التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاضطرار مخ الدعاء

الاضطرار مخ الدعاء


قال الله سبحانه وتعالى في كتابه المبين: "أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض" (النمل 64). يتبين بعد التدبر أو الفهم الأولي لنص الآية الكريمة، أن الله أقرب ما يكون إلى عبده المضطر وهو يدعوه ويستغيث به، مما يجعل المتأمل في هذه الآية يخلص إلى وجود تلازم وارتباط وثيق بين حال الاضطرار وإجابة الدعاء.

ولعل الاضطرار مستويان أو نوعان:

المستوى أو النوع الأول يمكن نعته بالتلقائية؛ أي اضطرار تلقائي لا ينفك عنه المسلم. فالمسلم التقي، انطلاقا من حال الافتقار؛ "يأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله" (فاطر15)، دائم الشعور بالاضطرار التلقائي الناتج عن إيمانه القوي بالله، وتعلقه بأسمائه وصفاته. وهذه الحال من أسمى الأحوال الإيمانية التي لها ارتباط وثيق بالعبودية لله. وهكذا تجد المسلم المتنعم بحال الاضطرار التلقائي، يرفع يديه ويدعو ربه سبحانه بقلب خاشع موقن بالإجابة. ولا يقلق إن تأخرت تلك الإجابة، كما لا يسخط لعدم وقوعها وتحققها لكونه يعلم أن الخير فيما يختاره الله لعباده.

إن حال الاضطرار التلقائي هذا هو حال إيماني روحي، يحياه المسلم التقي حيثما حل وارتحل، لأنه دائم الصلة بالله، محافظ على أوامره، مجتنب لنواهيه. ولما كان معظم المسلمين أهل غفلة وكسل وتهاون في الدين، حرموا نعمة الاضطرار التلقائي. ولذا تجدهم إذا دعوا الله دعوه بقلوب ساهية خربة، خالية من الصدق والإخلاص. بل لعل كثيرا منهم لا يقين لهم في الإجابة. وهذا حرمان وأي حرمان جره المسلم الغافل بكامل إرادته إلى نفسه، وتجرع مرارته سواء شعر أم لم يشعر.

والمستوى الثاني للإضطرار هو المشار إليه في قوله تعالى، "أمن يجيب المضطر إذا دعاه". وهو الاضطرار المعبر عن الوضع النفسي المتأزم أو الخطير الذي يعتري الإنسان في كل زمان ومكان، أو بعبارة أخرى هو ذاك الاضطرار إلى الله الذي ينبعث من قلب الإنسان، وقد حلت به مصيبة أو داهمته قارعة، أو مشكلة كبيرة تهدد عقله وكيانه... قال تعالى: "فإذا  ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون ليكفروا بما آتيناهم" (العنكبوت 65-66)... إلى غير ذلك من الآيات المشيرة إلى هذا الاضطرار.

ولا شك أن الإنسان، مسلما كان أم كافرا، وقد حلت به المصيبة حتى أيقن بالهلاك، يكون أقرب إلى الله بحيث يدعوه بكل كيانه، مستحضرا في قلبه ألا مخلص له سواه سبحانه. وهذا شعور فطري في الإنسان متجذر في باطنه بحيث لا يمكنه دفعه، بل يستغرق كيان المضطر اللهفان حال معاناته وتألمه، حتى فرعون نفسه الذي ادعى الألوهية، عبر عن هذا الشعور الفطري بقوله: "آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين" (يونس 90).

نحن إذن أمام أمر فطري ووجداني عميق في كيان الإنسان، يدل على عبودية هذا الإنسان وافتقاره المطلق إلى الله سبحانه وتعالى. قال تعالى: "إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا" (مريم 94).

ومن ناحية أخرى قد لا أجانب الصواب إذا قلت: إن المؤمن الصادق التقي قد يعتريه حال من الخشية واليقين والقرب، يجعله يشعر بشيء من الاضطرار الثاني. ويكفي مثالا على ذلك ما تطفح به كتب التراجم والسير من أخبار متعلقة بزهد وعبادة وخشية كثير من العباد والعلماء والدعاة والمصلحين الربانيين، تشير إلى أحوالهم الإيمانية السامية أثناء تهجدهم وقيامهم الليل أو قراءتهم للقرآن، أو غير ذلك من ألوان الطاعات والقربات، وما حصل لبعضهم من الكرامات. وأخبار الصحابة والتابعين في هذا المعنى والسياق أكثر من أن تحصى. وهذه الأحوال لا تنقطع ما بقي الإسلام والمسلمون.

ولعلي لا أبالغ إذا قلت أيضا؛ إن المسلم المجتهد في العبادة والتقرب إلى الله، يستطيع استدعاء واستحضار الاضطرار الثاني إذا أعد العدة وكان من أصحاب الهمم العليا. ولا تسل بعد ذلك عن الفوائد الإيمانية والمعرفية التي يجنيها وقد تفيأ ظلال حال الاضطرار المشار إليه.

إن المسلم الذي يجتهد مثلا في التهجد وقيام الليل والناس نيام، مرتلا في صلاته القرآن بخشوع وتدبر، قد يمر بآيات الوعد والوعيد، فيهتز كيانه، ويقشعر جلده، ثم يستغرقه مشهدا الجنة والنار، ويغدو كأنه ينظر إليهما، آنذاك قد يشعر لا محالة بالاضطرار الثاني، ولله في خلقه شؤون. ولا ريب أن هذا المسلم التقي وقد غمره الشعور بحال الاضطرار الثاني، يكون أقرب إلى الله سبحانه، فيتيسر له الدعاء النابع من أعماق قلبه، كما يصبح موقنا بالإجابة. ولذا فإن الاضطرار الأول والثاني، فيما يبدو، لهما علاقة وثيقة بمخ العبادة، والله تعالى أعلم. فما أحوج المسلم الذي يروم تربية نفسه وتزكيتها والسمو بروحه، إلى استدعاء واستحضار حال الاضطرار بنوعيه.

وأختم هذا المقال بنصين  رقائقيين لهما علاقة بالموضوع:

"إذا تمكن الخوف من قلبك ملكت التمييز، وتحركت الجوارح بالأمر، وسكنت بالنهي، وانمحى الاعتراض لضعف قوة النفس، وتلاشى الفرح إلا برحمة الله، والحزن إلا للتقصير في العبادة، ووقعت الإجابة بالطلب أو دونه لحصول الانسجام بين ذاتك والكون ولصدق اضطرارك؛ (أمن يجيب المضطر إذا دعاه) والاضطرار إليه عين الخوف منه وحبلك الموصل إليه."

"عليك بالاضطرار، فقد تقارب الزمان، وضاق الوقت، وأوشكت ساعة نفسك على التوقف ؛ (أمن يجيب المضطر إذا دعاه)، ولذ بالافتقار، فلا ملجأ لك إلا هو؛ (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله )، وبادر إلى الفرار فقد سعرت النار ولفحك لهيبها ولما تراها؛ (ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين)، واستنجد بالعزيز الغفار قبل أن يطلع النهار، فيغشى ضوؤه الأبصار، وقتئذ تعنو (الوجوه للحي القيوم)، ويتميز الحق من الباطل والمؤمنون من الكفار."

(من كتاب "في أدب الرقائق"، د. عبد الله الشارف،  ص 57 و 124 تطوان المغرب 2015)


د. عبد الله الشارف، مكة المكرمة، ذو القعدة 1437- غشت 2016.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وت

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954. الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016). المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازن

باقة من الخواطر الإيمانية

  ابتغ إليه الوسيلة لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إلا التقوى، والتقوى أن يجدك حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك.   إقرأ   كتابك أنت الكتاب والقارئ والمقروء والشاهد والمشهود، وحامل الأمانة والمكلف بالخلافة، وكلك آذان وألسنة.وبك تخبر عنك. وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. ركز أحوالك، واستمع لتسبيح ذاتك، وصحح كتابك قبل أن ينشر، وتنطق جلودك فيخرس لسانك ويحد بصرك ولات حين مناص. اختر خير الطلبين الطلب طلبان : طلب بالاستعداد، وطلب بالنفس، والأول في حضور، والثاني في غياب، وحضورك في الأول يتجلى في كونك تتأدب ولا تطلب منه إلا ما يمليه عليك استعدادك، وقد هيأت باطنك لقبول ما يورده عليك. ثم إن الإجابة قد تحصل دون التلفظ بالسؤال، لكون حصولها وقع بالاستعداد ولو بغير شعور منك. إذ من أصعب الأمور تحقق ال