التخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهج الإسلام في تربية الانفعالات




إن التربية الإسلامية جعلت من شخصية المسلم محورها الرئيس، حيث عملت على صياغتها صياغة متوازنة في الأبعاد العقلية والانفعالية والاجتماعية والإيمانية والجسدية، واستنبطت من النصوص الشرعية الطريقة التي تناول بها الوحي موضوع الانفعالات والمشاعر والعواطف الإنسانية من حب، وخوف، وغضب، وحسد، وكبر، وتواضع، إلى غير ذلك.


ومن هنا فإن منهج تربية الانفعالات في الإسلام "يعرف طريقه إلى النفس البشرية منذ اللمسة الأولى، ويعرف دروبها ومنحنياتها فيتسلل إليها بعطف، ويعرف مداخلها ومخارجها، ويعرف قواها ومقدرتها فلا يتجاوزها أبدا، ويعرف أشواقها وحاجاتها فيلبيها تماما، ويعرف طاقاتها الأصلية فيطلقها للعمل والبناء، ويتسم بالرفعة والسمو وهو نظام وجداني يأخذ في اعتباره فطرة هذا الإنسان بكل مقوماتها، وخصائص تكوينة وتركيبه بكل مقتضياتها" [1].


  ومما يسهم في دفع الحزن، عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، لأن لها أثرا بالغا في تهدئة النفس، ولأن كل شيء بقضاء الله وقدره، ولا يقع شيء في الكون إلا بعلم الله وبإذنه وتقديره، قال تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم  إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير). (سورة الحديد: آية 22)،


وقدمت التربية الإسلامية منهجا لمواجهة الابتلاءات في الحياة، إذ يعد الابتلاء من سنن ما يلاقيه الفرد في الحياة، حيث يتطلب الأمر تجاوزها وتعزيز الأمل، من خلال تحفيز الذات لمقاومة المصاعب والتحديات، ولقد وظفت التربية الإسلامية نصوصها، حيث يثمر البلاء نتائجه من خلال الصبر الجميل، والسيطرة على النفس، وتحمل المصاعب في الحياة، لغاية تحقيق الأهداف الأخروية والأهداف الدنيوية السامية، وهذه وظيفة الابتلاء البنائية للفرد والجماعة المسلمة.


وحذرت التربية الإسلامية؛ من مغبة الانسياق للانفعالات؛ التي تؤججها الغيرة والأحقاد، لأنها تسهم في إغلاق القلب عن الاستجابة للحق، وتلغي كل محاولة للتفكير الهادئ، وتغلق كل باب للمراجعة الذاتية، وتسهم في الانسياق لأهواء النفس.


ويزخر التراث الثقافي الإسلامي بكتابات وتآليف تربوية رائدة في ميدان معالجة الانفعالات وضبطها وتوجيهها؛ فنجد الإمام العالم عبد الرحمن من قدامى  المتوفي سنة 689 هـ، في كتابة "مختصر منهاج القاصدين"، قد عرض لهذا الموضوع من خلال طريقة اصطلح على تسميتها عند القدامى برياضة النفس، يقول هذا العالم:


"وقد زعم بعض من غلبت عليه البطالة فاستثقل الرياضة، أن الأخلاق لا يتصور تغييرها، كما لا يتصور تغيير صورة الظاهر.


والجواب: أنه لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لم يكن للمواعظ والوصايا معنى.


ويقول في معرض كلامه عن انفعال الغضب: واعلم: " أنه متى قويت نار الغضب والتهبت، أعمت صاحبها، وأصمته عن كل موعظة، لأن الغضب يرتفع إلى الدماغ، فيغطي على معادن الفكر، وربما تعدى إلى معادن الحس، فتظلم عينه حتى لا يرى بعينه، وتسود الدنيا في وجهه، ويكون دماغه على مثال كهف أضرمت فيه نار فاسود جوه، وحمي مستقره، وامتلأ بالدخان، وكان فيه سراج ضعيف فانطفأ، فلا يثبت فيه قدم، و لا تسمع  فيه كلمة، ولا ترى فيه صورة، ولا يقدر على إطفاء النار، فذلك يفعل بالقلب والدماغ، وربما زاد الغضب  فقتل صاحبه".[2]


 ويتحدث عالمنا المقدسي عن انفعالات أخرى مثل الكبر، والعجب، والغرور، والخوف، والرجاء، والحب، كما بسط الكلام عن بعض الآليات النفسية التي يحتاج إليها المسلم عند ما يريد إصلاح انفعالاته وترشيدها، مثل المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والتذكر والتفكر.


 والطريق إلى تزكية النفس اعتياد الأفعال الصادرة من النفوس الزاكية الكاملة، حتى إذا صار ذلك معتادا بالتكرر مع تقارب الزمان، حدث منها هيئة للنفس راسخة تقتضي تلك الأفعال، وتتقاضاها بحيث يصير ذلك له بالعادة كالطبع فيخف عليه ما كان يستثقله من الخير؛ فمن أراد مثلا أن يحصل لنفسه خلق الجود  فطريقه أن يتكلف تعاطي فعل الجواد وهو بذل المال، ولا يزال يواظب عليه حتى يتيسر عليه، فيصير بنفسه جوادا. وكذا من أراد أن يحصل لنفسه خلق التواضع، وغلب عليه التكبر، فطريقه في المجاهدة أن يواظب على أفعال المتواضعين مواظبة دائمة على التكرر مع تقارب الأوقات.




1- سيد قطب "هذا الدين" ص 30 ط 7 . بيروت دار الشروق. 1982





2 -  الإمام أحمد بن قدامة المقدسي؛ "مختصر منهاج القاصدين" دار الفكر بيروت 1422-2002.؛ ص 169.





د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان/المغرب، جمادى الثانية 1433-ماي 2012.











 




تعليقات

  1. الحسين بنعربية10 أغسطس 2012 8:03 ص

    جزاك الله خيرا مقال جميل

    ردحذف
  2. ياليتنا فهمنا الدور الرائد الذي تقدمه التربية الإسلامية للأجيال الذين يضيع عدد منهم في ردهات التغريب والتقليد الأعمى والجري وراء الشهوات البراقة التي يحسبونها شيئا ذا قيمة؛ فإذا جاؤوها عصفت بهم في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض...

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

الشام؛ فتن وعبر ونبوءة

إن مما يستخلصه المطلع على الأحاديث النبوية المتعلقة بالشام، أن هذا البلد أحسن وأطيب وأبرك البلدان بعد مكة والمدينة. وأفضل ما في الشام أرض فلسطين؛ حيث القدس ومسرى الرسول صلى الله عليه وسلم. ولقد حل ونزل بالشام، خلال السنوات الأخيرة من الفتن والمصائب والهرج والمرج، أي شدة القتل، ما يشيب له الولدان. وبلد الشام المكلوم بمثابة مرآة ينعكس فيها حالنا ووضعنا. فإذا أراد أراد المسلم أن يعرف حال المسلمين، ووضعهم الديني والاجتماعي والحضاري، فلينظر إلى الشام، إذ في مرآتها يتجلى له ذلك. جاء في سنن أبي داود بسند صحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم". معنى هذا أن وضع الشام مقياس ومرجع لوضعنا، أي أن فساد حال الشام دليل وأمارة على فساد الأمة ووهنها. ومع أن قلب المؤمن يتألم لما نزل وينزل بالشام، فإن تلك المصائب والفتن المحدقة بها، تنفي عنها الخبث، وتطهر قلوب أهلها، وإنها تعيش اليوم مخاضا عسيرا تسترجع بعده، بإذن الله عافيتها وقوتها. وإذا صلح أمرها، اندفع الصلاح والإصلاح إلى باقي أقطار البلاد الإسلامية. ومن أوتي حظا من بصيرة القلب يتنسم عبير النصر وتباشيره. ومما لا ش…

السيرة العلمية للدكتور عبد الله الشارف

- مـن مواليد مدينـة تطــوان سنة 1954.
الشواهد العلمية : - الإجـازة في علم الاجتماع من جامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس سنة 1979. - دبلوم الدراسات العليا المعمقة في علم الاجتماع من جامعة السوربـون بباريس سنة 1981. - دكتـوراه السلك الثالث في علم الاجتماع، تخصص الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية من جامعة السوربـون بباريس سنة 1984. - دكتـوراه الدولة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة عبد المالك السعدي بتطوان سنة 1999. التدريس : - أستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1988 إلى 2013). - أستاذ بكلية أصول الدين وحوار الحضارات جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (1989 إلى الآن). - أستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة جامعة عبد الملك السعدي بتطوان (خلال سنتين). - أستاذ زائر بجامعة أم القرى بمكة المكرمة (2014-2016).
المؤلفات المطبوعة : 1- الاستغـراب في التربيـة والتعليـم بالمغـرب : سنة 2000. 2- واردات وخواطـر إيـمانيـة : سنة 2002. 2- الاستغـراب في الفكـر المغربي المعاصر : سنة 2003. 4- القـدوة بيـن الاتبـاع والابتـداع مع موازنـة بيـن شيخ العلـم وشيخ التربيـة : سنة 2007. 5- تجـربتـي الصوفيــة …

لماذا تركت التصوف ؟

إن السنوات السبع التي كنت أحياها متصوفا، أثناء دراستي الجامعية في باريس، كانت سنوات صعبة من حيث الوضع النفسي والاجتماعي. فقد كنت غريبا دينيا واجتماعيا وثقافيا؛ أي أن مجتمع الإقامة الفرنسي، يختلف عن مجتمعي المغربي المسلم اختلافا جذريا. فكنت إذن أمام خيارين: خيار الانصهار والذوبان في مجتمع الغربة، وخيار العزلة والانطواء على الذات أو الهروب. فاخترت الثاني. ومن هنا تجلى لي التصوف كأحسن طريق لممارسة هذا الخيار والمحافظة عليه. وهذا الكلام مبسوط في مطلع "تجربتي الصوفية"، انظر charefab.com

ولما أنهيت دراستي الجامعية، ورجعت إلى وطني العزيز، وانخرطت في سلك التدريس بكلية أصول الدين، التحم كياني النفسي والعقلي من جديد بالفضاء الديني والاجتماعي والثقافي المغربي. فصرت كأنني أكتشف نفسي أو أتعرف على كائن غاب عني وانقطعت صلتي به !!

وهكذا في خضم الحياة الأسرية والاجتماعية، والأنشطة الجامعية والثقافية، بدأت تتلاشى الخيوط العنكبوتية الصوفية التي نسجتها حول نفسي في ديار الغربة والمهجر.

وبعبارة أخرى، لما انعدمت أو ارتفعت الأسباب التي دعتني إلى التصوف، حلت محلها العوامل الموجبة لهجره والتحلل منه. وفي…