التخطي إلى المحتوى الرئيسي

خاطرة اجتماعية من وحي القرآن

خاطرة اجتماعية من وحي القرآن


قال الله تعالى: "الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب" (الرعد 29-30).

إن الآيتين الكريمتين تربطان بإحكام بين الجانب الروحي والاجتماعي في حياة المسلم. ذلك أن حصول الطمأنينة الحقيقية بذكر الله، يستلزم المبادرة والقيام بالأعمال الصالحة قدر الاستطاعة؛ إذ الإيمان ما وقر في الصدر وصدقه العمل كما جاء في الحديث النبوي الصحيح.

إن كثيرا من المسلمين لهم تصور سلبي وخاطئ فيما يخص هذا الموضوع؛ حيث يزعمون أن الدين ينحصر في العبادات المفروضة من صلاة وصوم وزكاة ... وذكر لله. أما العمل  الصالح مثل الإحسان إلى الناس؛ كالتصدق على الفقراء، وإسداء النصيحة والإصلاح بين المسلمين، وبذل الجهد في نفعهم، والدعوة إلى الله، إلى غير ذلك من أنواع البر وأعمال الخير. كل هذا ليس واجبا في زعمهم ولا مندوبا. بل يذهب كثير منهم إلى أن ممارسة هذه الأعمال قد تعرض صاحبها لعدة مشاكل !! ونسوا قوله عز وجل: "والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر" (سورة العصر).

كيف يا ترى يطمئن قلب مسلم يذكر الله وهو لا يفكر في نفع إخوانه المسلمين، مع توفر الإمكانيات المادية والمعنوية؛ من مال، أو قوة، أو وقت، أو علم،...؟

إن القطيعة التي يقيمها هؤلاء المسلمون بين الإيمان والعمل الصالح، تعود بالضرر على صاحبها ثم على المسلمين.

وهكذا فإن الإيمان لما انحسر وتقلص في الدائرة الشخصية والفردية، وأهمل المسلمون بعضهم البعض، وتلاشت علاقات وروابط المودة، والألفة، والتراحم، والتكافل الاجتماعي، وأصبح لسان حالهم: نفسي، نفسي، نزل بهم ما نرى ونسمع من أنواع المصائب، والكوارث، والبلايا والفتن. ولقد سئل نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه: "أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال نعم إذا كثر الخبث" (حديث صحيح). والعجيب أن السائل اللبيب لم يقل: أنهلك وفينا المصلحون لعلمه أن الصالح غير المصلح، وبينهما درجات عظيمة؛ ذلك أن المسلم الصالح قد لا يتعدى نفعه نفسه، في حين أن المسلم المصلح ينفع الناس ويهتم بأمورهم، ويسعى في رشدهم، وتوجيهم، وإصلاح أحوالهم؛ قال تعالى: "وما كان ربك مهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون" ( هود 117 ).

فيا أيها الذاكر، والقارئ للقرآن، الغافل، والمعرض، والمقصر في حق أقاربه، وجيرانه، وإخوانه المسلمين؛ راجع نفسك واتهمها، فالعبادة أوسع وأشمل وأزكى مما تدرك وتتصور. وقد يكون في صدقتك على فقير، أو معسر، أو أرملة، أو نصحك لأخيك المسلم ونفعه ... من الحسنات ما يفوق أجر ذكرك لله سنة كاملة أو أكثر.

والأدهى والأمر أن تجد مسلما حريصا على صلاته في وقتها، ذاكرا لله، لا يضيع ورد يومه من القرآن، لكنه يغفل عن تربية أولاده وعن العناية بسلوكهم، حتى يفاجأ بانحراف بعضهم، فيرد ذلك إلى المدرسة، أو الحي، أو المجتمع، ويستثني نفسه ولا يتهمها لأنه راض عنها، وإذا رضي الإنسان عن نفسه وأعجب بها، عمي وحجب عن رؤية العيوب والحقائق. وقديما قال الشاعر:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة         ولكن عين السخط تبدي المساوئ

 

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب. جمادى الأولى 1438. فبراير 2017.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وت

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954. الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016). المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازن

باقة من الخواطر الإيمانية

  ابتغ إليه الوسيلة لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إلا التقوى، والتقوى أن يجدك حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك.   إقرأ   كتابك أنت الكتاب والقارئ والمقروء والشاهد والمشهود، وحامل الأمانة والمكلف بالخلافة، وكلك آذان وألسنة.وبك تخبر عنك. وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. ركز أحوالك، واستمع لتسبيح ذاتك، وصحح كتابك قبل أن ينشر، وتنطق جلودك فيخرس لسانك ويحد بصرك ولات حين مناص. اختر خير الطلبين الطلب طلبان : طلب بالاستعداد، وطلب بالنفس، والأول في حضور، والثاني في غياب، وحضورك في الأول يتجلى في كونك تتأدب ولا تطلب منه إلا ما يمليه عليك استعدادك، وقد هيأت باطنك لقبول ما يورده عليك. ثم إن الإجابة قد تحصل دون التلفظ بالسؤال، لكون حصولها وقع بالاستعداد ولو بغير شعور منك. إذ من أصعب الأمور تحقق ال