histoire du maroc، في مجموعتين؛ المجموعة الأولى متعلقة بالعهد السعدي، والثانية بالعهد العلوي إلى حدود النصف الأول من القرن التاسع عشرالميلادي.



د. عبد الله الشارف، "الاستغراب في الفكر المغربي المعاصر"، طوب بريس الرباط 2003، ص 59-60-61.






[1] ـ G.Lempriere; *Voyage dans l’empire de Maroc et l’Empire de Fes*


                                        traduit de l’anglais par Sainte Suzane; Paris 1801.





[2] ـ *Voyage dans l’empire de Maroc et l’Empire de Fes*  ص 243.





[3]  ـ نفس المرجع .ص 82.





[4] ـ نفس المرجع . ص 235.





[5] ـ                         Auguste Moulieras *Le Maroc Inconnu* Oran 1895 p. 769.





[6] ـ مصطفى بو شعراء: "الاستيطان والحماية بالمغرب"  مرجع سابق، ج 4 ، ص 1498.





[7] ـ جرمان عياش " دراسات في تاريخ المغرب" مطبعة النجاح الجديدة ، الدار البيضاء، 1986 ص 12 ـ 13.


د. عبد الله الشارف، "الاستغراب في الفكر المغربي المعاصر"، طوب بريس الرباط 2003، ص 59-60-61



لا يوجد تعليقات

أضف تعليق