محاسبة النفس في الإسلام

0


 

المحاسبة النفسية في الإسلام، تعني مواجهة المسلم نفسه، و محاسبتها كل يوم عمّا عملته من الطاعات والمبرّات ، أو اقترفته من المعاصي والآثام ، فان رجحت كفّة الطاعات على المعاصي ، والحسنات على السيئات ، فعلى المحاسب أن يشكر الله تعالى. وإن رجحت المعاصي ، فعليه أن يؤدّب نفسه بالتأنيب والتقريع على شذوذها وانحرافها عن طاعة الله.
وجدير بالعاقل المستنير بالإيمان واليقين ، أن يروّض نفسه على المحاسبة والمراقبة فإنّها أمّارة بالسوء ، متى أهملت زاغت عن الحق ، وانجرفت في الآثام والشهوات ، وأودت بصاحبها في مهاوي الشقاء والهلاك ، ومتى أُخذت بالتوجيه والتهذيب ، أشرقت بالفضائل ، وازدهرت بالمكارم ، وسمت بصاحبها نحو السعادة والهناء ، قال الله تعالى:" وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا" الشمس : 7 ـ 10 .
وللمحاسبة والمراقبة أهمّية كبرى في تأهّب المؤمن ، واستعداده لمواجهة حساب الآخرة ، وأهوال المحشر. ومن ثمّ اهتمامه بالتزوّد من أعمال البر والخير الباعثة على نجاته وسعادة الأخروية.
وللإمام الفقيه محمد بن قيم الجوزية كلام لطيف جدا متعلق بضبط الإرادة وتمحيص العمل، وهو كلام وجداني نفسي له علاقة وطيدة ببناء الذات وإصلاح النفس. يقول هذا العالم:
" ومحاسبة النفس نوعان: نوع قبل العمل ونوع بعده.
فأما النوع الأول: فهو أن يقف عند أول همه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه.
قال الحسن رحمه الله: "رحم الله عبدا وقف عند همه، فإن كان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر".
وشرح هذا بعضهم فقال: إذا تحركت النفس لعمل من الأعمال وهم به العبد، وقف أولا ونظر: هل ذلك العمل مقدور له أو غير مقدور ولا مستطاع؟ فإن لم يكن مقدورا لم يقدم عليه، وإن كان مقدورا وقف وقفة أخرى ونظر: هل فعله خير له من تركه، أو تركه خير له من فعله؟ فإن كان الثاني تركه ولم يقدر عليه، وإن كان الأول وقف وقفة ثالثة ونظر: هل الباعث عليه إرادة وجه الله عز وجل وثوابه أو إرادة الجاه والثناء والمال من المخلوق؟ فإن كان الثاني لم يقدم عليه، وإن أفضى به إلى مطلوبه، لئلا تعتاد النفس الشرك، ويخف عليها العمل لغير الله، فبقدر ما يخف عليها ذلك يثقل عليها العمل لله تعالى، حتى يصير أثقل شيء عليها، وإن كان الأول وقف وقفة أخرى، ونظر: هل هو معان عليه، وله أعوان يساعدونه وينصرونه إذا كان العمل محتاجا إلى ذلك أم لا؟ فإن لم يكن له أعوان أمسك عنه؟ كما أمسك النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الجهاد بمكة حتى صار له شوكة وأنصار. وإن وجده معانا عليه فليقدم عليه فإنه منصور، ولا يفوت النجاح إلا من فوت خصلة من هذه الخصال، وإلا فمع اجتماعها لا يفوته النجاح" 1.

1 - محمد بن قيم الجوزية؛ "إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان"، تحقيق د. السيد الجميلي، ص 90، دار ابن زيدون، بيروت، د.ت.

د. عبد الله الشارف/ كلية أصول الدين، تطوان المغرب. رجب 1433- ماي 2012.

خوفان لا يجتمعان

0


 

يا عبد الله:

خوفك منه يقهر خوفك مما سواه، ووجودك تحت سلطانه يجعل وجود ما سواه تحت سلطانك. والخوفان لا يجتمعان. والأول جوهري أصلي لتعلقه بالافتقار عين العبودية، والثاني عرضي طارئ. ويورث الأول الأمن والطمأنينة والنور، ويورث الثاني القلق والاضطراب والظلمة، (فلا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين )، ولو كنت مستحضرا ما كتب في اللوح المحفوظ ما خفت سواه فما أجهلك بربك.


خوفك منه حبلك إليه


ياعبد الله:


إذا تمكن الخوف من قلبك ملكت التمييز، وتحركت الجوارح بالأمر، وسكنت بالنهي، وانمحى الاعتراض لضعف قوة النفس، وتلاشى الفرح إلا برحمة الله، والحزن إلا للتقصير في العبادة، ووقعت الإجابة بالطلب أو دونه لحصول الانسجام بين ذاتك والكون ولصدق اضطرارك؛ (أمن يجيب المضطر إذا دعاه). والاضطرار إليه عين الخوف منه وحبلك الموصل إليه.


د. عبد الله الشارف؛ “خواطر إيمانية”، باريس 1981.

محمد أسد (ليوبولد فايس)

1


 

محمد أسد (ليوبولد فايس سابقاً) ولد في الإمبراطورية النمساوية الهنجارية عام 1900، وتوفي في إسبانيا عام 1992م. وهو كاتب وصحفي ومفكر ولغوي وناقد اجتماعي ومصلح ومترجم ودبلوماسي ورحالة مسلم( يهودي سابقاً)

درس الفلسفة والفن في جامعة فيينا ثم اتجه للصحافة فبرع فيها، وغدا مراسلاً صحفياً في الشرق العربي والإسلامي ثم زار القاهرة فالتقى بالإمام مصطفى المراغي، فحاوره حول الأديان، فانتهى إلى الاعتقاد بأن "الروح والجسد في الإسلام هما بمنزلة وجهين توأمين للحياة الإنسانية التي أبدعها الله" ثم بدأ بتعلم اللغة العربية في أروقة الأزهر، وهو لم يزل بعدُ يهودياً.
انتقل للعيش في القدس بعد تلقيه دعوة من أحد أقاربه اليهود للإقامه معه في القدس في الوقت الذي كانت فيه فلسطين تحت الانتداب البريطاني، وكتب هناك عدة مقالات مهمة أبرزت قلق العرب من. المشروع الصهيوني. ثم انخرط في دراسة متعمقة للإسلام، حتى قرر التحول من اليهودية إلى الإسلام في 1926 وهو في برلين وبعد عدة أسابيع من ذلك اعلنت زوجته إسلامها.
قصة إسلامه :
كان ليوبولد فايس رجل التساؤل والبحث عن الحقيقة، وكان يشعر بالأسى والدهشة لظاهرة الفجوة الكبيرة بين واقع المسلمين المتخلف وبين حقائق دينهم المشعّة، وفي يوم راح يحاور بعض المسلمين منافحاً عن الإسلام، ومحمّلاً المسلمين تبعة تخلفهم عن الشهود الحضاري، لأنهم تخلّفوا عن الإسلام ففاجأه أحد المسلمين الطيبين بهذا التعليق: "فأنت مسلم، ولكنك لا تدري !". فضحك فايس قائلاً : "لست مسلماً، ولكنني شاهدت في الإسلام من الجمال ما يجعلني أغضب عندما أرى أتباعه يضيّعونه"!!. ولكن هذه الكلمة هزّت أعماقه، ووضعته أمام نفسه التي يهرب منها، وظلت تلاحقه من بعد حتى أثبت القدر صدق قائلها الطيب، حين نطق (محمد أسد) بالشهادتين(1). هذه الحادثة تعلّمنا ألا نستهين بخيرية وبطاقات أي إنسان، فنحن لا ندري من هو الإنسان الذي سيخاطبنا القدر به ؟! ومن منا لم يُحدِث انعطافاً في حياته كلمةٌ أو موقفٌ أو لقاء ؟! من منا يستطيع أن يقاوم في نفسه شجاعة الأخذ من الكرماء ؟! لقد جاء إسلام محمد أسد رداً حاسماً على اليأس والضياع، وإعلاناً مقنعاً على قدرة الإسلام على استقطاب الحائرين الذين يبحثون عن الحقيقة … يقول الدكتور عبد الوهاب عزام : "إنه استجابةُ نفس طيبة لمكارم الأخلاق ومحاسن الآداب، وإعجابُ قلب كبير بالفطرة السليمة، وإدراك عقل منير للحق والخير والجمال"(2). قام محمد أسد بعد إسلامه بأداء فريضة الحج، كما شارك في الجهاد مع عمر المختار، ثم سافر إلى باكستان فالتقى شاعر الإسلام محمد إقبال، ثم عمل رئيساً لمعهد الدراسات الإسلامية في لاهور حيث قام بتأليف الكتب التي رفعته إلى مصاف ألمع المفكرين الإسلاميين في العصر الحديث. وأشهر ما كتب محمد أسد كتابه الفذ (الإسلام على مفترق الطرق).. وله كتاب (الطريق إلى مكة)، كما قام بترجمة معاني القرآن الكريم وصحيح البخاري إلى اللغة الإنجليزية. لقد كان محمد أسد طرازاً نادراً من الرحّآلة في عالم الأرض، وفي عالم الفكر والروح …

محمد نايف منير فارس: “علماء ومشاهير أسلموا” ، بيروت، 1431-2010. ص 133 وما بعدها.

مشهد من حياة الطفولة

2
 



نشأت في منزل صغير يشتمل على ثلاث حجرات بحي يدعى باب السعيدة، وهو أحد الأبواب المقامة على السور المحيط بمدينة تطوان القديمة. وكان هذا الحي كغيره من الأحياء التي بدأت تتولد خارج أسوار المدن العتيقة بالمغرب؛ مثل فاس، ومكناس، ومراكش، وسلا، وطنجة، وآسفي وغيرها، وذلك بعد مجيء الاستعمار. بيد أن هذا النمط من العمران في نهاية الخمسينيات؛ أي في السنوات الأولى من طفولتي، كانت تعلوه مسحة من الجمال الرومانسي، حيث أن الدور المتناثرة هنا وهناك، تحسبها في فصل الربيع قطعا من الأحجار الكريمة الملقاة فوق بساط أخضر. ثم إن معظم المنازل المشيدة وقتئد تجدها إما قائمة وسط بستان صغير، أو مشرفة من الجهة الأمامية أو الخلفية على حديقة صغيرة غاية في الجمال والبساطة كما هو الشأن بالنسبة للمنزل الذي نشأت فيه. والحقيقة أن أهل تطوان، كغيرهم من أهالي المدن التي تربطهم بالأندلس روابط النسب والتاريخ والحضارة، كانوا منذ سقوط غرناطة وإلى حدود العقدين الأول والثاني من الاستقلال السياسي، يحافظون بعناية فائقة على ماتبقى من إرثهم الأندلسي، لاسيما فيما يتعلق ببعض العادات والتقاليد الاجتماعية، وبالمأكل والملبس وشكل البناء وأسلوب التأثيث المنزلي. ولقد كان من لطائف الأقدار أن قضيت سنواتي الأولى حتى سن البلوغ، في هذا الجو المفعم بنسمات البقية الباقية من حضارة سادت ثم بادت.


 ومع حلول السبعينيات، اشتد لهيب آلة التغريب وذلك على يد المستغربين الذين تسلموا معاولها من المستعمرين، فتغيرت معالم المجتمع المغربي، وأصاب التغريب النواحي الاجتماعية والاقتصادية والثقافية كلها، وظهر الجيل الجديد الذي ولى وجهه شطر أوربا، وتعلق بالجانب المتفسخ من ثقافتها وحياتها، فانمحى ما كان قد تبقى من شهامة الرجل المغربي ومروءته، وأودعت الثقافة الأندلسية و الثقافة المغربية الأصيلة في المتاحف. واستعيض عنها بالثقافة السياحية الفلكلورية التي تلبي رغبة السائح !! تلك الثقافة القائمة على الميوعة والخلاعة من خلال الحفلات الفلكلورية والسهرات الفنية حيث يكثر الغناء والرقص، كما ينسب إلى هذه الثقافة ما يسمى بإحياء مواسم الأولياء والاهتمام بأضرحتهم، إلى غير ذلك من فنون الشعوذة والدجل والبلاهة. ولعلي لا أعدو الحقيقة إذا قلت بأن الفلكلور بصورته الحالية يعبر عن المظهر الجامد والمشوه لجانب من تراثنا الثقافي؛ ذلك أن المستعمر عمل، بما أوتي من دهاء ومكر، على مسخ تراثنا، كما حاول إقناعنا بأن هذا التراث لا مصير له إلا متاحف التاريخ، وهكذا تم تحويله إلى إرث تاريخي نفتخر به ونتغنى بأمجاده، ونختار منه النماذج الفلكلورية التي تكرس النظرة الغربية.


 وعلى مسافة بضعة أمتار من المنزل، يوجد فدان السيد اللبادي ، ذلك المكان الفسيح المخضر حيث كان يحلو لي أن ألعب وأركض مع إخوتي عبد الوهاب وزبيدة ورشيدة وحورية، وكثيرا ما كان يشاركنا في لعبنا بنات عمنا رحمه الله وبعض أطفال الحي مثل أولاد الفقيه العربي اللوه وأولاد محمد الريسوني، وكذا أولاد محمد الصفار ومحمد الفخار… ولم نكن نفزع كفزعنا يوم نرى السيد اللبادي صاحب الفدان، وهو متجه نحونا يطاردنا كي يبعدنا عن ضيعته خاصة عندما يكون الزرع قد نما والسنابل قد أينعت.


وكم كنت أشعر بالسعادة والفرح، وقد أرهقت بدني باللعب، لما يحملني أبي على ذراعه اليمنى فور رجوعه من العمل زوالا أو قبيل الغروب. لقد كان رحمه الله دباغا يعمل في دباغة الجلود، تلك الحرفة التي ورثها عن أبيه وجده، بل مارسها أجدادي في هذه المدينة ما يقرب من ثلاثة قرون. فكان يقضي يومه متنقلا بين المكان الذي توجد فيه صهاريج الدباغة، والدكان الذي يبيع فيه الجلود المدبوغة. ولم يكن عمله يمنعه من قراءة كتب الفقه والحديث، أو الاستماع إلى دروس بعض فقهاء المدينة، مثل الفقيه محمد الفرطاخ، أو أحمد الرهوني، أو الفقيه الداعية تقي الدين الهلالي رحمهم الله أجمعين.


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب/ غرة رجب 1433/ماي 2012.

التربية الإيمانية وبناء الذات

0


 

إن مفهوم الذات كما يتصوره الإسلام، يتحدد انطلاقا من علاقة المسلم الذاتية بالشريعة السمحة والعقيدة الصحيحة القائمة على التوحيد. فالشريعة هي المقياس للسلوك المقبول أو المرفوض، حيث أن المسلم الملتزم يحرص على ألا يكون سلوكه سلوكا عشوائيا، وإنما يضبط كل أقواله وأفعاله وجميع معاملاته بضوابط الشريعة، كما يجتهد في التأدب والتأسي بآداب وسنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. كما يرتبط مفهوم الذات في ضوء التصور الإسلامي بعنصر التوازن، حيث لا يطغى على الذات التفكير المادي والانفعالات الحادة، والانحرافات السلوكية.
ويتصف مفهوم الذات في الإسلام بالايجابية، من خلال تفاعل الفرد مع الأحداث والتأثير فيها، وتوجيهها بما يرضي الله تعالى ويخدم مصلحة المجتمع، كما يرتبط بالجدية في العمل والتفاعل مع أنشطة الحياة المختلفة بكل حماس ونشاط من غير تكاسل وفتور. ثم إن مفهوم الذات في الإسلام يعلي من قيمة الإرادة الحرة، التي هي من متطلبات التكليف الشرعي، ويشجع على استعمالها في أفعال الخير، تلك الأفعال التي يستفيد منها الناس في الدنيا ويجد صاحبها الجزاء الأوفى عند الله في الآخرة.
وإذا كان المسؤلون والمفكرون والمربون في البلاد الغربية، لا يهتمون بالدين، ولا يعتبرون التدين عاملا أساسيا في بناء الذات، فإن المفكرين والمربين والعقلاء وكثيرا من المسؤولين في العالم الإسلامي، ينطلقون في تصورهم لشخصية الإنسان المسلم وذاته من الدين الإسلامي المتجسد في الوحي الإلهي كتابا وسنة. كما يستلهمون الأعمال والنظريات والمناهج التربوية والسلوكية التي تزخر بها كتب التراث.
وغني عن البيان كما أثبت علماء تاريخ الأديان ، أن ظاهرة التدين كانت، ولا زالت، موجودة لدى جميع الشعوب القديمة والحديثة، وأن من اليسير علينا أن نجد أمما بغير علوم وفنون وفلسفات، ولكن من الصعب أن نجد أمة بغير دين، بغض النظر عن طبيعة هذا الدين. َ
وأعظم ما في الدين الصحيح؛ الإيمان القوي، فهو سره وروحه وحيويته، وليس الإيمان مجرد معرفة ذهنية بحقائقه، أو مجرد قيام الإنسان بأعمال وشعائر؛ فكم من واحد عرف وجحد، وآخر صلى وصام وهو منافق. إن الإيمان في حقيقته عمل نفسي يبلغ أغوار النفس وأعماقها، ويحيط بجوانبها كلها من إدراك وإدارة ووجدان. كما لا بد أن يقترن بالمعرفة الإيمانية إذعان قلبي وانقياد إرادي، يتمثل في الخضوع والطاعة لله ورسوله.
قال الأستاذ سيد قطب رحمه الله:
" فالإيمان تصديق القلب بالله وبرسوله، التصديق الذي لا يرد عليه شك ولا ارتياب، التصديق المطمئن الثابت المستقين الذي لا يتزعزع ولا يضطرب، ولا تهجس فيه الهواجس. ولا يتلجلج فيه القلب والشعور، والذي ينبثق منه الجهاد بالمال والنفس في سبيل الله، فالقلب متى تذوق حلاوة هذا الإيمان، واطمأن إليه وثبت عليه، لابد مندفع لتحقيق حقيقته خارج القلب، في واقع الحياة، في دنيا الناس، يريد أن يوحد بين ما يستشعره في باطنه من حقيقة الإيمان، وما يحيط به في ظاهره من مجريات الأمور وواقع الحياة، ولا يطيق الصبر على المفارقة بين الصورة الإيمانية التي في حسه، والصورة الواقعية من حوله، لأن هذه المفارقة تؤذيه وتصدمه في كل لحظة، ومن هنا هذا الانطلاق إلى الجهاد في سبيل الله بالمال والنفس. فهو انطلاق ذاتي من نفس المؤمن. يريد به أن يحقق الصورة الوضيئة التي في قلبه، ليراها ممثلة في واقع الحياة والناس." 1
إن بناء الذات في التصور الإسلامي يقوم أساسا على الإيمان الصحيح المتدفق في قلب الإنسان المسلم، والساري في كيانه ووجدانه، والذي يدفعه إلى تلبية أوامر الشريعة الإسلامية الغراء. وبعبارة أخرى فإن بناء الذات في هذا التصور هو بناء للشخصية المسلمة المتكاملة في نموها من الناحية الروحية، والبدنية، والانفعالية والوجدانية، والعقلية والاجتماعية، كما أنه بناء للمسلم الصالح المؤمن بربه، المتمسك بتعاليم دينه، المتخلق بالأخلاق الفاضلة، المتزن في دوافعه وعواطفه ونزعاته، الذي يحسن التكيف مع نفسه ومع غيره، والذي يدرك حقوقه وواجباته، ويتحمل مسؤوليته نحو نفسه وأسرته ومجتمعه وأمته والبشرية جمعاء.

1 - سيد قطب، "في ظلال القرآن"، ج 6، ص 3348، ط 25، دار الشروق، بيروت، 1417-1996.

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين/تطوان المغرب، جمادى الثانية 1433- ماي 2012.

منهج الإسلام في تربية الانفعالات

2




إن التربية الإسلامية جعلت من شخصية المسلم محورها الرئيس، حيث عملت على صياغتها صياغة متوازنة في الأبعاد العقلية والانفعالية والاجتماعية والإيمانية والجسدية، واستنبطت من النصوص الشرعية الطريقة التي تناول بها الوحي موضوع الانفعالات والمشاعر والعواطف الإنسانية من حب، وخوف، وغضب، وحسد، وكبر، وتواضع، إلى غير ذلك.


ومن هنا فإن منهج تربية الانفعالات في الإسلام "يعرف طريقه إلى النفس البشرية منذ اللمسة الأولى، ويعرف دروبها ومنحنياتها فيتسلل إليها بعطف، ويعرف مداخلها ومخارجها، ويعرف قواها ومقدرتها فلا يتجاوزها أبدا، ويعرف أشواقها وحاجاتها فيلبيها تماما، ويعرف طاقاتها الأصلية فيطلقها للعمل والبناء، ويتسم بالرفعة والسمو وهو نظام وجداني يأخذ في اعتباره فطرة هذا الإنسان بكل مقوماتها، وخصائص تكوينة وتركيبه بكل مقتضياتها" [1].


  ومما يسهم في دفع الحزن، عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، لأن لها أثرا بالغا في تهدئة النفس، ولأن كل شيء بقضاء الله وقدره، ولا يقع شيء في الكون إلا بعلم الله وبإذنه وتقديره، قال تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم  إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير). (سورة الحديد: آية 22)،


وقدمت التربية الإسلامية منهجا لمواجهة الابتلاءات في الحياة، إذ يعد الابتلاء من سنن ما يلاقيه الفرد في الحياة، حيث يتطلب الأمر تجاوزها وتعزيز الأمل، من خلال تحفيز الذات لمقاومة المصاعب والتحديات، ولقد وظفت التربية الإسلامية نصوصها، حيث يثمر البلاء نتائجه من خلال الصبر الجميل، والسيطرة على النفس، وتحمل المصاعب في الحياة، لغاية تحقيق الأهداف الأخروية والأهداف الدنيوية السامية، وهذه وظيفة الابتلاء البنائية للفرد والجماعة المسلمة.


وحذرت التربية الإسلامية؛ من مغبة الانسياق للانفعالات؛ التي تؤججها الغيرة والأحقاد، لأنها تسهم في إغلاق القلب عن الاستجابة للحق، وتلغي كل محاولة للتفكير الهادئ، وتغلق كل باب للمراجعة الذاتية، وتسهم في الانسياق لأهواء النفس.


ويزخر التراث الثقافي الإسلامي بكتابات وتآليف تربوية رائدة في ميدان معالجة الانفعالات وضبطها وتوجيهها؛ فنجد الإمام العالم عبد الرحمن من قدامى  المتوفي سنة 689 هـ، في كتابة "مختصر منهاج القاصدين"، قد عرض لهذا الموضوع من خلال طريقة اصطلح على تسميتها عند القدامى برياضة النفس، يقول هذا العالم:


"وقد زعم بعض من غلبت عليه البطالة فاستثقل الرياضة، أن الأخلاق لا يتصور تغييرها، كما لا يتصور تغيير صورة الظاهر.


والجواب: أنه لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لم يكن للمواعظ والوصايا معنى.


ويقول في معرض كلامه عن انفعال الغضب: واعلم: " أنه متى قويت نار الغضب والتهبت، أعمت صاحبها، وأصمته عن كل موعظة، لأن الغضب يرتفع إلى الدماغ، فيغطي على معادن الفكر، وربما تعدى إلى معادن الحس، فتظلم عينه حتى لا يرى بعينه، وتسود الدنيا في وجهه، ويكون دماغه على مثال كهف أضرمت فيه نار فاسود جوه، وحمي مستقره، وامتلأ بالدخان، وكان فيه سراج ضعيف فانطفأ، فلا يثبت فيه قدم، و لا تسمع  فيه كلمة، ولا ترى فيه صورة، ولا يقدر على إطفاء النار، فذلك يفعل بالقلب والدماغ، وربما زاد الغضب  فقتل صاحبه".[2]


 ويتحدث عالمنا المقدسي عن انفعالات أخرى مثل الكبر، والعجب، والغرور، والخوف، والرجاء، والحب، كما بسط الكلام عن بعض الآليات النفسية التي يحتاج إليها المسلم عند ما يريد إصلاح انفعالاته وترشيدها، مثل المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والتذكر والتفكر.


 والطريق إلى تزكية النفس اعتياد الأفعال الصادرة من النفوس الزاكية الكاملة، حتى إذا صار ذلك معتادا بالتكرر مع تقارب الزمان، حدث منها هيئة للنفس راسخة تقتضي تلك الأفعال، وتتقاضاها بحيث يصير ذلك له بالعادة كالطبع فيخف عليه ما كان يستثقله من الخير؛ فمن أراد مثلا أن يحصل لنفسه خلق الجود  فطريقه أن يتكلف تعاطي فعل الجواد وهو بذل المال، ولا يزال يواظب عليه حتى يتيسر عليه، فيصير بنفسه جوادا. وكذا من أراد أن يحصل لنفسه خلق التواضع، وغلب عليه التكبر، فطريقه في المجاهدة أن يواظب على أفعال المتواضعين مواظبة دائمة على التكرر مع تقارب الأوقات.




1- سيد قطب "هذا الدين" ص 30 ط 7 . بيروت دار الشروق. 1982





2 -  الإمام أحمد بن قدامة المقدسي؛ "مختصر منهاج القاصدين" دار الفكر بيروت 1422-2002.؛ ص 169.





د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان/المغرب، جمادى الثانية 1433-ماي 2012.











 




الجلال والجمال

0


 

 

إذا تجلت لك آية من آيات الحق في مظهر جمالي ولم ينكشف لك جلالها فما رأيت جمالها، وما استفدت من تلك الرؤية، إذ الجمال والجلال وجهان لحقيقة واحدة. فلا رجاء دون خوف، ولا خوف دون رجاء، (وادعوه خوفا وطمعا). وجماله يذكرك بجلاله، وجلاله يذكرك بجماله. ومن ثم فإنه ما تعرف إليك بجمال إلا وهو طالب منك أن تخافه؛ (هذا من فضل ربي ليبلوني آشكر أم أكفر)، وما تعرف إليك بجلال إلا وهو طالب منك أن ترجوه.

د. عبد الله الشارف؛ “خواطر إيمانية”، باريس 1981.

موريس بوكاي وحقائق القرآن

0


 

اشتهر عن فرنسا أنها من أكثر الدول اهتماما بالآثار والتراث , وعندما تسلم الرئيس الفرنسي الاشتراكي الراحل (فرانسوا ميتران) زمام الحكم في البلاد عام 1981 طلبت فرنسا من دولة (مصر) في نهاية الثمانينات استضافة مومياء (فرعون مصر) إلى فرنسا لإجراء اختبارات وفحوصات أثرية ومعالجة.
حملت مومياء الطاغوت بموكب لا يقل حفاوة عن استقباله وتم نقله إلى جناح خاص في مركز الآثار الفرنسي , ليبدأ بعدها أكبر علماء الآثار في فرنسا وأطباء الجراحة والتشريح دراسة تلك المومياء واكتشاف أسرارها, وكان رئيس الجراحين والمسؤول الأول عن دراسة هذه المومياء الفرعونية هو البروفيسور موريس بوكاي. كان المعالجون مهتمين في ترميم المومياء, بينما كان اهتمام رئيسهم( موريس بوكاي) عنهم مختلفا للغاية , كان يحاول أن يكتشف كيف مات هذا الملك الفرعوني , وفي ساعة متأخرة من الليل.. ظهرت نتائج تحليله النهائية ..
لقد كانت بقايا الملح العالق في جسده أكبر دليل على أنه مات غريقا..! وأن جثته استخرجت من البحر بعد غرقه فورا, ثم اسرعوا بتحنيط جثته لينجو بدنه! لكن ثمة أمراً غريباً مازال يحيره وهو كيف بقيت هذه الجثة دون باقي الجثث الفرعونية المحنطة أكثر سلامة من غيرها رغم أنها استخرجت من البحر..! كان موريس بوكاي يعد تقريراً نهائيا عما كان يعتقده اكتشافاً جديداً في انتشال جثة فرعون من البحر وتحنيطها بعد غرقه مباشرة , حتى همس أحدهم في أذنه قائلا لا تتعجل فإن المسلمين يتحدثون عن غرق هذه المومياء.. ولكنه استنكر بشدة هذا الخبر , واستغربه , فمثل هذا الإكتشاف لايمكن معرفته إلا بتطور العلم الحديث وعبر أجهزة حاسوبية حديثة بالغة الدقة , فقال له احدهم إن قرآنهم الذي يؤمنون به يروي قصة عن غرقه وعن سلامة جثته بعد الغرق .. !
فازداد ذهولا وأخذ يتساءل ..
كيف يكون هذا وهذه المومياء لم تكتشف أصلا إلا في عام 1898 ميلادية أي قبل مائتي عام تقريبا , بينما قرآنهم موجود قبل أكثر من ألف وأربعمئة عام؟!
وكيف يستقيم في العقل هذا , والبشرية جمعاء وليس العرب فقط لم يكونوا يعلمون شيئا عن قيام قدماء المصريين بتحنيط جثث فراعنتهم إلا قبل عقود قليلة من الزمان فقط؟؟؟
جلس (موريس بوكاي) ليلته محدقا بجثمان فرعون , يفكر بإمعان عما همس به صاحبه له من أن قرآن المسلمين يتحدث عن نجاة هذه الجثة بعد الغرق .. بينما كتابهم المقدس (إنجيل متى ولوقا) يتحدث عن غرق فرعون أثناء مطاردته لسيدنا موسى عليه السلام دون أن يتعرض لمصير جثمانه البتة .. وأخذ يقول في نفسه : هل يعقل أن يكون هذا المحنط أمامي هو فرعون مصر الذي كان يطارد موسى؟! وهل يعقل ان يعرف محمدهم هذا قبل أكثر من ألف عام وأنا للتو أعرفه ؟!
لم يستطع (موريس) أن ينام , وطلب أن يأتوا له بالتوراة, فأخذ يقرأ في (سفر الخروج) من التوراة قوله "فرجع الماء وغطى مركبات وفرسان جميع جيش فرعون الذي دخل وراءهم في البحر لم يبق منهم ولا واحد" .. وبقي موريس بوكاي حائراً. حتى الإنجيل لم يتحدث عن نجاة هذه الجثة وبقائها سليمة بعد أن تمت معالجة جثمان فرعون وترميمه , أعادت فرنسا لمصر المومياء بتابوت زجاجي فاخر يليق بمقام فرعون! ولكن موريس لم يهنأ له قرار ولم يهدأ له بال , منذ أن هزه الخبر الذي يتناقله المسلمون عن سلامة هذه الجثة!
فحزم أمتعته وقرر أن يسافر إلى المملكة السعودية لحضور مؤتمر طبي يتواجد فيه جمع من علماء التشريح المسلمين..
وهناك كان أول حديث تحدثه معهم عما اكشتفه من نجاة جثة فرعون بعد الغرق.. فقام أحدهم وفتح له المصحف وأخذ يقرأ له قوله تعالى { فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون } [يونس :92]
لقد كان وقع الآية عليه شديدا .. ورجت له نفسه رجة جعلته يقف أمام الحضور ويصرخ بأعلى صوته : لقد دخلت الإسلام وآمنت بهذا القرآن.

محمد نايف منير فارس: "علماء ومشاهير أسلموا" ، دار ابن حزم بيروت، 1431-2010. ص 17-18.

مارجريت ماركوس أو مريم جميلة

2
 

 



 

 

ولدت هذه المرأة العظيمة في «نيويورك» 1934م، لأبوين يهوديين من أصل ألماني، وكان اسمها «مارجريت ماركوس»، وكان لطريقة نشأتها في تلك البيئة المتلوثة بركام الجاهلية دليل على عناية الله - تعالى -بها، فهي لم تذق الخمر في حياتها ولم تلتق بالرجال، ولم تحضر حفلات القوم، وكل هذا عجيب من مثلها، وكانت وهي في طفولتها تحضر الدروس التي تقيمها مدرسة الأحد اليهودية، وتسمع الحاخام وهو يخبرهم بأن العرب واليهود هم أولاد إبراهيم الخليل ــ عليه وعلى نبينا أفضل الصلوات وأتم التسليم ــ فصارت تتمنى أن تذهب إلى فلسطين لرؤية أولاد عمها والاجتماع بهم، ثم إنها صدمت بعد ذلك يوم أن رأت أبويها يحتفلان بقرار التقسيم سنة 1947م، ويجمعان التبرعات لإقامة الدولة المسخ، ثم يحتفلان بانتصار اليهود سنة 1367هـ/ 1948م، فصارت تناقش أبويها بقوة في إقامة دولة اليهود على أحزان العرب وآلامهم، فعجبا من كلامها.
طريق الهداية
ثم إنها أقبلت على القراءة المطوّلة والعجيبة من فتاة مثلها، فقد قادتها هذه القراءة إلى الهداية، وأبعدتها عن الغواية، وقرأت أول ما قرأت ترجمة القرآن للبريطاني المسلم «محمد بيكتهول»، فتأثرت بما قرأت.كما عثرت في مكتبة «نيويورك» العامة على كتاب «مشكاة المصابيح» مترجماً إلى الإنجليزية، وهو كتاب في الحديث النبوي الشريف، فعكفت عليه حتى فرغت منه!! ولو سألت طلاب العلم منا اليوم ومثقفينا عن هذا الكتاب فلربما جهلوا عنوانه، ناهيك عن قراءته.
ثم شرح الله صدرها في سنة (1381هـ ــ 1961م) فذهبت إلى إمام مسجد في «بروكلين» في «نيويورك» وهو «داود فيصل» وأسلمت على يديه، وسمت نفسها بـ«مريم جميلة»..
وكان الأستاذ «المودودي» قد عرض عليها مراراً أن تنتقل إلى باكستان لكنها كانت مترددة، ثم بعد كل الذي جرى عليها قررت الذهاب، وأقنع «المودودي» أمها وأباها وطمأنهما على ابنتهما التي ستجد كل الرعاية والاهتمام، وفعلاً حزمت حقائبها وتركت «نيويورك» سنة 1382هـ/ 1962م واتجهت إلى «لاهور».
ثم إنها وصلت «لاهور»، وأحسن إليها الأستاذ «المودودي»، وأسكنها في بيته سنتين، ثم إنه زوجها لأحد أتباعه وهو «محمد يوسف خان»، وهو متزوج وعنده خمسة من الأولاد، لكن هذه المرأة العجيبة لم تمانع في التعدد، وقد اقتنعت به وهي ما زالت في أمريكا، وكانت تغضب من المانعين له مثل «بورقيبة»، أو من المبررين له تبريراً ضعيفاً، ثم طبقته بنفسها في «لاهور»، ومن الطريف أنها عرضت على «المودودي» الزواج منها لكنه اعتذر!!
وهي تعيش اليوم مع ضرتها في بيت واحد، وهي سعيدة بحياتها، وراضية، ولها ابنان وابنتان واثنا عشر حفيداً.
وعاشت في «لاهور» من سنة 1383هـ/ 1963م إلى يوم الناس هذا ولم تخرج أبداً، ولم تعد إلى أمريكا التي يتمنى كثير منا الذهاب إليها والعيش فيها!..
وعاشت حياة إسلامية رائعة، وهي مشرفة على حلقات نسائية في بيتها، وما زالت تكتب الكتب وترسل الرسائل إلى الآن حفظها الله .
وصل عدد كتبها التي ألفتها إلى قرابة 14 كتاباً ـ وما زالت تؤلف ــ - حفظها الله - ـ وكلها تفيض بروح وثابة، وفهم متميز، واطلاع وثقافة واسعة، وأفردت كتاباً في مأساة الفلسطينيين سمته «أحمد خليل»، ونشره الأستاذ «المودودي» في باكستان.
وأخيراً أقول: ما أعظم التبعة الملقاة علينا في إيصال الإسلام لكل البشر، إذ كم فيهم من أمثال «مريم جميلة» ممن يبحثون عن الحق ويريدونه!.

محمد نايف منير فارس: "علماء ومشاهير أسلموا" ، بيروت، 1431-2010. ص7 17-178.

أنت على الفطرة

0
 

 



 

 

أنت على الفطرة ما دمت على العهد، وإذا خنت الأمانة أوكلك الحق إلى نفسك. وهو يحول بين المرء وقلبه. فنورك من نور الفطرة، والله يهدي لنوره من يشاء. وسلامة دينك معلقة بسلامة فطرتك. وصفاء هاته مرهون باتباعك للشريعة. فلا ترغب بنفسك عن نهج نبيك، وليكن هواك تبعا لما جاء به، ولا تتخلف عنه فيفوتك الركب ويقتلك الظمأ في فلاة.

 

د. عبد الله الشارف، خواطر إيمانية، باريس 1981

حول الواردات والخواطر

1


 

لا تخلو كتب الفكر والأدب قديما وحديثا من ألوان الواردات والخواطر، وكلما كان الفكر والأدب ينهلان من جوهر الدين، ويرتكزان على القرآن والسنة الصحيحة، كان فضاؤهما مجالا لورود الواردات والخواطر الإيمانية والعكس صحيح؛ أي إذا كان الفكر والأدب لا يسترشدان بالكتاب والسنة ولا يلتزمان بقواعدهما ومبادئهما ولا يحتكمان إلى نصوصهما، تسربت إليهما الأفكار والمعاني ذات الصلة بالخواطر والواردات الفلسفية أو النفسية. ومثال النوع الأول؛ مؤلفات الفقه وأصوله، ورسائل العقيدة الصحيحة، وكتب الآداب وتربية النفس والأخلاق الدينية، وأشعار الجهاد والحكم والمواعظ. ومثال النوع الثاني؛ مؤلفات الفلسفة الميتافيزيقية وعلم الكلام والتصوف الفلسفي؛ وحدة الوجود، الحلول والاتحاد والطرقي، والدواوين الشعرية المشتملة على بعض أنواع الهجاء أو الأمداح الكاذبة أو الغزليات أو الزندقة والانحراف عن العقيدة. فهذا الصنف الثاني من الفكر والأدب قلما يسلم أصحابه من الإيحاءات النفسية والشيطانية التي تكون من وراء الخواطر والواردات الضالة والمضلة.
وإذا علمنا بأن نظريات متفلسفة المسلمين و كثير من أقطاب الكلام والتصوف الفلسفي والطرقي، لها علاقة وطيدة بالفكر اليوناني الوثني وبالفكر الإشراقي والمسيحي، وبالمذاهب الفلسفية والعقائد المختلفة التي كانت منتشرة في ربوع الشام وفارس والهند قبيل مجئ الإسلام، تبين لنا خلو هذا الفكر من الخواطر والواردات الإيمانية، وإن وجدت فهي قليلة. والخلاصة أن نوعية الخواطر والواردات مرتبطة بطبيعة المحل القابل لتنزلها وورودها، وكل إناء يرشح بما فيه. ولقد أحسن محمد ابن قيم الجوزية عندما قال:"مبدأ كل علم نظري وعمل اختياري هو الخواطر والأفكار، فإنها توجب التصورات، والتصورات تدعو إلى الإرادات، والإرادات تقتضي وقوع الفعل، وكثرة تكراره تعطي العادة. فصلاح هذه المراتب بصلاح الخواطر والأفكار، وفسادها بفسادها."1

[1] محمد بن قيم الجوزية "الفوائد" دار الكتب العلمية بيروت 1996 ص 193


د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، جمادى الثانية 1433- ماي 2012.

قراءة في مفهوم العلم

0


 

جاء في " لسان العرب": "العلم نقيض الجهل"، وفي "المعجم الوسيط" : هو "إدراك الشيء بحقيقته". كما عرف بأنه: " نور يقذفه الله في قلب من يحب". والعلم أساس الدين والدنيا، وسر صلاحهما سيما إذا أقترن بالخشية. وكلما استضاءت الحياة بالعلم استزادت من النعيم، وكلما ابتعدت وانحرفت عنه، اقتربت من الجحيم. فالعلم والسعادة صنوان، كما أن الجهل والشقاوة أخوان. وما تنعم المتنعمون ولا تلذذ المتلذذون بأكثر من تنعمهم وتلذذهم بنعمة العلم. لأن كل لذة سوى لذته فانية. فلذة الأكل تنتهي عند الشبع، ولذة الوقاع تنتهي عقب الإنزال، ولذة جمع المال منغصة بنوائب الدهر وفجائعه، بينما لذة العلم لا تفنى، وقلما يحول بين العالم وعلمه مانع، بل تجده يجد في التحصيل وهو يدافع المرض، أو يعاني الفقر، أو ملقى داخل أقبية السجون. ويكفيه فخرا أن ذكره لا ينقطع ولو بعد موته. وفي هذا المعنى يقول الشيخ عبد الوهاب بن السبكي: "واللذة حصرها الإمام الرازي والشيخ الإمام ( يعني والده السبكي) في المعارف"1 . والعلم هو الكنز الذي لا يفنى والذخيرة التي توقد البصيرة. وقال بعضهم: " أي شيء أدرك من فاته العلم؟ وأي شيء فاته من أدرك العلم؟ ".
وللعلم قوة لا تضعف وسلطان لا يقهر، ولذا نجد أن الله سبحانه وتعالى سمى الحجة العلمية سلطانا. " قال ابن عباس رضي الله عنه : كل سلطان في القرآن فهو حجة وهذا كقوله تعالى:« قالوا اتخذ الله ولدا سبحانه هو الغني له ما في السماوات وما في الأرض إن عندكم من سلطان بهذا أتقولون على الله ما لا تعلمون» يعني ما عندكم من حجة بما قلتم إن هو إلا قول على الله بلا علم 2، وقال تعالى: «إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان» ما أنزل بها حجة ولا برهانا، بل هي من تلقاء أنفسكم وآبائكم، بل سلطان العلم أعظم من سلطان اليد، ولهذا ينقاد الناس للحجة ما لا ينقادون لليد. إن الحجة تنقاد لها القلوب وأما اليد إنما ينقاد لها البدن فالحجة تأسر القلب وتقوده وتذل المخالف وإن أظهر العناد والمكابرة فقلبه خاضع لها ذليل مقهور تحت سلطانها .3
ثم إن العلوم الصحيحة تتجاذب وتتلاقح، مما يؤدي إلى تطورها ورقيها، خاصة إذا كانت نوايا العلماء خالصة نقية، تحوم حول محور الإنسانية وتهدف إلى تحقيق المثل العليا. أما إذا كان هناك علماء ومفكرون لا تربطهم بالإنسانية، ولا بالمبادئ والمثل العليا أدنى رابطة، مثل صناع القنابل الجرثومية، والأسلحة النووية، أو البيولوجيون الذين يفسدون خلايا الإنسان والحيوان تحت اسم البحث العلمي والتطور، فإن علومهم تكون وبالا عليهم وعلى الإنسانية أجمع، وهذا ما نلمسه اليوم في كثير من العلوم التي ظهرت أو تطورت في المجتمعات الرأسمالية المعاصرة خاصة في أوربا وأمريكا.
كما أن شعور الغربين بالكبر والغطرسة، ومعاناتهم عقدة التفوق والجنس الآري، جعل الهوة بين ثقافتهم وثقافات الشعوب الأخرى، تزداد إتساعا وعمقا، مما صير الحوار الثقافي بين الشرق والغرب أمرا مستحيلا، خاصة بعد تصعيد وتيرة العولمة.
ومن ناحية أخرى، هناك اختلاف جوهري بين مفهوم العالم في الإسلام والعالم في الثقافة الغربية المعاصرة. فالعالم في التصور الإسلامي هو الذي تتوفر فيه بالإضافة إلى تخصصه، شروط ومميزات أساسية أهمها : العلم بمبادئ الدين، وخشية الله تعالى. قال سبحانه تعالى : "إنما يخشى الله من عباده العلماء". ومفهوم الآية أن من لا يخشى الله ليس عالما على وجه الكمال، ولو بلغ ما بلغ في مجال العلم والمعرفة.
"فلا يصح اعتبار الملحد المتخصص في الفيزياء عالما مهما بلغت شهرته بل هو مهني ماهر في مهنته، وليس إلا فيزيائيا قحا، وهو كالنجار الفنان الذي يعالج قطع الأخشاب ليشكل منها ما يثير إعجاب من لا يتقن حرفة النجارة، ومحترف الكيمياء والفيزياء يتقنون صنعتهم لدرجة تبهر البسطاء أو غير المتخصصين....، وكذلك الذي يحفظ النصوص الدينية ويوظفها في إخراج الفتاوى التي تخدم أغراض السلطان، والقانوني الذي يشارك في صياغة القوانين الظالمة....كل هؤلاء وأمثالهم العلم الحقيقي منهم براء وهم في الحقيقة وباء" .
ثم إن هذا الانحراف والانتكاس في مفهوم العالم في الثقافة العربية المعاصرة، يرجع إلى انتشار واستفحال حركتي الاستغراب والتغريب في العالم الإسلامي. وبما أن الضعيف مولع بتقليد القوي على حد تعبير العلامة ابن خلدون، فإن كثيرا من المصطلحات والمفاهيم التي تزخر بها ثقافتنا العربية والإسلامية، قد أصابها داء التحريف والتشويه. وهكذا أفرغ مفهوم العالم عندنا من محتواه الروحي والإيماني والعقدي تأسيا واحتذاء بالغربيين. ولقد كان للتيار العلماني أثر كبير في خلخلة مفهوم العلم وثوابته في العالم أجمع. إن القطيعة الروحية والمعرفية التي أحدثها مفكرو وفلاسفة النهضة الأوربية الحديثة بين الإنسان والسماء، بين عالم الشهادة وعالم الغيب، وبين الخلق وخالقه....إن هذه القطيعة الخطيرة التي انبثق منها مذهب العلمانية والإلحاد وألوان من الفلسفات المادية واللادينية، قلصت مجال العلم وحصرته في مساحة ضيقة جدا هي عالم الشهادة المحسوس، وأنكرت وجود ما يسمى عالم الغيب الذي من عناصره الروح، وحياة البرزخ، والجنة والنار، وعالم الملائكة، وما يتعلق بيوم القيامة والحساب.

1- ولي الدين العراقي : "الغيث الهامع، شرح جمع الجوامع"، طبعة 1، دار الكتب العلمية 2004، ص 814.
2-الضوء اللامع2/36.
3- الإمام ابن قيم الجوزية "مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة"، دار الكتب العلمية، بيروت ج 1 ص 61، 1419-1998.

د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان/المغرب، ربيع الثاني 1433/ مارس 2012.

رأي الإمام الشوكاني في التصوف

12


 

يقول الإمام الشوكاني رحمه الله في كتابه: "أدب الطلب ومنتهى الأرب"، وهو يتحدث عن "ابتلاء الإسلام بالمذاهب وتقديس الأموات": "... ويلتحق بالأمرين المذكورين أمر ثالث: وإن لم تكن مفسدته كمفسدتهما، ولا شموله كشمولهما، وهو ما صارت عليه هذه الطائفة المدعوة بالمتصوفة، فقد كان أول هذا الأمر، يطلق هذا الاسم على من بلغ في الزهد والعبادة إلى أعلى مبلغ، ومشى على هدي الشريعة المطهرة، وأعرض عن الدنيا وصد عن زينتها، ولم يغتر ببهجتها، ثم حدث أقوام جعلوا هذا الأمر طريقا إلى الدنيا، ومدرجا إلى التلاعب بأحكام الشرع، ومسلكا إلى أبواب اللهو والخلاعة، ثم جعلوا لهم شيخا يعلمهم كيفية السلوك، فمنهم من يكون مقصده صالحا وطريقته حسنة، فيلقن أتباعه كلمات تباعدهم من الدنيا وتقربهم من الآخرة، وينقلهم من رتبة إلى رتبة، على أعراف يتعارفوها، ولكنه لا يخلو غالب ذلك من مخالفة للشرع وخروج عن كثير من آدابه. والخير كل الخير في الكتاب والسنة، فما خرج عن ذلك فلا خير فيه، وإن جاءنا أزهد الناس في الدنيا وأرغبهم في الآخرة، وأتقاهم لله تعالى وأخشاهم له في الظاهر فإنه لا زهد لمن لم يمش على الهدي النبوي، ولا تقوى ولا خشية لمن لم يسلك الصراط المستقيم. فإن الأمور لا تكون طاعات بالتعب فيها والنصب وإيقاعها على أبلغ الوجوه. بل إنما تكون طاعات خالصة محضة مباركة نافعة لموافقة الشرع، والمشي على الطريقة المحمدية. ولا أنكر أن في هذه الطائفة من قد بلغ في تهذيب نفسه وغسلها من الطواغيت الباطنة والأصنام المستورة عن الناس، كالحسد والكبر والعجب والرياء ومحبة الثناء والشرف والمال والجاه مبلغا عظيما، وارتقى مرتقا جسيما، ولكني أكره له أن يتداوى بغير الكتاب والسنة، وأن يتطبب بغير الطب الذي اختاره الله لعباده، فإن في القوارع القرآنية والزاجر المصطفوية، ما يغسل كل قذر، ويدحض كل درن، ويدمغ كل شبهة، ويدفع كل عارض من عوارض السوء. فأنا أحب لكل عليل في الدين أن يتداوى بهذا الدواء، فيعكف على تلاوة كتاب الله متدبرا له متفهما لمعانيه، باحثا عن مشكلاته، سائلا عن معضلاته ويديم النظر في كتب السنة المعتبرة عند أهل الإسلام، كالأمهات الست وما يلحق بها. ويستكثر من مطالعة السيرة النبوية، ويتدبر ما كان يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليله ونهاره، ويتفكر في أخلاقه وشمائله، وهديه وسمته، وما كان عليه أصحابه وكيف كان هديهم في عباداتهم ومعاملاتهم.1 كأني بهذا العالم القدوة يعض بنواجذه على سنة نبيه، وهو يرغب الناس في طلب الهدي من الكتاب والسنة، والإعراض عما سواهما من الطرق التي قد تفضي بسالكيها إلى ما لا يحمد عقباه، لقد كان هذا العالم رحمه الله للعلم مجمعا، وللدين مفزعا، وعلما في علمه وزمانه. وبعد، أرجو من الله سبحانه وتعالى أن يكون القارئ اللبيب ذي الرأي الثاقب قد انقدح في قلبه، واستقر في عقله، أن القدوة المثلى لا تلتمس في شيوخ الطرق الصوفية، وإنما تطلب من معدنها الجوهري وعينها الفياضة: محمد صلوات الله وسلامه عليه، وصحابته ومن على أثرهم من العلماء الربانيين إلى يوم الدين.

1- الإمام محمد بن علي الشوكاني: "أدب الطلب ومنتهى الأرب"، دار ابن حزم 1419-1998، ص 261. د.

عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، جمادى الثانية 1433-أبريل 2012.

في ظلال الصلاة

0


ياعبد الله:


الله أكبر، الله أعظم، الله أجل. أسلم وجهك لله، واستمطر رحمته بالصبر والصلاة، واصدق الله في ركوعك وسجودك، واخضع وتذلل واستحضر عبوديتك تأخذك المناجاة إلى عالم يجل عن الوصف، تتفيأ في ظلاله، فترنو بعين البصيرة إلى جماله وبهائه. أعظم به من مقام، واسعد بها من لحظات مع رب ودود، مقبل بوجهه الكريم على عبده الخاشع الذليل، واعلم أن حرصك على استحضار الخشوع في صلاتك إرضاء لربك، وطمعا في نعيم القرب وحلاوة المناجاة، لن يضاهي حرصه في الإقبال عليك والاستماع إلى دعواتك. ولئن جئته تمشي أتاك هرولة.


د. عبد الله الشارف؛ “خواطر إيمانية”، باريس 1981.

روح الفقه

0


 
قال الشيخ أحمد بن قدامة المقدسي: " فأما علم المعاملة وهو علم أحوال القلب، كالخوف والرضا، والصدق، والإخلاص وغير ذلك، فهذا العلم ارتفع به كبار العلماء، كسفيان الثوري، وأبي حنيفة والشافعي وأحمد، وإنما انحطت رتبة المسمين بالفقهاء والعلماء، عن تلك المقامات، لتشاغالهم بصور العلم من غير أخذ على النفس، أن تبلغ إلى حقائقه وتعمل بخفاياه...واعلم أنه قد بدلت ألفاظ وحرفت، ونقلت إلى معان لم يردها السلف الصالح. فمن ذلك الفقه، فإنهم تصرفوا فيه بالتخصيص، فخصوه بمعرفة الفروع وعللها، ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول يطلق على علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس، ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب" 1.
يتبين من خلال كلام الإمام المقدسي أن الخشية التي هي أساس علم أحوال القلب، ضرورية للفقه والتفقه وطلب العلم وتعليمه، وأن الانحراف الذي طرأ على موضوع الفقه ومسماه حينما أصبح "خاصا بمعرفة الفروع وعللها"، بعد أن كان مجاله الأساسي والجوهري هو " علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس...." ، هو انحراف خطير جدا نتج عنه جرح عميق أصاب كيان الأمة الإسلامية، وذلك أن بعض الفقهاء عندما بدأوا ينسلخون من الخشية ويقبلون على الدنيا ويسعون إلى الأمراء، انطفأ نور الآخرة في قلوبهم، فأعرضوا عن جوهر الفقه، وهو فقه القلوب والنفوس، واقتصروا على فقه المعاملات وظاهر فقه العبادات، مما كان من أسباب ظهور علم التصوف، الذي أخذ على عاتقه القيام بما أهمله أولئك الفقهاء. وهكذا ظهر والحارث المحاسبي وأبو القاسم الجنيد وغيرهما، وظهر ما سمي بعلم الأذواق في مقابل علم الأوراق، وتطور الكلام في الزهد والرقائق وألوان من علوم الأحوال والمقامات، مما هو مسطر في كتب المتصوفة. بيد أن الأمر لم يقف عند العلاج أو سد الثغرة، وإنما تولد عن هذا التيار الجديد ضروب من الشطحات والفلسفات؛ مثل الحلول ووحدة الوجود، ثم بعد ذلك ابتلي المسلمون بالطرق الصوفية، وتلك داهية الدواهي التي مازالت جاثمة على صدر الأمة الإسلامية إلى يوم الناس هذا. معنى هذا أن التصوف لم يعالج الانحراف الذي أصاب روح الفقه، وإنما فتح الباب على مصراعيه لانحراف أشد تجلى بالخصوص في البدع المتعلقة بالعبادات، وكذلك الانحرافات العقدية والسلوكية الخطيرة.
ولما أعرض أولئك الفقهاء عن جوهر الفقه وروحه، وركنوا إلى الدنيا، حل الحرص والطمع في قلوبهم محل الورع والخشية، فخفت نور الإيمان، وضعف الكشف عن حقائق الأشياء، وتلاشت الصفات العقلية والقلبية الموجبة لتسديد الأقوال والأعمال. والنور الصادر عن الخشية من أعظم الأنوار الباطنية التي تقذف بالحق على الباطل فتدمغه فإذا هو زاهق، سيما إذا اقترنت تلك الخشية بالاتباع، أي اتباع السنة المحمدية والهدي النبوي، ذلك أن أنوار الخشية مع الاتباع، تطفئ نيران الأهواء النفسية والشهوات، فتسطع الهداية والسعادة في القلب وتنتشر في الصدر وتعلو المحيا، " فيكاد المؤمن ينطق بالحكمة وإن لم يسمع فيها بالأثر" كما قال بعض السلف.
أما إذا كانت الخشية غير مقرونة بالاتباع كما هو حال متفلسفة الصوفية والمتصوفة الطرقيين، وغيرهم من المبتدعة قديما وحديثا، فإن علاقتها بالخشية الأولى علاقة اشتراك لفظي لا غير. وشتان ما بين مسمى الأولى ومسمى الثانية، فإن بينهما تقابلا واضحا لا يخفى على ذي عينين. سأل فرقد السبخي الحسن البصري عن شيء، فأجابه قائلا: إن الفقهاء يخالفونك، فقال الحسن: ثكلتك أمك يا فريقد، وهل رأيت بعينيك فقيها، إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الذي لا يهمز من فوقه، ولا يسخر بمن دونه، ولا يبتغي على علم علمه الله تعالى أجرا " 2.

[1]- عبد الرحمن بن قدامة المقدسي: "مختصر منهاج القاصدين"، بيروت 1422- 2002، ص 15

[2] - محمد بن قيم الجوزية : "مفتاح دار السعادة  مجلد 1 ص : 92"


د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف؛
"تجربتي الصوفية"، منشورات الزمن، الرباط 2011، ص 140-141.