التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أهمية العنصر الوجداني والانفعالي في سلوك المسلم

        

 

إن الانسان وهو يشق طريق حياته، كثيرا ما تعترضه عقبات أو تقف في وجهه حواجز وأشياء تتحداه ولا يستطيع لها دفعا. بل قد يهتدي بعقله الى حل صحيح لمشكلة نفسية أو اجتماعية معينة، لكنه يعجز لأسباب ذاتية لا موضوعية، عن تحقيق هدفه؛ أي القضاء عن تلك المشكلة. والامثلة في هذا الشأن لا حصر لها بيد أنني سأقتصر على ذكر بعضها فيما يتعلق بالجانب النفسي والسلوكي.

فمن أمثلة الجانب النفسي: أنواع المخاوف التي تعتري الانسان في حياته وتكون سببا في قلقه وانزعاجه. مثل الخوف من الفقر، أو من الرسوب في الامتحان. أو خوف الانسان من أن يلحقه الأذى من بعض الناس، أو الخوف من كساد التجارة، أو خوف الانسان من أن يصاب بمرض ما، أو أن يموت بغتة، وهكذا....

وبالرغم من أن هذا الانسان قد يجتهد في إهمال عقله وإقناع نفسه بأن هذه المخاوف كلها مجرد خيالات أو وساوس وأوهام، إلا أنه قلما يفلح في ذلك وتظل نفسه تكتوي بنار تلك المخاوف وآلامها.

ومن أمثلة الجانب السلوكي : هناك الكثير من السلوكات التي يود الانسان القيام بها أو تجنبها بعد الاقتناع  بجدوى ممارستها أو عدم ممارستها، لكنه لا يستطيع إنجاز ما يرغب فيه لضعف الارادة والعزيمة، أو لوقوعه تحت هيمنة الشك والتردد، أو لاسباب أخرى..

ومثال السلوكات الايجابية الحميدة: سلوك الرحمة والرفق، وسلوك التواضع، وسلوك الحلم والكرم، وسلوك الشجاعة والمروءة.. والثقة بالنفس، الخ.... ومثال السلوكات السلبية المذمومة: سلوك الكبر، أو سلوك الغلظة والفظاظة، أو سلوك الشح والبخل، أو سلوك الجبن، أو سلوك الأنانية، أو السلوك العدواني، الخ....

فلماذا يا ترى يقف الانسان عاجزا مقهورا أمام التحديات النفسية والسلوكية المختلفة؟ مع اقتناعه عقليا ومنطقيا بإمكانية التغلب عليها؟

بعد تأمل وتدبر في الموضوع، تبين لي أن الانسان وهو يواجه تلك التحديات، قد غفل عن عامل نفسي أساسي، ألا وهو العامل الوجداني والانفعالي. ذلك أن استحضار عنصر الوجدان والانفعال خلال مواجهة النفس وإخضاعها لقبول أو نبذ فكرة معينة، أو حملها على محبة سلوك معين أو على رفض و كراهية سلوك آخر، أمر ضروري ولازم.

 

 

إن الاقتناع العقلي والمنطقي بصحة وجدوى فكرة نفسية أو سلوكية، أو عدم صحتها وجدواها، غير كاف على الاطلاق لتمثلها وتبنيها وممارستها أو تفاديها واجتنابها. وهذا أمر مستقرأ ومشاهد وملموس، إذ أن معظم الناس عاجزون عن الانتقال من مرحلة الاقتناع العقلي إلى مرحلة التمثل والممارسة، لخلو النفس من عنصر الوجدان والانفعال اللازم لعملية الانتقال .

وهكذا إذا أراد المسلم أن يتخلص من فكرة نفسية؛ مثل الخوف من شيء مادي أو معنوي، أو أراد التخلق بخلق محمود أو التخلص من خلق مذموم، فإنه يتوجب عليه لزاما استحضار العناصر الوجدانية والانفعالية اللازمة لتحقيق المراد.

إن الخوف من الفقر، أو كساد التجارة، أو الرسوب في الامتحان أو غير ذلك، يزال بقوة الايمان، وصحة العقيدة و،الخوف من الله باجتناب المعاصي وممارسة الطاعات وفعل الخيرات، وهذه الوسائل بشقيها  العقدي والعملي، هي التي توفر الشحنات الانفعالية والوجدانية الضرورية لمواجهة كل أنواع الخوف، وكذا فيما يتعلق باكتساب الأخلاق والسلوكات الحميدة، أو التجرد من الأخلاق والسلوكات الذميمة والقبيحة. فالمسلم يحتاج دوما إلى الشحنات الانفعالية الوجدانية المنورة بنور الايمان.

ولكي يتحقق المراد أيا كان نوعه، لا بد من وجود الارادة، والارادة مؤسسة وقائمة على عنصرين اثنين،  هما ؛الحالات العقلية كالادراك والتصور، والحالات الانفعالية والوجدانية كالحب والبغض. فهما بمثابة المحرك الدافع إلى بلوغ المراد وتحقيقه.

وبعبارة أخرى، لايمكن نفي العلاقة السببية بين الارادة من جهة والحالات العقلية والانفعالية والوجدانية من جهة أخرى. أي أن الارادة متوقفة في فاعليتها ونشاطها وحيويتها على دوافعها العقلية التصورية، ودوافعها الوجدانية الانفعالية.

ويشير العلامة أحمد بن تيمية إلى أهمية الباعث النفسي من الحب والكراهية في كل حركة إرادية:

"وهذا الحب والإحساس الذي خلقه الله في النفوس هو الأصل في كل حسن وقبح، وكل حمد وذم، فإنه لولا الإحساس الذي يعتدُّ به في حب حبيب وبغض بغيض لما وُجِدت حركة إرادية أصلاً تحرِّك شيئًا من الحيوان باختياره، ولما كان أمر ونهي وثواب وعقاب، فإن الثواب إنما هو بما تحبُّه النفوس وتتنعَّم به، والعقاب إنما هو ما تكره النفوس وتتعذَّب به، وذلك إنما يكون بعد الإحساس، فالإحساس والحب والبغض هو أصلُ ما يوجد في الدنيا والآخرة من أمور الحي، وبه حسن الأمر والنهي والوعد والوعيد."[1]

وإذا رجعنا إلى سيرة وحياة الأبطال والقادة واالعلماء الكبار، نجد أن ما أنجزوه وحققوه من أمور عظيمة له علاقة بالرصيد الانفعالي والوجداني الإيجابي، إلى جانب الذكاء والفطنة وقوة العقل.

والخلاصة أن الجانب العقلي في النفس البشرية ينبغي أن يستمد القوة اللازمة والمناسبة من الجانب أو الخزان الوجداني والانفعالي كي تتحرك الإرادة في اتجاه المراد.

 

د. عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين، تطوان المغرب، جمادى الثانية 1438- مارس 2017

 

 

[1] - رسالة فيما إذا كان في العبد محبة، لابن تيمية ص 445.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وت

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954. الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016). المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازن

باقة من الخواطر الإيمانية

  ابتغ إليه الوسيلة لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إلا التقوى، والتقوى أن يجدك حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك.   إقرأ   كتابك أنت الكتاب والقارئ والمقروء والشاهد والمشهود، وحامل الأمانة والمكلف بالخلافة، وكلك آذان وألسنة.وبك تخبر عنك. وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. ركز أحوالك، واستمع لتسبيح ذاتك، وصحح كتابك قبل أن ينشر، وتنطق جلودك فيخرس لسانك ويحد بصرك ولات حين مناص. اختر خير الطلبين الطلب طلبان : طلب بالاستعداد، وطلب بالنفس، والأول في حضور، والثاني في غياب، وحضورك في الأول يتجلى في كونك تتأدب ولا تطلب منه إلا ما يمليه عليك استعدادك، وقد هيأت باطنك لقبول ما يورده عليك. ثم إن الإجابة قد تحصل دون التلفظ بالسؤال، لكون حصولها وقع بالاستعداد ولو بغير شعور منك. إذ من أصعب الأمور تحقق ال