منهج الإسلام في تربية الانفعالات

2




إن التربية الإسلامية جعلت من شخصية المسلم محورها الرئيس، حيث عملت على صياغتها صياغة متوازنة في الأبعاد العقلية والانفعالية والاجتماعية والإيمانية والجسدية، واستنبطت من النصوص الشرعية الطريقة التي تناول بها الوحي موضوع الانفعالات والمشاعر والعواطف الإنسانية من حب، وخوف، وغضب، وحسد، وكبر، وتواضع، إلى غير ذلك.


ومن هنا فإن منهج تربية الانفعالات في الإسلام "يعرف طريقه إلى النفس البشرية منذ اللمسة الأولى، ويعرف دروبها ومنحنياتها فيتسلل إليها بعطف، ويعرف مداخلها ومخارجها، ويعرف قواها ومقدرتها فلا يتجاوزها أبدا، ويعرف أشواقها وحاجاتها فيلبيها تماما، ويعرف طاقاتها الأصلية فيطلقها للعمل والبناء، ويتسم بالرفعة والسمو وهو نظام وجداني يأخذ في اعتباره فطرة هذا الإنسان بكل مقوماتها، وخصائص تكوينة وتركيبه بكل مقتضياتها" [1].


  ومما يسهم في دفع الحزن، عقيدة الإيمان بالقضاء والقدر، لأن لها أثرا بالغا في تهدئة النفس، ولأن كل شيء بقضاء الله وقدره، ولا يقع شيء في الكون إلا بعلم الله وبإذنه وتقديره، قال تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم  إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير). (سورة الحديد: آية 22)،


وقدمت التربية الإسلامية منهجا لمواجهة الابتلاءات في الحياة، إذ يعد الابتلاء من سنن ما يلاقيه الفرد في الحياة، حيث يتطلب الأمر تجاوزها وتعزيز الأمل، من خلال تحفيز الذات لمقاومة المصاعب والتحديات، ولقد وظفت التربية الإسلامية نصوصها، حيث يثمر البلاء نتائجه من خلال الصبر الجميل، والسيطرة على النفس، وتحمل المصاعب في الحياة، لغاية تحقيق الأهداف الأخروية والأهداف الدنيوية السامية، وهذه وظيفة الابتلاء البنائية للفرد والجماعة المسلمة.


وحذرت التربية الإسلامية؛ من مغبة الانسياق للانفعالات؛ التي تؤججها الغيرة والأحقاد، لأنها تسهم في إغلاق القلب عن الاستجابة للحق، وتلغي كل محاولة للتفكير الهادئ، وتغلق كل باب للمراجعة الذاتية، وتسهم في الانسياق لأهواء النفس.


ويزخر التراث الثقافي الإسلامي بكتابات وتآليف تربوية رائدة في ميدان معالجة الانفعالات وضبطها وتوجيهها؛ فنجد الإمام العالم عبد الرحمن من قدامى  المتوفي سنة 689 هـ، في كتابة "مختصر منهاج القاصدين"، قد عرض لهذا الموضوع من خلال طريقة اصطلح على تسميتها عند القدامى برياضة النفس، يقول هذا العالم:


"وقد زعم بعض من غلبت عليه البطالة فاستثقل الرياضة، أن الأخلاق لا يتصور تغييرها، كما لا يتصور تغيير صورة الظاهر.


والجواب: أنه لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لم يكن للمواعظ والوصايا معنى.


ويقول في معرض كلامه عن انفعال الغضب: واعلم: " أنه متى قويت نار الغضب والتهبت، أعمت صاحبها، وأصمته عن كل موعظة، لأن الغضب يرتفع إلى الدماغ، فيغطي على معادن الفكر، وربما تعدى إلى معادن الحس، فتظلم عينه حتى لا يرى بعينه، وتسود الدنيا في وجهه، ويكون دماغه على مثال كهف أضرمت فيه نار فاسود جوه، وحمي مستقره، وامتلأ بالدخان، وكان فيه سراج ضعيف فانطفأ، فلا يثبت فيه قدم، و لا تسمع  فيه كلمة، ولا ترى فيه صورة، ولا يقدر على إطفاء النار، فذلك يفعل بالقلب والدماغ، وربما زاد الغضب  فقتل صاحبه".[2]


 ويتحدث عالمنا المقدسي عن انفعالات أخرى مثل الكبر، والعجب، والغرور، والخوف، والرجاء، والحب، كما بسط الكلام عن بعض الآليات النفسية التي يحتاج إليها المسلم عند ما يريد إصلاح انفعالاته وترشيدها، مثل المراقبة والمحاسبة والمجاهدة والتذكر والتفكر.


 والطريق إلى تزكية النفس اعتياد الأفعال الصادرة من النفوس الزاكية الكاملة، حتى إذا صار ذلك معتادا بالتكرر مع تقارب الزمان، حدث منها هيئة للنفس راسخة تقتضي تلك الأفعال، وتتقاضاها بحيث يصير ذلك له بالعادة كالطبع فيخف عليه ما كان يستثقله من الخير؛ فمن أراد مثلا أن يحصل لنفسه خلق الجود  فطريقه أن يتكلف تعاطي فعل الجواد وهو بذل المال، ولا يزال يواظب عليه حتى يتيسر عليه، فيصير بنفسه جوادا. وكذا من أراد أن يحصل لنفسه خلق التواضع، وغلب عليه التكبر، فطريقه في المجاهدة أن يواظب على أفعال المتواضعين مواظبة دائمة على التكرر مع تقارب الأوقات.




1- سيد قطب "هذا الدين" ص 30 ط 7 . بيروت دار الشروق. 1982





2 -  الإمام أحمد بن قدامة المقدسي؛ "مختصر منهاج القاصدين" دار الفكر بيروت 1422-2002.؛ ص 169.





د. عبد الله الشارف، كلية أصول الدين، تطوان/المغرب، جمادى الثانية 1433-ماي 2012.











 




التعليقات

  1. الحسين بنعربية10 أغسطس 2012 8:03 ص

    جزاك الله خيرا مقال جميل

    ردحذف
  2. ياليتنا فهمنا الدور الرائد الذي تقدمه التربية الإسلامية للأجيال الذين يضيع عدد منهم في ردهات التغريب والتقليد الأعمى والجري وراء الشهوات البراقة التي يحسبونها شيئا ذا قيمة؛ فإذا جاؤوها عصفت بهم في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض...

    ردحذف