التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من مايو, 2014

مذكرات معتمر (5): المعتمر وحلاوة القرآن

يؤم مكة للحج والعمرة مسلمون من كل بلاد العالم، رجالا ونساء. فتقع عيناك على وجوه مختلفة، وأجسام تتفاوت من حيث الطول والقصر والسمنة والنحافة. وجوه تعلوها إشراقات ربانية، تخبرك عما يختلج في صدور أصحابها من ألوان المحبة والسعادة والعبودية؛ خشوع وبكاء وتذلل وتوبة وأوبة وتذكر وتفكر واعتبار واستبصار وخضوع وافتقار... فهذا يطوف، وآخر قائم يصلي، وذاك يتلو القرآن أو يتلذذ بذكر الله؛ تهليلا أو تسبيحا أو استغفارا. وهكذا قلوب الضيوف المعتمرين معلقة بالله وعبادته، أنساها ربها أهلها وأولادها ومالها ووطنها. إنها فرصة التحرر من قيود الدنيا، ومن أغلال الشهوات والأهواء، ومن حجب النفس الكثيفة. إن هؤلاء المسلمين المعتمرين، على اختلاف ألوانهم وألسنتهم، كثيرا ما يتواصلون فيما بينهم بلغة القلوب والإشارة عند تعذر  لغة مشتركة. إن لسان التقوى والمحبة هو ترجمان القلوب. واللغة العربية قد تبوأت بفضل القرآن، منزلة عظيمة وشريفة. وعلى قد معرفة المعتمر باللغة العربية وعلمه بها، يكون فهمه وتذوقه للقرآن. فلا شك أن المعاني القرآنية، وهي تنسكب في قلب المؤمن أثناء قراءة الإمام في الصلاة الجهرية، تحدث ما شاء الله من الآثار ال

مذكرات معتمر (4 ) ؛ بركة الوقت

أكتب هذه الكلمات وأنا مسند ظهري إلى عمود من أعمدة المسجد الحرام بمكة المكرمة، أنتظر صلاة الظهر في جو مفعم بالإيمان والطمأنينة. ومن بركة هذه الأيام القليلة، أنني أحسست بطولها وعمقها كأنها تعدل شهرين أو أكثر. وعندما أعملت عقلي باحثا عن أسباب هذا التمدد الزمني وجدتها كثيرة، أهمها؛ البعد عن مشاغل الحياة ومشاكلها ومنغصاتها، وكذا شهوات النفس وأهواؤها. ذلك أن المعتمر ضيف من ضيوف الله. ومن كان في ضيافة الرحمن كفاه الدنيا وما يتعلق بها مما يشغله عن الطاعة. بل إن المعتمر الصادق يجد من حلاوة الإقبال على الله، ما ينسيه الدنيا وما فيها، فلا غرو أن يحتقر، وقد ارتوى من كؤوس الحلاوة الإيمانية، كثيرا من أشيائها ومظاهرها. إن المسلم المعتمر عندما يتحرر من مشاغل الدنيا بسبب ممارسته لسنة وشعيرة العمرة، تنجذب روحه تلقائيا نحو خالقها؛ فيكثر من الصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله تهليلا وتسبيحا واستغفارا. كما يجد من المتعة الروحية أمرا عظيما قد لا يعبر عنه لسان ولا يصفه قلم. فبشرى لمن اعتمر وذاق طعم هذا "الحمام الروحي الإيماني". ولكأني بالمعتمر الصادق يولد ولادة جديدة. كيف لا وهو أقرب ما يكون من خالقه

مذكرات معتمر ( 3)؛ الطواف بالبيت العتيق

عباد مكرمون يطوفون بالبيت المعمور، وعباد مؤمنون يطوفون بالبيت العتيق، ونجوم وكواكب في فلكها تطوف وتسبح "وكل في فلك يسبحون" (ياسين 39 ). لقد غمرني، حال طوافي بالكعبة، شعور إيماني قوي ذكرني بحقيقة العبودية والافتقار إلى الله سبحانه وتعالى. وإن المسلم وهو يطوف، ليشعر بجاذبية نحو الكعبة ومحيطها؛ إنها جاذبية فطرية، جاذبية تنكشف من خلالها معاني الألفة الأصلية، وإشراقات ميثاق الذر؛ "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالو بلى شهدنا" (الأعراف 172  ). لقد تجرد المعتمر من المخيط ولبس الإحرام، كما تجرد من شهواته وأهوائه وطفق يطوف متضرعا إلى الله، سائلا إياه التوبة والمغفرة، وما شاء من الحاجات. وكلما شرع في طواف جديد، قبل الحجر الأسود أو استلمه أو أشار إليه. قال تعالى: "وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون" (سورة الأنبياء 33). تشير هذه الآية الكريمة إلى أن حركة الكون الفسيح تتصف بالدوران الشبيه بالطواف حول مركز معين وثابت. ثم إن هذه الحركة الدورانية أو الطواف تشمل أيضا الأشياء الصغيرة والدقيقة؛ مثل الذرة التي أ

مذكرات معتمر(2 )؛ من فوائد السعي بين الصفا والمروة

أثناء القيام بشعيرة السعي بين الصفا والمروة، تذكرت هاجر زوجة نبينا إبراهيم عليه السلام وسعيها بحثا عن طعام أو شراب لولدها الرضيع، الذي كانت تخشى عليه الهلاك والموت. إنها قلقة وخائفة، لكنها كانت موقنة بأن الله سيرحمها لا سيما أنه تعالى هو الذي أوحى إلى زوجها بتركها وولدها في هذا المكان القفر القاحل. لا شك ان حالا قويا من الاضطرار قد غمرها كما يغمر كل إنسان مضطر. وهذه من بين الفوائد التي جنيتها وأنا أسعى بين الصفا والمروة متفكرا وذاكرا ومنكسرا؛ إنها فائدة الاضطرار إلى الله بكل ما يحمله هذا اللفظ من معاني الافتقار والعبودية. وحال الاضطرار قلما يشعر به المسلم، اللهم إذا حل به ما يخيفه أو يقلقه، أو نزلت به نائبة أو مصيبة لا يستطيع لها دفعا. فيضطر للجوء إلى الله، وإفراده بالدعاء،وقطع القلب عما سواه. قال تعالى: "أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض" (النمل 62). وإجابة الله للمضطر تعم المسلم والكافر والبر والفاجر؛ إذ رحمته وسعت كل شيء. وقال تعالى؛ "حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط ب

مذكرات معتمر (1)؛ سفر إيماني

انطلقت بنا الحافلة صباح يوم الثلاثاء  21  جمادى الثانية 1435/ 22 أبريل    2014،  من الساحة المحاذية لمصلى العيد بمدينة تطــاون العامرة. أخذ السيد الفاضل محمد الشعيري، المرشد والمسؤول عن المعتمرين، مكبر الصوت، وطفق يدعو بصوته الجهوري، دعاء السفر والراكبون المعتمرون يرددون كلماته. شعور جميل مفعم بالسعادة والابتهاج، ونحن نودع مدينتنا البيضاء الغراء. وما لبثنا أن ولجنا الطريق السيار الرابط بين طنجة والدار البيضاء. طريق فسيح ممتع، يشق الروابي والتلال والسهول الخضراء. يا له من سفر يجمع بين نعمتي الدنيا والآخرة. إنه سفر العمرة، سفر الطاعة، سفر الإنابة إن شاء الله. وبالمناسبة، أقتطف نصا من مقال تحت عنوان "سفر في سفر" نشرته في "مدونتي" الإلكترونية، قبل سنتين. "كثيرا ما ينتاب المسلم، أثناء سفره من مدينة إلى أخرى، أو من بلد إلى آخر، شعور بأنه مسافر إلى الله، لا سيما إذا كان متصلا بالله من خلال ذكره، أو التفكر في مخلوقاته، أو استحضار مشاهد الوعد والوعيد. ثم إن البعد، بسبب السفر، عن الأهل والأولاد وكل ما يتعلق بالحياة الاجتماعية، من أشغال والتزامات وعادات وتقاليد ورموز… كل