أهمية العنصر الوجداني والانفعالي في سلوك المسلم

0
        

 

إن الانسان وهو يشق طريق حياته، كثيرا ما تعترضه عقبات أو تقف في وجهه حواجز وأشياء تتحداه ولا يستطيع لها دفعا. بل قد يهتدي بعقله الى حل صحيح لمشكلة نفسية أو اجتماعية معينة، لكنه يعجز لأسباب ذاتية لا موضوعية، عن تحقيق هدفه؛ أي القضاء عن تلك المشكلة. والامثلة في هذا الشأن لا حصر لها بيد أنني سأقتصر على ذكر بعضها فيما يتعلق بالجانب النفسي والسلوكي.

فمن أمثلة الجانب النفسي: أنواع المخاوف التي تعتري الانسان في حياته وتكون سببا في قلقه وانزعاجه. مثل الخوف من الفقر، أو من الرسوب في الامتحان. أو خوف الانسان من أن يلحقه الأذى من بعض الناس، أو الخوف من كساد التجارة، أو خوف الانسان من أن يصاب بمرض ما، أو أن يموت بغتة، وهكذا....

وبالرغم من أن هذا الانسان قد يجتهد في إهمال عقله وإقناع نفسه بأن هذه المخاوف كلها مجرد خيالات أو وساوس وأوهام، إلا أنه قلما يفلح في ذلك وتظل نفسه تكتوي بنار تلك المخاوف وآلامها.

ومن أمثلة الجانب السلوكي : هناك الكثير من السلوكات التي يود الانسان القيام بها أو تجنبها بعد الاقتناع  بجدوى ممارستها أو عدم ممارستها، لكنه لا يستطيع إنجاز ما يرغب فيه لضعف الارادة والعزيمة، أو لوقوعه تحت هيمنة الشك والتردد، أو لاسباب أخرى..

ومثال السلوكات الايجابية الحميدة: سلوك الرحمة والرفق، وسلوك التواضع، وسلوك الحلم والكرم، وسلوك الشجاعة والمروءة.. والثقة بالنفس، الخ.... ومثال السلوكات السلبية المذمومة: سلوك الكبر، أو سلوك الغلظة والفظاظة، أو سلوك الشح والبخل، أو سلوك الجبن، أو سلوك الأنانية، أو السلوك العدواني، الخ....

فلماذا يا ترى يقف الانسان عاجزا مقهورا أمام التحديات النفسية والسلوكية المختلفة؟ مع اقتناعه عقليا ومنطقيا بإمكانية التغلب عليها؟

بعد تأمل وتدبر في الموضوع، تبين لي أن الانسان وهو يواجه تلك التحديات، قد غفل عن عامل نفسي أساسي، ألا وهو العامل الوجداني والانفعالي. ذلك أن استحضار عنصر الوجدان والانفعال خلال مواجهة النفس وإخضاعها لقبول أو نبذ فكرة معينة، أو حملها على محبة سلوك معين أو على رفض و كراهية سلوك آخر، أمر ضروري ولازم.

 

 

إن الاقتناع العقلي والمنطقي بصحة وجدوى فكرة نفسية أو سلوكية، أو عدم صحتها وجدواها، غير كاف على الاطلاق لتمثلها وتبنيها وممارستها أو تفاديها واجتنابها. وهذا أمر مستقرأ ومشاهد وملموس، إذ أن معظم الناس عاجزون عن الانتقال من مرحلة الاقتناع العقلي إلى مرحلة التمثل والممارسة، لخلو النفس من عنصر الوجدان والانفعال اللازم لعملية الانتقال .

وهكذا إذا أراد المسلم أن يتخلص من فكرة نفسية؛ مثل الخوف من شيء مادي أو معنوي، أو أراد التخلق بخلق محمود أو التخلص من خلق مذموم، فإنه يتوجب عليه لزاما استحضار العناصر الوجدانية والانفعالية اللازمة لتحقيق المراد.

إن الخوف من الفقر، أو كساد التجارة، أو الرسوب في الامتحان أو غير ذلك، يزال بقوة الايمان، وصحة العقيدة و،الخوف من الله باجتناب المعاصي وممارسة الطاعات وفعل الخيرات، وهذه الوسائل بشقيها  العقدي والعملي، هي التي توفر الشحنات الانفعالية والوجدانية الضرورية لمواجهة كل أنواع الخوف، وكذا فيما يتعلق باكتساب الأخلاق والسلوكات الحميدة، أو التجرد من الأخلاق والسلوكات الذميمة والقبيحة. فالمسلم يحتاج دوما إلى الشحنات الانفعالية الوجدانية المنورة بنور الايمان.

ولكي يتحقق المراد أيا كان نوعه، لا بد من وجود الارادة، والارادة مؤسسة وقائمة على عنصرين اثنين،  هما ؛الحالات العقلية كالادراك والتصور، والحالات الانفعالية والوجدانية كالحب والبغض. فهما بمثابة المحرك الدافع إلى بلوغ المراد وتحقيقه.

وبعبارة أخرى، لايمكن نفي العلاقة السببية بين الارادة من جهة والحالات العقلية والانفعالية والوجدانية من جهة أخرى. أي أن الارادة متوقفة في فاعليتها ونشاطها وحيويتها على دوافعها العقلية التصورية، ودوافعها الوجدانية الانفعالية.

ويشير العلامة أحمد بن تيمية إلى أهمية الباعث النفسي من الحب والكراهية في كل حركة إرادية:

"وهذا الحب والإحساس الذي خلقه الله في النفوس هو الأصل في كل حسن وقبح، وكل حمد وذم، فإنه لولا الإحساس الذي يعتدُّ به في حب حبيب وبغض بغيض لما وُجِدت حركة إرادية أصلاً تحرِّك شيئًا من الحيوان باختياره، ولما كان أمر ونهي وثواب وعقاب، فإن الثواب إنما هو بما تحبُّه النفوس وتتنعَّم به، والعقاب إنما هو ما تكره النفوس وتتعذَّب به، وذلك إنما يكون بعد الإحساس، فالإحساس والحب والبغض هو أصلُ ما يوجد في الدنيا والآخرة من أمور الحي، وبه حسن الأمر والنهي والوعد والوعيد."[1]

وإذا رجعنا إلى سيرة وحياة الأبطال والقادة واالعلماء الكبار، نجد أن ما أنجزوه وحققوه من أمور عظيمة له علاقة بالرصيد الانفعالي والوجداني الإيجابي، إلى جانب الذكاء والفطنة وقوة العقل.

والخلاصة أن الجانب العقلي في النفس البشرية ينبغي أن يستمد القوة اللازمة والمناسبة من الجانب أو الخزان الوجداني والانفعالي كي تتحرك الإرادة في اتجاه المراد.

 

د. عبد الله الشارف؛ كلية أصول الدين، تطوان المغرب، جمادى الثانية 1438- مارس 2017

 

 

[1] - رسالة فيما إذا كان في العبد محبة، لابن تيمية ص 445.

خاطرة اجتماعية من وحي القرآن

0

خاطرة اجتماعية من وحي القرآن


قال الله تعالى: "الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب" (الرعد 29-30).

إن الآيتين الكريمتين تربطان بإحكام بين الجانب الروحي والاجتماعي في حياة المسلم. ذلك أن حصول الطمأنينة الحقيقية بذكر الله، يستلزم المبادرة والقيام بالأعمال الصالحة قدر الاستطاعة؛ إذ الإيمان ما وقر في الصدر وصدقه العمل كما جاء في الحديث النبوي الصحيح.

إن كثيرا من المسلمين لهم تصور سلبي وخاطئ فيما يخص هذا الموضوع؛ حيث يزعمون أن الدين ينحصر في العبادات المفروضة من صلاة وصوم وزكاة ... وذكر لله. أما العمل  الصالح مثل الإحسان إلى الناس؛ كالتصدق على الفقراء، وإسداء النصيحة والإصلاح بين المسلمين، وبذل الجهد في نفعهم، والدعوة إلى الله، إلى غير ذلك من أنواع البر وأعمال الخير. كل هذا ليس واجبا في زعمهم ولا مندوبا. بل يذهب كثير منهم إلى أن ممارسة هذه الأعمال قد تعرض صاحبها لعدة مشاكل !! ونسوا قوله عز وجل: "والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر" (سورة العصر).

كيف يا ترى يطمئن قلب مسلم يذكر الله وهو لا يفكر في نفع إخوانه المسلمين، مع توفر الإمكانيات المادية والمعنوية؛ من مال، أو قوة، أو وقت، أو علم،...؟

إن القطيعة التي يقيمها هؤلاء المسلمون بين الإيمان والعمل الصالح، تعود بالضرر على صاحبها ثم على المسلمين.

وهكذا فإن الإيمان لما انحسر وتقلص في الدائرة الشخصية والفردية، وأهمل المسلمون بعضهم البعض، وتلاشت علاقات وروابط المودة، والألفة، والتراحم، والتكافل الاجتماعي، وأصبح لسان حالهم: نفسي، نفسي، نزل بهم ما نرى ونسمع من أنواع المصائب، والكوارث، والبلايا والفتن. ولقد سئل نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه: "أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال نعم إذا كثر الخبث" (حديث صحيح). والعجيب أن السائل اللبيب لم يقل: أنهلك وفينا المصلحون لعلمه أن الصالح غير المصلح، وبينهما درجات عظيمة؛ ذلك أن المسلم الصالح قد لا يتعدى نفعه نفسه، في حين أن المسلم المصلح ينفع الناس ويهتم بأمورهم، ويسعى في رشدهم، وتوجيهم، وإصلاح أحوالهم؛ قال تعالى: "وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون" ( هود 117 ).

فيا أيها الذاكر، والقارئ للقرآن، الغافل، والمعرض، والمقصر في حق أقاربه، وجيرانه، وإخوانه المسلمين؛ راجع نفسك واتهمها، فالعبادة أوسع وأشمل وأزكى مما تدرك وتتصور. وقد يكون في صدقتك على فقير، أو معسر، أو أرملة، أو نصحك لأخيك المسلم ونفعه ... من الحسنات ما يفوق أجر ذكرك لله سنة كاملة أو أكثر.

والأدهى والأمر أن تجد مسلما حريصا على صلاته في وقتها، ذاكرا لله، لا يضيع ورد يومه من القرآن، لكنه يغفل عن تربية أولاده وعن العناية بسلوكهم، حتى يفاجأ بانحراف بعضهم، فيرد ذلك إلى المدرسة، أو الحي، أو المجتمع، ويستثني نفسه ولا يتهمها لأنه راض عنها، وإذا رضي الإنسان عن نفسه وأعجب بها، عمي وحجب عن رؤية العيوب والحقائق. وقديما قال الشاعر:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة         ولكن عين السخط تبدي المساوئ

 

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب. جمادى الأولى 1438. فبراير 2017.