التخطي إلى المحتوى الرئيسي

مذكرات معتمر (4 ) ؛ بركة الوقت




أكتب هذه الكلمات وأنا مسند ظهري إلى عمود من أعمدة المسجد الحرام بمكة المكرمة، أنتظر صلاة الظهر في جو مفعم بالإيمان والطمأنينة. ومن بركة هذه الأيام القليلة، أنني أحسست بطولها وعمقها كأنها تعدل شهرين أو أكثر. وعندما أعملت عقلي باحثا عن أسباب هذا التمدد الزمني وجدتها كثيرة، أهمها؛ البعد عن مشاغل الحياة ومشاكلها ومنغصاتها، وكذا شهوات النفس وأهواؤها. ذلك أن المعتمر ضيف من ضيوف الله. ومن كان في ضيافة الرحمن كفاه الدنيا وما يتعلق بها مما يشغله عن الطاعة. بل إن المعتمر الصادق يجد من حلاوة الإقبال على الله، ما ينسيه الدنيا وما فيها، فلا غرو أن يحتقر، وقد ارتوى من كؤوس الحلاوة الإيمانية، كثيرا من أشيائها ومظاهرها.


إن المسلم المعتمر عندما يتحرر من مشاغل الدنيا بسبب ممارسته لسنة وشعيرة العمرة، تنجذب روحه تلقائيا نحو خالقها؛ فيكثر من الصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله تهليلا وتسبيحا واستغفارا. كما يجد من المتعة الروحية أمرا عظيما قد لا يعبر عنه لسان ولا يصفه قلم. فبشرى لمن اعتمر وذاق طعم هذا "الحمام الروحي الإيماني". ولكأني بالمعتمر الصادق يولد ولادة جديدة. كيف لا وهو أقرب ما يكون من خالقه إذ هو ضيف من ضيوفه، ومن المدعوين لمأدبته، وما أدراك ما مأدبة الرحمن.


وإذا كانت صلاة واحدة في المسجد الحرام تعدل من حيث الثواب مائة ألف صلاة، وثواب قراءة القرآن أعظم في هذا المكان من أي مكان آخر، وأجواء الخشوع والصدق والإخلاص متوفرة، وانجذاب الروح إلى أصلها أقوى ما يكونن ف"هل جزاء الإحسان إلا الإحسان" ؟


لا شك أن هذه المعاني الروحية السامية التي يحياها المعتمر، وهذه الأجواء الخاصة المضمخة  بعبير نفحات الإيمان، لها تأثير قوي في طبيعة الوقت أو الزمن، حيث يحصل فيه تمدد واتساع؛ أي بركة عظيمة، تجعل المعتمر الصادق يحقق من ألوان الطاعات والقربات ما قد يعجز عن الإتيان به في بلده وبين أهله. وقد يغنم من الثواب ما لا يعلم قدره وقيمته إلا الله.


وهنا تحضرني خواطر إيمانية متعلقة بأهمية الوقت والزمن من منظور إيماني، كنت قد دونتها ونشرتها مع أخواتها قبل سنوات، أزفها بهذه المناسبة إلى القارئ الكريم:


مراعاة الوقت


لن تتجلى لك حقيقة ذاتك ما لم تراع وقتك، فلا تخضع لزمان لكونه فانيا، ولكون روحك لن تتغير وليست فانية، وكنزك هو الحال الذي أنت فيه، وأمسك لن يعود، وغدك ليس بحاصل، وحياتك هذه حلم، والتي بعد الموت هي الحياة؛ (يا ليتني قدمت لحياتي ). روحك فهمت الخطاب خارج حجاب الزمن، واستعصى عليها استحضاره تحت وطأته. احفظ وقتك، وتحقق بالله فيه، تسطع عليك شموس المعرفة، وتحقق مراد الله من خلقك، وتفز بفرصة العمر قبل فواتها. فهو الموصل إن تحققت به، والحجاب إن غفلت عنه، وساعتك التي أنت فيها.


اجعل الوقت مطية لك


لا تكن مطية وقتك، بل اجعله مطيتك. وأحكم قبضتك على لحظاتك، فقد تهلك بين فتحة عين وغمضتها. والكل في قبضته فاحذره لأ نه القهار. وأطلق بصرك فيما حولك، وبصيرتك في باطنك دون أن تشغل بسواه، فتحجب عما يمكن أن تلهمه. فإن صابرت وراقبت وأحاطت بك العناية، وتم لك ذلك، رميت سلاحك وكسرت شراع سفينتك.


اغتنم وقتك


لا تطرد يومك بغدك، ولا تجعل نفسك تعانق ما ليس بحاصل، أو ما لم يحن بعد وقت حصوله. وإذا لم تفعل ذلك، كنت غائبا وضيعت إمدادات وقتك، وأسأت الأدب؛ لأن الله لم يخلق شيئا عبثا، وآياته لم تزل تتجلى لك. ورب حضور منك يثمر علما يورثك القرب، ورب غيبة منك تثمر جهلا يورثك البعد. وإذا أنعم عليك بالقرب لم تعد تشغل بما سيأتي، لأن الذي يملك الكنز لا يعبأ بالفلس، كما أن القرب منه ينفي كل الأبعاد، فلا أثر لماضي ولا لمستقبل، ومن تعلق بجمال الله وأسر بنوره حضر ولن يغيب.




د. عبد الله الشارف؛  مكة المكرمة، رجب الخير 1435/  أبريل 2014.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وت

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954. الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016). المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازن

باقة من الخواطر الإيمانية

  ابتغ إليه الوسيلة لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إلا التقوى، والتقوى أن يجدك حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك.   إقرأ   كتابك أنت الكتاب والقارئ والمقروء والشاهد والمشهود، وحامل الأمانة والمكلف بالخلافة، وكلك آذان وألسنة.وبك تخبر عنك. وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. ركز أحوالك، واستمع لتسبيح ذاتك، وصحح كتابك قبل أن ينشر، وتنطق جلودك فيخرس لسانك ويحد بصرك ولات حين مناص. اختر خير الطلبين الطلب طلبان : طلب بالاستعداد، وطلب بالنفس، والأول في حضور، والثاني في غياب، وحضورك في الأول يتجلى في كونك تتأدب ولا تطلب منه إلا ما يمليه عليك استعدادك، وقد هيأت باطنك لقبول ما يورده عليك. ثم إن الإجابة قد تحصل دون التلفظ بالسؤال، لكون حصولها وقع بالاستعداد ولو بغير شعور منك. إذ من أصعب الأمور تحقق ال