مذكرات معتمر (5): المعتمر وحلاوة القرآن

0




يؤم مكة للحج والعمرة مسلمون من كل بلاد العالم، رجالا ونساء. فتقع عيناك على وجوه مختلفة، وأجسام تتفاوت من حيث الطول والقصر والسمنة والنحافة. وجوه تعلوها إشراقات ربانية، تخبرك عما يختلج في صدور أصحابها من ألوان المحبة والسعادة والعبودية؛ خشوع وبكاء وتذلل وتوبة وأوبة وتذكر وتفكر واعتبار واستبصار وخضوع وافتقار... فهذا يطوف، وآخر قائم يصلي، وذاك يتلو القرآن أو يتلذذ بذكر الله؛ تهليلا أو تسبيحا أو استغفارا. وهكذا قلوب الضيوف المعتمرين معلقة بالله وعبادته، أنساها ربها أهلها وأولادها ومالها ووطنها. إنها فرصة التحرر من قيود الدنيا، ومن أغلال الشهوات والأهواء، ومن حجب النفس الكثيفة.


إن هؤلاء المسلمين المعتمرين، على اختلاف ألوانهم وألسنتهم، كثيرا ما يتواصلون فيما بينهم بلغة القلوب والإشارة عند تعذر  لغة مشتركة. إن لسان التقوى والمحبة هو ترجمان القلوب.


واللغة العربية قد تبوأت بفضل القرآن، منزلة عظيمة وشريفة. وعلى قد معرفة المعتمر باللغة العربية وعلمه بها، يكون فهمه وتذوقه للقرآن. فلا شك أن المعاني القرآنية، وهي تنسكب في قلب المؤمن أثناء قراءة الإمام في الصلاة الجهرية، تحدث ما شاء الله من الآثار العجيبة. في حين أن المسلم الأعجمي الذي لا علم له باللغة العربية أو حظه منها ضعيف، يصعب عليه إدراك تلك المعاني. ومع ذلك فإن القرآن يصل إلى قلبه بإذن الله. وقد ثبت علميا أن الكافر الجاهل بالعربية قد يتأثر بالقرآن عند سماعه، فكيف بمن يؤمن به من المسلمين الأعاجم ولله في خلقه شؤون.



إن هناك عنصرا ينسكب من الحس بمجرد الإستماع لهذا القرآن. فإن كان غامضاً على بعض الناس الذين لايتقنون اللغة العربية فهم يحسونه، ويجعلهم يدركون بإن مصدره هو الله.
"ولقد أدرك هذهِ العلامة الإعجازية في القرآن المستشرقون، بله المسلمون، وقال أحدهم وهو المستشرق(س.ل: (إن أسلوب القرآن جميل وفياض ومن العجب أنه يأسر بأسلوبهِ أذهان المسيحيين، يجذبهم إلى تلاوته سواء في ذلك الذين آمنوا أم لم يؤمنوا به وعارضوه.". ويكفي المتأمل ما أحدثه القرآن من تأثير هائل في حياة العرب، حتى جعلهم من رواد العلم والمعرفة وسادوا العالم به.


وكثير من المعتمرين لا يغادرون المسجد الحرام بعد أداء الصلاة المفروضة، وإنما يمكثون في أماكنهم، يناجون ربهم من خلال قراءة القرآن وتدبره. وقد لا يقطع مناجاتهم القرآنية إلا صوت المؤذن ليستأنفوا القراءة بعد أداء الصلاة المفروضة. ولئن سألتهم عن سر هذا الإقبال على القرآن في المسجد الحرام، لأجابوك أجوبة تكاد تكون متشابهة في المعنى، وإن اختلف اللفظ. إنهم في ضيافة الرحمن، قد اجتمعوا على مأدبته. أو إن شئت قلت إنهم في عرس رباني؛ طعامه وشرابه ذكر الله وقرآنه.


ومن بركة هذه البقعة الطاهرة أن القارئ للقرآن يفتح الله له من الفتوحات في فهم القرآن ما يكون سببا في ازدياد علم أو فائدة، أو السمو بالنفس وتزكيتها. وكثيرا ما تحملك قراءة الإمام في الصلاة الجهرية، بعد أن يكون الخشوع قد استغرقك وأحاط بأقطار روحك، إلى عوالم روحية لا حدود لها، ترتشف معانيها، وتشعر بالقرب من الله، ورغبة في البكاء... ثم تنهمر الدموع. إنها لحظات آية في بهاء القرب وجمال العبودية، بل إنه مشهد من مشاهد العرس الرباني الإيماني.



د. عبد الله الشارف، مكة المكرمة؛ رجب الخير 1435/ابريل 2014.



 


مذكرات معتمر (4 ) ؛ بركة الوقت

0




أكتب هذه الكلمات وأنا مسند ظهري إلى عمود من أعمدة المسجد الحرام بمكة المكرمة، أنتظر صلاة الظهر في جو مفعم بالإيمان والطمأنينة. ومن بركة هذه الأيام القليلة، أنني أحسست بطولها وعمقها كأنها تعدل شهرين أو أكثر. وعندما أعملت عقلي باحثا عن أسباب هذا التمدد الزمني وجدتها كثيرة، أهمها؛ البعد عن مشاغل الحياة ومشاكلها ومنغصاتها، وكذا شهوات النفس وأهواؤها. ذلك أن المعتمر ضيف من ضيوف الله. ومن كان في ضيافة الرحمن كفاه الدنيا وما يتعلق بها مما يشغله عن الطاعة. بل إن المعتمر الصادق يجد من حلاوة الإقبال على الله، ما ينسيه الدنيا وما فيها، فلا غرو أن يحتقر، وقد ارتوى من كؤوس الحلاوة الإيمانية، كثيرا من أشيائها ومظاهرها.


إن المسلم المعتمر عندما يتحرر من مشاغل الدنيا بسبب ممارسته لسنة وشعيرة العمرة، تنجذب روحه تلقائيا نحو خالقها؛ فيكثر من الصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله تهليلا وتسبيحا واستغفارا. كما يجد من المتعة الروحية أمرا عظيما قد لا يعبر عنه لسان ولا يصفه قلم. فبشرى لمن اعتمر وذاق طعم هذا "الحمام الروحي الإيماني". ولكأني بالمعتمر الصادق يولد ولادة جديدة. كيف لا وهو أقرب ما يكون من خالقه إذ هو ضيف من ضيوفه، ومن المدعوين لمأدبته، وما أدراك ما مأدبة الرحمن.


وإذا كانت صلاة واحدة في المسجد الحرام تعدل من حيث الثواب مائة ألف صلاة، وثواب قراءة القرآن أعظم في هذا المكان من أي مكان آخر، وأجواء الخشوع والصدق والإخلاص متوفرة، وانجذاب الروح إلى أصلها أقوى ما يكونن ف"هل جزاء الإحسان إلا الإحسان" ؟


لا شك أن هذه المعاني الروحية السامية التي يحياها المعتمر، وهذه الأجواء الخاصة المضمخة  بعبير نفحات الإيمان، لها تأثير قوي في طبيعة الوقت أو الزمن، حيث يحصل فيه تمدد واتساع؛ أي بركة عظيمة، تجعل المعتمر الصادق يحقق من ألوان الطاعات والقربات ما قد يعجز عن الإتيان به في بلده وبين أهله. وقد يغنم من الثواب ما لا يعلم قدره وقيمته إلا الله.


وهنا تحضرني خواطر إيمانية متعلقة بأهمية الوقت والزمن من منظور إيماني، كنت قد دونتها ونشرتها مع أخواتها قبل سنوات، أزفها بهذه المناسبة إلى القارئ الكريم:


مراعاة الوقت


لن تتجلى لك حقيقة ذاتك ما لم تراع وقتك، فلا تخضع لزمان لكونه فانيا، ولكون روحك لن تتغير وليست فانية، وكنزك هو الحال الذي أنت فيه، وأمسك لن يعود، وغدك ليس بحاصل، وحياتك هذه حلم، والتي بعد الموت هي الحياة؛ (يا ليتني قدمت لحياتي ). روحك فهمت الخطاب خارج حجاب الزمن، واستعصى عليها استحضاره تحت وطأته. احفظ وقتك، وتحقق بالله فيه، تسطع عليك شموس المعرفة، وتحقق مراد الله من خلقك، وتفز بفرصة العمر قبل فواتها. فهو الموصل إن تحققت به، والحجاب إن غفلت عنه، وساعتك التي أنت فيها.


اجعل الوقت مطية لك


لا تكن مطية وقتك، بل اجعله مطيتك. وأحكم قبضتك على لحظاتك، فقد تهلك بين فتحة عين وغمضتها. والكل في قبضته فاحذره لأ نه القهار. وأطلق بصرك فيما حولك، وبصيرتك في باطنك دون أن تشغل بسواه، فتحجب عما يمكن أن تلهمه. فإن صابرت وراقبت وأحاطت بك العناية، وتم لك ذلك، رميت سلاحك وكسرت شراع سفينتك.


اغتنم وقتك


لا تطرد يومك بغدك، ولا تجعل نفسك تعانق ما ليس بحاصل، أو ما لم يحن بعد وقت حصوله. وإذا لم تفعل ذلك، كنت غائبا وضيعت إمدادات وقتك، وأسأت الأدب؛ لأن الله لم يخلق شيئا عبثا، وآياته لم تزل تتجلى لك. ورب حضور منك يثمر علما يورثك القرب، ورب غيبة منك تثمر جهلا يورثك البعد. وإذا أنعم عليك بالقرب لم تعد تشغل بما سيأتي، لأن الذي يملك الكنز لا يعبأ بالفلس، كما أن القرب منه ينفي كل الأبعاد، فلا أثر لماضي ولا لمستقبل، ومن تعلق بجمال الله وأسر بنوره حضر ولن يغيب.




د. عبد الله الشارف؛  مكة المكرمة، رجب الخير 1435/  أبريل 2014.



مذكرات معتمر ( 3)؛ الطواف بالبيت العتيق

0





عباد مكرمون يطوفون بالبيت المعمور، وعباد مؤمنون يطوفون بالبيت العتيق، ونجوم وكواكب في فلكها تطوف وتسبح "وكل في فلك يسبحون" (ياسين 39 ).


لقد غمرني، حال طوافي بالكعبة، شعور إيماني قوي ذكرني بحقيقة العبودية والافتقار إلى الله سبحانه وتعالى. وإن المسلم وهو يطوف، ليشعر بجاذبية نحو الكعبة ومحيطها؛ إنها جاذبية فطرية، جاذبية تنكشف من خلالها معاني الألفة الأصلية، وإشراقات ميثاق الذر؛ "وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذرياتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالو بلى شهدنا" (الأعراف 172  ).


لقد تجرد المعتمر من المخيط ولبس الإحرام، كما تجرد من شهواته وأهوائه وطفق يطوف متضرعا إلى الله، سائلا إياه التوبة والمغفرة، وما شاء من الحاجات. وكلما شرع في طواف جديد، قبل الحجر الأسود أو استلمه أو أشار إليه.


قال تعالى: "وهو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون" (سورة الأنبياء 33). تشير هذه الآية الكريمة إلى أن حركة الكون الفسيح تتصف بالدوران الشبيه بالطواف حول مركز معين وثابت. ثم إن هذه الحركة الدورانية أو الطواف تشمل أيضا الأشياء الصغيرة والدقيقة؛ مثل الذرة التي أثبت العلم أنها تتكون من نواة يدور حولها إلكترون أو اكثر.، مما يعني أن سائر المواد الصلبة والسائلة تخضع لسنة الطواف. وهكذا يعم جميع ما خلق الله في هذا الكون ناموس الطواف كتعبير أسمى أو كمظهر جلي من مظاهر العبودية لله.


ولا غرو أن يستقبل المسلمون، في سائر أرجاء الأرض، الكعبة في صلاتهم كل يوم. كما أن هذه الجاذبية الروحية التي تجذب أرواح المسلمين إلى بيت الله أثناء الصلاة، هي نفسها التي تجعل الحجاج والمعتمرين يبادرون بالطواف بمجرد وصولهم إلى البلد الأمين.


ومن هنا يمكن القول؛ إن الطواف سلوك كوني يرمز في لغته إلى الانسجام والتناغم بين التكاليف الشرعية وقوانين الظواهر الكونية. ومن ثم فإن المسلم الطائف، حاجا أو معتمرا، يتواصل اختيارا، من خلال طوافه، مع باقي الكائنات والمخلوقات الكونية الطوافة جبرا. كما يستمد من التحامه الروحي بالكون طاقة إيمانية عزيزة، وقد يكرمه الله بنعم جليلة أو يفتح عليه بمعارف شريفة. وعند كشف الغطاء يدرك حقيقة هذا التواصل وجوهره.



د. عبد الله الشارف؛  مكة المكرمة، رجب الخير 1435/  أبريل 2014.

مذكرات معتمر(2 )؛ من فوائد السعي بين الصفا والمروة

0





أثناء القيام بشعيرة السعي بين الصفا والمروة، تذكرت هاجر زوجة نبينا إبراهيم عليه السلام وسعيها بحثا عن طعام أو شراب لولدها الرضيع، الذي كانت تخشى عليه الهلاك والموت. إنها قلقة وخائفة، لكنها كانت موقنة بأن الله سيرحمها لا سيما أنه تعالى هو الذي أوحى إلى زوجها بتركها وولدها في هذا المكان القفر القاحل. لا شك ان حالا قويا من الاضطرار قد غمرها كما يغمر كل إنسان مضطر.


وهذه من بين الفوائد التي جنيتها وأنا أسعى بين الصفا والمروة متفكرا وذاكرا ومنكسرا؛ إنها فائدة الاضطرار إلى الله بكل ما يحمله هذا اللفظ من معاني الافتقار والعبودية.


وحال الاضطرار قلما يشعر به المسلم، اللهم إذا حل به ما يخيفه أو يقلقه، أو نزلت به نائبة أو مصيبة لا يستطيع لها دفعا. فيضطر للجوء إلى الله، وإفراده بالدعاء،وقطع القلب عما سواه. قال تعالى: "أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض" (النمل 62). وإجابة الله للمضطر تعم المسلم والكافر والبر والفاجر؛ إذ رحمته وسعت كل شيء.


وقال تعالى؛ "حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين" (يونس 22). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في دعاء المضطر ؛ "اللهم رحمتك أرجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله لا إله إلا أنت". فعلى الحاج أو المعتمر، وهو يسعى بين الصفا والمروة، أن يذكر الله ويناجيه، ويستحضر حال الاضطرار الذي عانته أم إسماعيل هاجر رضي الله عنها. فلعل الله يحدث في باطنه من أحوال الاضطرار والافتقار والانكسار والعبودية ما قد ينتفع به في دنياه وآخرته، أو يكون سببا في توبته ويقظته.


ومن أجمل ما كتب في هذا الباب، كلام نفيس للعلامة الفقيه محمد بن قيم الجوزية، حيث يقول عن مشهد الذل والانكسار المرتبط بحال الاضطرار:


 "وهو مشهد الذل ، والانكسار ، والخضوع ، والافتقار للرب جل جلاله ، فيشهد في كل ذرة من ذراته الباطنة والظاهرة ضرورة تامة ، وافتقارا تاما إلى ربه ووليه ، ومن بيده صلاحه وفلاحه ، وهداه وسعادته ، وهذه الحال التي تحصل لقلبه لا تنال العبارة حقيقتها ، وإنما تدرك بالحصول ، فيحصل لقلبه كسرة خاصة لا يشبهها شيء ، بحيث يرى نفسه كالإناء المرضوض تحت الأرجل ، الذي لا شيء فيه ، ولا به ولا منه ، ولا فيه منفعة ، ولا يرغب في مثله ، وأنه لا يصلح للانتفاع إلا بجبر جديد من صانعه وقيمه ، فحينئذ يستكثر في هذا المشهد ما من ربه إليه من الخير ، ويرى أنه لا يستحق قليلا منه ولا كثيرا ، فأي خير له من الله استكثره على نفسه ، وعلم أن قدره دونه ، وأن رحمة ربه هي التي اقتضت ذكره به ، وسياقته إليه ، واستقل ما من نفسه من الطاعات لربه ، ورآها ولو ساوت طاعات الثقلين من أقل ما ينبغي لربه عليه ، واستكثر قليل معاصيه وذنوبه ، فإن الكسرة التي حصلت لقلبه أوجبت له هذا كله .


فما أقرب الجبر من هذا القلب المكسور ! وما أدنى النصر والرحمة والرزق منه ! وما أنفع هذا المشهد له وأجداه عليه ! وذرة من هذا ونفس منه أحب إلى الله من طاعات أمثال الجبال من المدلين المعجبين بأعمالهم وعلومهم وأحوالهم ، وأحب القلوب إلى الله سبحانه قلب قد تمكنت منه هذه الكسرة ، وملكته هذه الذلة ، فهو ناكس الرأس بين يدي ربه ، لا يرفع رأسه إليه حياء وخجلا من الله ". (مدارج السالكين، ج1 ص 473.).

د. عبد الله الشارف؛  مكة المكرمة، رجب الخير 1435/  أبريل 2014.


 


 

مذكرات معتمر (1)؛ سفر إيماني

0


انطلقت بنا الحافلة صباح يوم الثلاثاء  21  جمادى الثانية 1435/ 22 أبريل    2014،  من الساحة المحاذية لمصلى العيد بمدينة تطــاون العامرة.


أخذ السيد الفاضل محمد الشعيري، المرشد والمسؤول عن المعتمرين، مكبر الصوت، وطفق يدعو بصوته الجهوري، دعاء السفر والراكبون المعتمرون يرددون كلماته.


شعور جميل مفعم بالسعادة والابتهاج، ونحن نودع مدينتنا البيضاء الغراء. وما لبثنا أن ولجنا الطريق السيار الرابط بين طنجة والدار البيضاء. طريق فسيح ممتع، يشق الروابي والتلال والسهول الخضراء. يا له من سفر يجمع بين نعمتي الدنيا والآخرة. إنه سفر العمرة، سفر الطاعة، سفر الإنابة إن شاء الله.


وبالمناسبة، أقتطف نصا من مقال تحت عنوان "سفر في سفر" نشرته في "مدونتي" الإلكترونية، قبل سنتين.


"كثيرا ما ينتاب المسلم، أثناء سفره من مدينة إلى أخرى، أو من بلد إلى آخر، شعور بأنه مسافر إلى الله، لا سيما إذا كان متصلا بالله من خلال ذكره، أو التفكر في مخلوقاته، أو استحضار مشاهد الوعد والوعيد. ثم إن البعد، بسبب السفر، عن الأهل والأولاد وكل ما يتعلق بالحياة الاجتماعية، من أشغال والتزامات وعادات وتقاليد ورموز… كل ذلك يجعل روح المسلم المسافر الذاكر، تتحرر من تلك القيود، وتحلق بكل سعادة وشوق في اتجاه الموطن الأصلي، قال الشاعر:


نقل فؤادك حيث شئت من الهوى


                        ما الحب إلا للحبيب  الأول


كم منزل في الأرض يألفه الفتى


                        وحنينه  أبدا  لأول   منزل


......


ولقد غمرني، وأنا منجذب إلى كلام الله ، شعور لذيذ بالسفر إلى الله، ورغبة عارمة في لقائه… ؛ إلهي، اشتقت إلى لقائك، وحيرني حنين الرجوع إليك، فاجعل سفري إليك سفر نوح في الجارية، ولجوئي إليك لجوء الفتية إلى الكهف، واجعل لي عندك زلفى وحسن مآب.


وقتئد حصل عندي اليقين أنني فعلا مسافر إلى الله، وأن سفري إلى مدينة.... جزء من سفري إليه، أو مرحلة من مراحل السفر الوحيد. فهمست إلى نفسي: لماذا لا أشعر بأثر السفر إلى الله عندما أكون مقيما في بلدتي بين أهلي وعشيرتي؟ فكان الجواب: إن الروح، أثناء الإقامة بين الأهل، غالبا ما تكون مقيدة بقيود مادية واجتماعية، وأخرى نفسية شهوانية، فأنى لها أن تتمتع بمتعة السفر إلى الله؟


ولقد عبر النبي صلى الله عليه وسلم، عن الشعور بالسفر إلى الله، تعبيرا عميقا عندما قال: “مالي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها” (حديث صحيح؛ أحمد والترمذي وابن ماجة). كما قال في دعاء له: “أسألك لذة النظر إلى وجهك والشوق إلى لقائك”.


  ومما لا ريب فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان دائم الشوق إلى لقاء الله، وكذلك من اقتدى به واهتدى بهديه ناله نصيبه من الشوق ذاته. وما ظفر المحبون بنعيم المحبة ولذة الشوق إلى الله إلا بدوام ذكره، والذكر هو العبادة التي يتزود منها السائر إلى الله سبحانه ".


بين الفينة والأخرى يباغتنا صوت السيد محمد الشعيري، حاملا إلينا باقات من المواعظ وكذا النصائح والآداب المتعلقة بسنة العمرة. وأحيانا ينوب عنه ولده الشاب طارق حفظه الله، فيتحفنا بنصائح وفوائد جمة.


بعد سويعات، وصلنا إلى مدينة بوزنيقة، واتجهنا نحو مطعم في ضاحية من ضواحيها؛ حيث جمال الطبيعة ونقاء المناخ. تناولنا وجبة الغذاء، ثم صلينا الظهر والعصر جمعا وقصرا.


ركبنا الطائرة، الخطوط الملكية المغربية، على الساعة الثامنة مساء، وتعمق الإحساس بالسفر إلى الله والعزوف عن الدنيا. كما فتحت نافذة من نوافذ قلبي، وصرت أشاهد بعين بصيرتي مشاهد وصورا وأحداثا، مرتبطة بالمكان المقصود؛ مكة والمدينة. منها بناء إبراهيم وإسماعيل للكعبة المشرفة؛ "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم" (البقرة 126)، ومنها مشاهد وأحداث البعثة النبوية، وكذا وقائع الهجرة  من مكة إلى المدينة. إنه تاريخ حافل بالإنجازات العظيمة المؤيدة بالوحي، تلك الإنجازات التي غيرت وجه العالم.


قرأت أجزاء من القرآن، والطائرة تحلق على ارتفاع عشر كيلومترات بسرعة قدرها 920/كلم في الساعة. إنها آية من آيات الله. عباد على متن طائرة لبوا نداء الله وهبوا معتمرين يدعون الله ويذكرونه، وهم في السماء كأنهم ملائكة.


بعد ست ساعات نزلت الطائرة في مطار جدة الدولي. قاعات الانتظار مليئة بالمعتمرين من كل بلدان العالم الإسلامي. إنه عرس إيماني .


ركبنا الحافلة قاصدين المدينة المنورة، حوالي الساعة العاشرة صباحا. وتفصل المدينة عن جدة مسافة قدرها أربعمائة كلم، توقفنا خلالها مرتين للاستراحة والصلاة والغذاء. ومما أثار دهشتي أن الأراضي الواسعة الرابطة بين المدينتين، عبارة عن جبال وصخور بركانية حمراء أو سوداء، ولا أثر لخضرة أو ظل أو أنهار أو أشجار. ومما لا شك فيه أن هذه البيئة الصخرية والقاحلة القاسية، لها أثرها العميق في نفسية الإنسان الحجازي.


وصلنا إلى طيبة الفيحاء، مدينة الرسول عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام، بعد الظهر، واتجهت الحافلة نحو حي الفنادق المحاذي للمسجد النبوي، ونزلنا بفندق "مودة النور".


مكثنا في طيبة أربعة أيام، ننتقل بين مكان الإقامة والمسجد النبوي، مقبلين على الصلوات الخمس، لا تحول بيننا وبين ذلك مشاغل دنيوية، كما هو الحال في بلادنا بين أهلنا ومعارفنا.وكثيرا ما  نمكث في المسجد بين الصلوات نستزيد بذلك الثواب، ذاكرين الله أو مقبلين على القرآن.


د. عبد الله الشارف؛ المدينة المنورة، جمادى الثانية 1435/ أبريل 2014.