كن رساليا

1
 كن-رساليا


الناس يولدون ويحيون ما شاء الله، ثم يموتون. منهم من يكون له أثر في حياته وبعد موته، ومنهم من لا أثر له وهم أغلب الناس.

وأعظم الآثار؛ الأعمال والمشاريع والإنجازات التي تتنفع بها البشرية، وخاصة تلك التي يجتمع فيها خير الدنيا والآخرة. وأفضل نموذج لهذه الآثار؛ آثار الرسل والأنبياء ثم الذين يلونهم من العلماء والمصلحين والدعاة والمربين الصادقين المخلصين.

إن الذين أرسوا قواعد الثقافات الإنسانية، وشيدوا الحضارات، وأقاموا العدل، ونشروا الأمن... هم أشخاص رساليون، لا ينقطع ذكرهم بعد موتهم، ويسجل التاريخ أعمالهم وإنجازاتهم بكل فخر واعتزاز. وما أعظم العلماء والمصلحين والأبطال الذين سرت روح إنجازاتهم في نفوس الناس على مر العصور والدهور، بل كانوا أعلاما ونماذج في مجال التربية والقدوة الحسنة.

إذا حدثتك نفسك بالانضمام إلى قائمة الرساليين، فكن على يقين أن طريقهم ليس مفروشا بالورود، بل مملوءا بالأشواك التي لا يتحمل وخزها وأذاها إلا أولوا العزم والإرادة الصلبة والهمة العالية.

إن الإنسان المسلم الراغب في شرف الوظيفة الرسالية أيا كان نوعها: قيادة أو إصلاحا أو تربية وتعليما أو دعوة... ينبغي له قبل الشروع في ممارسة تلك الوظيفة، أن يتسلح بالعلم والمعرفة، وأن يكون مطلعا على واقع المجتمع الذي يعيش في وسطه؛ أي الذي يشكل هدف تلك الوظيفة الرسالية. كما يكون قوي الإيمان، قلبه متصل بالله على الدوام، متحليا بالصبر والحلم، والتواضع والإيثار وسائر الأخلاق الحميدة، ويكون أيضا مثالا للتضحية والتفاني في سبيل تحقيق الرسالة.

وغني عن البيان أن الأمة التي يقل فيها الأشخاص الرساليون، تصاب بالجهل الذي يؤدي إلى ظهور الأمراض الفكرية والاجتماعية والنفسية، فتتخلف عن ركب الحضارة الإنسانية، وتصبح عاجزة عن القيام بوظائف حياتها، فتبرز المشاكل السياسية والاقتصادية، وقد تنشب الصراعات والحروب بين أطراف مجتمعاتها، مما يجعل أعداؤها يطمعون فيها أو يستحودون عليها بطريقة أو أخرى، كما هو حال الأمة الإسلامية في وقتنا الراهن.

والغريب أن أعداء هذه الأمة من اليهود والنصارى، يكثر فيهم "الرساليون" المخربون. ورغم أنهم أهل شرك وباطل، فإنهم أخذوا بأسباب الدنيا، واطلعوا على طبيعة السنن والقوانين الاجتماعية، ورسموا الأهداف... فمارسوا الوظيفة "الرسالية" التخريبية، انطلاقا من فلسفتهم وتصورهم للحياة. وكانت النتيجة أن ملكوا زمام أمورهم، وظفروا بالقوة والسيادة في العلم والسياسة والاقتصاد...

في حين تخلفنا نحن، معشر المسلمين، عن المضي في المسيرة الحضارية التي أقام أسسها أجدادنا. لقد تمزقت سلسلة تلك المسيرة، وضاعت حلقاتها، وكسدت أسواق العلم والمعرفة، فأنى لنا والحالة هذه، بجيل من الرساليين يأخذون على عاتقهم النهوض بالأمة الإسلامية ؟

هذه الجملة الاستفهامية الأخيرة لا تدعو إلى التشاؤم، ولا تعني أن دور المسلمين قد انتهى كما يوهمنا بذلك أعداؤنا اليهود والنصارى ومن في ركبهم من المستغربين والعلمانيين والحداثيين العرب. بل على العكس من ذلك، ينبغي ألا نيأس من رحمة الله، ولا نستسلم لأوهما وإيحاءات الأعداء والمغرضين. فنحن خير أمة أخرجت للناس، أمة الرسالة لكافة الناس، ونحن الشهداء على الناس، الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر كما ورد في القرآن الكريم. والرسول صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن الله يبعث على رأس كل مائة من يجدد دينها، وذلك كما جاء في حديث صحيح رواه أبو هريرة رضي الله عنه.

هذا التجديد المشار إليه في الحديث يعبر عن الوظيفة الرسالية في أسمى معانيها. والخلاصة أن المسلمين اليوم مطالبون بإحياء الوظيفة الرسالية، والاقتداء بالسلف الصالح في ميدان الإصلاح والتجديد، مع الإلمام بفقه الواقع ومواكبة العصر.

 

د. عبد الله  الشارف، مكة المكرمة، ذو القعدة 1437- غشت 2016.

أنين البحر

0

أنين البحر


البحر مخلوق من مخلوقات الله العظيمة، يضم في أحشائه كائنات حيوانية ونباتية وأصدافا ولآلئ وأنهارا من المياه الحلوة...

إنه يسبح الله؛ قال تعالى: "يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض" (الجمعة 1). وقال أيضا: "تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا" (الإسراء44). فكل المخلوقات التي تسكن البحر تسبح الله، بل كل قطرة ماء تسبح باسم ربها.

وإذا تأملت بقلبك ونظرت بعينيك طويلا إلى البحر، شعرت بالهدوء والطمأنينة. إنه على الفطرة؛ يهبك جماله؛ زرقته وحركات أمواجه وأفقه الكبير، وإذا اقتربت من ساحله ذاعبت أقدامك مياهه في لطف وعذوبة. يحملك على ظهره في الفلك والسفن، ويقدم لك ثمرته الطرية من أسماك مختلفة تأكلها هنيئا مريئا.

ورغم أن مخلوقات البحر تسبح الله بطريقة لا إرادية؛ أي أنها مجبولة على التسبيح، فإنها واعية بوعي وشعور يناسب خلقتها وطبيعتها. وإلا فكيف نفسر مثلا استماع النبي صلى الله عليه وسلم، إلى أنين جذع النخلة عندما تركه ولم يعد يقف عليه أثناء الخطبة، أو كيف ندرك مخاطبته صلى الله عليه وسلم لجبل أحد لما تحرك والنبي صلى الله عليه وسلم فوقه صحبة أبي بكر وعمر رضي الله عنهما، قائلا: "إهدأ أحد فإن فوقك نبي وصديق وشهيد". فكذلك البحر له تواصل معين مع بني آدم وباقي المخلوقات. قد نخلص انطلاقا من هذه الحقائق  إلى أن البحر الذي يسبح الله، يملك كيانا روحيا ومعنويا وشعورا معينا.

إن هذا البحر، أيها القراء الأفاضل، قد عاش في سلم وأمن ووئام مع البشرية طوال آلاف السنين، إلى أن جاء بشر الحضارة الغربية، فآذوه ماديا ومعنويا. فمن حيث الجانب المادي؛ عمدوا إلى طرح نفايات المصانع والقاذورات البشرية في جوفه الطاهر، وتسببوا بذلك في قتل خلق عظيم من حيواناته ونباتاته.

ومن حيث الجانب المعنوي؛ فإنهم قد آذوه بعريهم ومنكراتهم وفواحشهم القذرة. فترى العراة وأشباه العراة يلطخون مياهه ويدنسونها بفسقهم وحيوانيتهم القذرة المقيتة. لذا فهو يتألم ويئن، لكن لا يحس بأنينه وشكواه إلا المؤمن. أما العراة المفسدون فهم في غمرة ساهون، وفي أوساخهم يتمرغون، وفي غيهم يعمهون. وإذا أردت أن تنصحهم بقولك لهم: إن عريكم وفحشكم يؤذي البحر كما يؤذي ذوي الحياء والمروءة من الناس، رموك بالتخلف والجمود، وربما قالوا لك: أخرجوهم من شاطئكم إنهم أناس يتطهرون ويستحيون !!

بل أكثر من هذا، إن هؤلاء الشياطين من الآدميين سخروا أبواقا إعلامية للدفاع عن منكراتهم وفواحشهم، وللسخرية من الذين يتطهرون ويسبحون بلباس يستر أبدانهم وعوراتهم. إن هؤلاء الشياطين من الآدميين الذين فسد معدنهم، وفسدت فطرتهم بسبب فحشهم وعريهم، لا يطيقون رؤية السباحين المستورين، وكذلك الشيطان لا يتحمل رؤية المؤمن التقي.

وكثيرا ما يأذن الله للبحر فيغضب يزمجر فيرعب الغافلين بالعواصف أو التسونامي فتكون الكارثة. ومع ذلك يقولون: هذا غضب الطبيعة. ومن أغضب الطبيعة ؟ قال تعالى: "فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ" (الحج 46).

د. عبد الله الشـارف، مكـة المكرمـة، ذو القعدة 1437- غشت 2016.

الاضطرار مخ الدعاء

0

الاضطرار مخ الدعاء


قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المبين: "أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض" (النمل 64). يتبين بعد التدبر أو الفهم الأولي لنص الآية الكريمة، أن الله أقرب ما يكون إلى عبده المضطر وهو يدعوه ويستغيث به، مما يجعل المتأمل في هذه الآية يخلص إلى وجود تلازم وارتباط وثيق بين حال الاضطرار وإجابة الدعاء.

ولعل الاضطرار مستويان أو نوعان:

المستوى أو النوع الأول يمكن نعته بالتلقائية؛ أي اضطرار تلقائي لا ينفك عنه المسلم. فالمسلم التقي، انطلاقا من حال الافتقار؛ "يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله" (فاطر15)، دائم الشعور بالاضطرار التلقائي الناتج عن إيمانه القوي بالله، وتعلقه بأسمائه وصفاته. وهذه الحال من أسمى الأحوال الإيمانية التي لها ارتباط وثيق بالعبودية لله. وهكذا تجد المسلم المتنعم بحال الاضطرار التلقائي، يرفع يديه ويدعو ربه سبحانه بقلب خاشع موقن بالإجابة. ولا يقلق إن تأخرت تلك الإجابة، كما لا يسخط لعدم وقوعها وتحققها لكونه يعلم أن الخير فيما يختاره الله لعباده.

إن حال الاضطرار التلقائي هذا هو حال إيماني روحي، يحياه المسلم التقي حيثما حل وارتحل، لأنه دائم الصلة بالله، محافظ على أوامره، مجتنب لنواهيه. ولما كان معظم المسلمين أهل غفلة وكسل وتهاون في الدين، حرموا نعمة الاضطرار التلقائي. ولذا تجدهم إذا دعوا الله دعوه بقلوب ساهية خربة، خالية من الصدق والإخلاص. بل لعل كثيرا منهم لا يقين لهم في الإجابة. وهذا حرمان وأي حرمان جره المسلم الغافل بكامل إرادته إلى نفسه، وتجرع مرارته سواء شعر أم لم يشعر.

والمستوى الثاني للإضطرار هو المشار إليه في قوله تعالى، "أمن يجيب المضطر إذا دعاه". وهو الاضطرار المعبر عن الوضع النفسي المتأزم أو الخطير الذي يعتري الإنسان في كل زمان ومكان، أو بعبارة أخرى هو ذاك الاضطرار إلى الله الذي ينبعث من قلب الإنسان، وقد حلت به مصيبة أو داهمته قارعة، أو مشكلة كبيرة تهدد عقله وكيانه... قال تعالى: "فإذا  ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ليكفروا بما آتيناهم" (العنكبوت 65-66)... إلى غير ذلك من الآيات المشيرة إلى هذا الاضطرار.

ولا شك أن الإنسان، مسلما كان أم كافرا، وقد حلت به المصيبة حتى أيقن بالهلاك، يكون أقرب إلى الله بحيث يدعوه بكل كيانه، مستحضرا في قلبه ألا مخلص له سواه سبحانه. وهذا شعور فطري في الإنسان متجذر في باطنه بحيث لا يمكنه دفعه، بل يستغرق كيان المضطر اللهفان حال معاناته وتألمه، حتى فرعون نفسه الذي ادعى الألوهية، عبر عن هذا الشعور الفطري بقوله: "آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين" (يونس 90).

نحن إذن أمام أمر فطري ووجداني عميق في كيان الإنسان، يدل على عبودية هذا الإنسان وافتقاره المطلق إلى الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: "إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا" (مريم 94).

ومن ناحية أخرى قد لا أجانب الصواب إذا قلت: إن المؤمن الصادق التقي قد يعتريه حال من الخشية واليقين والقرب، يجعله يشعر بشيء من الاضطرار الثاني. ويكفي مثالا على ذلك ما تطفح به كتب التراجم والسير من أخبار متعلقة بزهد وعبادة وخشية كثير من العباد والعلماء والدعاة والمصلحين الربانيين، تشير إلى أحوالهم الإيمانية السامية أثناء تهجدهم وقيامهم الليل أو قراءتهم للقرآن، أو غير ذلك من ألوان الطاعات والقربات، وما حصل لبعضهم من الكرامات. وأخبار الصحابة والتابعين في هذا المعنى والسياق أكثر من أن تحصى. وهذه الأحوال لا تنقطع ما بقي الإسلام والمسلمون.

ولعلي لا أبالغ إذا قلت أيضا؛ إن المسلم المجتهد في العبادة والتقرب إلى الله، يستطيع استدعاء واستحضار الاضطرار الثاني إذا أعد العدة وكان من أصحاب الهمم العليا. ولا تسل بعد ذلك عن الفوائد الإيمانية والمعرفية التي يجنيها وقد تفيأ ظلال حال الاضطرار المشار إليه.

إن المسلم الذي يجتهد مثلا في التهجد وقيام الليل والناس نيام، مرتلا في صلاته القرآن بخشوع وتدبر، قد يمر بآيات الوعد والوعيد، فيهتز كيانه، ويقشعر جلده، ثم يستغرقه مشهدا الجنة والنار، ويغدو كأنه ينظر إليهما، آنذاك قد يشعر لا محالة بالاضطرار الثاني، ولله في خلقه شؤون. ولا ريب أن هذا المسلم التقي وقد غمره الشعور بحال الاضطرار الثاني، يكون أقرب إلى الله سبحانه، فيتيسر له الدعاء النابع من أعماق قلبه، كما يصبح موقنا بالإجابة. ولذا فإن الاضطرار الأول والثاني، فيما يبدو، لهما علاقة وثيقة بمخ العبادة، والله تعالى أعلم. فما أحوج المسلم الذي يروم تربية نفسه وتزكيتها والسمو بروحه، إلى استدعاء واستحضار حال الاضطرار بنوعيه.

وأختم هذا المقال بنصين  رقائقيين لهما علاقة بالموضوع:

"إذا تمكن الخوف من قلبك ملكت التمييز، وتحركت الجوارح بالأمر، وسكنت بالنهي، وانمحى الاعتراض لضعف قوة النفس، وتلاشى الفرح إلا برحمة الله، والحزن إلا للتقصير في العبادة، ووقعت الإجابة بالطلب أو دونه لحصول الانسجام بين ذاتك والكون ولصدق اضطرارك؛ (أمن يجيب المضطر إذا دعاه) والاضطرار إليه عين الخوف منه وحبلك الموصل إليه."

"عليك بالاضطرار، فقد تقارب الزمان، وضاق الوقت، وأوشكت ساعة نفسك على التوقف ؛ (أمن يجيب المضطر إذا دعاه)، ولذ بالافتقار، فلا ملجأ لك إلا هو؛ (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله )، وبادر إلى الفرار فقد سعرت النار ولفحك لهيبها ولما تراها؛ (ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين)، واستنجد بالعزيز الغفار قبل أن يطلع النهار، فيغشى ضوؤه الأبصار، وقتئذ تعنو (الوجوه للحي القيوم)، ويتميز الحق من الباطل والمؤمنون من الكفار."

(من كتاب "في أدب الرقائق"، د. عبد الله الشارف،  ص 57 و 124 تطوان المغرب 2015)


د. عبد الله الشارف، مكة المكرمة، ذو القعدة 1437- غشت 2016.