التخطي إلى المحتوى الرئيسي

"النسـاء الحَمَّـالات"

النساء الحمالات


لايختلف اثنان عاقلان في أن المغرب من بين أبرز البلدان في العالم الثالث، التي يمارس فيها الظلم، والاستغلال، والاستعباد، بموازاة مع الخطاب الديمقراطي، وحقوق الانسان، والحرية.

وإذا كان الرجل الفقير في المغرب، وباقي البلدان العربية والإسلامية المتخلفة، يعاني القهر والظلم والتهميش، فإن المرأة الفقيرة تعاني ضِعف ما يعانيه شقيقها الرجل. وإذا ما أجرينا مقارنة بين وضع المرأة النفسي والاجتماعي زمن الاستعمار، وخلال العقدين الأولين من الاستقلال، ووضعها بدءا من الثمانينيات وإلى الآن، نجد هناك فرقا هائلا وكبيرا.

إن الأسرة المغربية زمن الاستعمار، لم تكن تعاني التفكك، والأزمات، ومشاكل الطلاق، أو مشاكل تربية الأبناء، وغيرها من المشاكل، باستثناء قضية الأمية. وكان البيت المغربي بيتاً متماسكا، قوي الأركان مهما كان وضعه المادي. وكانت الثقافة والتقاليد المغربية المحافظة، تحفظ هذا البيت من الاضطراب والتصدع. وظل الوضع كذلك إلى حدود السبعينيات من القرن الماضي.

ومع حلول الثمانينيات، اشتد لهيب آلة التغريب، وذلك على يد المستغربين الذين تسلموا معاولها من المستعمرين، فتغيرت معالم المجتمع المغربي، وأصاب التغريب تدريجيا، كل النواحي الاجتماعية والثقافية. وفي هذا الإطار، بدأت مشاكل الأسرة المغربية في اطراد وتصاعد، وقويت الهجرة الداخلية من القرى إلى المدن؛ وما أعقب ذلك من تفشي البطالة والجريمة، والتفكك الأسري، والفقر والجهل، مع انحسار القيم والأخلاق، وتدهور العوامل المسؤولة عن تماسك الأسرة وثباتها.

ومن ناحية أخرى، فإن جشع أصحاب المعامل، والشركات، والمقاولات، جعلهم يستغلون العمال والعاملات، استغلالا فاحشا، ويستخدمونهم في أشغال، جلها قاسية مقابل أجور زهيدة، مع حرمانهم من كثير من الحقوق.

ثم إن الثقافة الحديثة المستوردة من أوربا، والتي استهدف بها المستغربـون- من أعضاء الحكومات المتعاقبة، والمسؤولون السياسيون، والتربويون، والاعلاميون، والمثقفون الحداثيون- ثقافـة المغرب وهويته الدينية، والحضارية والتاريخية، أثرت سلبا في بنية الأسرة المغربية، وأرغمتها شيئا فشيئا، على تقبل القيم الغربية المادية المفكِّكة لأصول وثوابت الأسرة المحافظة.

ومع ذلك فإن الأسرة المغربية، كباقي الأسر في العالم الاسلامي، تتحمل بالدرجة الأولى مسؤولية تفككها وانحرافها عن القيم والمبادئ الأخلاقية والدينية، إذ لولا قابليتها للتفكك والانحراف لما أصابها ذلك. ومن هنا فإن من يمارس الفساد أويُسهم فيه، سواء كان قويا أم ضعيفا، يكون مريدا لذلك ومسؤولا عنه بغض النظرعن الظروف. وقد تكون الأسرة المغربية التي تحافظ على قيمها الدينية والأخلاقية، سابحة ضد التيار التغريبي، أشد معاناة من تلك التي آثرت التفسخ والانحراف.

إن المرأة المغربية "الحمّالة"، التي لجأت إلى هذا العمل القاسي اللإنساني، في مدينة سبتة السليبة، ليست بالضروري امرأة فقيرة؛ فقد صرح كثير من النسوة اللواتي يعملن منذ سنوات في تهريب السلع؛ من مواد غذائية وألبسة وغيرها، أن هؤلاء "الحمالات" يطمحن بشقائهن إلى الغنى السريع، لما في هذا العمل الحقير والدنيء من أرباح وفيرة. وهناك آلاف من النساء في إقليم تطوان، يقنعن بالعمل في الأشغال المتواضعة، وبالأجور الضعيفة في بلدهن، بدل المغامرة بأنفسهن في خطر العمل في التهريب، مع التعرض للإهانة، والسب، والضرب، من قبل الشرطة الإسبانية، وغيرها من الويلات والمصائب التي تحدث خلال التهريب.

إن هؤلاء النسوة "الحمالات" والمهربات، قد شاع خبرهن وانتشر في كل أوربا، وتناقلته الأخبار، لاسيما بعد موت بعضهن بسبب الأثقال والزحام والتدافع. إن هذه المناظر والمشاهد والصور اللإنسانية الأليمة، لتدمي قلب كل مغربي غيور على المرأة المغربية التي تهان كرامتها كل يوم.

إن النظام الرأسمالي الإمبريالي العولمي، الذي يمتص دماء الشعوب المستضعفة ويعتبر أبناءها عبيدا له وخولا،  ما كان ليقوم بأعماله الوحشية، لولا قابلية تلك الشعوب للاستعباد، ولولا تواطؤ المستكبرين والمسؤولين، في بلدان العالم الثالث مع رموز ذلك النظام الوحشي المدعي للديموقراطية والحرية.

إن كارثة "النساء الحمالات"، وغيرها من الكوارث اللإنسانية التي يشهدها العالم الاسلامي، المستهدف من قبل الصهيونية والإمبريالية الغربية، تدخل في إطار الزواج والتعاقد الحقير بين المستكبرين الرأسماليين الكبار، والمستكبريين الرأسماليين المحليين الصغار.

أما آن للمسؤولين، الذين ملأوا الأوراق والخطابات بالعدالة والتنمية، والديمقراطية وحقوق الإنسان، أن ينظروا في هذه الكارثة وغيرها من الكوارث، بعين العدالة والإنسانية والرحمة ؟!

أما آن لزمن الخطابات والشعارات أن يغيب وينمحي، ولزمن العدل والوعي والمساواة أن يُقبل ويسود؟!

 

د.عبد الله الشارف أستاذ علم الاجتمـاع بجامعة عبد المالك السعدي، تطوان / فبراير 2018

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وت

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954. الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016). المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازن

باقة من الخواطر الإيمانية

  ابتغ إليه الوسيلة لن تدرك ذاته ولو تجردت مما سواه، وذاتك وجدت بعد أن لم تكن فهي مفتقرة. وذاته كانت ولم تزل. وأنى لذات مفتقرة أن تدرك من لا يحده الزمان والمكان، بل خلقهما. فتعلق بصفاته، وتخلق بها، تشرق عليك أنواره. واعلم أنك لن تعبده ما لم ترتكز على أمر معنوي كالصلاة والذكر، أو محسوس كالبر بالوالدين والإحسان إلى الخلق. فابتغ إليه الوسيلة، ولا وسيلة لك إلا التقوى، والتقوى أن يجدك حيث أمرك ويفقدك حيث نهاك.   إقرأ   كتابك أنت الكتاب والقارئ والمقروء والشاهد والمشهود، وحامل الأمانة والمكلف بالخلافة، وكلك آذان وألسنة.وبك تخبر عنك. وكفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. ركز أحوالك، واستمع لتسبيح ذاتك، وصحح كتابك قبل أن ينشر، وتنطق جلودك فيخرس لسانك ويحد بصرك ولات حين مناص. اختر خير الطلبين الطلب طلبان : طلب بالاستعداد، وطلب بالنفس، والأول في حضور، والثاني في غياب، وحضورك في الأول يتجلى في كونك تتأدب ولا تطلب منه إلا ما يمليه عليك استعدادك، وقد هيأت باطنك لقبول ما يورده عليك. ثم إن الإجابة قد تحصل دون التلفظ بالسؤال، لكون حصولها وقع بالاستعداد ولو بغير شعور منك. إذ من أصعب الأمور تحقق ال