قراءة في علمانية حقوق الإنسان

0

قراءة في علمانية حقوق الإنسان


إن موضوع حقوق الإنسان، بشكله ومضمونه، وبمنطلقاته وغاياته، موضوع سياسي، وقانوني، واجتماعي، وثقافي، من إنتاج ومعطيات الحضارة الغربية المعاصرة. كما أنه يرجع من حيث النشأة والتأسيس، إلى الثورة الفرنسية التي عملت على إرساء الثالوث المقدس: "المساواة، الأخوة، الحرية". إذ قبل هذه الثورة، كان الإنسان الأوربي يعاني الظلم والقهر والجهل، وكل ألوان الاستغلال بسبب طغيان الكنيسة، واستبداد الحكام المتواطئين معها.

ولقد عكف رجال القانون والسياسة والفلسفة، بدءا من زمن الثورة الفرنسية، على معالجة موضوع الإنسان وحقوقه، والدفاع عن شخصه وكرامته. فألفت الكتب، ونشرت المقالات، وألقيت الخطب والمحاضرات، وعقدت المجالس والمؤتمرات والندوات، وأبرمت المعاهدات والاتفاقيات، إلى أن وصل موضوع حقوق الإنسان إلى نسخته الأخيرة، ووضعيته النهائية التي عبرت عنها المواثيق الدولية في هيئة الأمم المتحدة.

ومن ناحية أخرى، فإن الإطار الفكري والثقافي والعقدي الذي احتضن هذا الحدث الإنساني، ورعاه ورسم معالمه، هو إطار الفلسفة والعقيدة العلمانية. ذلك لأن الأوربيين، بعد صراع مرير مع الكنيسة طيلة بضعة قرون، أقاموا قطيعة نهائية مع الدين، كأساس ومرجع في السياسة، والاقتصاد، والثقافة، والتربية، والاجتماع.

ومن هنا، فإن موضوع حقوق الإنسان، يتأصل ويتجذر في أرضية فكرية وفلسفية علمانية محضة. كما أن مركزية الحضارة الغربية وفلسفتها التي تعلي من شأن الإنسان الغربي الأبيض، كان لها أثر عميق في صياغة وتوجيه هذا الموضوع. وبناء على هذه المعطيات البنيوية، فإن غاية "حقوق الإنسان" هي الدفاع عن الانسان الغربي وعن حقوقه، لا عن حقوق سواه. فعندما يقتل شعب فلسطين، أو العراق، أو سوريا... وتدمر القرى والمدن، فإن ذلك يعني الدفاع عن حقوق الإنسان الغربي المعتدى عليه من قبل هذه الشعوب المسلمة الإرهابية !!

وعندما تتدخل أمريكا في قيم وثقافة ودين المسلمين، وتفرض عليهم العلمانية، فإنها تفعل ذلك دفاعا عن حقوق الإنسان الغربي أيضا، وهكذا...

إن روح هذه العلمانية الخبيثة سرت في كيان المجتمعات الإنسانية؛ ثقافة، وقيما، وتربية، وسلوكا. ولذا فإن البشرية تئن تحت وطأة هذا الشر والكيد والمكر، الذي تحمل لواءه قوى الصهيونية والماسونية، وعبيدهما من الرأسماليين، والحكام، والمسؤولين الظالمين، في العالم أجمع.

ولقد خيمت روح هذا الداء الخبيث على ربوع البلدان الإسلامية،  بما في ذلك بلدنا ووطننا العزيز، مستهدفة ديننا، وقيمنا، وهويتنا، وحضارتنا. والمجالات التي تخللتها العلمانية في المغرب كثيرة، سأتناول في مقالي هذا مجالا منها، وهو مجال حقوق الإنسان في المغرب.

قرأت في مقال للكاتب اليساري النقابي محمد حنفي[1] ، تحت عنوان "العلمانية وحقوق الإنسان"، المنشور على صفحة الموقع الرئيسي لمؤسسة "الحوار المتمدن"، العدد 2447، 27-11-2008، يحرر فيه كلامه الذي وجهه إلى أعضاء الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، حيث يقول:

" تحية نضالية لجميع الإخوان في الجمعية المغربية لحقوق الإنسان.

تحية إلى الإخوان في المكتب المركزي للجمعية المغربية لحقوق الإنسان.

إننا ونحن نناضل داخل الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، نعتبر أن النضال الحقوقي هو نضال علماني بالدرجة الأولى؛ لأن مرجعية الجمعية المغربية لحقوق الإنسان التي هي المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، هي مواثيق علمانية بدون منازع، وتاريخ الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، هو تاريخ علماني، وارتباطات الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، هي ارتباطات علمانية، وخاصة منها الأحزاب الديمقراطية، والتقدمية، واليسارية، والعمالية، وهي ارتباطات علمانية، وبدون التصريح بلفظ العلمانية. ولذلك لا نرى في طرح مفهوم العلمانية للنقاش إلا إبرازا لعلمانية حقوق الإنسان، المنتجة لعلمانية الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، المنتجة بدورها لعلمانية العلاقة مع الأحزاب الديمقراطية، والتقدمية، واليسارية، والعمالية، المنتجة بدورها لعلمانية النضال الديمقراطي الهادف إلى علمانية العلاقات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، التي بدونها لا يمكن السعي الى علمنة الدولة المغربية."

لا يخفى على ذي عقل لبيب أن روح هذا النص علمانية، وأن كاتبه مقتنع بالأطروحة العلمانية ومدافع عنها. إنه كاتب ومناضل في مجال "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان"، حيث يعتبر النضال الحقوقي، نضالا علمانيا بالدرجة الأولى، وذلك "لأن مرجعية الجمعية المغربية لحقوق الإنسان التي هي المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، هي مواثيق علمانية بدون منازع". كما يشير إلى أن "تاريخ الجمعية المغربية لحقوق الإنسان... تاريخ علماني". ولهذا فهو يؤكد أن "جمعية حقوق الإنسان المغربية"، لا يسعها إلا أن تكون علمانية، لأنها تستمد روحها من "علمانية حقوق الإنسان".

" فعلمانية حقوق الإنسان، المنتجة لعلمانية الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، المنتجة بدورها لعلمانية العلاقة مع الأحزاب الديمقراطية، والتقدمية، واليسارية، والعمالية، المنتجة بدورها لعلمانية النضال الديمقراطي الهادف إلى علمانية العلاقات الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية، التي بدونها لا يمكن السعي الى علمنة الدولة المغربية."

وهكذا يفصح محمد حنفي عن الهدف النهائي لنضال وممارسة "الجمعية المغربية لحقوق الإنسان"، الذي هو السعي إلى علمنة الدولة المغربية.

ويقول هذا الكاتب معرفا العلمانية: "العلمانية توجه فكرى علمي سياسي يهدف إلى اعتماد القيم الاجتماعية، والسياسية، والفكرية، والمسلكية، على أنها من إنتاج الواقع الاقتصادي، والاجتماعي، والثقافي، والعلمي، والمعرفي، والحقوقي، والإنساني، والسياسي، وأن الغيب غير منتج لها، وغير متحكم فيها، أو موجه للقيام بها".

إن كاتبنا المناضل يحافظ في تعريفه على روح العلمانية الأصلية، ويرفض أي لون من ألوان العلمانيات المرنة والمذاهنة، التي تتعامل أو تتكيف مع الوضع الاجتماعي والديني القائم. ولذا فهو يدعو، متأسيا بأساتذته العلمانيين الغربيين، إلى فصل الدين عن الدولة؛ اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا، حيث يقول في مقاله:

" علينا أن نلح على ضرورة الفصل بين:

1) الديني والاقتصادي، لأن الدين، وانطلاقا من نصوصه المختلفة، يعتبر أن ما ينتجه الإنسان من خيرات مادية، من خلال ممارسة الزراعة، والصناعة، والتجارة، وتقديم مختلف الخدمات، هو رزق من عند الله، ليصير المحرومون من حقوقهم في ذلك الإنتاج، تحت طائلة القدر، فكأن القدر هو الذي يعطي، وهو الذي يأخذ. ولذلك فالفصل بين الديني، والاقتصادي يعتبر مسألة علمانية بالدرجة الأولى.

2) الديني والاجتماعي، لأن الدين يعتبر العلاقات الاجتماعية صياغة دينية، والحقوق الاجتماعية قدرا دينيا، الأمر الذي يترتب عنه كون الممارسة الاجتماعية على مقاس الدين السائد في المجتمع. وهو ما يعني ضرورة سيادة الفصل في المجتمع، أي مجتمع، بين الديني والاجتماعي، حتى تصير العلاقات والقيم الاجتماعية علمانية، ويصير الدين شأنا فرديا، يساهم في تقويم ممارسة الأفراد، دون أن يؤثر ذلك في علمانية المجتمع ككل."

يتبين من خلال هذا النص، أن محمد حنفي يتبع أساتذته حذو النعل بالنعل، لكي يصل رفقة المناضلين الحقوقيين، إلى النتيجة التي وصل إليها أولئك الأساتذة، وهي: " أن العلمانية ممارسة يومية، تعمل على تحرير الاقتصاد، والاجتماع، والثقافة، والسياسة من أسر الغيب، مهما كان هذا الغيب، وتجعل من كل ذلك شأنا بشريا، واختيارا حرا، ونزيها للإنسان الذي يصير أمره بيده، بسبب علمنة مجمل العلاقات القائمة في المجتمع، التي تصير مفصولة عن الدين، ووسيلة لتطور مختلف المجالات، ليبقى الدين شأنا فرديا".

ثم يقول:

"وفي هذا الأفق، لا بد من العمل على:

1) تفكيك منظومة القيم الاقتصادية، التي تعتمد المصدر الغيبي في الحصول على الإنتاج الاقتصادي المستجيب لحاجيات الأفراد، والجماعات، والشعوب، والدول، وإقامة منظومة بديلة، تجعل الإنسان هو مصدر ذلك الإنتاج (...) حتى تزول قيم الغيب، وبصفة نهائية من العلاقات الاقتصادية القائمة في المجتمع.

2) تفكيك منظومة القيم الاجتماعية، التي تحكم العلاقات الاجتماعية، باعتبارها منتوجا غيبيا، ما على الإنسان إلا أن يتقبله، والعمل على تسييد منظومة بديلة، تجعل العلاقات الاجتماعية، علاقات إنسانية بالدرجة الأولى.

 3) تفكيك منظومة القيم الثقافية، التي تحكم المسلكية الفردية، والجماعية، باعتبارها قيما ثقافية غيبية، ترتبط بالدين من جهة. وبأدلجة الدين من أخرى، والنضال من أجل تسييد قيم ثقافية بديلة، لا مرجعية فيها إلا للإنسان المنتج لثقافته."

يستنتج من كلام الكاتب الحقوقي محمد حنفي، أن موضوع حقوق الإنسان هو موضوع علماني قبل أن يكون موضوعا اجتماعيا، أو سياسيا، أو ثقافيا. والروح العلمانية، التي هي جوهره، ينبغي أن تظل مصاحبة له طوال حياته، وإلا فإن هذا الموضوع لن يتحقق أبدا في أرض الواقع.

بيد أن كاتبنا الحقوقي هذا نسي أو تناسى، أن المغرب والبلدان الإسلامية، لها مرجعها القرآن، الذي ينص على حقوق الإنسان مهما كان جنسه أو دينه، بخلاف حقوق الإنسان المؤسسة في الغرب، والتي تدافع عن الإنسان الغربي وحده، كما أشرت وتشير الأحداث والوقائع اليومية.

ثم إن كاتبنا يربط ربطا بنيويا بين العلمانية والدفاع عن الإنسان، والحالة أن العلمانية ليست شرطا لازما لتأسيس هذا الدفاع وممارسته. إذ التاريخ يثبت أن الأديان السماوية؛ اليهودية، المسيحية (في نصوصهما المقدسة الصحيحة) ، الإسلام، هي التي أعلنت عن حقوق الإنسان الحقيقية والفطرية، ودعت إلى تكريمه وإقامة كل ما يوفر له الأمن والسعادة. ولنا في تاريخ الإسلام المشرق أعظم مثال على ذلك، بخلاف العلمانية التي نتج عنها ما لا يحصى من الويلات والمصائب والكوارث؛ كالحربين العالميتين، والإرهاب في روسيا والصين، زمن التمكين للنظام الشيوعي في النصف الأول من القرن الماضي، الذي ذهب ضحيته عشرات الملايين من البشر. كما أن الظلم والقتل، وانتهاك حقوق الإنسان المسلم اليوم، يمارس باسم حقوق الإنسان المؤسسة على العلمانية والمركزية الغربية. ومن الشواهد والأدلة على هذا؛ حرب الإبادة التي تقوم بها روسيا وأمريكا وحلفاؤهما في سوريا، وما وقع في العراق قبل ذلك أيضا من قتل للمدنيين الأبرياء، ودمار للمدن والقرى ظلما وعدوانا، باسم حقوق الإنسان، القائمة على حماية حقوق الانسان الغربي وحده، صاحب الحضارة والمدنية ؟!!  والديمقراطية ؟!! وحقوق الإنسان ؟!!

 

د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، جمادى الثانية 1439-فبراير 2018.

 

 


[1] - من مواليد مراكش -  المغرب  سنة 1946، تخرج من كلية الدراسات العربية – جامعة القرويين سنة 1971 ،ناضل في صفوف الاتحاد الوطني للقوات الشعبية مند سنة 1965، ساهم في بناء الاتحاد الاشتراكي – اللجنة الإدارية الوطنية الذي تحول فيما بعد إلى حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي. عضو اللجنة المركزية لحزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي(المكتب السياسي ). ناضل في إطار الاتحاد الوطني لطلبة المغرب خلال سنوات 1968 – 1969 – 1970 –1971 ،يناضل في إطار الجمعية المغربية لحقوق الإنسان.


نشر مقالات ميدانية في جريدة المحرر المغربية خلال السبعينيات و في جريدتي الطريق و المسار خلال الثمانينيات. نشر العديد من المقالات في جريدة البيان و في جرائد أخرى. مهتم بالشأن النقابي و الإسلامي و الحقوقي و بقضية المرأة.

"النسـاء الحَمَّـالات"

0

النساء الحمالات


لايختلف اثنان عاقلان في أن المغرب من بين أبرز البلدان في العالم الثالث، التي يمارس فيها الظلم، والاستغلال، والاستعباد، بموازاة مع الخطاب الديمقراطي، وحقوق الانسان، والحرية.

وإذا كان الرجل الفقير في المغرب، وباقي البلدان العربية والإسلامية المتخلفة، يعاني القهر والظلم والتهميش، فإن المرأة الفقيرة تعاني ضِعف ما يعانيه شقيقها الرجل. وإذا ما أجرينا مقارنة بين وضع المرأة النفسي والاجتماعي زمن الاستعمار، وخلال العقدين الأولين من الاستقلال، ووضعها بدءا من الثمانينيات وإلى الآن، نجد هناك فرقا هائلا وكبيرا.

إن الأسرة المغربية زمن الاستعمار، لم تكن تعاني التفكك، والأزمات، ومشاكل الطلاق، أو مشاكل تربية الأبناء، وغيرها من المشاكل، باستثناء قضية الأمية. وكان البيت المغربي بيتاً متماسكا، قوي الأركان مهما كان وضعه المادي. وكانت الثقافة والتقاليد المغربية المحافظة، تحفظ هذا البيت من الاضطراب والتصدع. وظل الوضع كذلك إلى حدود السبعينيات من القرن الماضي.

ومع حلول الثمانينيات، اشتد لهيب آلة التغريب، وذلك على يد المستغربين الذين تسلموا معاولها من المستعمرين، فتغيرت معالم المجتمع المغربي، وأصاب التغريب تدريجيا، كل النواحي الاجتماعية والثقافية. وفي هذا الإطار، بدأت مشاكل الأسرة المغربية في اطراد وتصاعد، وقويت الهجرة الداخلية من القرى إلى المدن؛ وما أعقب ذلك من تفشي البطالة والجريمة، والتفكك الأسري، والفقر والجهل، مع انحسار القيم والأخلاق، وتدهور العوامل المسؤولة عن تماسك الأسرة وثباتها.

ومن ناحية أخرى، فإن جشع أصحاب المعامل، والشركات، والمقاولات، جعلهم يستغلون العمال والعاملات، استغلالا فاحشا، ويستخدمونهم في أشغال، جلها قاسية مقابل أجور زهيدة، مع حرمانهم من كثير من الحقوق.

ثم إن الثقافة الحديثة المستوردة من أوربا، والتي استهدف بها المستغربـون- من أعضاء الحكومات المتعاقبة، والمسؤولون السياسيون، والتربويون، والاعلاميون، والمثقفون الحداثيون- ثقافـة المغرب وهويته الدينية، والحضارية والتاريخية، أثرت سلبا في بنية الأسرة المغربية، وأرغمتها شيئا فشيئا، على تقبل القيم الغربية المادية المفكِّكة لأصول وثوابت الأسرة المحافظة.

ومع ذلك فإن الأسرة المغربية، كباقي الأسر في العالم الاسلامي، تتحمل بالدرجة الأولى مسؤولية تفككها وانحرافها عن القيم والمبادئ الأخلاقية والدينية، إذ لولا قابليتها للتفكك والانحراف لما أصابها ذلك. ومن هنا فإن من يمارس الفساد أويُسهم فيه، سواء كان قويا أم ضعيفا، يكون مريدا لذلك ومسؤولا عنه بغض النظرعن الظروف. وقد تكون الأسرة المغربية التي تحافظ على قيمها الدينية والأخلاقية، سابحة ضد التيار التغريبي، أشد معاناة من تلك التي آثرت التفسخ والانحراف.

إن المرأة المغربية "الحمّالة"، التي لجأت إلى هذا العمل القاسي اللإنساني، في مدينة سبتة السليبة، ليست بالضروري امرأة فقيرة؛ فقد صرح كثير من النسوة اللواتي يعملن منذ سنوات في تهريب السلع؛ من مواد غذائية وألبسة وغيرها، أن هؤلاء "الحمالات" يطمحن بشقائهن إلى الغنى السريع، لما في هذا العمل الحقير والدنيء من أرباح وفيرة. وهناك آلاف من النساء في إقليم تطوان، يقنعن بالعمل في الأشغال المتواضعة، وبالأجور الضعيفة في بلدهن، بدل المغامرة بأنفسهن في خطر العمل في التهريب، مع التعرض للإهانة، والسب، والضرب، من قبل الشرطة الإسبانية، وغيرها من الويلات والمصائب التي تحدث خلال التهريب.

إن هؤلاء النسوة "الحمالات" والمهربات، قد شاع خبرهن وانتشر في كل أوربا، وتناقلته الأخبار، لاسيما بعد موت بعضهن بسبب الأثقال والزحام والتدافع. إن هذه المناظر والمشاهد والصور اللإنسانية الأليمة، لتدمي قلب كل مغربي غيور على المرأة المغربية التي تهان كرامتها كل يوم.

إن النظام الرأسمالي الإمبريالي العولمي، الذي يمتص دماء الشعوب المستضعفة ويعتبر أبناءها عبيدا له وخولا،  ما كان ليقوم بأعماله الوحشية، لولا قابلية تلك الشعوب للاستعباد، ولولا تواطؤ المستكبرين والمسؤولين، في بلدان العالم الثالث مع رموز ذلك النظام الوحشي المدعي للديموقراطية والحرية.

إن كارثة "النساء الحمالات"، وغيرها من الكوارث اللإنسانية التي يشهدها العالم الاسلامي، المستهدف من قبل الصهيونية والإمبريالية الغربية، تدخل في إطار الزواج والتعاقد الحقير بين المستكبرين الرأسماليين الكبار، والمستكبريين الرأسماليين المحليين الصغار.

أما آن للمسؤولين، الذين ملأوا الأوراق والخطابات بالعدالة والتنمية، والديمقراطية وحقوق الإنسان، أن ينظروا في هذه الكارثة وغيرها من الكوارث، بعين العدالة والإنسانية والرحمة ؟!

أما آن لزمن الخطابات والشعارات أن يغيب وينمحي، ولزمن العدل والوعي والمساواة أن يُقبل ويسود؟!

 

د.عبد الله الشارف أستاذ علم الاجتمـاع بجامعة عبد المالك السعدي، تطوان / فبراير 2018

الأستاذ الديالمي والتبعية السوسيولوجية للغرب

0

الأستاذ الديالمي والتبعية السوسيولوجية للغرب


 

يقول السوسيولوجي المغربي د.عبد الصمد الديالمي: "إن الفكر السوسيولوجي رغم تبعيته أو بالأحرى بفضل تلك التبعية لسوسيولوجيا المركز يظل فكرا مستنيرا وعقلانيا قادرا على الانسلاخ والنقد".[1] هذا كلام دكتور سوسيولوجي وأستاذ جامعي مغربي، كلام يعبر عن اعتزاز وافتخار صاحبه بأهمية وجدوى تبعية السوسيولوجيا المغربية لسوسيولوجيا المركز أي الغرب.

كيف يمكن ممارسة الاستقلالية والحرية والنقد العلمي في الدراسات والأبحاث الاجتماعية تحت وطأة التبعية؟

إن السوسيولوجيين المغاربة الحداثيين والعلمانيين لا يسعهم؛ وقد أحدثوا قطيعة فكرية وثقافية مع التراث المغربي العربي الإسلامي والهوية المغربية القائمة على ثوابتها الدينية والحضارية والتاريخية، إلا أن يرتموا في حضن الثقافة الغربية الليبرالية والعلمانية، ويستوردوا منها المناهج والإيديولوجيات والفلسفات، التي من خلالها يتناولون المجتمع المغربي بالدراسة والتحليل، ووضع الخطط الكفيلة في رأيهم لتغييره، بعد الإجهاز على مقوماته الدينية والتراثية، وجعله ينخرط في عالم الحداثة على الطريقة الغربية.

هذا "ضرب في حديد بارد" كما يقول المثل العربي؛ وقد سبقهم إلى مشروعهم الفاشل، قبل بضعة عقود، زملاؤهم الاشتراكيون والبعثيون في مصر والعراق وسوريا وكانت الحصيلة: سراب في صحراء يَـبَاب.

د.عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، جمادى الأولى 1439– يناير 2018

 

[1] - ملامح تطور السوسيولوجيا في المغرب، د.عبد الصمد الديالمي، مجلة المستقبل العربي، العدد 8 سنة 1985.

انتشار الإلحاد في أوساط الشباب والطلبة المغاربة

0

انتشار الإلحاد في أوساط الشباب والطلبة المغاربة


 

الجواب عن أسئلة متعلقة بالإلحاد وردت عليّ من جريدة هوية بريس الإلكترونية.

1- بداية ما هو الإلحاد ومن هم رموزه؟

الإلحاد مذهب فلسفي وعقدي، ظهر في أوربا مع انتشار المذاهب المادية والعلمانية التي نتجت عن الصراع بين العلماء وأصحاب الكنيسة قبل بضعة قرون.

وعملت الشيوعية على نشره في العالم، كما عمل على نشره الاستعمار الغربي، ثم الغزو الفكري، ثم العولمة الثقافية المعاصرة.

ومن رواده وأقطابه ومؤسسيه: ديكارت، وفولتير، وماركس، وانجلز، ودارون، ودوركايم، وسارتر.

وقد عمل اليهود على نشره في العالم من خلال المنابر الإعلامية، والجمعيات اللادينية الهدامة… للقضاء على الأديان والقيم، وذلك من أجل التحكم في العالم.

2- من هي الفئات التي ينتشر بينها الإلحاد؟

إن الفئات التي ينتشر فيها الإلحاد، هي فئات الشباب والطلبة، وبعض أدعياء الثقافة من العلمانيين والحداثيين.

3 - ما هي أسباب انتشار ظاهرة الإلحاد في المغرب؟

هناك أسباب كثيرة دفعت بهؤلاء إلى الإلحاد منها:

- وسائل الإعلام المسموعة والمرئية (الفضائيات).

- المواقع الإلكترونية المتخصصة في نشر الإلحاد.

- المواقع الإلكترونية المتخصصة في التنصير.

- الكتاب المدرسي مادة الفلسفة، بما يتضمن من نصوص فلسفية غربية، تدعو إلى التحرر من الدين والتراث.

- ضعف التربية على القيم الدينية والأخلاقية في المدرسة والجامعة والمجتمع…

- تراجع وانحسار دور العلماء في القيام بواجب الدعوة والرد على الملاحدة والحداثيين.

- تخلي الآباء والأمهات عن واجب التربية الدينية لأبنائهم، القائمة على محبة وتقديس الهوية الدينية والثوابت والأخلاق السامية.

- إعجاب الشباب وانبهارهم بالحضارة الغربية وتقمصهم للقيم الغربية الإلحادية واللادينية.

 4- كيف أثرت الموجة الإلحادية الغربية في شرائح من المجتمع المغربي؟

إن ضعف الإيمان والثقافة الإسلامية وانعدام التربية الاسلامية، إضافة إلى العوامل والأسباب المشار إليها، كل ذلك جعل من السهل أن يؤثر الإلحاد في ضعاف النفوس والعقول.

5- هل ترى أن الإلحاد سيحقق مزيدا من الاكتساح؟

إذا استمر الوضع الديني والثقافي في التدني والتدهور، فإن الإلحاد سيزداد انتشارا. لكن في رأيي لن ينال من صلابة هوية المغاربة، وتمسكهم بثوابتهم. بل أني أعتبر هذه الظاهرة “موضة” من الموضات، وقد سبقتها موضة الماركسية في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي ثم أفلت، وكثير من الملاحدة يتوبون ويرجعون، كما تاب ورجع كثير من المتمركسين من الشباب المغربي…

6- الرقابة ولت في زمن الثورة المعلوماتية ومواقع التواصل الاجتماعي.. في ظل هذه المستجدات ما هو دور وزارات الإعلام والتعليم والثقافة إزاء المد الإلحادي المنظم؟

لا ينتظر من وزارات الإعلام والتعليم والثقافة والأوقاف أن تفعل شيئا فيما يخص هذا الأمر، لأنه يتعارض مع حقوق الإنسان، وأهداف الانفتاح والتواصل مع الآخر، واحترام الأديان والعقائد. والله المستعان.

 

د.عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان المغرب، جمادى الأولى 1439- يناير 2018.