التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المستشرق مايكل كوك و"الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"

 


في سنة 1988 وعلى رصيف محطة من محطات مترو الأنفاق بمدينة شيكاغو الأمريكية، هجم شخص على امرأة واغتصبها وهي تصرخ وتستغيث، على مرأى ومسمع من عشرات المسافرين من موتى القلوب، حيث لم يهب أحدهم لنجدتها وتخليصها من قبضة المجرم الشاذ. لقد تأثر مايكل كوك بهذه الواقعة الأليمة، وألهمه خطبُها وفظاعتُها تحرير كتابه الذائع الصيت "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي" سنة 2000، الذي أشار في مقدمته إلى تلك الحادثة اللإنسانية. وصدرت ترجمته العربية عام 2009 فيما يقرب من 900 صفحة. وتحتوي قائمة مصادر هذا الكتاب على مئات من المصادر المطبوعة والمخطوطة باللغة العربية والفارسية والتركية إضافة إلى الإنجليزية.

وقد استقصى وتتبع فيه مايكل كوك، مستخدما المنهج الفيلولوجي الاستشراقي، استخدامات ومعاني مصطلح الأمر بالمعروف والنهي عني المنكر في  في القرآن والتفسير، والحديث، وكذلك في كتب ومؤلفات  الفرق الكلامية والمدارس الفقهية. كما تناول الجانب التطبيقي لهذا المبدأ العظيم على أيدي الحكام والمسؤولين والعلماء المصلحين والمربين، خلال مراحل التاريخ الإسلامي وإلى العصر الحديث. 

وخلص هذا المستشرق بعد عشر سنوات من البحث والاستقراء والاستنباط، إلى أن الدين الإسلامي يشتمل على نظرية أخلاقية شاملة ومتكاملة عن المسؤولية الفردية والجماعية تجاه المجتمع. 

 مايكل كوك هذا  مستشرق بريطاني معاصر مختص بالدراسات الإسلامية، و حاصل على عدة جوائز، و أستاذ في جامعة برينستون.

لقد رأى لاحظ هذا المستشرق أن الأمة المسلمة تميزت وامتازت عن الأمة الغربية بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث يقول:

«ليس لدينا (في الغرب) في حياتنا اليومية مصطلح يشرح هذا الواجب، كما ليست لدينا نظرية عامة حول الأوضاع التي ينطبق عليها، والإرغامات التي تسقطه. إن القيمة الأخلاقية موجودة عندنا، لكنها ليست من القيم التي أولتها ثقافتنا صياغة متطورة ومتكاملة». [1]

بينما لدى المسلمين، يقول مايكل كوك: "يقدم الإسلام... اسماً ونظرية لواجب أخلاقي من هذا النوع، واسع المجال"[2].

هذا وكما اهتم المستشرق كوك بواجب الفرد المسلم انطلاقا من "مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، ركز أيضا على جانب دور الحكام والمسؤولين في محاربة المنكرات والانحرافات المختلفة، أو ما يسمى بـ "المحتسب والحسبة"[3].

لما أقام الغرب القطيعة مع الكنيسة وأرسى قواعد وأسس العلمانية، غدا القانون المصدر الأساسي للأخلاق والعلاقات الاجتماعية . ولذا يعبر الغربيون المعاصرون إزاء سلوك لا أخلاقي أو غير مقبول اجتماعيا، بكلمات مثل: "هذا مناف للدستور" أو "غير قانوني"، أو "هذا لا معنى له"، في حين نجد، يرى مايكل كوك، في المجتمعات المسلمة مواقف وكلمات تجاه سلوكات مشابهة، أقوى وأعمق من حيث الضمير والبعد الأخلاقي والديني؛ مثل "هذا حرام" أو "لا يجوز شرعا".

أخي القارئ؛ إن المتأمل الواعي ليدرك كيف صاغ  وضبط وقنَّن هذا المبدأ العظيم، أي مبدأ "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، سلوك المسلمين ومعاملاتهم، وعلاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية والتربوية، وذلك من خلال التزامهم به ، وممارستهم له، وتفاعلهم مع مقتضياته ومقاصده. كما أن صفة الخيرية في قوله تعالى: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" (آل عمران 110)، التي وصف الله بها عباده المؤمنين، تشير إلى أنه لا وجود حقيقي، ولا حياة للمجتمع المسلم، ما لم يمارس مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي أن التحقق بصفة ونعت الخيرية مشروط بتفعيل ذلك المبدأ والعمل به.

لقد أبصر الباحث المستشرق مايكل كوك، هداه الله للإسلام، عظمة هذا المبدأ وعمقه الاجتماعي وبُعده الحضاري، وعلاقته بالأمن وبمسؤولية الفرد عن مجتمعه، وكذا مسؤولية الدولة من خلال هيئاتها ومؤسساتها، ومسؤولية العلماء والمصلحين والمربين.

ولا يفوتني بالمناسبة، أن أوجه الكلام إلى الحداثيين والعلمانيين والمستغربين، من أبناء جلدتنا في الوطن العربي، وأقول لهم: "إذا تكلم عالم مسلم أو كتب عن أهمية "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، ودوره في إصلاح المجتمع وبنائه، ترمونه بالرجعية والتخلف، وربما بالإرهاب !؟

لكن ما قولكم فيما قاله سيدكم وأستاذكم مايكل كوك، ومن على شاكلته من الباحثين الغربيين المنصفين والموضوعيين؟ "فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور" (سورة الحج: 46).

أ.د. عبد الله الشارف، صفر 1442 / أكتوبر 2020، تطّاون - المغرب


[1] مايكل كوك: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الفكر الإسلامي، مقدمة رضوان السيد، ص 25 ، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الثانية، بيروت، 2013م.

[2]  المرجع نفسه ص 26.

[3]  المرجع نفسه ص 27.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وتباشيره. ومما لا ش…

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954.
الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016).
المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازنـة بيـن شيخ العلـم وشيخ التربيـة : سنة 2007. 5- تجـربتـي الصوفيــة …

لماذا تركت التصوف ؟

إن السنوات السبع التي كنت أحياها متصوفا، أثناء دراستي الجامعية في باريس، كانت سنوات صعبة من حيث الوضع النفسي والاجتماعي. فقد كنت غريبا دينيا واجتماعيا وثقافيا؛ أي أن مجتمع الإقامة الفرنسي، يختلف عن مجتمعي المغربي المسلم اختلافا جذريا. فكنت إذن أمام خيارين: خيار الانصهار والذوبان في مجتمع الغربة، وخيار العزلة والانطواء على الذات أو الهروب. فاخترت الثاني. ومن هنا تجلى لي التصوف كأحسن طريق لممارسة هذا الخيار والمحافظة عليه. وهذا الكلام مبسوط في مطلع "تجربتي الصوفية"، انظر charefab.com

ولما أنهيت دراستي الجامعية، ورجعت إلى وطني العزيز، وانخرطت في سلك التدريس بكلية أصول الدين، التحم كياني النفسي والعقلي من جديد بالفضاء الديني والاجتماعي والثقافي المغربي. فصرت كأنني أكتشف نفسي أو أتعرف على كائن غاب عني وانقطعت صلتي به !!

وهكذا في خضم الحياة الأسرية والاجتماعية، والأنشطة الجامعية والثقافية، بدأت تتلاشى الخيوط العنكبوتية الصوفية التي نسجتها حول نفسي في ديار الغربة والمهجر.

وبعبارة أخرى، لما انعدمت أو ارتفعت الأسباب التي دعتني إلى التصوف، حلت محلها العوامل الموجبة لهجره والتحلل منه. وفي…