روح الفقه

0


 
قال الشيخ أحمد بن قدامة المقدسي: " فأما علم المعاملة وهو علم أحوال القلب، كالخوف والرضا، والصدق، والإخلاص وغير ذلك، فهذا العلم ارتفع به كبار العلماء، كسفيان الثوري، وأبي حنيفة والشافعي وأحمد، وإنما انحطت رتبة المسمين بالفقهاء والعلماء، عن تلك المقامات، لتشاغالهم بصور العلم من غير أخذ على النفس، أن تبلغ إلى حقائقه وتعمل بخفاياه...واعلم أنه قد بدلت ألفاظ وحرفت، ونقلت إلى معان لم يردها السلف الصالح. فمن ذلك الفقه، فإنهم تصرفوا فيه بالتخصيص، فخصوه بمعرفة الفروع وعللها، ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول يطلق على علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس، ومفسدات الأعمال، وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا، وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة، واستيلاء الخوف على القلب" 1.
يتبين من خلال كلام الإمام المقدسي أن الخشية التي هي أساس علم أحوال القلب، ضرورية للفقه والتفقه وطلب العلم وتعليمه، وأن الانحراف الذي طرأ على موضوع الفقه ومسماه حينما أصبح "خاصا بمعرفة الفروع وعللها"، بعد أن كان مجاله الأساسي والجوهري هو " علم طريق الآخرة، ومعرفة دقائق آفات النفوس...." ، هو انحراف خطير جدا نتج عنه جرح عميق أصاب كيان الأمة الإسلامية، وذلك أن بعض الفقهاء عندما بدأوا ينسلخون من الخشية ويقبلون على الدنيا ويسعون إلى الأمراء، انطفأ نور الآخرة في قلوبهم، فأعرضوا عن جوهر الفقه، وهو فقه القلوب والنفوس، واقتصروا على فقه المعاملات وظاهر فقه العبادات، مما كان من أسباب ظهور علم التصوف، الذي أخذ على عاتقه القيام بما أهمله أولئك الفقهاء. وهكذا ظهر والحارث المحاسبي وأبو القاسم الجنيد وغيرهما، وظهر ما سمي بعلم الأذواق في مقابل علم الأوراق، وتطور الكلام في الزهد والرقائق وألوان من علوم الأحوال والمقامات، مما هو مسطر في كتب المتصوفة. بيد أن الأمر لم يقف عند العلاج أو سد الثغرة، وإنما تولد عن هذا التيار الجديد ضروب من الشطحات والفلسفات؛ مثل الحلول ووحدة الوجود، ثم بعد ذلك ابتلي المسلمون بالطرق الصوفية، وتلك داهية الدواهي التي مازالت جاثمة على صدر الأمة الإسلامية إلى يوم الناس هذا. معنى هذا أن التصوف لم يعالج الانحراف الذي أصاب روح الفقه، وإنما فتح الباب على مصراعيه لانحراف أشد تجلى بالخصوص في البدع المتعلقة بالعبادات، وكذلك الانحرافات العقدية والسلوكية الخطيرة.
ولما أعرض أولئك الفقهاء عن جوهر الفقه وروحه، وركنوا إلى الدنيا، حل الحرص والطمع في قلوبهم محل الورع والخشية، فخفت نور الإيمان، وضعف الكشف عن حقائق الأشياء، وتلاشت الصفات العقلية والقلبية الموجبة لتسديد الأقوال والأعمال. والنور الصادر عن الخشية من أعظم الأنوار الباطنية التي تقذف بالحق على الباطل فتدمغه فإذا هو زاهق، سيما إذا اقترنت تلك الخشية بالاتباع، أي اتباع السنة المحمدية والهدي النبوي، ذلك أن أنوار الخشية مع الاتباع، تطفئ نيران الأهواء النفسية والشهوات، فتسطع الهداية والسعادة في القلب وتنتشر في الصدر وتعلو المحيا، " فيكاد المؤمن ينطق بالحكمة وإن لم يسمع فيها بالأثر" كما قال بعض السلف.
أما إذا كانت الخشية غير مقرونة بالاتباع كما هو حال متفلسفة الصوفية والمتصوفة الطرقيين، وغيرهم من المبتدعة قديما وحديثا، فإن علاقتها بالخشية الأولى علاقة اشتراك لفظي لا غير. وشتان ما بين مسمى الأولى ومسمى الثانية، فإن بينهما تقابلا واضحا لا يخفى على ذي عينين. سأل فرقد السبخي الحسن البصري عن شيء، فأجابه قائلا: إن الفقهاء يخالفونك، فقال الحسن: ثكلتك أمك يا فريقد، وهل رأيت بعينيك فقيها، إنما الفقيه الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، البصير بدينه، المداوم على عبادة ربه، الذي لا يهمز من فوقه، ولا يسخر بمن دونه، ولا يبتغي على علم علمه الله تعالى أجرا " 2.

[1]- عبد الرحمن بن قدامة المقدسي: "مختصر منهاج القاصدين"، بيروت 1422- 2002، ص 15

[2] - محمد بن قيم الجوزية : "مفتاح دار السعادة  مجلد 1 ص : 92"


د. أبو عبد الرحمن عبد الله الشارف؛
"تجربتي الصوفية"، منشورات الزمن، الرباط 2011، ص 140-141.

لا يوجد تعليقات

أضف تعليق